مصر: آثاريون يطالبون بتحسين وضع «متحف التحرير»

عبر وضعه تحت إدارة «هيئة» على غرار «الحضارة» و«الكبير»

المتحف المصري بالتحرير تم افتتاحه عام 1902 (صفحة المتحف على فيسبوك)
المتحف المصري بالتحرير تم افتتاحه عام 1902 (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر: آثاريون يطالبون بتحسين وضع «متحف التحرير»

المتحف المصري بالتحرير تم افتتاحه عام 1902 (صفحة المتحف على فيسبوك)
المتحف المصري بالتحرير تم افتتاحه عام 1902 (صفحة المتحف على فيسبوك)

طالب آثاريون مصريون بتحسين أوضاع المتحف المصري بالتحرير، من خلال تحويله إلى «هيئة»، على غرار المتحف القومي للحضارة المصرية والمتحف الكبير المزمع افتتاحه أول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، معللين ذلك بأنه سيمنح المتحف القدرة على اتخاذ قرارات سريعة تخص شؤونه التنظيمية وتحسين أحوال العاملين فيه.

ودعا الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار في المجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إلى «معاملة المتحف المصري بالتحرير بوصفه هيئة مستقلة»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «على غرار المتحف الكبير ومتحف الحضارة، بصفته أول متحف أثري قومي في الشرق الأوسط»، وتوالت التعليقات الداعمة لوجهة النظر هذه، مع تعليقات أخرى تفضل عودة كل المتاحف للمجلس الأعلى للآثار.

وتضم مصر 84 متحفاً على مستوى الجمهورية، وفق بيانات للجهاز المركزي للتعبئة العامة للإحصاء عام 2020، ويمثل المتحف المصري أول المتاحف الأثرية القومية، إذ بدأت فكرة إنشائه عام 1885 وتم افتتاحه عام 1902.

بهو المتحف الكبير (صفحة المتحف على فيسبوك)

وتتضمن التشريعات المنظمة لإدارة المتحف المصري الكبير قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2795 لسنة 2016 بإنشاء وتنظيم المتحف المصري الكبير، والقانون رقم 9 لسنة 2020 في شأن إعادة تنظيم المتحف المصري الكبير الذي نص على أن المتحف هيئة عامة اقتصادية ذات شخصية اعتبارية مقرها محافظة الجيزة، وتتبع الوزير المختص بشؤون الآثار وقرار رئيس الجمهورية رقم 180 لسنة 2021 بتشكيل مجلس أمناء هيئة المتحف المصري الكبير برئاسة رئيس جمهورية، وفق تصريحات الدكتور عبد الرحيم ريحان، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وبخصوص نظام هيئة المتحف القومي للحضارة المصرية فقد تأسس بموجب القانون رقم 10 لسنة 2020، ويختص بعرض المجموعات الأثرية، وتوثيقها، وصيانتها وترميمها، وتنظيم المعارض، وعقد الندوات والفعاليات الثقافية والعلمية، وتوعية المجتمع بالحضارة المصرية، وأنشئت هيئة المتحف القومي للحضارة المصرية بوصفها هيئة عامة اقتصادية ذات شخصية اعتبارية».

المتحف القومي للحضارة المصرية (صفحة المتحف على فيسبوك)

ويؤكد ريحان أن «المتحف المصري بالتحرير له الأهمية نفسها، بصفته أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، وأول مبنى ينشأ في العالم ليكون متحفاً. فقد بدأت فكرة إنشائه عام 1895، حين فاز المعماري الفرنسي مارسيل دورنيو بالمسابقة الدولية التي تم إقامتها لتصميم مبنى المتحف، وافتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1902».

وأوضح ريحان أن «تحويل المتحف إلى هيئة يعطي ميزة خاصة لهذه المتاحف إدارية ومالية للعاملين بها، وهو ضروري بالطبع لصالح هذه المتاحف، ولعدم التسبب في شعور سلبي بين العاملين بقطاع الآثار بوزارة السياحة والآثار خصوصاً بمتاحف الآثار على مستوى الجمهورية، يجب أن يعامل الجميع كأنهم كادر خاص مع توحيد الأجور بين العاملين».

وهو رأي أيده الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود، وعدّ المتحف المصري بالتحرير من أهم المتاحف المصرية، وهو مصدر لكل ما ينشر في العالم عن الآثار المصرية، ومنه خرجت كل المتاحف الموجودة في مصر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «الدولة مهتمة بالمتاحف، وانعكس هذا الاهتمام على إنشاء هيئات لمتحفي الحضارة والمتحف المصري الكبير، بما يستتبع ذلك من مميزات، مثل سرعة اتخاذ القرارات التي تخدم العمل المتحفي، ومثل الأجور المميزة للعاملين بهذه الهيئات»، وأشار عبد المقصود إلى «وجود 4 متاحف كبرى؛ المتحف المصري بالتحرير، والمتحف القبطي، والمتحف الإسلامي، والمتحف اليوناني الروماني، وأنه يجب أن تديرها منظومة محددة، تؤدي إلى سرعة اتخاذ القرارات، وهذا لصالح الآثار وللصالح العام».

المتحف المصري بالتحرير يستقبل زواراً من كل أنحاء العالم (صفحة المتحف على فيسبوك)

وأكد الأمين العام الأسبق للآثار أن المتحف المصري بالتحرير «مرتبط بوجدان الشعب المصري، فعمره يزيد على 120 سنة، وتخرج منه كل المعارض الأثرية بالخارج، وبالتالي يحتاج إلى اهتمام خاص، فلا يصح مثلاً أن تكون به كاميرا لا تعمل أو وحدة إنارة أو وحدة تكييف متعطلة».

ويضم المتحف المصري بالتحرير كثيراً من المجموعات الأثرية المميزة، ولفت انتباه العالم خلال موكب المومياوات الملكية في 2021، حيث تم نقل 22 مومياء ملكية من المتحف إلى المتحف القومي للحضارة المصرية.

ويرى المتخصص في الآثار المصرية والتسويق السياحي، الدكتور محمد حسن، أن «متحف التحرير هو أول متحف في العالم كله أنشئ ليكون متحفاً، وهناك متاحف أقدم طبعاً ولكنها كانت قصوراً وتحوّلت لمتاحف، فهذا المبنى العريق أُنشئ ليكون مركزاً لدراسة الآثار المصرية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «الآن بعد سحب بعض المقتنيات التي كانت تميزه مثل مجموعة توت عنخ آمون التي ستعرض في المتحف المصري الكبير، والمومياوات الملكية التي تم نقلها لمتحف الحضارة، نحتاج إلى استعادة هذا المتحف لدوره ليكون أكبر مركز عالمي لدراسة المصريات، خصوصاً أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تمتلك علماً باسمها هو الإيجيبتولوجي».

قناع توت عنخ آمون من أهم وأشهر القطع الأثرية (المتحف المصري بالتحرير)

ولفت حسن إلى إمكانية استغلال المتحف بطريقة عصرية، وقال: «لكي يتم تطوير المكان فهو يحتاج إلى موارد، ثم وضع خطة له ليصبح في الصورة التي يستحقها، ولو وضعنا هذا المتحف على خطة التطوير عن طريق شركات مشغلة تتعاقد مع متاحف عالمية ومعاهد عالمية مهتمة بدراسة الآثار فإن ذلك سيؤدي إلى كسب أموال للمتحف تساعد على عملية تطوير شاملة له، فالمبنى تراثي، افتتح عام 1902، ويحتاج إلى خطة لفعاليات واستثمارات، هناك بالفعل أنشطة يتضمنها المتحف راهناً، لكن أعتقد أن المتحف يستحق أكثر من ذلك، يمكن تقديم عروض تشبه الصوت والضوء وجولات سياحية ليلية بحجوزات خاصة بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، سيكون بمثابة مصدر دخل مناسب، ويسهم في تطوير المتحف».

من جانبه، أشار الخبير الدكتور أحمد عامر، المتخصص في علم المصريات، إلى القيمة التاريخية والثقافية والأثرية التي يمثلها المتحف المصري بالتحرير، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يجب استغلاله بالشكل الأمثل بتحديث العرض المتحفي، وعرض قطع أثرية جديدة من المخازن، مثل التمائم والحلي والتماثيل المتنوعة، على أساس أن مجموعة توت عنخ آمون ستترك فراغاً»، وعدّ عامر المتحف «أيقونة لنشر الوعي الثقافي والأثري على مستوى العالم، ويمكن استغلال المنطقة المحيطة به بعد تطويرها أيضاً، كما تم تطوير منطقة عين الصيرة حول متحف الحضارة، ولكي يتم تطوير العرض المتحفي ورفع كفاءة وصيانة المتحف المصري بالتحرير، أتصور أنه يحتاج إلى إجراءات مرنة وسريعة وتصور كامل لاستغلاله كأنه جزء من منظومة تطوير القاهرة الخديوية».


مقالات ذات صلة

«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

يوميات الشرق توابيت نادرة في المتحف المصري (المتحف المصري بالتحرير)

«خبيئة» المتحف المصري تبرز مقتنيات «ساحرة» للملوك والكهنة

كل حين يبرز المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) مقتنياته الثمينة من الآثار المصرية في عروض متحفية استثنائية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقف السياح خلف الحواجز التي تمنع الوصول إلى فناء متحف اللوفر الرئيسي - فناء نابليون (أ.ف.ب)

موجة استياء بعد رفع أسعار تذاكر متحف «اللوفر» لغير الأوروبيين

هل ينبغي أن يدفع السياح الأجانب رسوماً أعلى لدخول المتاحف الممولة من الدولة مقارنة بالسكان المحليين؟ أم أن الفن يجب أن يكون متاحاً للجميع دون تمييز؟

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق متحف فاروق حسني يفتح أبوابه لمحبي الفنون التشكيلية (مؤسسة فاروق حسني)

متحف فاروق حسني بمصر يراهن على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»

مراهناً على «حكمة اللون» و«سر التشكيل»، افتتح وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، مساء السبت، متحفاً فنياً يحمل اسمه في حي الزمالك الراقي بقلب القاهرة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.