موقف بري الرافض لدخول الحرب قوبل باهتمام دولي ولبناني ويُلزم «حزب الله»

موقف قاسم «يتمايز عاطفياً» لا عسكرياً

نساء يحملن صور خامنئي ونصر الله خلال مسيرة دعم لإيران في ضاحية بيروت الجنوبية الجمعة (رويترز)
نساء يحملن صور خامنئي ونصر الله خلال مسيرة دعم لإيران في ضاحية بيروت الجنوبية الجمعة (رويترز)
TT

موقف بري الرافض لدخول الحرب قوبل باهتمام دولي ولبناني ويُلزم «حزب الله»

نساء يحملن صور خامنئي ونصر الله خلال مسيرة دعم لإيران في ضاحية بيروت الجنوبية الجمعة (رويترز)
نساء يحملن صور خامنئي ونصر الله خلال مسيرة دعم لإيران في ضاحية بيروت الجنوبية الجمعة (رويترز)

وقوف الأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، «إلى جانب إيران بكل أشكال الدعم التي نراها مناسبة وتُسهم في وضع حد للعدوان الأميركي - الإسرائيلي الذي يستهدفها»، لم يؤدِّ إلى حجب الأنظار عن الاهتمام الدولي والعربي عن الموقف غير المسبوق لرئيس المجلس النيابي نبيه بري، بإعلانه «أن لبنان لن يدخل الحرب 200 في المائة، وأن لا مصلحة له في ذلك، وسيدفع الثمن، وإيران ليست بحاجة لنا».

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يستقبل الموفد الأميركي توماس براك (رويترز)

فموقف بري طغى على المشهد السياسي، كونه تلازم مع اللقاءات التي عقدها السفير الأميركي لدى تركيا، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى سوريا، اللبناني الأصل، توماس برّاك مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نوّاف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، والرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط وخَلَفه نجله تيمور جنبلاط لرأب التصدّع الذي أصاب العلاقة الأميركية مع جنبلاط، جرّاء انتقادات لاذعة من نائبة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي للشرق الأوسط مورغان أورتاغوس بحق جنبلاط، الذي تبيّن لاحقاً أنه شخصي، ولا يُلزم الإدارة الأميركية به، ولم يعد لها من دور في الملف اللبناني بعد أن أُلحقت بالوفد الأميركي إلى الأمم المتحدة برئاسة سفيرة أميركا السابقة لدى لبنان دوروثي شيا.

لا مفاعيل عسكرية لموقف قاسم

فإعلان بري جاء في أدق اللحظات السياسية التي يمر بها لبنان، ومن ثم لن يكون من مفاعيل عسكرية لإعلان قاسم بعدم وقوف الحزب على الحياد وتضامنه بالكامل مع إيران في حربها ضد إسرائيل، ولا يمكن تصنيف موقفه على أنه يتمايز عن بري بمعارضته دخول لبنان في الحرب.

وفي هذا السياق، تلفت المصادر النيابية إلى أن لدى قيادة الحزب ثقة لا تتزعزع حيال تفويضها لبري بكل ما يتعلق بملف الجنوب والمحادثات الرامية لإلزام إسرائيل بالانسحاب، وتؤكد أن قاسم ينأى بنفسه عن الدخول في منافسة معه على خلفية تأكيده -أي بري- أن لبنان لن يدخل الحرب، وبالتالي لا صحة لكل ما يُشاع بأن ما تضمنه بيان قاسم ردٌّ علي بري، وأن توقيت إصداره لم يكن في محله، ولا ينطوي مطلقاً على تمايز الحزب عن حليفه الاستراتيجي الذي يحمل منه تفويضاً غير قابل للنقض، وينطلق من وحدة الرؤيا لدى «الثنائي الشيعي» بكل ما يتعلق بوقف النار تطبيقاً للقرار «1701»، وحصرية السلاح بيد الدولة، خصوصاً أن بري من موقعه هو الأقدر على التواصل مع المجتمع الدولي بكل ما يتعلق بملف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

الموفد الأميركي إلى بيروت توماس برّاك خلال مؤتمر صحافي عقده بعد لقائه رئيس البرلمان نبيه بري الخميس (إ.ب.أ)

وتلفت المصادر النيابية لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه من غير الجائز تحميل التضامن المبدئي لقاسم مع إيران أثقالاً سياسية وعسكرية غير موجودة لديه في الأساس، للانقلاب على تعهد بري بأن لبنان لن يدخل الحرب، وإلا لماذا وافق الحزب بملء إرادته على اتفاق وقف النار، والتزم به نصّاً وروحاً بامتناعه الرد على الخروق والاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل، واستهدفت العشرات من كوادره الميدانية والعسكرية، من دون أن يُطلق رصاصة واحدة التزاماً منه بانسحابه من جنوب الليطاني، وتسهيل مهمة انتشار الجيش بمؤازرة قوات الطوارئ الدولية المؤقتة الـ«يونيفيل» في المناطق التي انسحبت منها إسرائيل، وموافقته، بلا أي تردد، على قيام الوحدات العسكرية بالتنسيق مع هيئة الرقابة الدولية المشرفة على وقف النار بالكشف على مواقع الحزب، وصولاً لوضع يدها على ما تبقّى لديه من أنفاق وبنى عسكرية ومخازن لتخزين الصواريخ الدقيقة؟

لا انقلاب على التعهدات

وتؤكد المصادر أن الرئيس بري لا يُعير اهتماماً لمحاولات تفسير ما ورد في بيان قاسم على أنه تراجع ضمني عن التزامه بعدم دخول لبنان في الحرب، وهو الالتزام الذي أُعلن رسمياً وبات في عهدة المجتمع الدولي، الذي تقع عليه مسؤولية الضغط على إسرائيل للامتثال لوقف إطلاق النار وتنفيذ القرار «1701».

وتقول المصادر المواكبة للاتصالات التي جرت، في الساعات الأخيرة، بين قيادتي «أمل» و«حزب الله» للوقوف على خلفية الأسباب الكامنة وراء البيان الذي أصدره قاسم، والذي جاء بعد أقل من 24 ساعة على البيان الذي أصدره الحزب، إن بيانه ليس أبعد من تجديد التضامن مع إيران عاطفياً، بلا أي مقابل عسكري، ولا ينم عن وجود نية للدخول في الحرب.

تفويض بري مستمر

وترى أن الحزب باقٍ على تفويض «الأخ الأكبر»، أي بري، على حد قول قاسم، عندما كُلّف بالإنابة عن الحزب التفاوض مع الوسيط الأميركي آنذاك، أموس هوغستين، الذي أدّى للتوصل إلى اتفاق لوقف النار. وتسأل المصادر نفسها، ما الجديد في موقف بري؟ وتقول ألا يتناغم مع مواقف مماثلة كانت صدرت عن عدد من نواب الحزب، ليس بتجديد تضامنهم مع إيران فحسب، وإنما تأكيدهم أن إيران قادرة على الدفاع عن نفسها، ولا تحتاج إلى أي معونة عسكرية أو تدخل من الخارج. وتشير إلى أن أحداً لم يتهم الحزب بالحياد، وكان الأجدر بقاسم ألا يتطرق في بيانه، في هذا الخصوص، على نحو يُعطي مادة سياسية دسمة لخصومه للإيحاء بوجود تباين بداخل الثنائي الشيعي لا أساس له من الصحة.

وتؤكد أن الحزب، كان ولا يزال حتى الساعة، يتموضع تحت سقف امتناعه الدخول في الحرب، وهذا ما يجمعه مع بري الأقدر على مراعاته للمزاج الشيعي الذي ينشد الاستقرار، ولا يريد العودة للحرب بتوفير الذرائع لإسرائيل لمواصلة اعتداءاتها على نطاق واسع بغياب الخطوط الحمر لضبطها، فيما يبقى شغله الشاغل الرهان على الدولة لتأمين المساعدات لإعادة إعمار البلدات المدمرة التي تمنع إسرائيل أهاليها من العودة إليها بعد أن حوّلتها إلى مناطق منزوعة من البشر، ولا تصلح للعيش فيها، إضافة إلى أن الحزب وإن كان ينأى بنفسه عن الدخول في مبارزة مع بري، فإنه ليس وارداً الدخول في حرب من شأنها أن تزيد تدفق موجات النزوح التي يتعذر استيعابها؛ نظراً لوضعه المالي، ويصعب على الحكومة إيجاد المأوى لإيوائهم.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تسيطر على الشقيف وتوسع الإخلاءات حتى الزهراني

المشرق العربي العلم الإسرائيلي وعلم لواء غولاني مرفوعين على قلعة الشقيف بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي عليها (رويترز)

إسرائيل تسيطر على الشقيف وتوسع الإخلاءات حتى الزهراني

شهد جنوب لبنان الأحد واحداً من أكثر أيام التصعيد الإسرائيلي كثافة منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أبريل الماضي

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من بلدة أرنون في جنوب لبنان بعد استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

لبنان أمام معادلة تثبيت الهدنة بتلازم الانسحاب الإسرائيلي مع نزع سلاح «حزب الله»

تتجه الأنظار إلى الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية، برعاية وزارة الخارجية الأميركية التي تُعقَد يومَي الثلاثاء والأربعاء، في 2 و3 يونيو.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي سيدة نازحة ترافق طفلها في العاصمة بيروت حيث وضعت خيم للنازحين (أ.ف.ب)

لبنان يرزح تحت وطأة النزوح الداخلي... ومطالبات بإعلان الطوارئ في بيروت

بلغت الضغوط على المدن والبلدات اللبنانية المضيفة للنازحين حدودها القصوى مع استمرار موجات النزوح وتزايد أعداد الوافدين نتيجة التصعيد الإسرائيلي.

بولا أسطيح (بيروت)
العالم العربي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في لقاء سابق (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على تضامنها مع لبنان... وتطالب بانسحاب إسرائيلي كامل

شدَّدت مصر على تضامنها الكامل مع لبنان في مواجهة «تحديات دقيقة راهنة»، وذلك تزامناً مع تصعيد إسرائيلي في الجنوب، وسط تلويح بتمدُّد العمليات.

«الشرق الأوسط» (القاهر)
المشرق العربي العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف بجنوب لبنان بعد إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس السيطرة عليها (رويترز) p-circle 00:36

نتنياهو يشيد بـ«تحوّل حاسم» بعد السيطرة على قلعة الشقيف في جنوب لبنان

قال الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، إنَّ عملياته البرية في لبنان «تتوسَّع إلى مناطق إضافية» بعدما عبر نهر الليطاني في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في لبنان

عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)
TT

اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في لبنان

عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)
عناصر من الدفاع المدني اللبناني يتفقدون أثر الدمار جراء الغارات الإسرائيلية على صور (أ.ف.ب)

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً بعد ظهر الاثنين بناءً على طلب فرنسا، وذلك لمناقشة تطورات الحرب في لبنان في أعقاب استيلاء الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف التاريخية الواقعة في جنوب البلاد، حسب ما أفادت مصادر دبلوماسية لوكالة الصحافة الفرنسية، اليوم الأحد.

وقالت المصادر إنّ هذا الاجتماع سيُعقد مباشرة بعد اجتماع طارئ آخر طلبته رومانيا على خلفية ارتطام مسيّرة بمبنى في غالاتي، مضيفة أنّه من المقرر عقده في الساعة 15:00 (19:00 بتوقيت غرينتش).

من جانبه، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه «لا شيء يبرر التصعيد الكبير الجاري حالياً في جنوب لبنان».

وشهد جنوب لبنان، الأحد، واحداً من أكثر أيام التصعيد الإسرائيلي كثافة منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أبريل (نيسان) الماضي، مع إعلان إسرائيل سيطرتها على قلعة الشقيف الاستراتيجية، وتوسيع عملياتها البرية شمال نهر الليطاني، بالتزامن مع إصدار إنذارات إخلاء واسعة شملت مناطق جنوب نهر الزهراني، وقرى ساحلية وداخلية عدة.

وترافق ذلك مع موجة غارات وقصف مدفعي عنيف مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى واستهداف منازل مدنية ومحيط مرافق صحية وسيارات إسعاف، فيما بدت التطورات الميدانية مؤشراً إلى مرحلة تصعيد جديدة من العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب في محاولة لفرض شروطها عشية مفاوضات مباشرة جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وبعد اجتماع عسكري جمع الطرفين في البنتاغون، حيث رفضت تل أبيب خلاله الموافقة على وقف النار.


القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر الجدار الفاصل

جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
TT

القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر الجدار الفاصل

جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قتلت القوات الإسرائيلية، الأحد، فلسطينياً أثناء محاولته دخول القدس عن طريق تسلق الجدار المقام في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في بيان، أن عماد هارون محمود أشتية البالغ (26 عاماً) وفقاً لها، و(28 عاماً) وفق أحد أقاربه، قُتل برصاص القوات الإسرائيلية.

وأفاد المكتب الإعلامي للسلطة الفلسطينية بأن إسرائيل قتلت الفلسطيني الذي كان يبحث عن عمل أثناء تسلقه الجدار الفاصل.

وقال قريبه عمر، الذي فضّل عدم كشف عن اسم عائلته لأسباب أمنية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الشاب كان يحاول تسلق الجدار في الرام شمال القدس، لينتقل بعد ذلك مع آخرين إلى تل أبيب بحثاً عن عمل.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وأضاف: «لكنه أصيب بالرصاص أثناء محاولته التسلق»، مشيراً إلى أن الشاب يتحدر من قرية سالم في شمال الضفة الغربية المحتلة. وشاهد مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» جثة مكفنة بالعلم الفلسطيني في مجمع فلسطين الطبي في رام الله.

تواصلت «وكالة الصحافة الفرنسية» مع الجيش الإسرائيلي والشرطة لكنهما لم يدليا بأي تصريح على الفور.

تفرض إسرائيل قيوداً على حركة ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية التي تحتلها منذ عام 1967.

وتقول إنها شيّدت ما تسميه «الجدار الأمني» لحماية أراضيها من الهجمات التي ينطلق منفذوها من الضفة الغربية، ويجب على الفلسطينيين الحصول على تصاريح للمرور عبر نقاط التفتيش العسكرية إلى القدس الشرقية أو إسرائيل.

ويسمي الفلسطينيون الجدار الخرساني الذي تعلوه أسلاك شائكة وأسوار كهربائية «جدار الفصل العنصري».

منذ بدء الحرب مع «حماس» في غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في أعقاب الهجوم غير المسبوق الذي شنته الحركة على إسرائيل، قامت الأخيرة بتعليق العديد من تصاريح الدخول التي تسمح للفلسطينيين بالزيارة والعمل، بذرائع أمنية.

وازداد منسوب العنف في الضفة الغربية منذ بداية الحرب في قطاع غزة. وقُتل مذاك ما لا يقل عن 1075 فلسطينياً، بينهم مسلحون ومدنيون، برصاص جنود أو مستوطنين إسرائيليين، بحسب إحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» استناداً إلى بيانات من السلطة الفلسطينية.

وفي الفترة نفسها، قُتل ما لا يقل عن 46 إسرائيلياً، مدنيين وعسكريين، في هجمات فلسطينية أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية، وفق البيانات الإسرائيلية الرسمية.


العراق: 200 مليون دولار لرشوة رئيس الوزراء... وتشكيل «لجنة للفساد»

الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)
الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)
TT

العراق: 200 مليون دولار لرشوة رئيس الوزراء... وتشكيل «لجنة للفساد»

الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)
الزيدي في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين (رئاسة الوزراء)

في سابقة بتاريخ الحكومات العراقية، تحدث رئيس الوزراء علي الزيدي عن تلقيه عرض رشوة للتستر على فساد في وزارة النفط. ونقل صحافيون وإعلاميون عن الزيدي خلال استقباله لهم، السبت، أن مسؤولاً بارزاً في وزارة النفط عرض عليه، عبر وسيط، مبلغ 200 مليون دولار لإغلاق ملف فساد داخل الوزارة.

ويتحدث معظم الصحافيين الذين حضروا اللقاء، عن أن الزيدي كان يشير إلى مدير عام شركة مصافي الشمال السابق ووكيل وزارة النفط عدنان حمد حمود، الذي ألقي القبض عليه مساء الجمعة. وبحسب كتاب متداول صادر عن رئاسة الوزراء، فإن حمود كان قد أعفي من منصبه مطلع شهر مايو (أيار). وتحدثت مصادر صحافية، الأحد، عن إلقاء قوة من الاستخبارات القبض على المدير المالي لمصافي الشمال، وذكرت مصادر أخرى عن عملية إلقاء قبض طالت موظفاً في سكرتارية رئيس الوزراء السابق محمد السوداني.

وأثارت تصريحات رئيس الوزراء جدلاً واسعاً بالنظر لمستوى الفساد الذي ترزح تحت وطأته البلاد منذ عقود، بحيث وصل الأمر إلى إمكانية عرض رشاوى على أرفع مسؤول تنفيذ في البلاد.

وعلق الناشط السياسي حامد السيد على ذلك بالقول إن «الوكيل الفاسد حين عرض الرشوة على رئيس الوزراء لم يكن يتصرف كمن يرتكب مجازفة؛ بل كمن يمارس سلوكاً اعتاد أن ينجح. وهنا المصيبة».

وأضاف في تدوينة على منصة «إكس»: «لا ينبغي أن نسأل: كيف تجرأ على ذلك؟ بل ينبغي أن نسأل: كم مرة حدث ذلك من قبل؟ وكم رئيس وزراء عرضت عليه الرشوة؟ وكم رئيس وزراء قبلها؟».

ورأى الكاتب والصحافي فلاح المشعل في تدوينة مماثلة، أنه «كان ينبغي اعتقال الوسيط أيضاً يا دولة رئيس الوزراء. مهما كانت صفته أو اسمه؛ فالوسيط في صفقة فساد يُعدّ شريكاً فيها ومستفيداً منها، ولا يجوز استثناؤه من المساءلة القانونية».

وشهدت مواقع التواصل المختلفة موجة من التعليقات حول اعتقال وكيل وزارة النفط، وكان معظمها يشير إلى أنه كان يعمل تحت مظلة أحزاب وشخصيات نافذة تقوم بالتغطية على أعماله من خلف الستار، في مقابل حصولها على معظم الأموال المتأتية عن صفقات وعقود فساد.

مجلس أعلى للنزاهة

في سياق تعهداته بمحاربة الفساد، وجه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، بتشكيل «المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام».

وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء إن الزيدي ترأس، مساء السبت، اجتماعاً خاصاً بشأن إجراءات تدقيق العقود الحكومية، بحضور رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي، ورئيس هيئة النزاهة الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، وقاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة.

وأضاف أن الزيدي «وجه بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام برئاسته وعضوية كل من رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة، للقيام بالمتابعة الرقابية للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بشأن المواضيع الجوهرية وذات الأثر المهم، لغرض إيقاف هدر المال العام واسترداد أموال الدولة، على أن يتم إرسال نتاج عمل المجلس إلى القضاء».

وشدد الزيدي على «ضرورة التحقق من الجدوى الاقتصادية للمشاريع، وأن تكون هناك لجان فرعية تخصصية لتدقيق التعاقدات الحكومية من أجل ضمان مطابقتها للقوانين والتعليمات النافذة».

وشهد الاجتماع «مناقشة تشكيل لجنة مركزية بين ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ووزارة المالية، لتتولى مهمة وضع آلية للتدقيق والتحقيق بالعقود الحكومية قبل إبرامها، للتأكد من مطابقتها للتخصيصات المعتمدة».

وترتفع هذه الأيام أصوات المطالبين بالمباشرة في إجراءات تحقيق موسعة بشأن عدد من العقود المهمة التي أبرمتها الوزارات والمؤسسات الحكومية، في عهد حكومة رئيس الوزراء محمد السوداني الماضية، لـ«التأكد من مدى مطابقتها للقوانين والتعليمات وحماية المال العام».

وتشير توجيهات حكومية إلى أن الإجراءات «شملت التدقيق في تلك العقود وبيان أوجه التقصير فيها، وتشخيص المقصرين المتسببين في الإجحاف والإساءة للمال العام، والجهات المنتفعة منها على حساب المصلحة العامة».

تشكيك بمجالس النزاهة

يواجه المجلس السيادي الأعلى للنزاهة «الجديد الذي شكله رئيس الوزراء الزيدي، مزيداً من الانتقادات والتشكيك، لجهة افتقاره للصفة الدستورية والقانونية، أو لجهة الإخفاق الذي مني به جميع المجالس المماثلة التي شكلها رؤساء الوزراء السابقون بالنسبة لعمليات مجابهة الفساد».

وقال النائب محمد جاسم الخفاجي، الأحد، في تصريحات صحافية، إن «المجلس لا سند له من الناحية القانونية».

وأضاف أن «هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية هيئتان تخضعان وترتبطان بموجب المادتين (102) و(103) من الدستور بمجلس النواب العراقي، وأن هذه الهيئات المستقلة تستهدف في عملها الرقابة على عمل السلطة التنفيذية، والتحقيق بقضايا الفساد وهدر المال العام، وبالتالي هي تستهدف الوزارات والوزراء ورئيس مجلس الوزراء إضافة إلى وظيفته، فكيف يكون رئيساً لمجلسها؟».

وبالنظر للمجالس واللجان العديدة التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة، فإنها لم تترك أثراً واضحاً في مجال مكافحة الفساد.

وشكلت حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي «المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد» عام 2007، ثم تلتها حكومة حيدر العبادي بتأسيس «المجلس الأعلى للفساد» عام 2016. وفي عام 2018، شكلت حكومة عادل عبد المهدي «المجلس الأعلى لمكافحة الفساد»، ثم تلتها حكومة مصطفى الكاظمي عام 2020، وأسست «اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الجنائية». وفي عام 2022، أسس محمد السوداني «الهيئة العليا لمكافحة الفساد». مع ذلك، ظل العراق يتصدر ترتيب الدول الأكثر فساداً في اللوائح الدولية.

ويرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أنه «علينا أن نتسم بالواقعية وألا نندفع كثيراً في التفاؤل بأن بداية النهاية لعهد الفساد في العراق قد انطلقت فعلاً مع هذه الحكومة، ما دامت جاءت من رحم المنظومة نفسها التي تسببت في جميع الكوارث الاقتصادية التي عانى منها العراق طوال السنوات الماضية».

وذكر الهاشمي في تدوينة عبر «إكس»، أن «الفساد في العراق فساد مؤسس بقوة ومحمي ومدعوم وله رعاة يتربعون على رأس صناعة القرار في العراق، سواء عبر المواقع الرسمية أو عبر سلطة الأحزاب أو عبر تسلط السلاح».