في تصرفٍ نادر، اقتحم ليبيون مقر البعثة في مدينة جنزور (غربي العاصمة طرابلس)، وذلك عقب إحاطة المبعوثة الدولية هانا تيتيه لمجلس الأمن في يونيو (حزيران) الماضي، بداعي أن «الإحاطات التي يتقدّم بها المبعوثون الأمميون لا تُقدّم حلاً للأزمة السياسية».
ليس هذا فحسب، بل إن المقتحمين الذين احتشدوا قبالة مقر البعثة رأوا أنها «ملزمة بإيجاد حل أو الرحيل عن ليبيا». وهنا تكمن المشكلة؛ إذ إن قطاعات عريضة من ساسة البلاد وعامّتهم أيضاً يعلّقون فشل حلّ قضيتهم في رقبة البعثة الأممية. وهم يعزون ذلك إلى أن البعثة، ومن ورائها الأمم المتحدة، منذ عام 2011 تُعدّ طرفاً أساسياً في إدارة الأزمة الليبية؛ من تنظيم الحوارات إلى الإشراف على الاتفاقات السياسية. وبما أنها قدّمت نفسها كوسيط «راعٍ للحل»، فقد صارت هي عنوان أي فشل أو تعثر. بل إن ثمة من انتقل من القول إن البعثة «فشلت في تقديم حلول» إلى اتهامها بأنها «تتمادى في انتهاك السيادة الوطنية»، كما يرى رئيس حزب «صوت الشعب» فتحي الشبلي.
يقول الشبلي، في تصريح صحافي، إن البعثة «تتجاوز مهامّها المحددة بالمساعدة والدعم، لتتحوّل إلى طرف يفرض أجنداته تحت غطاء استطلاعات إلكترونية تهدف إلى جمع معلومات أقرب إلى البيانات الاستخباراتية».
وجاء كلام الشبلي على خلفية إطلاق البعثة استطلاع رأي إلكترونياً لجمع آراء الليبيين بشأن مخرجات اللجنة الاستشارية حول العملية الانتخابية. ويومذاك التقت البعثة أطيافاً من الشباب الليبي، واستمعت إلى وجهات نظرهم بشأن سبُل تجاوز الأزمة التي أحالوها في جوانب منها إلى «ساستهم»؛ إذ يلوم كثيرون البعثة على مواصلتها طرح المبادرات والحوارات من دون أن يكون بيدها القدرة على التنفيذ؛ فهي لا تملك آلية فعّالة لفرض العقوبات عملياً، ولذا يرون أن بياناتها ومبادراتها «مجرد كلام»، بينما الفاعلون المحليون يتجاوزونها أو يناورون حولها للبقاء في السلطة.
ومن جهته، يرى «تجمّع الأحزاب الليبية» أن المبادرات الأممية المتكررة على مدار السنوات «لم تؤدّ إلا إلى تمديد مراحل انتقالية جديدة تُبعِد البلاد عن الانتخابات وتفرغها من مضمونها الحقيقي». ودعا التجمع البعثة إلى «احترام سيادة ليبيا ورفض التفرد بالقرارات السيادية التي تمسّ مصير الشعب»، مطالباً بالتوجّه إلى انتخابات وطنية شاملة، واحترام الإرادة الشعبية دون وصاية، وإنهاء المراحل الانتقالية المتكررة، ورفض إعادة تدوير الأجسام السياسية الفاشلة». وناشد التجمع بعثة الأمم المتحدة «مراجعة نهجها والعودة إلى دورها الحقيقي كميسّر لا كصاحب قرار»، معتبراً أن «الحل في ليبيا لا يكون إلا عبر العودة إلى الشعب وصناديق الاقتراع».
في المقابل، يعتقد كثير من المحللين أن بعض الأطراف الليبية التي تحمّل البعثة تعثّر العملية السياسية هم أنفسهم الذين يستخدمونها «شمّاعة» لإخفاقهم ورفضهم الحلول المطروحة منذ بدايات عملية التفاوض. ويرى هؤلاء أنه في أعقاب لقاءات ومنتديات سابقة، سعى المسؤولون إلى تبرئة أنفسهم أمام الشعب، وذهب كل طرف إلى تعليق المسؤولية في رقبة البعثة، بزعم أنهم يريدون الحلّ؛ لكن الأمم المتحدة لم تُدِر الملف على النحو الصحيح، وبالتدريج يتحوّل فشل التوافق إلى فشلٍ أممي.
واللافت أن عدداً من شباب مدينة ترهونة الذين التقتهم البعثة الأممية، الشهر الماضي، وجّهوا انتقادات إليها، وقالوا إنها «انخرطت مع أطراف لا تحظى بشرعية شعبية»، ودعوها إلى مراجعة منهجية الحوار وضمان تمثيلٍ أوسع للقوى الشابة والمجتمعية.
إلا أن مطّلعين على عمل البعثة يرون أن المعضلة تكمن في أنها «تسعى للموازنة بين أطراف متناقضة لديهم حسابات ومصالح متعارضة، فضلاً عن وراثتها إرث مبعوثين سابقين تعثّروا في مبادراتهم أو أداروا العملية السياسية بنمط زاد من تعقيدها أو منح شرعية لأجسام متناقضة، وهو ما عمّق انعدام الثقة لدى قطاعات واسعة».
