من الفن الإسلامي للحديث... متاحف إسطنبول تسافر عبر الزمن

5 متاحف جديدة أُعيد افتتاحها مؤخراً في المدينة التاريخية

سطح متحف إسطنبول للفن المعاصر المزود ببركة عاكسة تعرض مساجد المدينة وأبراجها ومياه البوسفور (الشرق الأوسط)
سطح متحف إسطنبول للفن المعاصر المزود ببركة عاكسة تعرض مساجد المدينة وأبراجها ومياه البوسفور (الشرق الأوسط)
TT

من الفن الإسلامي للحديث... متاحف إسطنبول تسافر عبر الزمن

سطح متحف إسطنبول للفن المعاصر المزود ببركة عاكسة تعرض مساجد المدينة وأبراجها ومياه البوسفور (الشرق الأوسط)
سطح متحف إسطنبول للفن المعاصر المزود ببركة عاكسة تعرض مساجد المدينة وأبراجها ومياه البوسفور (الشرق الأوسط)

تزخر المدينة، المعروفة سابقاً باسم القسطنطينية، بالآثار العظيمة الآسرة لثلاث إمبراطوريات - الرومانية والبيزنطية والعثمانية - وهي بمثابة متحف مفتوح.

على مدار السنوات القليلة الماضية، أضافت إسطنبول العديد من المتاحف الداخلية أيضاً. تمتد هذه المؤسسات الجديدة عبر تلال المدينة السبعة، وتتميز بمجموعة من المباني الرائعة - حمامات عثمانية مُجددة، ومصانع قديمة مُحوّلة، وهياكل تجريبية جديدة جريئة - ومجموعات متنوعة من كل شيء، من التحف الإسلامية التي تعود إلى قرون مضت إلى الفن المعاصر الرائد. يُعد السفر بين هذه المعالم غوصاً عميقاً في تاريخ المدينة الغني، واستكشافاً لمشهدها الإبداعي الديناميكي في القرن الحادي والعشرين، وهو مشهد سيُسلّط عليه الضوء بشكل أكبر هذا العام في الدورة العشرين من معرض إسطنبول المعاصر، أكبر معرض فني في البلاد، في سبتمبر (أيلول).

منحوتة في منطقة خارجية بمتحف إسطنبول للفن الحديث (برادلي سيكر - نيويورك تايمز)

متحف إسطنبول للفن المعاصر

سيتعرف محبو المهندس المعماري رينزو بيانو، الذي صمم المقر الجديد الفخم لمتحف إسطنبول للفن الحديث، على عناصر أسلوبية مميزة، مثل الواجهة الخارجية الرمادية الفضية، والأشكال الهندسية الصندوقية، مما يجعل المتحف شبيهاً هيكلياً بمشاريع بيانو الأخرى، مثل متحف ويتني للفن الأميركي والإضافات إلى متاحف هارفارد للفنون. في الداخل، يوجد معرضان للمعارض المؤقتة يكملهما طابق كامل من الفن التركي منذ عام 1945. تساعد اللوحات التي رسمها ألبرت بيتران (فرنسي عاش في إسطنبول) والتصوير الفوتوغرافي الجريء في الشوارع لآرا جولر (الذي يمكن رؤية أعماله أيضاً في متحف آرا جولر) في تمثيل الخمسينات من القرن العشرين، بينما يحمل العمل المشفر بصيغة «إن إف تي» لخليل ألتينديري لعام 2022 (يمثل تجسيداً مخيفاً بالكمبيوتر لأرض قاحلة فيما بعد نهاية العالم) المجموعة إلى اللحظة الحالية.

متحف إسطنبول للرسم والنحت (Visit Istanbul)

النساء ممثلات بقوة، بمن في ذلك رائدات ما بعد الحرب، مثل فخر النساء زيد، التي تزخر لوحاتها الكبيرة بأشكال هندسية متشابكة ملونة، وسميحة بيركسوي، نجمة الأوبرا التي رسمت لوحات نسائية تشبه الرسوم المتحركة، فكاهية ومؤثرة في آن واحد، بضربات شعرية مرتعشة طفولية.

لكن قد تكون إسطنبول نفسها هي النجم الحقيقي للمتحف. فبفضل الألواح الزجاجية الضخمة في الجدران والسطح المزود ببركة عاكسة، تُعرض مساجد المدينة وأبراجها ومياه البوسفور المتلاطمة بشكل دائم.

متحف إسطنبول للرسم والنحت

من تأثير مدرسة باربيزون على المناظر الطبيعية العثمانية إلى الشخصيات الرئيسية في التكعيبية الريفية الأناضولية، يُقدم متحف إسطنبول للرسم والنحت، تجربة تعليمية شاملة وانغماساً عميقاً في الفن التركي في القرنين التاسع عشر والعشرين. تأسس المتحف في ثلاثينات القرن الماضي، ويضم أيضاً مبنى جديداً لافتاً على الواجهة البحرية. في الداخل، يغلب اللون الرمادي على التصميم، وتتحول الأجواء إلى طابع صناعي مستقبلي، بفضل الممرات المبطنة بالصفائح المعدنية، وتلك التي تُشبه منصات عرض الأزياء. تبدأ المجموعة بمناظر طبيعية من العصر العثماني، وتُقدم استعراضاً زمنياً متعدد الطوابق للحركات والاتجاهات والمواضيع الفنية. يبدو أن لكل أسلوب فني يمكن تخيله - الواقعية الاشتراكية، والصور الشخصية السياسية، والفن الزخرفي، والتكعيبية، وغيرها الكثير - معرضه الخاص. تبرز في المتحف الأعمال الفنية بين الحربين العالميتين الأولى والثانية منها لوحات نامق إسماعيل، الذي صوّر نساء عصر الجاز بفرشاة كثيفة، ولوحات بلقيس مصطفى، الفنانة التي توفيت في سن مبكرة، عن عمر يناهز 29 عاماً، والأكثر لفتاً للانتباه، لوحة «حفلة تنكرية» المذهلة لعلي عوني جلبي، التي رُسمت عام 1928، وهي عبارة عن عرض كرنفالي صاخب تنبض بروح العشرينات الصاخبة.

«بين العوالم» للفنانة تشيهارو شيوتا في متحف إسطنبول للفن الحديث (برادلي سيكر - نيويورك تايمز)

معرض آرت إسطنبول

لم تُثرِ بلدية المشهد الثقافي في المدينة كما فعلت بلدية إسطنبول. ففي غضون سنوات قليلة، حوّلت البلدية العديد من المنشآت الصناعية القديمة - بما في ذلك مجموعة من صوامع الغاز المهجورة ومحطة ضخ مياه تعود لعام 1902 - إلى مساحات عرض حديثة متعددة الأغراض. يقع التحول الأبرز على طول ممر القرن الذهبي المائي، حيث أُعيد افتتاح مصنع نسيج سابق عمره قرابة 200 عام - كان يُصنّع في وقت ما طرابيش الرجال - العام الماضي بوصفه معرضاً ضخماً يُدعى معرض «آرت إسطنبول».

الكتب عنصر أساسي في هذا المعرض. تبيع مكتبة كبيرة أعمالاً ثقافية وتاريخية وسيرة ذاتية ورواية باللغتين التركية والإنجليزية، من «القسطنطينية: الحصار الأخير الكبير، 1453» إلى روايات أورهان باموق الحائز على جائزة «نوبل»، إلى جانب مجلدات مخصصة لفنانين أتراك وعالميين. ولمزيد من التنوع اللغوي، توفر المكتبة الموجودة في الموقع كراسي بذراعين وأرائك وطاولات حيث يمكنك تصفح «موسوعة لاروس للفن الحديث»، أو آلاف العناوين الأخرى.

حمام زيرك جينيلي

المهندس المعماري العثماني العظيم معمار سنان، الذي شيد العديد من أشهر مساجد وقصور الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر، صمم هذا الحمام الذي يعود تاريخه إلى ثلاثينات القرن السادس عشر، كما قامت ورش الخزف العثمانية الشهيرة في إزنيق بتصنيع آلاف البلاط متعدد الألوان المرسوم يدوياً لزخرفة غرف البخار. (يحتفظ متحف اللوفر في باريس ومتحف فيكتوريا وألبرت في لندن ببعض البلاط الكامل النادر المتبقي من الحمام الأصلي).

حمام زيرك جينيلي (موقع الحمام)

بعد فترة طويلة من الإهمال والترميم، أُعيد ترميم الحمام بشكل فاخر في عام 2023، بفضل عملية تجديد فاخرة استمرت 13 عاماً. عادت الحمامات وجلسات التدليك، إلى جانب بعض الابتكارات الجديدة: مساحات عرض متعددة مخصصة لتاريخ المبنى وتقاليد الحمام. أحدها، في الفناء، يعرض قطعاً أثرية من العصر البيزنطي – مثل أوانٍ زجاجية فاخرة، ومصابيح زيتية من الطين المحروق، وفخار مزجج - اكتُشفت في أثناء الترميم. أما الآخر، وهو ملحق متحفي جديد، فيعرض شظايا من بلاط إزنيق الأصلي للحمامات، إلى جانب أحذية تقليدية بكعب عالٍ كان يرتديها رواد الحمامات في القرون الماضية. صُنعت هذه الأحذية من أخشاب نادرة ومعادن ثمينة وأقمشة مطرزة ومطعمة بعرق اللؤلؤ، وكل زوج منها فريد من نوعه.

ويكتمل هذا العرض بصهريج تحت الأرض من العصر البيزنطي (مُصفى من الماء ومُجهز بإضاءة حديثة) يستضيف معارض فنية معاصرة دورية منها معرض «همهمات» المقام حالياً وهو للفنانة أنوشا باين المقيمة في لندن، والذي يتألف من لوحات فنية خاصة بالموقع وأشكال نحتية من مواد متعددة، حتى 15 أغسطس (آب).

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نيويورك في قبو المنزل

يوميات الشرق يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

نيويورك في قبو المنزل

سائق شاحنة يبني نيويورك مصغّرة تضم أكثر من 800 ألف مبنى، في مشروع بدأ كهواية وانتهى به المطاف داخل متحف المدينة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق لوحة بعنوان «يونغ وومان أت ذي ويل» للفنان الفرنسي بيار أوغست رينوار التي سُرقت من متحف رينوار في كاني سور مير بفرنسا - 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

لصّان يسرقان لوحتين للرسام رينوار من متحف فرنسي

ذكرت السلطات المحلية أن لصّين سرقا لوحتين للرسام رينوار من متحف في كاني سور مير على الريفيرا الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

قال بريان ماسون رئيس بلدية مدينة كاني سور مير، حيث متحف رينوار على الريفيرا الفرنسية، في بيان على «فيسبوك» إن لصين سرقا ثلاث لوحات من المتحف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الصيني يستمع لشرح أمام قناع الملك توت (رئاسة الجمهورية المصرية)

قناع توت الذهبي يأسر قلب الرئيس الصيني

أسر القناع الذهبي للملك «توت عنخ آمون» الرئيس الصيني شي جينبينغ، ليتوقف طويلاً أمام الفرعون الذهبي خلال جولته بالمتحف المصري الكبير.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
TT

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

تنوّعت تجارب الممثل الأردني محمد نزار ما بين أفلام ومسلسلات اكتسب فيها خبراتٍ كثيرة. ثم أتى فيلم «غرق – Sink» فأفردَ المساحة كاملةً لطاقاته التمثيليّة، وطواعيّة أدائه، من أقصى الإنسانية إلى أقصى التوحّش.

في فيلمها الروائي الطويل الأول، تؤَنسِن المخرجة الأردنية زين دريعي الإصابة النفسية، ويُجاريها نزار في مبتغاها من خلال شخصية «باسل». يبدو الشاب منذ انطلاقة الفيلم مختلفاً عن أترابه، وصاحبَ ذكاءٍ خارق، إلّا أنه عرضةٌ للتنمّر، والإهانة في مدرسته. وعندما يتقوقع في بيته وغرفته، يتّضح أكثر غرقُه في حالةٍ نفسيّة تأخذه من البهجة إلى السوداويّة في لحظات. ومحمد نزار يجاري الحالات كلّها بلغةِ جسده، وعينَيه، ونبرة صوته، وانفعالاته، وصمته، مالئاً الشاشة بأداءٍ آسر.

ليس من السهل الوصول إلى هذا المستوى من الأداء المُقنِع في أول تجربة سينمائية طويلة بدورٍ رئيس، إلّا أنّ نزار استعان بكل ما راكمَ من خبرات، وبموهبةٍ فطريّة واضحة. «مع (باسل) لم أضع نفسي تحت الضغط، ولم أبالغ، بل استمتعت بالتمثيل، وحاولت خدمة القصة قدر المستطاع»، يقول الممثل الشاب في حوار مع «الشرق الأوسط».

هذا الأداء الحقيقي وغير المصطنع استقاه نزار من متابعته عن كثب لكبار السينما العالمية، وصقلَه من خلال دراسته فنون المسرح في لندن. «كل ذلك، إضافةً إلى تجاربي السابقة في الأفلام القصيرة، والمسلسلات، جعلني أدخل التصوير وأنا أشعر بالجاهزيّة لفيلم طويل، وشخصية مركّبة ومعقّدة مثل (باسل). بعد أن تَكاملَ شكلي الخارجي مع صورته، صرت أشعر بأنني هو حتى قبل انطلاق التصوير».

تخصص نزار بالفنون المسرحيّة في لندن (صور الممثل)

عام 2021 فاتحت المخرجة زين دريعي الممثل محمد نزار بمشروع فيلمها، لكنّ التصوير لم ينطلق سوى في 2024. هذا الوقت المستقطع الطويل سيفٌ ذو حدَّين، فهو ربما يقتل الحماسة، أو أنه قد يعمّق التحضير. ذهب نزار إلى الاحتمال الثاني: «قرأت كمية كبيرة من الكتب عن اضطراب الفصام، وقصدت مع زين الطبيب النفسي المعالج للشخص الذي استُلهمَ منه جزء من قصة الفيلم». تلاقتِ الأعراض التي اطّلع عليها نزار مع تصرّفات شخصية «باسل» في نص الفيلم، مع العلم بأنّ المخرجة تعمّدت عدم تسمية الاضطراب، ولا تحديد إطاره النفسي.

وهي تشير في هذا السياق لـ«الشرق الأوسط» إلى أنها أرادت من خلال تغييب التشخيص الطبي والتصنيف النفسي «أن يختبر الجمهور الحالة ذاتها من الحيرة، وعدم اليقين التي تواجهها والدة (باسل) حيال ما يجري مع ابنها». وتضيف دريعي أنّ فيلمها «لا يتمحور في جوهره حول تحديد نوع الاضطراب، بقَدر ما يدور حول ما يحلّ بالعائلة -وتحديداً الأمّ- عندما تبدأ حالة الابن البكر بالتدهور».

المخرجة زين دريعي متوسطة الممثلَين محمد نزار وكلارا خوري في مهرجان تورونتو للأفلام (صور الممثل)

أهمّ ما في «غرق – Sink» أنه يسعى من البداية حتى النهاية إلى نزع وصمة العار عن المرض النفسي. فالشخص المصاب باضطراب هو إنسانٌ قبل أي شيء، ومحاطٌ بعائلة تقلق عليه، وغالباً ما تعجز عن التعامل مع حالته.

في الأوقات التي تتراجع فيها الأعراض المتراوحة بين العزلة والغضب العنيف، نرى «باسل» شقيقاً لطيفاً يلاعب أخته الصغيرة، ويمازح أخاه. أما علاقته بأمّه، فعصريّة إلى درجة الخروج عن المألوف، إذ يبدوان كصديقَين لصيقَين حيناً، ولدودَين أحياناً، لا سيّما أنّ «ناديا» (الممثلة كلارا خوري) تجنّد نفسها لاحتواء ابنها، واحتضانه بحِنكة، وحبّ.

وعن تجربته إلى جانب كلارا خوري يقول نزار إنّ تمثيلهما كان بمعظمه «وليد اللحظة في مواقع التصوير». بدا التناغم واضحاً بينهما، وقد جسّدت الممثلة الفلسطينية شخصيتها ببراعة، «وهذا ساعدني على الارتقاء بمستوى أدائي، وضاعف مسؤوليتي»، وفق تعبير نزار.

باسل وأمه في أحد أقوى مشاهد الفيلم (صور الممثل)

منذ البداية كان محمد نزار مُدركاً البُعد الإنساني للشخصية، والذي أرادت المخرجة تظهيره على الشاشة. «أتى الإنسان في هذا الدور قبل الحالة النفسية، أي إنني بدأت بتركيب الشخصية الإنسانية، ثم أنزلتُ عليها المرض لاحقاً»، يشرح الممثل.

حتى في أشرس لحظات النوبات، يبقى «باسل» ذاك الطفل العفويّ، وصاحب المخيّلة الواسعة. رغم طبقات سميكة من الغضب، والمزاجيّة، والضياع، وغرقِه التدريجيّ في عالمه المُظلم، تُداهمُه العاطفة الصادقة في لحظةٍ مفاجئة لا سيّما تجاه والدته.

«لم أكن أريد على الإطلاق أن أنزلق به إلى التركيبة الدرامية التي غالباً ما تُعطى للقتَلة المتسلسلين على الشاشة على أساس أنهم مصابون بمرض نفسي، فهو ليس منهم رغم أنه ينحو باتجاه العنف في بعض الأحيان»، يوضح نزار الذي عرف كيف لا يقطع الخيط الرفيع بين الشراسة في الأداء والمبالغة في التمثيل.

الشراسة في الأداء لم تتحوّل لحظةً إلى مبالغة في التمثيل (صور الممثل)

يتجلّى الأداء الشرِس في مشاهد تستحضر حيواناتٍ يوضع «باسل» على تَماسٍ معها، وهو في هذه الزاوية تحديداً استعان بتقنيّات مسرح الحيوان التي اكتسبَها خلال دراسته في بريطانيا.

لا شكّ في أنّ مغامرة «غرق – Sink» شكّلت نقطة تحوّل في مسيرة الممثل الشاب. فصحيح أنّ محمد نزار ترك بصمة في كل عمل شارك فيه سابقاً، من الفيلم الأميركي «ماء الورد» (2013) مروراً بفيلم «غزة مونامور»، وليس انتهاءً بمسلسل «مدرسة الروابي للبنات» على «نتفليكس»، إلّا أنّ إطلالته في الفيلم الجديد مختلفة عن كلّ ما سبق شكلاً، ومضموناً.

محمد نزار بشخصية «عمر» في مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» (صور الممثل)

لا يقتصر التحوّل الذي اختبره نزار على مسيرته الفنية فحسب، بل انسحب على وعيه النفسي، والمجتمعي. «أنا بعد (باسل) لست كما قبله»، يقرّ الممثل في حديثه. «زاد منسوب التعاطف مع الآخر لديّ»، يقول نزار الذي شارك على طريقته في رفع وصمة العار عن المرض النفسي في مجتمعاتٍ ما زالت تتعامل معه كفزّاعة.


طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
TT

طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)

سجلت طفلة صينية تبلغ من العمر 6 سنوات رقماً قياسياً عالمياً جديداً للسيدات في حل مكعب «روبيك» (مقاس 3×3) في زمن يزيد قليلاً على أربع ثوانٍ.

وحطمت الطفلة ليان يونتشي -وهي متسابقة شابة في مجال حل المكعبات بسرعة- الرقم القياسي العالمي للسيدات في متوسط ​​زمن الحل لـ«مكعب 3×3» مرتين هذا الشهر، وذلك خلال مسابقتين معتمدتين من قِبَل «الرابطة العالمية للمكعب» (World Cube Association) في مدينتي ووهان وقوانغتشو، وفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية.

وسجلت الطفلة متوسط ​​أزمنة بلغ 4.52 ثانية و4.27 ثانية، وذلك بعد إتمامها حل مكعب «روبيك» خمس مرات في كل مرة، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضافت هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية أن ليان -التي تنحدر من مدينة تشنغدو- تُعد «أول متسابقة تحقق متوسط ​​زمن يقل عن 4.5 ثانية» في هذه الرياضة.

وأظهر مقطع فيديو نشرته القناة الطفلة الصغيرة وهي تضع شريطاً أحمر بنقشة المربعات (الجينغهام) على رأسها، فيما كانت تدير وتحرك مكعب روبيك ببراعة ومهارة.

بعد حل اللغز، تضع ليان -الملقبة بـ«تشي تشي»- المكعب على الطاولة، وتصفق بيديها ثم ترفع قبضتها في الهواء تعبيراً عن الحماس.

تعرفت ليان على مكعب «روبيك» لأول مرة بعد انضمامها إلى فصل تدريبي في طفولتها، وكان ذلك واحداً من أنشطة متعددة شملت أيضاً دروساً في الرقص والموسيقى، وذلك حسبما صرّحت والدتها لين يانغ شي لوسائل إعلام محلية.

وقالت الأم لصحيفة «ريد ستار نيوز» في مدينة تشنغدو إنها أدركت «تدريجياً» أن حل مكعب «روبيك» يُعد «نشاطاً ممتازاً لتعزيز القدرات الشاملة للطفل»، ولذا وجهت اهتمامها نحو هذا المجال.

وأوضحت لين أن ابنتها أتقنت الآن أكثر من 1300 خوارزمية لحل مكعب «روبيك»، وهي تتدرب يومياً لمدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات.

وأظهرت صور نشرتها صحيفة «ريد ستار نيوز» الجوائز التي حصدتها ليان معروضةً على أحد الأرفف في منزلها.

وقالت لين: «إن حل مكعب (روبيك) يعزّز التركيز والذاكرة والتفكير المنطقي والإدراك المكاني، كما يساعد في تنمية عقلية سليمة تجاه الفوز والخسارة». وأضافت: «الأمر لا يقتصر على حفظ الصيغ بشكل أعمى، بل يعتمد على استخدام التفكير المنطقي لإيجاد الحلول المثلى».


«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.