الرقة تُرمّم ذاكرتها... سور المدينة ينهض من ركام الحرب

جهود لإحياء المعالم الأثرية باستخدام تقنيات البناء التقليدي

سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
TT

الرقة تُرمّم ذاكرتها... سور المدينة ينهض من ركام الحرب

سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)
سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا (الشرق الأوسط)

بعد سنوات من الصراع والحرب، تشهد مدينة الرقة شمالي سوريا جهوداً محلّية متزايدة لإعادة ترميم سورها التاريخي، وتأهيل آثارها التي تضرَّرت، بهدف الحفاظ على التراث الثقافي وإحيائه، وتمكين السكان من استعادة المعالم التاريخية.

وتقع مدينة الرقة، أو «الرافقة» كما تُعرف تاريخياً، على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع. غير أنّ عناصر تنظيم «داعش» أحكموا قبضتهم عليها نهاية عام 2013، قبل أن يُطردوا على يد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.

جهود محلّية متزايدة لإعادة ترميم سور الرقة التاريخي (الشرق الأوسط)

وبدأت عمليات ترميم السور الأثري في الرقة، العائد تاريخه إلى الحقبة العباسية (772 ميلاديا)، بعد تعرّضه لأضرار جسيمة نتيجة العمليات العسكرية والظروف المناخية. كما عمد عناصر ومسلحو تنظيم «داعش» الإرهابي، خلال سيطرتهم على هذه المنطقة الحضرية بين عامَي 2014 و2017، إلى حفر قسم من المواقع الأثرية بهدف سرقتها من جهة، وتحويل أقسام أخرى إلى نقاط عسكرية وسجون وأنفاق قتالية من جهة ثانية.

ويجري ترميم السور بجهود محلّية وتمويل من «مجلس الرقة المدني» وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لحماية التراث الثقافي في مناطق النزاع. ووفق القائمين على عمليات الترميم، يهدف المشروع إلى إصلاح الأجزاء المتضرّرة من السور، بما في ذلك الأبراج والمداخل والطريق القديمة، باستخدام مواد بناء تقليدية مثل طوب اللبن، وقصبات القش، والقرميد الأحمر، والجصّ لربط الحلقات والفواصل.

هدف الترميم الحفاظ على التراث الثقافي وإحياؤه (الشرق الأوسط)

تقول رئيسة هيئة الثقافة في «الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا»، سرفراز شريف، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ المجلس التنفيذي، وبالتعاون مع «مجلس الرقة المدني» ومنظمات محلّية، يعمل منذ أشهر على ترميم مواقع أثرية عدّة في الرقة، من أبرزها سور المدينة وقصر البنات وباب بغداد والمتحف، وذلك ضمن خطة لترميم جميع المواقع الأثرية في إطار الحفاظ على تاريخها الحضاري.

ووفق سرفراز، يتألّف الفريق المُشرف على عمليات ترميم المتحف من مهندسين وعمال ومتخصّصين في الآثار، وتتابع: «أطلقنا المرحلة الرابعة من مشروع ترميم (سور الرقة الأثري)، التي تشمل ترميم البدنة رقم (6)، ومداخل السور، وبوابة شارع (المنصور)، ومدخل جامع (المنصوري)، وشارع 23 شباط، ومدخل المنطقة الصناعية»، مشيرة إلى أنّ كمية الآجر المُستخدم تُقدّر بنحو 110 أمتار مكعبة، و330 متراً مكعباً من اللبن الطيني، ومن المقرَّر أن يستمر المشروع مدّة 120 يوماً من تاريخ انطلاقه في 15 من الشهر الحالي.

سرفراز شريف تقول إنّ فريق الترميم يتألف من متخصّصين في الآثار (الشرق الأوسط)

مكان تاريخي يتحوّل لتصنيع السيارات المفخَّخة

وذكرت المسؤولة الكردية أنّ كمية القرميد التي فُكِّكت في القسم الجنوبي من السور منذ بدء عمليات الترميم، تُقدَّر بنحو 65 متراً مكعباً. ولفتت شريف إلى أنّ «القرميد القابل للاستخدام فُرز وجُمع لإعادة استخدامه، ثم فُكِّكت الحشوة التي قُدرت كمية الأجزاء التالفة والمتهالكة منها بأكثر من 40 متراً مكعباً»، وجرى ترحيل المخلّفات على مراحل، وتنظيف الموقع من الركام المحيط به.

وبعد الانتهاء من أعمال تفكيك القشرة القرميدية والحشوة، أُعيد تأسيس الحشوة الداخلية والقشرة القرميدية. وأضافت سرفراز: «بعدها أُحضِرت المواد اللازمة، وهي 50 متراً مكعباً من اللبن الطيني، و40 متراً مكعباً من القرميد لتلبيس الحشوة الداخلية»، بالإضافة إلى تأسيس جدران قرميدية محشوة بالجصّ بعرض 45 سنتيمتراً، مع التركيز على اختبار جودة الجص ليكون مطابقاً للمواصفات، «وترك فاصل بعمق 5 سنتيمترات بين الجدران القرميدية والحشوة الداخلية، وإنشاء فتحات تهوية تسمح بدخول التيار الهوائي لمنع الرطوبة الداخلية، وإنشاء دعائم كل 4 أمتار على امتداد الجدار القرميدي».

كمية القرميد التي فُكِّكت في القسم الجنوبي من السور تُقدَّر بنحو 65 متراً مكعباً (الشرق الأوسط)

ويحيط هذا السور التاريخي بالمدينة القديمة بنحو 5 كيلومترات، ويبلغ ارتفاعه 6 أمتار، وقد تعرَّض لأضرار بالغة خلال السنوات الماضية، إذ دمَّر عناصر التنظيم جزءاً منه عبر فتح فوهات وممرات لربط الأحياء القديمة بمركز المدينة خلال المعارك القتالية، ما خلّف أضراراً جسيمة في جسم السور وأبراجه وسراديبه القديمة.

ونقل سكان من الرقة يعيشون في محيط السور أنّ عناصر «داعش» حوّلوا هذا المَعْلم التاريخي إلى مكبّ للسيارات المحترقة ومكان لرمي النفايات، إضافة إلى استخدامه موقعاً لإعادة تصنيع السيارات المفخَّخة. كما كانت تُباع على جانبيه آنذاك «غنائم الحرب».

وأوضحت شريف أنه أُعيد بناء الجملون، أحد أبرز معالم السور، من اللبن الطيني التقليدي، بطريقة مطابقة لبنائه القديم، بعد تخمير التربة وخلطها تحت إشراف خبراء ومتخصّصين محلّيين. وعن الكميات المستخدمة في هذه المرحلة، ذكرت أنها «بلغت أكثر من 10 أمتار مكعبة من اللبن، و120 متراً مكعباً من الطين، وبعد ذلك، طُليت الفواصل المتآكلة بين القرميد بسبب الرطوبة».

ويُعدّ سور الرقة من المعالم التاريخية المهمّة في سوريا، لكونه الجزء المتبقي من سور المدينة القديمة. ويربط هذا السور باب بغداد، الذي يقع شرق المدينة، بباقي الأبواب القديمة، وصولاً إلى ساحة الساعة ومركز المدينة وشوارعها العتيقة وأسواقها التاريخية النابضة بالحياة منذ سنوات.

يحيط هذا السور التاريخي بالمدينة القديمة بنحو 5 كيلومترات (الشرق الأوسط)

يُذكر أنَّ المؤرّخ وعالم الآثار الراحل الدكتور محمد العزو، المتحدّر من مدينة الرقة، أصدر كتيباً بعنوان «الرقة ماضياً وحاضراً» عام 2021، تحدَّث فيه عن سور الرقة، مشيراً إلى أنه يأخذ شكل «نعل الفرس»، وأنه مبني على نمط سور مدينة بغداد، عاصمة الدولة العباسية. وقد بُني هذا السور في عهد أبي جعفر المنصور «القرن الثاني الهجري - القرن الثامن الميلادي». وأشارت الدراسات الأثرية إلى أنّ سور الرافقة شُيّد فيما مضى بشكل مضاعف، إذ كان ثمة سور داخلي وآخر خارجي، يفصل بينهما «ممر فصل»، وهو الجزء الذي يسمح بتحرّك الجنود لحماية الأسوار عبر أبراجها ومناراتها الشاهقة.


مقالات ذات صلة

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

ثقافة وفنون فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدُّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)

اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

كشفت دراسة دولية عن سلالة منقرضة من الأبقار لم تكن معروفة من قبل، عاشت في جنوب سيبيريا خلال العصر الجليدي، واستمر وجودها في المنطقة حتى نحو 27 ألف عام مضت.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
يوميات الشرق دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«مولد الحسين» يجتذب الآلاف لمزارات «آل البيت» بمصر

احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
TT

«مولد الحسين» يجتذب الآلاف لمزارات «آل البيت» بمصر

احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)
احتفالات سنوية بمولد الإمام الحسين (فيسبوك)

مع الإعلان عن الليلة الختامية أو «الليلة الكبيرة» لمولد الإمام الحسين في القاهرة، الذي يعد من الاحتفالات الدينية التراثية التي تجتذب آلاف الزوار، الذين توافدوا على المكان، جرى الإعلان عن إجراءات تنظيمية استثنائية بمنطقة شارع الأزهر وخان الخليلي وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية، لتفادي الزحام.

وكانت المشيخة العامة للطرق الصوفية بمصر قد أعلنت البرنامج الزمنى لإقامة عدد من أكبر الموالد الصوفية في مصر، والتي بدأت بمولد سيدنا الإمام الحسين «رضي الله عنه»، الذي انطلقت فعالياته بالفعل، يوم الثلاثاء الموافق 29 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتستمر حتى الليلة الختامية، الثلاثاء، 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأكد أحمد قنديل، المتحدث الرسمي باسم المشيخة العامة للطرق الصوفية، أن الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، أعلن مواعيد هذه الاحتفالات، في إطار حرص المشيخة على تنظيم الفعاليات الصوفية، وإحياء المناسبات الدينية والتراثية، حسب بيان للمشيخة على «فيسبوك».

وأكد قنديل أن هذه المناسبات تمثل محطات دينية وروحية مهمة، وتشهد مشاركة واسعة من أبناء الطرق الصوفية ومحبي آل البيت والصالحين من مختلف محافظات الجمهورية، مع التأكيد على التنسيق مع الجهات المعنية لخروج الفعاليات بالصورة التي تليق بهذه المناسبات.

من جانبها، نظمت وزارة الأوقاف المصرية فعالية بمسجد الإمام الحسين في قلب القاهرة الإسلامية احتفالاً بمولد الإمام الحسين تضمنت قراءة القرآن، وندوة حول الاحتفال بالمولد وابتهالات.

ويتوافد الآلاف سنوياً على مسجد الإمام الحسين في ذكرى مولده، وهو المولد الذي جرت العادة على إقامته مرتين في العام، «مرة في مناسبة قدوم الرأس الشريف إلى مصر ومرة أخرى بمناسبة مولده في الثالث من شعبان وفق ما تذكره المصدر التاريخية»، بحسب كلام شهاب الدين الأزهري، الباحث المتخصص في الشأن الصوفي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتفال والزيارة تأتي للمكانة الكبيرة التي يمثلها الإمام الحسين (سيد شباب أهل الجنة) سبط النبي الكريم، بالنسبة للمريدين والمحبين. وزيارة أهل البيت منصوص عليها في الشرع كنوع من الوفاء والمودة لأهل البيت، كما أن الزيارة في الموالد الدافع لكل هذه الناس هو المحبة، ونجد آلافاً مؤلفة من الناس في الفعاليات المختلفة، خصوصاً من أهل الصعيد الذين يأتون من مكان بعيد محبة في آل البيت».

ويلفت الدكتور عبد الرحيم ريحان المتخصص في الآثار الإسلامية ومدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، إلى أن «إحياء مسار آل البيت بدأ بتوجيه الرئيس السيسي منذ عام 2021 بضرورة تطوير وإحياء مسار آل البيت في مصر، بما يتوافق مع الطابع التاريخي والروحاني للأضرحة والمقامات». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الموالد تدخل في إطار إحياء مسار آل البيت، وتطوير القاهرة التاريخية سيسهم في تعزيز السياحة الداخلية والإقليمية من الدول العربية والإسلامية علاوة على السياحة العالمية».

وأكد ريحان أن إحياء السياحة الروحية في مصر سيكون له مردود كبير على تنشيط وتنمية السياحة الداخلية، وتشجيع الشباب على زيارة هذه المواقع والكتابة عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما يعزز قيمة الانتماء والاعتزاز بالحضارة المصرية عبر عصورها التاريخية، كما يسهم في تشجيع السياحة من الدول العربية والإسلامية، ويخلق نوعاً جديداً من السياحة الإقليمية لزيارة المسارات الدينية المتفردة في مصر.


لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
TT

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)

تستعد وكالة الفضاء والطيران (ناسا) الأميركية للإعلان عن صفقة ضخمة لشراء صواريخ فضاء لصالح مشروع بناء قاعدة دائمة على سطح القمر بتكلفة تبلغ 30 مليار دولار، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الاستراتيجية الجديدة لوكالة «ناسا» تأتي في الوقت الذي تعاني فيه صناعة الفضاء من نقص في الصواريخ، في ظل زيادة الطلب عليها. لكن الوكالة تأمل في تجاوز عنق الزجاجة بالنسبة للصواريخ، من خلال شراء مجموعة متنوعة منها، بما يتيح خيارات مختلفة لتوصيل شحناتها إلى سطح القمر.

ونقلت «بلومبرغ» عن كارلوس جارسيا جالان، مدير برنامج قاعدة القمر في وكالة «ناسا»، قوله في مقابلة: «نقيم الأمور مثل قيام (ناسا) بشراء كمية من الصواريخ التي يمكن أن تخدم كل احتياجات قاعدتنا القمرية... قد نعلن في المستقبل القريب عن المجموعة الأول من حزمة المشتريات» المستهدفة.

ويذكر أن المرحلة الأولى من مشروع إقامة قاعدة دائمة لاستضافة مجموعة من البشر للعمل والحياة على سطح القمر بدأت بالفعل، حيث تخطط وكالة «ناسا» لإرسال مركبات هبوط وروبوتات جوالة لاستكشاف مواقع وموارد القمر خلال 2028. لكن الوكالة ستحتاج إلى صواريخ فضاء أكبر في 2029 لإرسال معدة تزن 60 طناً إلى سطح القمر لإقامة أنظمة الطاقة، والمساكن وغيرها من البنية التحتية اللازمة لإقامة البشر على سطح القمر بصورة دائمة.

لكن الوكالة تواجه في هذه المرحلة الثانية الأكثر طموحاً مشكلة، حيث تتابع تباطؤ نشاط صاروخ الفضاء «فالكون 9» التابع لشركة الفضاء وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية «سبيس إكس»، وهو الصاروخ الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة والعالم.

وفي وقت سابق، ذكرت «سبيس إكس» أنها بدأت رفض طلبات مشغلي الأقمار الاصطناعية الراغبين في حجز رحلات على متن هذا الصاروخ الأساسي لما بعد عام 2028. ومن شأن غياب هذا الصاروخ ونظيره الأكبر حجماً «فالكون الثقيل» عن السوق أن يسبب مشاكل لخطط «ناسا» الرامية إلى إنشاء قاعدة على سطح القمر.

وفي هذا الصدد، قال غارسيا - غالان: «ندرك المشكلة المقبلة مبكراً، فنحن ندركها الآن. لقد تحلت (سبيس إكس) بالشفافية بشأن خططها، ما أتاح لنا خيار البحث عن بدائل، وهو ما قمنا به بالفعل».


اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر، وما قد تضمه من اكتشافات تضيف جوانب وأبعاداً جديدة إلى فهم التاريخ المصري القديم.

وأسفرت أعمال حفائر البعثة الأثرية المشتركة بين المعهد الأوروبي للآثار البحرية والإدارة العامة للآثار الغارقة بالمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الميناء الشرقي بمحافظة الإسكندرية، عن اكتشاف الخاتم، إلى جانب عدد من اللقى الأثرية الفخارية والزجاجية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن تقديره للجهود المبذولة في أعمال الحفائر بالمواقع الأثرية المغمورة بمياه البحر المتوسط، وما يصاحبها من أعمال التسجيل والتوثيق الأثري، التي تتطلب خبرات فنية وميدانية متخصصة.

وأشار، في بيان للوزارة، إلى «أهمية ما يتم الكشف عنه من آثار بهذه المواقع، لما تسهم به في إثراء المعرفة بتاريخ الإسكندرية وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب مختلفة من تاريخها وحضارتها عبر العصور».

إحدى القطع الأثرية المكتشفة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة نجحت، منذ أيام، في الكشف عن خاتم ختم برونزي يحمل نقشاً يصوّر فنار الإسكندرية القديم، في هيئة تشبه صوره المعروفة على بعض العملات المؤرَّخة بالقرن الثاني الميلادي. وعُثر على الخاتم في موقع جزيرة أنتيرودس الملكية، أحد أحياء الإسكندرية الملكية القديمة ضمن منطقة «بورتوس ماجنوس».

وأكد أن هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على صورة للفنار منقوشة على خاتم ختم، مما قد يشير إلى أن قصر أنتيرودس، الذي شاهده ووصفه المؤرخ والجغرافي سترابو خلال زيارته لمصر بين عامَي 29 و25 قبل الميلاد، ربما استمر استخدامه حتى القرن الثاني الميلادي لأغراض إدارية، قد يكون من بينها ما يرتبط بإدارة الفنار.

ولفت مدير المعهد الأوروبي للآثار البحرية ورئيس بعثة الحفائر، فرانك جوديو، إلى أن الدراسات والأعمال التي نفّذتها البعثة أسفرت عن العديد من النتائج العلمية والأثرية المهمة.

وأضاف، حسب البيان، أن «اللقى الأثرية المكتشفة خلال الموسم الحالي تضمنت مجموعة من البقايا الفخارية التي تؤرَّخ لفترات زمنية مختلفة، تمتد من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، من بينها أدوات للاستخدام اليومي، وأوانٍ للمائدة، وعدد من الأمفورات والأواني والقنينات والمسارج، إلى جانب بقايا أوانٍ زجاجية».

اكتشاف قطع جديدة من الآثار الغارقة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن المقرر أن تعقب انتهاء أعمال الموسم الحالي بالميناء الشرقي أعمالُ حفائر جديدة للبعثة في موقع خليج أبو قير.

ويرى عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن العثور على «خاتم برونزي يحمل تمثيلاً نادراً لفنار الإسكندرية مسألة مهمة علمياً، خصوصاً أن الفنار معروف من تمثيلات أثرية أقدم، أهمها صورته على العملات السكندرية في العصر الروماني، كما توجد له تمثيلات أخرى على أحجار منقوشة وأختام ومواد أثرية مختلفة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القيمة العلمية لخاتم الختم البرونزي المكتشف تتحدد بأربعة عناصر أساسية: أولاً، إثبات أن النقش يمثّل الفنار بالفعل وليس مبنى آخر؛ ثانياً، تحديد تاريخ الخاتم بدقة؛ ثالثاً، توثيق السياق الأثري الذي عُثر فيه عليه؛ ورابعاً، مقارنة عناصر النقش بالتمثيلات المعروفة للفنار».

اكتشافات جديدة ضمن الآثار الغارقة (وزارة السياحة والآثار)

وتابع أنه «إذا أكدت الدراسة الأثرية هذه العناصر، يصبح الاكتشاف مهماً للغاية، خصوصاً إذا كان النقش يقدّم تفصيلاً معمارياً جديداً أو يمثّل الفنار في سياق مختلف عن العملات».

وتزخر مدينة الإسكندرية بالآثار الغارقة في مواقع عدة، من بينها الميناء الشرقي وخليج أبو قير وخليج المعمورة والشاطبي وقلعة قايتباي. وتُعدّ منطقة الميناء الشرقي من أهم مناطق الآثار الغارقة؛ إذ كان الميناء الملكي للعاصمة القديمة التي أسّسها الإسكندر الأكبر، وحملت اسمه، وأصبحت من أعظم مدن العالم القديم. وقد أُقيمت معارض عديدة للآثار الغارقة داخل مصر وخارجها.