الإنسانيّة في مواجهة القتل... مهرجان عمّان السينمائي بعيون رئيسته الأميرة ريم علي

الأميرة ريم علي مؤسِّسة ورئيسة مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)
الأميرة ريم علي مؤسِّسة ورئيسة مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)
TT

الإنسانيّة في مواجهة القتل... مهرجان عمّان السينمائي بعيون رئيسته الأميرة ريم علي

الأميرة ريم علي مؤسِّسة ورئيسة مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)
الأميرة ريم علي مؤسِّسة ورئيسة مهرجان عمّان السينمائي الدولي (إدارة المهرجان)

يتحدّث الموسيقي اللبناني خالد مزنّر عن رحلته مع تأليف موسيقى الأفلام. يتوقف عن الكلام ليأخذ فاصلاً موسيقياً، فيسترجع مع الحضور نغماتٍ أحبّوها من «سكّر بنات»، و«هلأ لوين»، و«كفرناحوم». تصغى إليه وإلى ألحانه بإمعان الأميرة ريم علي؛ فـ«الموسيقى روح السينما»، وفق ما تقول مؤسِّسة ورئيسة «مهرجان عمّان السينمائي الدولي» في حوار خاص مع «الشرق الأوسط».

حرصت على حضور الندوة المقامة على هامش «أيام عمّان لصنّاع الأفلام»، ليس لشغفها بالموسيقى والسينما فحسب، بل لأنّ اللقاء مع «أصوات المستقبل»؛ أي الجيل الصاعد، وفق تعبيرها، يبثّ فيها الحياة ويحرّضها على مزيدٍ من الأمل والاطّلاع. ومعظم الحضور هم من هذا الجيل الذي يرسم بأنامله وأفكاره ملامح السينما العربية الآتية.

الأميرة ريم علي مشاركةً في ندوة الفنان خالد مزنّر عن الموسيقى والأفلام (إدارة المهرجان)

 

السينما في مواجهة الصواريخ

 

كان الطريق إلى الدورة السادسة من المهرجان هذه السنة محفوفاً بالمخاطر. «عندما بدأت الصواريخ تحلّق فوق رؤوسنا، وقعنا في الحيرة: هل نكمل أو نلغي الفعاليات؟»، تبوح الأميرة ريم علي. المواجهة بين إيران وإسرائيل التي طالت شظاياها الأردن، دفعت بعدد من ضيوف المهرجان السينمائي إلى الاعتذار عن عدم الحضور، إلا أن القرار النهائي صدر: «حتى لو استمر القصف كنا سنواصل. سنحرص على إحاطة ضيوفنا بأقصى تدابير الأمان، لكن ممنوع أن نقطع عن شبابنا ومجتمعنا جرعة الثقافة التي يترقّبونها من سنة إلى سنة».

هذا الحدث السينمائي المستمر منذ 6 سنوات، يقدّم نفسه على أنه مرآة لقضايا الناس، وتعبير عن الثقافة الأردنية والعربية عموماً. «حملنا لواء المقاومة الثقافية والفنية. ليس من المنطقي بالتالي أن نسمح لأي شيء بأن يعترض طريق المهرجان أو أن يدمّره، ولا أن يخيّب آمال الأجيال الصاعدة التي لديها توقّعات من هذا الحدث الجامع»، تقول الأميرة ريم علي.

تُرجمَ هذا الإصرار في الكلمة التي ألقتها خلال افتتاح المهرجان: «نعم تعمّدت أن أطلق موقفاً واضحاً في خطابي: قررنا أن نقيم هذه الدورة؛ لأننا نرفض الموت ثقافياً، حتى لو كانت أدوات القتل والدمار تحلّق فوق رؤوسنا». وتضيف: «لم نكن نريد لأي أحد لا يؤمن بالحياة ولا بقيَمِنا ولا بالإنسانية، أن يَحول دوننا ودون إقامة المهرجان».

من حفل افتتاح مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)

لحسن الحظ، توقفت المواجهات وسلك المهرجان طريقه إلى الدورة السادسة. من المنطقة العربية وعواصم العالم، حضر الضيوف من صنّاع أفلام وممثلين ونقّاد سينمائيين وإعلاميين. كانت الأميرة ريم في استقبالهم، برفقة زوجها الأمير علي بن الحسين، وهو كذلك منغمس في الشأن السينمائي من خلال ترؤسه «الهيئة الملكية الأردنية للأفلام»، والتي تركّز اهتمامها على تطوير المواهب السينمائية الشابة وتقديم الدعم لها.

الأمير علي بن الحسين وزوجته الأميرة ريم وولداهما في مقدّمة الحضور (إدارة المهرجان)

 

غزة أوّلاً ودائماً

 

تحصّنت الكلمة الافتتاحية بأسلحتها الخاصة: اللطف في مواجهة الوحشيّة، والجمال في مواجهة القبح، والسينما في مواجهة الصور السوداء. فغزة، جارة الأردن، بحاجة إلى من يطبطب على جراحها ويعاينها عن قرب. لذلك، وكما في الدورة الماضية، شُرّعت شاشات المهرجان أمام الأفلام الفلسطينية، تحديداً تلك الطالعة من تحت ركام القطاع. من بين تلك الأفلام: «المهمة»، وهو وثائقي يواكب طبيباً في مهمته الإنسانية داخل غرف عمليات المستشفيات المنكوبة. إضافةً إلى مشروع «من المسافة صفر» المستمر للسنة الثانية على التوالي، فاتحاً المجال لمخرجين من داخل غزة كي يشاركوا العالم صورة ما يجري من دون تجميل ولا تلطيف.

عن تلك الأفلام تقول الأميرة ريم علي: «اخترنا أفلاماً تعكس الواقع وتنقله بالعين المجرّدة؛ لأنه لا خيار أمامنا سوى الحديث عمّا يحصل على مرمى حجر منّا، حتى وإن كانت الصورة عنيفة في بعض الأحيان». ربما لا تستطيع السينما أن توقف الحرب، لكنها على الأقل قادرة أن تفضح قبحها، وأن تواجه القاتل الذي يحوّر المشهد والسرديّة. هذه الأفلام تقول للعالم إن التجاهل والصمت جريمة أيضاً.

إذا سئلت رئيسة المهرجان عن قضيته الأساسية، تجيب من دون تردّد: «الإنسان». تتوسّع في فكرتها قائلةً: «لعل أهم ما نقوم به هنا هو الإضاءة على الإنسانية من خلال الأفلام والضيوف والقضايا المطروحة. نفعل ذلك في مواجهة أشخاص في منطقتنا يسعون إلى تجريدنا من إنسانيتنا، لكننا لن نتوقف عن رفع أصواتنا منعاً لذلك».

تؤمن الأميرة ريم علي بأن «السينما توقظ الإنسانية واللطف في البشر». ترى في تلك الأفلام الوافدة إلى المهرجان من كل حدبٍ وصَوب، ومن كل لغةٍ وفئة سينمائية، «مساحة للتماهي والتشابك».

جزء كبير من الأفلام المشاركة في المهرجان جرى تصويره في غزة (موقع المهرجان)

 

الاستدامة والنوعيّة

 

منذ دورته الأولى التي تزامنت وجائحة «كورونا»، تعلّم مهرجان عمّان السينمائي أن يسير بين الأشواك والألغام. بلغ سنته السادسة ملتزماً بإيقاعه: «لم يكن الهدف أن يكبر المهرجان قبل أوانه، ولم نؤمن بالتسرّع، بل كان همّنا الحفاظ على الاستدامة، وألّا يأتي النموّ على حساب النوعية»، توضح الأميرة ريم علي.

ينطلق من بقعةٍ جغرافية صغيرة في هذا العالم. يحتضن براعم السينما الأردنية والعربية. يحتفي بالإنتاجات المحلية، تحديداً تلك التي أبصرت النور من داخل أروقته. لكنه يشرّع في الوقت ذاته نوافذه على البعيد؛ فللسينما العالمية حصتها الثابتة في المهرجان، إلى جانب تحية خاصة لبلدان رائدة في صناعة الفن السابع. والمحطة هذا العام مع السينما الآيرلندية، وأحد أعمدتها المخرج جيم شيريدان الذي يحلّ ضيف شرف على المهرجان.

المخرج الآيرلندي جيم شيريدان... ضيف شرف مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)

«لم يكن أي شيء من هذا ممكناً لولا جهود فريق العمل بإدارة ندى دوماني التي تضفي لمساتٍ من الحب والاحتراف»، تتحدث الأميرة ريم علي بامتنان عن «رؤية وجهود» مديرة المهرجان التي كانت لها اليد الطولى في تطويره عاماً تلو آخر.

مديرة المهرجان ندى دوماني متوسطةً فريق العمل (إدارة المهرجان)

كل ذلك انعكس إيجاباً على السينما الأردنية التي أثمرت 11 فيلماً مشاركاً في المهرجان هذا العام، وهو الرقم الأعلى منذ انطلاقة الحدث السينمائي «في دليل واضح على نمو الصناعة السينمائية الأردنية نوعيةً وكميةً، ومنها ما وصل إلى المهرجانات العالمية»، تقول الأميرة ريم علي بفخر.

تغادر المكان وفي رأسها ألحان فيلم «كاراميل» لنادين لبكي الذي تحبه كثيراً، وفي عينَيها ابتساماتُ الجيل السينمائي الصاعد. فكما تبثّ الموسيقى روحاً في الأفلام، يبثّ المهرجان أملاً في قلوب المواهب الشابة.


مقالات ذات صلة

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق «فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

أوقفت شرطة لوس أنجليس، الاثنين، نجم مسلسل «24» التلفزيوني وبطل فيلم مصاصي الدماء «ذي لوست بويز» الممثل كيفر ساذرلاند للاشتباه في اعتدائه على سائق سيارة أجرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
TT

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)

كشفت دراسة حديثة أن قضاء أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو قد يكون له تأثير ملحوظ على النظام الغذائي، وجودة النوم، ووزن الجسم لدى فئة الشباب.

وتوضح الدراسة أن اللعب بشكل متقطع أو معتدل لا يبدو ضاراً إلى حد كبير، غير أن التأثيرات الصحية السلبية تبدأ في الظهور بشكل واضح فور تجاوز مدة اللعب حداً معيناً، بحسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كورتين في مدينة بيرث الأسترالية، حيث شملت دراسة استقصائية 317 طالباً من خمس جامعات أسترالية، بمتوسط أعمار بلغ 20 عاماً.

وقسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات، اعتماداً على عدد الساعات التي أفادوا بقضائها أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو. وضمت الفئة الأولى «لاعبين قليلين» ممن يقضون من صفر إلى خمس ساعات أسبوعياً، بينما شملت الفئة الثانية «لاعبين متوسطين» يقضون ما بين خمس وعشر ساعات، أما الفئة الثالثة فكانت «لاعبين كثيرين» ممن يمارسون الألعاب لأكثر من عشر ساعات أسبوعياً.

ولم يرصد فريق البحث فروقاً تُذكر بين اللاعبين القليلين ومتوسطي الوقت فيما يتعلق بجودة النظام الغذائي أو النوم أو وزن الجسم. إلا أن النتائج اختلفت بشكل واضح لدى الطلاب الذين يقضون أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في اللعب، إذ أظهرت هذه الفئة مؤشرات صحية أسوأ بصورة ملحوظة.

وقال البروفسور ماريو سيرفو، الباحث في مجال صحة السكان والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، في بيان: «ما لفت انتباهنا هو أن الطلاب الذين يمارسون ألعاب الفيديو لمدة تصل إلى عشر ساعات أسبوعياً بدوا متشابهين للغاية من حيث النظام الغذائي والنوم ووزن الجسم».

وأضاف: «لكن الاختلافات الحقيقية ظهرت لدى أولئك الذين تجاوزوا عشر ساعات أسبوعياً، حيث برز تباين واضح بينهم وبين بقية العينة».

وأشارت النتائج إلى تراجع كبير في جودة النظام الغذائي لدى اللاعبين الذين يقضون الكثير من الوقت على الألعاب الإلكترونية، كما كانوا أكثر عرضة للتصنيف ضمن فئة السمنة.

ووفقاً للباحثين، ارتبطت كل ساعة إضافية يقضيها المشاركون في ممارسة ألعاب الفيديو أسبوعياً بانخفاض ملحوظ في جودة النظام الغذائي، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل مستويات التوتر، والنشاط البدني، وأنماط الحياة المختلفة.

أما جودة النوم، فكانت ضعيفة نسبياً لدى جميع المشاركين، إلا أن اللاعبين الذين يقضون ساعات متوسطة أو مرتفعة في اللعب أبلغوا عن نوم أسوأ مقارنةً بأولئك الذين يقضون وقتاً أقل. كما أظهر التحليل وجود علاقة وثيقة بين فترات اللعب الطويلة واضطرابات النوم، خصوصاً عندما يمتد اللعب إلى ساعات متأخرة من الليل.

ورغم أن الدراسة لم تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإن الباحثين وصفوا هذه النتائج بأنها مثيرة للقلق.

وأوضح المؤلفون أيضاً أن ألعاب الفيديو في حد ذاتها ليست ضارة بالضرورة، بل يمكن أن تقدم فوائد اجتماعية أو معرفية. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في الإفراط في ممارستها، إذ يؤدي ذلك إلى إهمال عادات صحية أساسية، مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول وجبات متوازنة، والحصول على قدر كافٍ من النوم.


لماذا نشعر بالراحة عند إعادة مشاهدة مسلسلاتنا المفضلة؟

عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
TT

لماذا نشعر بالراحة عند إعادة مشاهدة مسلسلاتنا المفضلة؟

عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)
عند مشاهدة مسلسل جديد نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة والتعرّف على شخصيات جديدة (بيكسلز)

تخيّل هذا المشهد: مررتَ بيومٍ شاق شعرت خلاله أنه لن ينتهي، وعندما تصل أخيراً إلى المنزل، لا ترغب في فعل أي شيء سوى مشاهدة التلفاز. تجلس على الأريكة، تشغّل مسلسل «فريندز»، وفجأةً تشعر بأن الحياة أصبحت أخفّ وأكثر سعادة. لقد شاهدت هذه الحلقات آلاف المرات، لكن ذلك لا يهم إطلاقاً.

جميعنا نملك تلك المسلسلات التي نعود إليها مراراً وتكراراً لأنها تمنحنا شعوراً بالراحة والدفء. تقول كلاريسا سيلفا، عالمة السلوك: «قد يكون روتين الحياة اليومي مُرهقاً ذهنياً، ولهذا السبب تمنحنا المسلسلات القديمة شعوراً بالراحة. فبدلاً من أن تزيد من أعبائنا الذهنية، توفر لنا متنفساً نحن في أمسّ الحاجة إليه».

من جانبها، تقول الدكتورة إيمي داراموس، اختصاصية علم النفس السريري بمدينة شيكاغو: «أحياناً، نحتاج إلى أن تبقى حياتنا كما هي لبضع ساعات فقط، كي نشعر بالأمان والاستقرار».

لماذا نعيد المشاهدة؟ الجوانب النفسية وراء ذلك

في عالم يفيض بعدد لا حصر له من المسلسلات والأفلام الجديدة، قد نشعر أحياناً بالذنب لأننا نعود إلى مسلسل قديم نفضّله، وكأننا نختار الطريق الأسهل أو نتهرب من الجديد. إلا أن الحقيقة أعمق بكثير من مجرد الكسل.

فيما يلي مجموعة من الأسباب التي تدفعنا للعودة مراراً إلى قصص وشخصيات مألوفة، بحسب موقع «فيري ويل هيلث»:

الاسترخاء

عند مشاهدة مسلسل جديد، نحتاج إلى متابعة جميع خيوط الحبكة، والتعرّف على شخصيات جديدة، وفهم دوافعها، ومواكبة تطور الأحداث. أما عند إعادة مشاهدة مسلسل شاهدناه من قبل، فلا يوجد ضغط ذهني، ولا يحتاج عقلنا إلى بذل جهد كبير. فالنكات والعبارات والشخصيات المألوفة قادرة على رفع معنوياتنا ومساعدتنا على الاسترخاء.

الراحة والتنبؤ

حياتنا اليومية غالباً ما تكون مليئة بالضغوط والمفاجآت. في المقابل، تمنحنا المسلسلات القديمة شعوراً بالراحة والتنبؤ، لأننا نعرف تماماً ما سيحدث. لا مفاجآت صادمة، ولا نهايات حزينة تثير القلق. معرفة ما سيجري بالتحديد تجعلنا نشعر بالأمان والطمأنينة، خاصة عندما تبدو الحياة فوضوية ومربكة.

الحنين إلى الماضي

تعيدنا المسلسلات القديمة إلى نسخ سابقة من أنفسنا، وتذكّرنا بمن كنا عليه وكيف كانت تبدو حياتنا عند مشاهدتها للمرة الأولى. وتُظهر الأبحاث أن مشاهدة المحتوى الكلاسيكي تُعيد إلى الأذهان ذكريات من أوقات أبسط وأسعد، مثل مراحل الطفولة.

الارتباط العاطفي

تُعرف الروابط التي نكوّنها مع شخصياتنا الخيالية المفضلة بالعلاقات شبه الاجتماعية، وهي علاقات عاطفية من جانب واحد. ومع مرور الوقت، نتعلق بهذه الشخصيات، لذا فإن إعادة مشاهدة مسلسل ما قد تمنحنا شعوراً يشبه قضاء الوقت مع أصدقاء قدامى، مما يوفر إحساساً بالرفقة والانتماء. وتشير الأبحاث إلى أن كثيرين يعودون إلى المحتوى المألوف بسبب هذه التفاعلات شبه الاجتماعية.

الصداقة

توضح الدكتورة داراموس أن الشخصيات الخيالية تمنح شعوراً بالراحة لأنها تفعل وتقول الأشياء نفسها بالطريقة نفسها دائماً، وهي متاحة لنا باستمرار بطرق لا يستطيع الأصدقاء الحقيقيون توفيرها. وتضيف: «ستكون كل حلقة متطابقة تماماً، وستكون الشخصيات دائماً موجودة من أجلك».

الضوضاء الخلفية

أحياناً لا يكون الهدف هو التركيز الكامل، بل تشغيل شيء مألوف في الخلفية أثناء الطهي، أو التنظيف، أو تصفح الإنترنت.

الرعاية الذاتية

يساعد تخصيص وقت للاسترخاء ومشاهدة مسلسل قديم على استعادة النشاط والهدوء. وتقول سيلفا إن هذا السلوك يُعدّ أحد أشكال الرعاية الذاتية التي يمكن أن تكون مُجددة للطاقة.

تفاصيل جديدة

سواء كانت عبارة ذكية، أو تعبيراً مضحكاً، أو إشارة لم ننتبه لها سابقاً، فإن إعادة مشاهدة مسلسل ما تتيح لنا اكتشاف تفاصيل جديدة وممتعة.

ثقافة مشتركة

مشاركة مسلسلنا المفضل مع شخص مقرّب تعتبر تجربة خاصة. كما أن مناقشة الحلقات، واقتباس العبارات، والتوصية بالمسلسل للآخرين، أو تبادل النكات الخاصة، كلها أمور تقرّبنا من المعجبين الآخرين وتعزّز شعورنا بالتواصل والانتماء.

فوائد الصحة النفسية المدعومة علمياً

فيما يلي بعض الفوائد النفسية لإعادة مشاهدة برامجك المفضلة:

تقليل الجهد الذهني

تقول سيلفا: «يحتاج دماغنا إلى فترات راحة من التحفيز المفرط الذي نتعرض له طوال اليوم». فمشاهدة برنامج جديد تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً، بينما تمنحنا إعادة المشاهدة فرصة لإراحة عقولنا عند الشعور بالإرهاق.

تخفيف التوتر والقلق

يمكن لمشاهدة التلفاز أن تكون وسيلة للهروب من ضغوط الحياة وقلقها. فالقصص المألوفة تمنحنا شعوراً بالاستقرار عندما تبدو الحياة غير متوقعة، بخلاف التقلبات العاطفية التي ترافق المحتوى الجديد. وبما أننا شاهدنا هذه البرامج من قبل، فإننا نعرف تماماً كيف تنتهي الحلقات، وكيف تُفهم النكات، وكيف تُحل المفاجآت الكبرى. وتقول سيلفا: «عندما نشعر بالتوتر والإرهاق، فإن إعادة المشاهدة تمنحنا إحساساً بالسيطرة».

المساعدة على تنظيم المشاعر

عندما نشعر بالضيق أو الإرهاق، قد تساعدنا إعادة مشاهدة برنامج ما على تنظيم مشاعرنا. نعرف أن الشخصيات ستتجاوز تحدياتها، وأن النهاية ستكون سعيدة، ما يمنحنا شعوراً بالراحة والأمل في حياتنا الواقعية.

مكافحة إرهاق اتخاذ القرارات

حياتنا اليومية مليئة بالقرارات، بدءاً من اختيار الملابس صباحاً وصولاً إلى تحديد وجبة العشاء. هذا الكم من القرارات مُرهق ذهنياً. وعندما تتعدد الخيارات على منصات البث، فإن العودة إلى محتوى مألوف تساعدنا على تجنب إرهاق اتخاذ القرارات. وتقول سيلفا: «من المفيد ألا نُضطر إلى اتخاذ المزيد من القرارات خلال يومنا».

تحسين المزاج

مشاهدة اللحظات المضحكة أو المؤثرة التي نحبها كفيلة برفع معنوياتنا فوراً. وتوضح سيلفا أن هذا لا يمنحنا شعوراً بالراحة فحسب، بل يزوّد أدمغتنا أيضاً بجرعة من الدوبامين.

تعزيز الشعور بالانتماء

قد لا تكون هذه الشخصيات حقيقية، لكننا نشعر تجاهها بروابط قوية. وهذه الروابط تمنحنا الطمأنينة وتعزز شعورنا بالانتماء.

التخفيف من الملل والوحدة

تشير الأبحاث إلى أن الحنين الذي نشعر به عند إعادة مشاهدة مسلسل ما يمكن أن يساعد في مكافحة الملل والوحدة، بل وحتى الشعور بالحنين إلى الوطن لدى الأشخاص الذين يعيشون بعيداً عن ديارهم.


أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
TT

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)

لطالما كانت ألعاب الطاولة نشاطاً أساسياً تجتمع حوله العائلات، أو وسيلة ممتعة للتواصل مع الأصدقاء في أمسية هادئة، ما دامت لا تُسبب فوضى أو جدالاً حول القواعد.

لكن الأبحاث الحديثة تُظهر أن بضع دقائق فقط من ممارسة ألعاب الطاولة قد تُحقق فوائد طويلة الأمد للدماغ، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقامت الدراسة، التي أجرتها جامعة أوريغون الأميركية، بتحليل 18 دراسة تناولت ألعاب الطاولة التي تعتمد على الأرقام ومهارات الرياضيات المبكرة لدى الأطفال، من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى الصف الثالث الابتدائي.

وبيّنت النتائج أن هناك احتمالاً بنسبة 76 في المائة بأن ممارسة هذه الألعاب تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال عندما يُحرّك اللاعبون قطعاً على مسار مُرقم مستقيم.

وقالت الدكتورة جينا نيلسون، إحدى مُعدّات التقرير: «اخترنا هذا الموضوع لأن مهارات الرياضيات المبكرة تُعدّ مؤشراً قوياً على نجاح الأطفال لاحقاً في المدرسة، كما أن ألعاب الأرقام سهلة الاستخدام وميسورة التكلفة».

وتابعت: «تُظهر هذه المراجعة أن جلسات اللعب القصيرة باستخدام ألعاب لوحية ذات أرقام خطية يمكن أن تُحسّن بشكل كبير المهارات الرياضية الأساسية المبكرة، مثل العد، والتعرّف على الأرقام، وفهم الكمية».

ومن جهة أخرى، أوضحت ناتالي ماكنزي، خبيرة الدماغ والإدراك التي تتمتع بخبرة تمتد عشرين عاماً وتدير شركتها الخاصة، كيف يمكن لألعاب الطاولة أن تفيد البالغين، من خلال دعم التركيز، وتنشيط الذاكرة، وتحسين مهارات حل المشكلات.

وأضافت أن القواعد المنظمة وما وصفته بـ«السلوكيات الممتعة الموجهة نحو تحقيق الأهداف» يمكن أن تكون مجزية، كما توفر فرصاً قيّمة للتواصل الاجتماعي.

وشرحت: «تُفعّل هذه الألعاب وتُشغّل عدداً من مناطق وأنظمة الدماغ في آنٍ واحد. إذ تصبح قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التخطيط واتخاذ القرارات والتحكم في الاندفاع، نشطةً أثناء عدّ المسافات، وتذكّر القواعد، وتخطيط الحركات. وفي الوقت نفسه، يُشارك الحُصين، وهو المركز المسؤول عن الذاكرة والتعلم، في استرجاع وتكرار التسلسلات والأنماط».

وأشارت ماكنزي إلى أن الألعاب توفر «مدخلات حسية متعددة» تشمل المعالجة البصرية، والإدراك المكاني، والحركة الجسدية، وهو ما يُسهم في تقوية الدماغ، وأضافت: «في الدماغ الشاب سريع التكيّف، تُعدّ هذه ممارسة قيّمة للغاية. فالخلايا التي تنشط معاً تتصل ببعضها، وكلما زاد تكرار فعل أو عملية ما، ازداد الترابط العصبي قوة على المدى الطويل».

وفي سياق متصل، يعمل الباحثان اللذان أجريا الدراسة على الأطفال، الدكتورة نيلسون والدكتورة مارا ساذرلاند، حالياً على اختبار مجموعة من ألعاب الأرقام الأصلية، وكتب قصصية ذات طابع رياضي، ومحفزات حوارية، بهدف استخدامها في المنزل مع أولياء أمور الأطفال ذوي الإعاقة، الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات.

ويأمل الفريق في دمج خصائص من أفضل ألعاب الأرقام اللوحية في لعبة خاصة يصممونها لدراستهم البحثية حول ألعاب الطاولة للأطفال ذوي الإعاقة. ولهذا الغرض، أضافوا مستويات مختلفة وتحديات رياضية اختيارية ليستخدمها أولياء الأمور بما يتناسب مع مهارات أطفالهم.

وقالت ساذرلاند: «من بين ما تعلمناه من تحليلنا الشامل، تبرز ضرورة أن تكون أنشطة الرياضيات المبكرة قابلة للتعديل بدرجة كبيرة، بناءً على استعداد الأطفال لتعلم الأعداد المختلفة. وقد كانت ردود فعل أولياء الأمور إيجابية للغاية بشأن استخدام أنشطة الرياضيات القابلة للتعديل في المنزل مع أطفالهم ذوي الاحتياجات التعليمية المتنوعة».