إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

طرق مطورة لعلاج الأمراض والإصابات الخطيرة

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ
TT

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

إنجازات رائدة في زراعة غرسات الدماغ

هناك أخبار متفاوتة حول التصورات الحالية لتقنيات زراعة الغرسات الدماغية التي يمكن أن تحول الناس إلى بشر «معززين إلكترونياً». فمن جهة، فإننا ربما لن نصل إلى مستقبل حيث يمكننا فيه التحكم بأغلب الأجهزة والسيطرة عليها بعقولنا، أو توصيل معظم المستهلكين بآلات عصبية... على الأقل في أي وقت قريب.

ولكن ومن جهة أخرى، فهناك أخبار جيدة ولو أنها أقل إثارة لكنها مهمة بشكل كبير عندما يتعلق الأمر بالعلاج وحتى بهدف عكس آثار الأمراض والإصابات الخطيرة.

نظام "كونيكسوس" من "

واجهات تفاعل الدماغ - الحاسوب

وهذا هو ما شرعت في تحقيقه مجموعة من شركات واجهات تفاعل الدماغ والحاسوب brain - computer interface (BCI) الأميركية، التي أحرزت تقدماً مبكراً في عرض تقنيات ترسم خرائط للموجات الدماغية، وتقرأها، وتفسرها، وتترجمها لمساعدة الملايين المصابين بأمراض تدهور الوظائف الحركية، والإصابات المنهكة، وفقدان البصر، وحتى الاكتئاب.

يقول جيمس كافوتو، المحرر في مطبوعة صناعة التكنولوجيا العصبية ومؤسسة «نيوروتك ريبورتس» لأبحاث السوق، لمجلة «إنك»: «إنه وقت مثير الآن، لأن هناك كثيراً من الاهتمام وكثيراً من التمويل»، في إشارة إلى مشروع «نيورالينك» للتكنولوجيا العصبية التابع لإيلون ماسك.ولكن ما يحدث في عالم واجهات الدماغ والحاسوب هو أكثر بكثير من مجرد مشروع مثل هذا، إذ تتنافس الشركات على التفرد كأنها رواد في السوق من خلال استقدام مزيد من المشاركين في التجارب البشرية لتقنياتها العصبية. ويحمل المستقبل مزيداً من الفرص للتطبيقات الطبية لهذه الصناعة بما يتجاوز الأهداف الحالية، مثل مساعدة المرضى الذين يعانون من حالات تنكسية عصبية مثل التصلب الجانبي الضموري «ALS»، أو إصابات خطيرة في النخاع الشوكي، على استعادة الوظائف أو التحكم في الأجهزة من خلال قراءة موجاتهم الدماغية. ويقول كافوتو إنه يرى أيضاً سوقاً كبيرة للتطبيقات ذات الصلة بواجهات الدماغ والحاسوب مثل الاضطرابات النفسية، مشيراً إلى أن الأدوية الموصوفة طبياً لا تُجدي نفعاً لدى جانب كبير من الأشخاص المصابين بالاكتئاب الشديد.

أبحاث وتجارب رائدة

إليكم 5 من الشركات الكبرى العاملة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب تستحق المتابعة.

> «نيورالينك» Neuralink. قد تكون شركة «نيورالينك» هي الاسم الأكثر شهرة في العالم الجديد والجسور للتكنولوجيا العصبية، بفضل مؤسسها المشارك إيلون ماسك. لكن أهمية الشركة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب لا تتعلق بقيادتها البارزة بقدر ما تتعلق بمدى تقدمها في الاستعانة بالمشاركين في التجارب البشرية ببلدان متعددة.

وأحدث الأخبار هي الإعلان عن دراسة للسلامة السريرية في المملكة المتحدة في نهاية يوليو (تموز)، في أعقاب الموافقة على دراسة كندية منفصلة أجريت أواخر عام 2024، وذلك بشأن زراعة شريحة «نيورالينك» الدماغية اللاسلكية التي تتحكم في الأجهزة لدى المرضى المصابين بالشلل الشديد. وقد صرّح ماسك في يناير (كانون الثاني) بأن ثلاثة أشخاص قد تلقوا شرائح «نيورالينك» في الولايات المتحدة، وأن الشركة تتطلع إلى أن يكون لديها من 20 إلى 30 مشاركاً في عام 2025.

إلا أن الأمر الأقل وضوحاً هو ما تريد الشركة السرية فعله بالضبط في نهاية المطاف. قد يكون التحكم في الأجهزة بهدف إنشاء «بشر خارقين - metahumans» قائماً في ذهن ماسك، لكن الدراسة المُعلن عنها أخيراً في المملكة المتحدة التي أُجريت على ما يصل إلى 7 مرضى مصابين بالشلل الشديد تطرح على الأقل بعض التلميحات حول استخدامات طبية أكثر تحديداً.

خرائط الدماغ... وتحكم العقل بالكمبيوتر

> «بريسيجن نيوروساينس»Precision Neuroscience. وجود قائمة كبيرة من تجارب واجهات الدماغ والحاسوب أمر، والعدد الفعلي للمرضى الذين خضعوا لزراعة الشرائح أمر آخر. وفي هذا الصدد، قد تتمتع شركة «بريسيجن نيوروساينس» بميزة رئيسية على المنافسين.

يقول مايكل ماغر، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «بريسيجن»: «لقد زرعنا شرائح لـ50 مريضاً. في الواقع، يخضع مريضنا رقم 54 لزراعة الشريحة الآن». ثم يضيف: «هذا يفوق ما حققته بقية الشركات مجتمعة في هذه الصناعة».

جمعت شركة «بريسيجن» أكثر من 155 مليون دولار على مدى السنوات الأربع الماضية لتطوير منتجها الرئيسي، وهو «الواجهة القشرية من الطبقة 7 - Layer 7 Cortical Interface»، التي تشبه شريطاً مجهرياً شبيهاً بـ«ضمادة الجروح»، وتحتوي على 1024 قطباً كهربائياً دقيقاً، أي ما يقارب خُمس سُمك شعرة الإنسان. وقد نالت الشركة الموافقة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، ما يسمح لها بزراعة الأجهزة لمدة تصل إلى 30 يوماً من الاستخدام المستمر (وجمع البيانات) في مناطق مختلفة على سطح الدماغ.

هذا الأمر أساسي لاستراتيجية شركة «بريسيجن»، الرامية إلى رسم خرائط الدماغ بأكبر قدر ممكن من الدقة، ما يؤدي بدوره إلى توسيع أنواع الأمراض والمرضى التي يمكن استخدام التقنية في علاجهم. يقول ماغر: «أعتقد أن أهم شيء قمنا به، وما زلنا نفعله، هو إظهار كيف يمكن لنظامنا أن يتيح التحكم في الكمبيوتر عن طريق الأفكار». في الوقت الراهن، هذا النظام له تطبيقات لكل من الأشخاص الذين يعانون من ضعف شديد في الوظائف الحركية أو الشلل الكامل الناجم عن إصابات في العمود الفقري، وأمراض مثل التصلب الجانبي الضموري «ALS»، وعلى الملايين الآخرين الذين يعانون من مشاكل حركية أقل حدة. لكن في المستقبل، يُلمح ماغر إلى أنه يمكن دمج النظام مع علاجات موجودة مثل التحفيز العميق للدماغ «DBS»، لمعالجة حالات نفسية مثل الاكتئاب الشديد.

الأقطاب الدعامية من "سنكرون "

الكلام المركب صناعياً

> «بارادروميكس» Paradromics. تحمل أجهزة واجهات الدماغ والحاسوب وعوداً كثيرة، مثل علاج الأعراض، ومساعدة المريض على ترجمة أفكاره، أو حتى السماح له بالكتابة والتحكم في الأجهزة. أما شركة «بارادروميكس» فتهدف إلى استعادة قدرة المريض على التحدث عبر الكلام المركب «synthesized speech».

يعد التوقيت عاملاً مهماً لشركات واجهات الدماغ والحاسوب في مراحلها المبكرة، وتستطيع شركة «بارادروميكس» أن تتباهى ببعض الإنجازات الحديثة والمثيرة للإعجاب في هذا الشأن، إذ تركز تقنية الشركة - المعروفة باسم تقنية «Connexus BCI» - على تفكيك عناصر الكلام وتقييم الوظائف الحركية بهدف تحقيق تواصل أكثر طبيعية للأشخاص الذين يعانون من صدمات دماغية وحالات ذات صلة.

في يونيو (حزيران)، تمكنت الشركة من إثبات أن جهازها يمكن استخدامه أثناء عملية جراحية فعلية لمريض مصاب بالصرع، ومن ثم إزالته بأمان في غضون 20 دقيقة. وتخطط شركة «بارادروميكس» لإجراء مزيد من العمليات الجراحية باستخدام تقنيتها خلال العام المقبل.

يقول الدكتور ماثيو ويلزي، جراح الأعصاب ومهندس الطب الحيوي في جامعة «ميشيغان»، الذي ساعد في قيادة العملية الجراحية المذكورة خلال يونيو، في بيان: «يبحث مختبري في كيفية استخدامنا لتقنيات تسجيل واجهات الدماغ والحاسوب الأكثر تقدماً، مثل (Connexus BCI)، لتطوير الجيل المقبل من الأجهزة المساعدة على الكلام والحركة». وأضاف: «هذا العمل يجعلنا على بُعد خطوة كبيرة من توفير العلاج للمرضى الذين لديهم احتياجات طبية بالغة وغير مُلباة».

غرسات شبكية العين... وتفسير إشارات الدماغ

> «ساينس كورب» Science Corp. تتألف صناعة واجهات الدماغ والحاسوب من الأجهزة التي تُزرع في الدماغ، وكذلك البرمجيات التي تفسر البيانات الدماغية المُجمعة. وتعد كيفية عملها على كلا جانبي المعادلة (أي الجانبين البيولوجي والرقمي) مهمة للمرضى.

تركز شركة «ساينس كورب»، التي تهدف إلى استعادة البصر للمرضى الذين يعانون من أمراض تؤدي إلى تدهور الرؤية مثل الضمور البقعي «macular degeneration»، على كيفية استخدام واجهات الدماغ والحاسوب لهؤلاء المرضى من خلال شريحة مزروعة في شبكية العين قد تعيد البصر فعلياً.

تعتمد تقنيتها على شريحة مزروعة تحت شبكية العين تُحفز الخلايا الكامنة خلف الخلايا المستقبلة للضوء «المستقبلات الضوئية - photoreceptors» (متجاوزة بذلك الخلايا العصوية والمخروطية التي نتمكن بها من الرؤية في المعتاد) بحيث يمكن للإشارات المرئية الوصول إلى الدماغ حتى لو فشلت الخلايا العصوية والمخروطية في العين. وهذه الشريحة المزروعة هي جزء من نظام مزدوج يتضمن زوجاً من النظارات مزودة بجهاز عرض مدمج لتحفيز شبكية العين.

وهي أقل اعتماداً على الخوارزميات وأكثر اعتماداً على التحسين البيولوجي عبر التكنولوجيا.

ويقول كافوتو من مؤسسة «نيوروتك ريبورتس» لأبحاث السوق: «إنهم لا يعتمدون فقط على الإشارات الكهربائية (في واجهات الدماغ والحاسوب)، وإنما يبحثون فعلياً في الأساليب البيولوجية الهجينة لدمج الأنسجة العصبية مع جهاز خارجي».

> «سينكرون» Synchron. مهما كان الأمر مثيراً للاهتمام في القدرة على قراءة وتفسير الموجات الدماغية، إلا أن هناك عائقاً واضحاً للغاية أمام استخدامه على نطاق واسع: فكثير من التقنيات المتاحة تتطلب بالفعل نوعاً من أنواع جراحة الدماغ.

وتتساءل شركة «سينكرون» ومقرها بروكلين فتقول: ماذا لو لم يكن الأمر يتطلب ذلك؟ يقول كيرت هاغستروم، المدير التجاري للشركة: «هناك كثير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى تقنية يمكنها ترجمة أفكارهم إلى أفعال بطريقة رقمية. ولكن كيف يمكن توسيع نطاق ذلك؟».

ووفقاً لهاغستروم، هذا هو المجال الذي يمكن أن تحقق فيه تقنية «سينكرون» تأثيراً كبيراً. فقد طورت الشركة ما تسميه «سينترودس - stentrodes» (الأقطاب الدعامية)، وهي التي (كما يوحي الاسم) عبارة عن أجهزة تشبه الدعامات، ولكنها مزودة بأقطاب كهربائية لقراءة وتفسير الإشارات الدماغية.

تسمح هذه الأجهزة لشركة «سينكرون» باستخدام الأوعية الدموية العادية بوصفها وسيلة لجمع البيانات العصبية التي تتطلب التدخل الجراحي في المعتاد. يوضح هاغستروم: «نحن نعتمد نهجاً أقل تدخلاً، باستخدام الأوعية الدموية بوصفها مساراً للوصول إلى المعلومات في الدماغ». تُزرع الشريحة في الوريد الوداجي في العنق ثم توجيهها - مثل الدعامة التقليدية - إلى الأوعية الدموية بالقرب من القشرة الحركية بالدماغ.

وفي أغسطس (آب)، نشرت الشركة مقطعاً للفيديو يُظهر مريضاً مصاباً بالتصلب الجانبي الضموري «ALS» وهو يستخدم النظام اللاسلكي الأقل تدخلاً للتحكم في جهاز آيباد بعقله - وهو أمر أصبح ممكناً بفضل بروتوكول واجهة جهاز جديد من شركة «أبل» يسمح للشركات باختبار مثل هذه التقنيات مع أجهزة آيفون، وآيباد، وفيجن برو.

*مجلة «إنك» ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الإيرادات التشغيلية لقطاع التقنية في السعودية يسجل 66.6 مليار دولار

الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

الإيرادات التشغيلية لقطاع التقنية في السعودية يسجل 66.6 مليار دولار

حققت إيرادات قطاع التقنية التشغيلية لمنظومة تقنية المعلومات والاتصالات بالسعودية قفزة نوعية لتبلغ 249.8 مليار ريال (66.6 مليار دولار) خلال عام 2024.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا ميزة جديدة من «غوغل» تتيح تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان البيانات (رويترز)

«غوغل» تختبر ميزة تغيير عنوان البريد الإلكتروني في «جيميل» دون فقدان البيانات

تعكس الخطوة توجهاً جديداً لدى «غوغل» نحو منح المستخدمين مرونة أكبر في إدارة هويتهم الرقمية، ومعالجة واحدة من أقدم القيود في خدمة «جيميل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الاقتصاد أحد المصانع في السعودية (واس)

إطلاق مبادرة «تقنيات التحوّل الاستثنائي» لتطوير الصناعة في السعودية

أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية إطلاق مبادرة «تقنيات التحوّل الاستثنائي»، بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست».

«الشرق الأوسط» (الرياض )
تكنولوجيا شاشة مبهرة وأداء متقدم وبطارية طويلة العمر

أخف كمبيوتر محمول في العالم يواكب ثورة الذكاء الاصطناعي المحلي

إن كنت ممن يتنقلون كثيراً للعمل أو الدراسة، فسيعجبك كمبيوتر «تكنو ميغابوك إس 14» Tecno Megabook S14 الذي يتميز بأنه أخف كمبيوتر محمول بقطر 14 بوصة وزناً.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا ميزات التصوير بتطبيق كاميرا "ابل"

دليلك للتحكم في كاميرا هاتفك الذكي الجديدة

حقق التصوير الفوتوغرافي عبر الهواتف الذكية قفزات كبرى، منذ إطلاق أول كاميرا لهاتف «آيفون» بدقة 2 ميغابكسل، عام 2007. واليوم، أصبحت الهواتف

جي دي بيرسدورفر (نيويورك)

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
TT

أول محطة في العالم لتحلية المياه في أعماق البحر

في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه
في الموقع التجريبي النرويجي لتحلية المياه

يُعدّ تحويل مياه البحر إلى مياه شرب عملية مُكلفة للغاية، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة، ما يجعلها غير عملية في معظم أنحاء العالم. إلا أن شركة نرويجية تُجري تجارب على نهج جديد قد يُغيّر هذا الواقع، إذ ستُدشّن شركة «فلوشيان» أول محطة تجارية لتحلية المياه تحت سطح البحر في العالم هذا العام، وتؤكد أن نظامها سيُخفّض بشكل كبير تكلفة العملية واستهلاكها للطاقة.

محطات التحلية البرية

يزداد الطلب العالمي على المياه مدفوعاً بالنمو السكاني، وتغيّر المناخ، والاستخدامات الصناعية مثل مراكز البيانات والتصنيع. في الوقت نفسه، تتضاءل وفرة المياه العذبة بسبب الجفاف، وإزالة الغابات، والإفراط في الري.

وتُنتج محطات تحلية المياه البرية حالياً نحو 1 في المائة من إمدادات المياه العذبة في العالم، ويعتمد أكثر من 300 مليون شخص على هذا المصدر لتلبية احتياجاتهم اليومية من المياه. وتقع كبرى محطات تحلية المياه في الشرق الأوسط؛ حيث يُسهّل توفر الطاقة الرخيصة استخدامها، في حين يُزيد شحّ المياه من ضرورتها.

وتُعدّ تقنية التناضح العكسي هي الرائدة لتحلية المياه اليوم؛ حيث يُضخّ ماء البحر عبر غشاء ذي ثقوب مجهرية تسمح بمرور جزيئات الماء فقط، في حين تُصفّى الأملاح والشوائب الأخرى. ويتطلب دفع الماء عبر المرشحات ضغطاً كبيراً، وهو ما يستلزم كميات هائلة من الطاقة.

ماء عذب بطاقة أقل

وتعتمد طريقة «فلوشيان» (Flocean) على غمر وحدات ترشيح المياه في أعماق المحيط، لفصل ماء البحر عن الملح في الأعماق، ثم ضخّ المياه العذبة إلى اليابسة. وبفضل وضع وحدات التناضح العكسي في أعماق المياه، تستفيد هذه التقنية من الضغط الهيدروستاتيكي -وزن الماء المتدفق من الأعلى- لدفع ماء البحر عبر أغشية الترشيح.

ويؤدي انخفاض عمليات الضخ إلى تقليل استهلاك الطاقة، بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المائة مقارنةً بالمحطات التقليدية، وفقاً للشركة. إضافةً إلى ذلك، تُصبح مياه البحر أنظف بمجرد الوصول إلى ما دون منطقة ضوء الشمس (التي تمتد إلى عمق 200 متر تحت سطح الماء)، ما يعني أن الماء لا يحتاج إلى معالجة مسبقة مكثفة قبل وصوله إلى الأغشية.

ونقلت مجلة «نيو ساينتست» البريطانية عن ألكسندر فوغلسانغ، مؤسس شركة «فلوشيان» ومديرها التنفيذي، قوله: «إنها عملية بسيطة للغاية من الناحية الهندسية والعملية، فالملوحة ودرجة الحرارة والضغط هي نفسها، كما أن المياه مظلمة، ولا يوجد كثير من البكتيريا التي قد تُسبب التلوث البيولوجي». ويُساعد الضغط الهيدروستاتيكي نفسه الذي يدفع الماء عبر الأغشية على تشتيت المحلول الملحي الناتج، الذي تؤكد «فلوشيان» أنه خالٍ من المواد الكيميائية التي قد تضر بالحياة البحرية.

موقع تجريبي عميق

على مدار العام الماضي، قامت «فلوشيان» بتحلية المياه على عمق 524 متراً في موقعها التجريبي في أكبر قاعدة إمداد بحرية في النرويج، وهي مجمع «مونغستاد» الصناعي. ويجري بناء منشأة تجارية تابعة للشركة، تُسمى «فلوشيان وان»، في الموقع نفسه، وستنتج مبدئياً 1000 متر مكعب من المياه العذبة يومياً عند إطلاقها العام المقبل. ويمكن توسيع نطاق العملية تدريجياً بإضافة مزيد من الوحدات.

ويقول فوغلسانغ: «تتمثل فلسفتنا في الحفاظ على وحدات المعالجة تحت سطح البحر كما هي، والتوسع عن طريق المضاعفة بدلاً من بناء آلات أكبر حجماً».

ويقول نضال هلال من جامعة نيويورك أبوظبي: «قد يصبح هذا الحل مجدياً في مواقع مناسبة، موفراً مياهاً بأسعار معقولة إذا انخفضت التكاليف، ولكنه لم يُثبت جدواه بعد على نطاق واسع».

ويضيف أن خفض التكاليف سيكون حاسماً لتوسيع نطاق هذه التقنية، إذ لا تزال تكلفتها أعلى بكثير من الحصول على المياه العذبة بالطرق التقليدية.

ويُعدّ تنظيف الأغشية وصيانتها من أكبر تكاليف شركة «فلوشيان»، وستسهم التطورات في تكنولوجيا الأغشية على حل هذه المشكلة؛ إذ يعمل فريق هلال البحثي على أغشية موصلة للكهرباء تستخدم الكهرباء لصدّ أيونات الملح والملوثات، ما يُحافظ على نظافتها، ويزيد من إنتاجيتها.

ومن المتوقع أن تبدأ محطة «فلوشيان وان» بإنتاج المياه العذبة في الربع الثاني من العام. وإذا سارت التقنية كما هو مخطط لها، فقد تُساعد «فلوشيان» في الحصول على الدعم اللازم لبناء محطات أكبر في مواقع أخرى.

حقائق

نحو 1 %

من إمدادات المياه العذبة في العالم تنتج من محطات تحلية المياه البرية حالياً


هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
TT

هل يمكن للذكاء الاصطناعي قراءة أفكارك قبل أن تفكِّر فيها؟

ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة
ما قبل الوعي: إشارات الدماغ التي تسبق ولادة الفكرة

لم يكن العقل البشري يوماً مكشوفاً بالكامل. قرأنا القلب، وفككنا الجينوم، وصوَّرنا أدقَّ تفاصيل الجسد، ولكن «الفكرة» بقيت آخر الأسرار؛ تلك اللحظة الصامتة التي تومض في الدماغ قبل أن تتحوَّل إلى كلمة أو قرار. ظلَّت الفكرة مساحة داخلية لا تُقاس ولا تُرصد، إلى أن بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من هذا الحيِّز الرمادي بحذرٍ علمي.

القرار يولد قبل أن نعيه... من الصورة إلى زمن القرار

يعتقد الإنسان أن التفكير يبدأ لحظة إدراكه للفكرة، ولكن علم الأعصاب الحديث يرسم صورة أكثر تعقيداً. فالقرار -حسب دراسات عصبية متراكمة- يتشكَّل داخل الدماغ قبل أن يصل إلى الوعي. وتسبق لحظة الإدراك سلسلة من الإشارات الكهربائية والكيميائية، تعمل في شبكات عصبية عميقة، تُعرف بمرحلة «ما قبل الوعي»؛ حيث يُحضَّر القرار قبل أن نشعر بأننا اتخذناه.

في بدايات بحوث الذكاء الاصطناعي العصبي، انصبَّ الاهتمام على تحليل صور الدماغ: خرائط النشاط، ومناطق الإضاءة، وشدَّة الإشارة، وكأن الفكرة تُختزل في لقطة ثابتة. ولكن التحوُّل الحقيقي لم يكن بصرياً؛ بل زمنياً. فالنماذج الحديثة لم تعد تسأل: ماذا يحدث في الدماغ؟ بل: متى يبدأ القرار في التشكُّل؟ وهكذا انتقل الذكاء الاصطناعي من توصيف الحالة العصبية إلى تتبُّع إيقاعها الزمني، ورصد اللحظة التي تسبق الوعي بالاختيار.

الخوارزمية تراقب الزمن: الذكاء الاصطناعي يحلل أنماط القرار العصبي

التوقيع العصبي: بصمتك غير المرئية

لكل إنسان «توقيع عصبي» خاص به؛ نمط فريد في التردَّد والانتباه، والتردُّد والحسم. لا يفهم الذكاء الاصطناعي الفكرة ذاتها، ولكنه يتعلَّم هذا التوقيع بدقَّة عالية. ومع تكرار التعلُّم، يصبح قادراً على توقُّع اتجاه القرار -حركة، أو كلمة، أو اختياراً- قبل أن يشعر الشخص نفسه بأنه حسم أمره.

بحث حديث: حين يتنبأ الذكاء بالنيَّة

في أغسطس (آب) 2025، نشر فريق بحثي من «معهد بيكمان لعلوم الدماغ» في جامعة إلينوي، في أوربانا– شامبين، بالولايات المتحدة الأميركية، دراسة بارزة في مجلة «نيتشر لعلوم الأعصاب» (Nature Neuroscience) قادها البروفسور تشانغ لي. استخدم الفريق نموذج ذكاء اصطناعي متقدِّماً يجمع بين التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي والتحليل الزمني العميق.

تمكَّن النظام من التنبؤ بنيَّة الاختيار الحركي لدى المشاركين قبل وعيهم بها بما يصل إلى 7 ثوانٍ. وأكَّد الباحثون بوضوح أن النموذج «لا يقرأ الأفكار»، ولا يصل إلى المعنى أو الدافع؛ بل يتعرَّف على أنماط عصبية تسبق الوعي بالقرار.

هل أصبحت أفكارنا مكشوفة؟

الجواب العلمي الدقيق: لا. فالذكاء الاصطناعي لا يطَّلع على محتوى الفكرة، ولا يقرأ القيم ولا النوايا الأخلاقية. لذا فإن ما يستطيع فعله -وفي ظروف بحثية مضبوطة- هو توقّع اتجاه القرار ضمن سياق محدَّد. أما الفكرة، بمعناها الإنساني، فتبقى أعقد من أن تُختزل في إشارة كهربائية.

إذن، الطب يستفيد... دون اقتحام العقل. ففي المجال الطبي، تحوَّل هذا الاستباق العصبي إلى أداة علاجية ذات أثر مباشر؛ من التنبؤ المبكر بنوبات الصرع، إلى رصد الاكتئاب قبل تفاقمه، وصولاً إلى مساعدة مرضى الشلل على التواصل، عبر واجهات دماغ– حاسوب. هنا، لا يبحث الذكاء الاصطناعي عن «الفكرة»؛ بل عن لحظة الخلل قبل أن تتحوَّل إلى معاناة.

أخلاقيات الاقتراب من الدماغ

كلما اقتربت الآلة من العقل، تعاظمت الأسئلة الأخلاقية: من يملك بيانات الدماغ؟ وأين ينتهي العلاج ويبدأ التلاعب؟

ولهذا، تُصنِّف الهيئات العلمية العالمية بيانات الدماغ ضمن أعلى درجات الخصوصية، ولا تُجيز استخدامها إلا بموافقة صريحة، وفي إطار طبي أو بحثي صارم، مع حظر أي توظيف تجاري أو أمني خارج هذا السياق.

الإنسان... أكثر من إشارات

ورغم كل هذا التقدُّم، تبقى حقيقة لا ينازعها علم: الإنسان أكثر من إشارات. فالفكرة ليست نبضة كهربائية فحسب؛ بل تجربة، وذاكرة، وسياق، وأخلاق.

وهنا نستعيد قول ابن رشد: «العقل لا يعمل في فراغ؛ بل في إنسان». قد تسبق الخوارزميات وعينا بلحظة، ولكنها لا تمنح الفكرة معناها.

شراكة لا صراع

المستقبل لا يبدو صراعاً بين العقل والآلة؛ بل شراكة دقيقة: آلة ترى الإشارات، وإنسان يفسِّرها. آلة تتنبأ، وإنسان يختار. أما السؤال الحقيقي اليوم، فلم يعد: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة أفكارنا؟ بل: هل سنُحسن نحن رسم حدود هذه القدرة قبل أن تتجاوزنا؟


جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
TT

جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة
مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة

على مدار عقود، ظلت هندسة المناخ - ويقصد بها التلاعب التكنولوجي المتعمد بمناخ الأرض لمواجهة الاحتباس الحراري - مفتقرة إلى مشاعر الاحترام والتقدير داخل المجتمع العلمي. وقد تعامل معها معظم الخبراء بشك عميق، الأمر الذي يرجع إلى حد كبير إلى عدم التيقن من فعاليتها، واحتمالية إطلاقها العنان لعواقب وخيمة غير مقصودة.

ومع أن مجموعة صغيرة من الباحثين طالبت بدراسة هندسة المناخ على الأقل، جاءت ردود الأفعال العامة في الجزء الأكبر منها، انتقادية.

تحذيرات ومجادلات علمية

وأخيراً، وتحديداً في سبتمبر (أيلول) الماضي، تعزز هذا الموقف لدى نشر أكثر من 40 مختصاً في علوم المناخ والأنظمة القطبية وعمليات المحيطات، ورقة بحثية رئيسة في دورية Frontiers in Science.

* مخاطر هندسة المناخ الشمسية. وكانت النتيجة التي خلص إليها العلماء واضحة دون مواربة: ثمة احتمال ضئيل للغاية أن تعمل هندسة المناخ الشمسية بأمان. وحذر القائمون على الدراسة من أن رش الهباء الجوي العاكس، في طبقة الستراتوسفير، قد يغير الدورة الجوية، مما قد يؤدي بدوره إلى ارتفاع درجة حرارة فصول الشتاء في شمال أوراسيا (أوروبا-آسيا)، علاوة على اضطرابات مناخية إضافية.

الحقيقة أنه لطالما جرى تجسيد هذه المخاوف في الأفلام، مثل «مثقب الثلج» (Snowpiercer) الذي دار حول قصة حدوث انخفاض كارثي في درجة الحرارة، بعد تجربة هندسة مناخية فاشلة. كما يتخيل كيم ستانلي روبنسون في روايته «وزارة المستقبل» (The Ministry for the Future) حكوماتٍ تلجأ إلى هندسة المناخ، مدفوعة بشعورها باليأس، بعد وقوع وفيات جماعية ناجمة عن التغيرات المناخية.

واللافت أن رواية روبنسون لا تصور هندسة المناخ باعتبارها كارثية بطبيعتها، وإنما تحذر من أن استخدام تكنولوجيا غير مفهومة جيداً على نطاق واسع، قد يسفر عن نتائج كارثية يتعذر التنبؤ بطبيعتها.

* ضرورة أبحاث التدخل المناخي.ومع ذلك، فقد تدهورت توقعات المناخ على أرض الواقع بدرجة هائلة، لدرجة أن الكثير من العلماء، اليوم، بات لديهم اعتقاد بأن أبحاث هندسة المناخ أمر لا مفر منه. ورداً على الورقة البحثية المنشورة المذكورة آنفاً، أصدر أكثر من 120 عالماً بياناً مضاداً أكدوا خلاله أن البحث في مجال التدخل المناخي، أصبح «ضرورياً للغاية».

وكان فيليب دافي، كبير المستشارين العلميين السابق في إدارة بايدن، قد أوجز هذا التحول على النحو الآتي: مع تسارع وتيرة التغييرات المناخية، فإنه حتى التخفيف الصارم للانبعاثات المسببة لها، لا يمكنه الحيلولة دون الارتفاع الشديد في درجات الحرارة. وعلى نحو متزايد يتضح أمامنا أن بعض التدخلات المناخية قد تكون ضرورية باعتبارها تدابير تكميلية، وليست مجرد تكهنات نظرية.

وقد عززت سياسات المناخ العالمية هذه الحاجة الملحة. وفي الوقت الذي يُكافح العالم لإجراء تحولات منهجية سريعة في قطاعي الطاقة والزراعة، يواجه الباحثون وصانعو السياسات تساؤلاً ملحاً: إذا لم يكن في الإمكان تقليص الانبعاثات الكربونية بالسرعة الكافية لتجنب نقاط التحول الكارثية، فما البدائل المتبقية؟

التصاميم التدخلية لحماية الأرض من تغيرات المناخ... قد تصبح ضرورية

تصاميم تدخلية

* مقترحات متعددة. من جهتها، تشمل هندسة المناخ طيفاً واسعاً من التدخلات المُحتملة. وتدور بعض المقترحات حول تعزيز سطوع السحب فوق المحيطات، أو زيادة انعكاسية المناطق القطبية. كما حظيت تكنولوجيا إزالة الكربون، التي تُدرج أحياناً تحت مظلة هندسة المناخ، بقبول واسع باعتبارها عناصر ضرورية في استراتيجيات التخفيف من آثار التغييرات المناخية. ومع ذلك، تبقى الفئة الأكثر إثارة للجدل إدارة الإشعاع الشمسي - حقن جزيئات الهباء الجوي العاكسة في طبقة الستراتوسفير لحجب أشعة الشمس الواردة.

اللافت أن هذه الأفكار، التي لطالما كانت هامشية من قبل، تحظى اليوم بدعم مؤسسي وتجاري وخيري. وقد أبدى مليارديرات مثل بيتر ثيل وإيلون ماسك اهتمامهم بها. كما أطلقت شركات ناشئة، مثل «ميك صن سيتس»، تجارب صغيرة وغير مُصرح بها.

كما يعتقد بعض النشطاء الذين لطالما شككوا في هندسة المناخ، الآن أن التدخل المناخي وسيلة لمعالجة التفاوتات العالمية، الناجمة عن استخدام الوقود الأحفوري. وتعكف مختبرات وطنية أميركية على إجراء أبحاث حول آثار إطلاق ثاني أكسيد الكبريت في القطب الشمالي. وجمعت شركة «ستارداست سولوشنز»، وهو مشروع خاص يسعى إلى تسويق تعديل المناخ باستخدام الهباء الجوي، 60 مليون دولار حديثاً، بينما تؤكد قياداتها أن الحكومات بحاجة إلى بيانات دقيقة لاتخاذ قرارات مدروسة.

وفي وقت قريب، أشار بيل غيتس، الذي لطالما موّل مبادرات التكيف مع المناخ، إلى أن هندسة المناخ قد تكون أداةً قيّمةً في مستقبلٍ سيكون حتماً أشد حرارة.

* وقف انبعاثات الكربون. ومع ذلك، نجد انه حتى هذا الموقف الحذر والمركّز على البحث، يصطدم ببيئة سياسية أميركية مستقطبة. في هذا الصدد، أشار كريغ سيغال، خبير السياسات والمحامي السابق لدى «مجلس شؤون موارد الهواء، في كاليفورنيا، إلى أن ردود الفعل السياسية متباينة بشدة».

في داخل صفوف النقاد أصحاب الفكر التقدمي، تقوم المعارضة على اعتقاد مفاده أن المجتمع يجب أن يركز حصراً على وقف الانبعاثات الكربونية وتقليل استهلاك الطاقة، رافضاً الحلول التكنولوجية باعتبارها مجرد مُشتتات للانتباه.

أما على اليمين السياسي، فقد تحول الرفض إلى عداء مدفوع بنظريات المؤامرة. وجرى ربط هندسة المناخ بنظرية مؤامرة «الخطوط الكيميائية»، التي تزعم - دون دليل - أن الخطوط التي تخلفها الطائرات تحتوي على مواد كيميائية تطلقها حكومات للتحكم في العقول. والمثير أن هذه الادعاءات، التي لطالما رُفضت باعتبارها محض خرافات منشورة على الإنترنت، تتردد اليوم على ألسنة شخصيات بارزة.

وبالمثل، نجد أنه بعد أن أودت فيضانات شديدة بحياة أكثر من 130 شخصاً في تكساس، سألت قناة «فوكس نيوز» ممثلي شركةً لتلقيح السحب حول ما إذا كانت جهودها في تعديل الطقس قد تسببت في الكارثة - ادعاء قابله العلماء بالرفض على نطاق واسع.

واليوم، تتحوّل المقاومة اليمينية إلى سياسة رسمية، مع تقديم أكثر من عشرين ولاية أميركية مشروعات قوانين - أغلبها من جمهوريين - تهدف إلى حظر أبحاث هندسة المناخ أو نشرها. وبالفعل، أقرت ولايتا تينيسي وفلوريدا بالفعل تشريعات من هذا القبيل. وقد يعيق هذا التزايد في الحظر في ولايات دون أخرى، إجراء أبحاث مناخ منسقة على المستوى «الفيدرالي».

إدارة الإشعاع الشمسي في الدول النامية

* إدارة الإشعاع الشمسي. في المقابل، نجد أن البيئة السياسية، عالمياً، تبدي انفتاحاً أكبر؛ فالدول النامية، المعرضة بشكل أكبر بكثير عن غيرها للتضرر من التأثيرات المناخية، تبدي استعداداً متزايداً لاستكشاف خيارات هندسة المناخ. مثلاً، في منتدى باريس للسلام، سلَّط وزير خارجية غانا الضوء على أبحاث إدارة الإشعاع الشمسي الجارية في ماليزيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وغانا، واصفاً إياها بأنها ضرورية لضمان قدرة هذه البلاد على إدارة مستقبلها المناخي.

في الصين، لا تزال الأبحاث في مراحلها الأولى، لكن الخبراء يشيرون إلى أنه إذا أعطت بكين الأولوية للهندسة المناخية، فإنها تمتلك القدرة على متابعتها بسرعة وعلى نطاق واسع. وتعكس هذه الديناميكيات تصورات مستقبلية افتراضية، تُعيد في إطارها التدخلات الوطنية أحادية الجانب تشكيل أنماط المناخ العالمية.

وغالباً ما يجادل العلماء الرافضين للهندسة المناخية بأنها تُعطي «أملاً زائفاً»، وقد تُضعف الإرادة السياسية لخفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

* السلامة والفاعلية. وهم مُحقون في القول بأنه لم تثبت أية تكنولوجيا من تكنولوجيات هندسة المناخ سلامتها أو فعاليتها على نطاق واسع، وأن المخاطر - بما في ذلك الاضطرابات الجوية، والصراعات الجيوسياسية، والتأثيرات الإقليمية غير المتكافئة - ضخمة.

وتظل المعضلة الجوهرية قائمة: فالبشرية ينفد وقتها، ومع ذلك تفتقر إلى المعرفة الكافية لتحديد ما إذا كانت هندسة المناخ جزءاً من استراتيجية مناخية مسؤولة. والمؤكد أن حظر الأبحاث يهدر الخيارات، بينما المضي قدماً دون تفكير يعرضنا لكارثة.

في هذا السياق، نرى أن السبيل العقلاني الوحيد السماح بإجراء تحقيق منهجي وشفاف في متطلبات جدوى هندسة المناخ وسلامتها وحوكمتها. من دون هذه الأبحاث، قد يقف العالم في مواجهة أزمات مناخية، مسلحاً بأدوات أقل وفهم أقل - بالضبط السيناريو الذي يأمل العلماء في تجنبه.

* «أتلانتك أونلاين»، خدمات «تريبيون ميديا».