التصعيد بين إسرائيل وإيران: ما مصير أسواق الذهب والنفط؟

مخاوف من ارتفاعات قياسية تصل بالبرميل إلى 150 دولاراً

الدخان يتصاعد من منشأة لتخزين النفط يبدو أنها تعرضت لضربة إسرائيلية يوم السبت (أ.ب)
الدخان يتصاعد من منشأة لتخزين النفط يبدو أنها تعرضت لضربة إسرائيلية يوم السبت (أ.ب)
TT

التصعيد بين إسرائيل وإيران: ما مصير أسواق الذهب والنفط؟

الدخان يتصاعد من منشأة لتخزين النفط يبدو أنها تعرضت لضربة إسرائيلية يوم السبت (أ.ب)
الدخان يتصاعد من منشأة لتخزين النفط يبدو أنها تعرضت لضربة إسرائيلية يوم السبت (أ.ب)

أدخل الصراع المتصاعد بين إسرائيل وإيران أسواق الطاقة والمعادن الثمينة إلى قلب المواجهة، دافعاً بأسعار النفط نحو الارتفاع وعزز مكانة الذهب بصفته أبرز ملاذ آمن.

ففي منطقة الشرق الأوسط التي تعدّ عصب إمدادات الطاقة العالمية، انتقلت المواجهة من حرب الظل إلى تبادل الضربات المباشرة، مثيرة قلقاً واسعاً في الأسواق المالية العالمية حول مصير أسواق الذهب والنفط. السؤال الأهم الآن: هل ستصبح هاتان السلعتان مصدراً للمخاطر والملاذ الآمن في آن واحد؟ وكيف سيتفاعل المستثمرون مع هذا المشهد المتقلب؟

مواجهة إسرائيل وإيران وإمدادات النفط

يمثل قرار إسرائيل شن هجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران، واستهداف محطتين لمعالجة الغاز على الأقل ومستودعين للوقود، مقامرة عالية المخاطر زادت من التوتر في أسواق الطاقة العالمية، ودفعت بأسعار النفط إلى تقلبات حادة.

هذه الهجمات عززت القفزات التي بدأ النفط يسجلها مع بدء الهجوم الإسرائيلي يوم الجمعة، والتي استتبعها يوم الاثنين بارتفاع جديد لخام برنت بنسبة 5.5 في المائة ليصل إلى أكثر من 78 دولاراً للبرميل، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل أن يتخلى عن بعض هذه المكاسب ليتداول عند سعر يزيد قليلاً على 74 دولاراً.

أفراد الطوارئ يعملون في موقع الاصطدام بعد هجوم صاروخي من إيران على إسرائيل (رويترز)

ويُشير محللون إلى أن السوق تركز بشكل خاص على البنية التحتية للطاقة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وعلى مضيق هرمز نفسه. هذا الممر المائي الضيق يعدّ شرياناً حيوياً، حيث تُصدّر عبره إيران ودول المنطقة نحو ثلث النفط والغاز المنقول بحراً في العالم. أي اضطراب في هذه المنطقة، التي تعدّ قلب إنتاج النفط والغاز العالميين، يؤثر بشكل مباشر على الإمدادات والأسعار.

توقعات كبرى المؤسسات المالية تعكس هذا القلق. فقد أعلنت شركة «بي إم بي سوليوشن» التابعة لمؤسسة «فيتش» يوم الاثنين أنه في حال اختارت إيران توسيع نطاق هجماتها على الأصول الأميركية في المنطقة، سترتفع أسعار النفط أولاً إلى ما بين 75 و100 دولار للبرميل؛ نظراً إلى ارتفاع أقساط المخاطر، ثم تنتقل إلى نطاق 100 - 150 دولاراً للبرميل في حال إغلاق مضيق هرمز.

وقدّرت أن تخفّض أسعار النفط التي تتراوح بين 75 و100 دولار للبرميل، النمو العالمي بنحو 0.08 نقطة مئوية، وأن ترفع متوسط ​​معدل التضخم بمقدار 0.49 نقطة مئوية. وبالمثل، فإن الأسعار التي تتراوح بين 100 و150 دولاراً للبرميل ستخفض النمو العالمي بمقدار 0.23 نقطة مئوية، وسترفع متوسط ​​التضخم العالمي بمقدار 1.34 نقطة مئوية.

من جهته، رأى بنك «جي بي مورغان تشيس» أن أسعار النفط قد تصعد إلى 130 دولاراً للبرميل في حال استمرار الصراع بين إسرائيل وإيران، بينما توقعت شركة «آي إن جي بارنغز» أن تتضاعف أسعار النفط لتصل إلى 150 دولاراً للبرميل في وقت لاحق من عام 2025 في هذه الحالة. كما يؤثر ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري بشكل كبير على الأسعار النهائية للنفط؛ ما يزيد من أعباء المستوردين.

وفي هذا الإطار، أكد المهندس أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، يوم الاثنين، أن «أهمية النفط والغاز لا يمكن التقليل منها، خصوصاً في أوقات الصراعات - وهو ما نشهده حالياً». وأضاف: «لأن وقائع التاريخ أثبتت لنا أنه عند نشوب الصراعات، لا يُمكن التقليل من أهمية النفط الخام والغاز. ونحن نشهد ذلك في الوقت الراهن، في ظل استمرار التهديدات لأمن الطاقة وتسببها في قلق على الصعيد العالمي... ويخبرنا التاريخ أيضاً أن مصادر الطاقة الجديدة لا تحل محل التقليدية، بل تُضيف إلى مزيج الطاقة».

من جانبه، حذّر رئيس البنك الفيدرالي الألماني يواخيم ناغل، يوم الاثنين، من مخاطر «صدمة نفطية» قد تتسبب في «ارتفاع شديد في (أسعار) النفط» و«تنسف توقّعاتنا» في مجال التضخم والنموّ.

هل إغلاق مضيق هرمز وارد؟

ومع تضرر قطاع الطاقة الإيراني، وتهديدات رسمية بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي لمرور شاحنات النفط والغاز، يقلل موقع «تانكر تراكرز» المتخصص في متابعة ناقلات النفط احتمالات إغلاق المضيق، واصفاً إياها بأنها «ضئيلة»، مع وصول صادرات نفط إيران لنحو مليونَي برميل يومياً، في آخر أسبوعين قبل الحرب.

يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 90 في المائة من صادرات نفط الخليج العربي عبر مضيق هرمز. وقد نقلت ناقلات النفط ما يقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً عبر هذا الممر في عام 2022، ما يمثل ما يقرب من خُمس شحنات النفط العالمية. كما يمر عبره ما نسبته 20 في المائة من الغاز الطبيعي السائل.

ويقول توشيتاكا تازاوا، المحلل في «فوجيتومي» للأوراق المالية، إن «الأسواق تراقب احتمال حدوث اضطرابات في إنتاج النفط الإيراني... وقد تؤدي زيادة المخاوف من غلق مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في الأسعار».

من جهتها، الهند ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم، أبدت قلقها على لسان وزير نفطها هارديب بوري، الذي قال إن بلاده تراقب إمدادات النفط والوضع الجيوسياسي الناشئ في الشرق الأوسط. مؤكداً أنه سيجتمع بالمديرين التنفيذيين في قطاع الطاقة لتقييم الوضع.

ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

الذهب: ملاذ لا يخبو بريقه

شهدت أسواق الذهب تفاعلاً فورياً مع التصعيد بين إسرائيل وإيران، حيث سجل المعدن الأصفر مكاسب ملحوظة في بداية الأمر، مؤكداً دوره بصفته ملاذاً آمناً بامتياز في أوقات الأزمات الجيوسياسية. فعقب الهجمات، ارتفع الذهب الفوري بنسبة تجاوزت 1 في المائة ليصل إلى مستويات قريبة من 3449 - 3450 دولاراً للأونصة، وهو ما يمثل أعلى سعر وصل إليه بعد الأحداث. كانت هناك مراهنات على وصوله إلى 3500 دولار، بل و3600 دولار في حال تطور الاشتباكات.

كما يبقى الذهب مرساة للاستقرار، خاصة بالنسبة للبنوك المركزية. فقد أظهرت بيانات حديثة أن الذهب تجاوز اليورو العام الماضي ليصبح ثاني أكبر أصول الاحتياطي العالمي بين البنوك المركزية العالمية، بعد موجة شراء قياسية تعكس سعي الدول لتعزيز احتياطياتها وتخفيف الاعتماد على العملات التقليدية، لا سيما الدولار.

يرى ريكاردو إيفانجيليستا، كبير المحللين في شركة «أكتيف تريدس» للوساطة المالية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «المكاسب الأولية للذهب جاءت مدفوعة بارتفاع الطلب على الأصول الآمنة، في ظل تدهور المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، عقب تبادل الهجمات الصاروخية بين إسرائيل وإيران».

عوامل صعودية للذهب

ولفت محللون إلى إن النظرة العامة للذهب تبقى صعودية، مدعومة بعوامل هيكلية عدة، منها:

  • حتى لو لم يتصاعد الصراع الحالي إلى حرب شاملة، فإن منطقة الشرق الأوسط تظل بؤرة للتوترات. عدم اليقين المستمر هذا يدفع المستثمرين والبنوك المركزية إلى الاحتفاظ بالذهب مخزناً للقيمة. وأي تجدد للتصعيد أو انتشار الصراع سيؤدي حتماً إلى قفزات جديدة في أسعار الذهب.
  • مشتريات البنوك المركزية القياسية: واصلت البنوك المركزية مشترياتها الضخمة من الذهب، حيث سجلت 244 طناً في الربع الأول من عام 2025، متجاوزة المتوسط الفصلي لخمس سنوات بنسبة 25 في المائة. مع العلم أن هذا الاتجاه مستمر منذ سنوات، حيث تجاوزت المشتريات 1000 طن سنوياً لمدة ثلاث سنوات متتالية (2022 - 2024). وتعكس هذه المشتريات رغبة في تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار، والتحوط ضد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة. هذه المشتريات الضخمة من قِبل جهات سيادية تضع أرضية قوية لأسعار الذهب.
  • توقعات التضخم والسياسة النقدية: رغم تباطؤ التضخم في بعض الاقتصادات، لا تزال المخاوف التضخمية قائمة، خاصة مع أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في أسعار الطاقة نتيجة للتوترات الجيوسياسية. كما تقلل توقعات خفض أسعار الفائدة من قِبل البنوك المركزية الكبرى، لا سيما الاحتياطي الفيدرالي من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً؛ ما يجعله أكثر جاذبية.
  • الضبابية الاقتصادية العالمية: النمو الاقتصادي العالمي يواجه تحديات، وهناك مخاوف من ركود محتمل في بعض الاقتصادات. في بيئة كهذه، يميل المستثمرون إلى الأصول الآمنة مثل الذهب. كما أن تأثير الصراعات على سلاسل الإمداد وتكاليف الشحن يزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.

سبائك وعملات ذهبية داخل غرفة صناديق الأمانات في «دار الذهب» بميونيخ الألمانية (رويترز)

أرقام قياسية

يتفق معظم المحللين على أن الذهب قريب من تجاوز أعلى مستوى تاريخي له (الذي وصل تقريباً إلى 3500 دولار للأونصة في أبريل/نيسان 2025). البعض يرى أن 3425 دولاراً يمثل مستوى مقاومة مهماً، واختراقه سيفتح الطريق نحو 3500 دولار وما بعدها.

ويظل كل من «جي بي مورغان» و«يو بي إس» متفائلين، مع توقعات بوصول الذهب إلى 3675 دولاراً للأونصة بحلول الربع الأخير من 2025، وربما 4000 دولار للأونصة بحلول منتصف 2026، مدعوماً بالتحوط ضد الركود التضخمي وتدهور العملات.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

في ظل هذا التوازن الهش، تظل أنظار المتداولين مركّزة على المحادثات التجارية الجارية، والتي تواصل لعب دور محوري في تشكيل التوقعات بشأن الأداء الاقتصادي العالمي. كما تترقب الأسواق باهتمام اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي وقراره المرتقب هذا الأسبوع بشأن أسعار الفائدة. ورغم أن التوقعات تشير إلى الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير، فإن المستثمرين سيولون اهتماماً خاصاً للبيان المصاحب ووقائع المؤتمر الصحافي الذي سيعقب الاجتماع؛ بحثاً عن إشارات تخص توجهات السياسة النقدية على المدى القريب.


مقالات ذات صلة

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية متظاهرون يرقصون حول نار مشتعلة في شارع وسط طهران (أ.ب)

إيران تستعد لحرب محتملة في ظل تصاعد الاحتجاجات

هددت إيران، الأحد، باستهداف إسرائيل والقواعد والمراكز والسفن العسكرية الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لضربة أميركية، في وقت دخلت فيه الاحتجاجات أسبوعها الثالث.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)

طهران في مرمى التحذيرات الأميركية… وإسرائيل ترفع الجاهزية

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الأحد، دعم بلاده لما وصفه بـ«نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية»، في وقت تتواصل فيه الاحتجاجات داخل إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - تل أبيب: «الشرق الأوسط»)
شؤون إقليمية مقاتلة من طراز «إف 35» خلال حفل تخرج لطياري سلاح الجو الإسرائيلي (رويترز)

تقرير: طائرة إف 35 التي تعدّها إسرائيل «أعظم أسلحتها» قد تصبح «أكبر مشاكلها»

قالت صحيفة «إسرائيل هيوم» إن طائرة إف 35 الشبحية، التي منحت إسرائيل تفوقاً ساحقاً، أصبحت تحظى باهتمام خصومها، مما يُعرّض تفوق إسرائيل النوعي للخطر بسبب التأخير

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية السيناتور الأميركي ليندسي غراهام ينشر صورة تجمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يحمل قبعة كُتب عليها «لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى» الاثنين

طهران ترد على ترمب: تكرار التجارب الفاشلة لا يغير المآلات

وصفت طهران تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها «حرب نفسية»، بينما رفعت تل أبيب سقف تهديداتها حيال البرنامج الصاروخي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
TT

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)

كشفت مصادر مطلعة لـ«أكسيوس» أن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أعرب للرئيس دونالد ترمب، في اتصال هاتفي متأخر يوم الأحد، عن امتعاضه الشديد من التحقيق الفيدرالي الذي يستهدف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، محذراً من أن هذه الخطوة «تسببت في فوضى» قد تعصف بالاستقرار المالي.

اضطراب الأسواق وردود الفعل

ولم تتأخر تداعيات هذه المخاوف؛ إذ شهدت الأسواق، يوم الاثنين، تراجعاً في قيمة الدولار، بينما ارتفعت عوائد السندات وأسعار الذهب، وسط قلق المستثمرين من التدخل السياسي في استقلالية البنك المركزي.

وفي تصعيد غير مسبوق، خرج باول في بيان فيديو نادر ليلة الأحد، نافياً ارتكاب أي مخالفات فيما يتعلق بتكاليف ترميم مقر البنك في واشنطن. واتهم باول إدارة ترمب بـ«تسييس وزارة العدل» انتقاماً منه لعدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي طلبها الرئيس، قائلاً: «التهديد بالملاحقة الجنائية هو نتيجة لعملنا بناءً على مصلحة الجمهور لا تفضيلات الرئيس».

«تحرك منفرد» وصدع في الإدارة

وتشير التقارير إلى أن مكتب المدعية العامة في واشنطن، جانين بيرو، أطلق التحقيق دون إخطار مسبق لوزارة الخزانة أو كبار المسؤولين في البيت الأبيض أو حتى القيادة المركزية لوزارة العدل. ووصف مصدر بالإدارة تحرك بيرو بأنه «خروج عن النص».

من جانبه، حاول ترمب النأي بنفسه عن تفاصيل التحقيق، مصرحاً لشبكة «إن بي سي»: «لا أعرف شيئاً عن مذكرات الاستدعاء»، لكنه لم يترك الفرصة دون مهاجمة باول، قائلاً: «إنه ليس جيداً في إدارة الفيدرالي، وليس جيداً في تشييد المباني».

كواليس «مارالاغو» وأصابع الاتهام

وتتجه الأنظار داخل الإدارة إلى بيل بولت، مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان؛ حيث يعتقد مسؤولون أنه كان المحرك وراء دفع وزارة العدل لفتح هذا التحقيق. ورغم نفي بولت هذه المزاعم، تشير المصادر إلى أن «الضوء الأخضر» لبيرو قد يكون جاء نتيجة اجتماع عُقد الأسبوع الماضي بين ترمب وبولت في نادي «مارالاغو».

العواقب السياسية

لقد أدى هذا التحقيق إلى نتائج عكسية لما كانت تخطط له الإدارة؛ فبينما كان بيسنت يأمل في استقالة باول مبكراً لإفساح المجال لمرشح جديد، يرى مراقبون أن باول بات الآن «أكثر تمسكاً بمنصبه» للدفاع عن نفسه.

وعلى الصعيد البرلماني، أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس، العضو البارز في لجنة الخدمات المصرفية، اعتزامه عرقلة أي إجراء لتعيين بديل لباول طالما استمر هذا التحقيق، مشككاً في مصداقية وزارة العدل.


رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
TT

رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)

أصدر جميع رؤساء البنوك المركزية الأميركية السابقين الأحياء بياناً مشتركاً ينتقدون فيه التحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، قائلين يوم الاثنين، إن خطوة وزارة العدل «لا مكان لها» في البلاد.

وجاء في البيان، الذي وقّعه أيضاً قادة اقتصاديون أميركيون سابقون آخرون: «إن التحقيق الجنائي المزعوم مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول هو محاولة غير مسبوقة لاستخدام الهجمات القضائية لتقويض استقلاليته».

وفي هذا الوقت، أعلنت السيناتورة ليزا موركوفسكي، دعمها خطة زميلها الجمهوري توم تيليس، لعرقلة مرشحي الرئيس دونالد ترمب لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، وذلك بعد أن هددت وزارة العدل بتوجيه اتهامات إلى باول.

وكتبت موركوفسكي على منصة «إكس»: «المخاطر جسيمة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها: إذا فقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، فسيتأثر استقرار أسواقنا والاقتصاد ككل».

وتُعد موركوفسكي من قلة من الجمهوريين المقربين من ترمب الذين أبدوا استعدادهم للتصويت ضد رغباته في مجلس الشيوخ في بعض الأحيان، حيث يتمتع حزبه بأغلبية 53-47.

وقالت النائبة عن ولاية ألاسكا إنها تحدثت في وقت سابق من يوم الاثنين، مع باول، الذي صرّح، يوم الأحد، بأن البنك المركزي الأميركي تلقى مذكرات استدعاء الأسبوع الماضي، وصفها بأنها «ذريعة» تستهدف بدلاً من ذلك تحديد أسعار الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي» بناءً على السياسة النقدية وليس بناءً على تفضيلات ترمب.

ووصفت موركوفسكي تهديد وزارة العدل بأنه «ليس أكثر من محاولة إكراه»، مضيفةً أنه ينبغي على الكونغرس التحقيق مع الوزارة إذا كان يعتقد أن التحقيق مع «الاحتياطي الفيدرالي» كان مبرراً بشأن تجاوزات تكاليف التجديد، التي وصفتها بأنها «ليست غير مألوفة».

من جانبه، دعا السيناتور الأميركي كيفن كرامر، العضو الجمهوري في لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ والناقد لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، إلى إنهاء سريع للتحقيق الفيدرالي مع رئيس البنك المركزي، مشيراً إلى الحاجة إلى استعادة الثقة بالمؤسسة.


قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

أبدت «وول ستريت» قلقاً، يوم الاثنين، مع تصاعد التوترات بين البيت الأبيض و«الاحتياطي الفيدرالي»، وهما مؤسستان في واشنطن اعتاد المستثمرون اعتبار استقلاليتهما أمراً مفروغاً منه.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق، بينما ارتفعت أسعار الذهب وغيرها من الاستثمارات التي عادةً ما تحقق أداءً جيداً في أوقات القلق، كما تراجع الدولار الأميركي مقابل اليورو والفرنك السويسري وعملات أخرى، وسط مخاوف من احتمال تراجع استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في تحديد أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، وفق «وكالة أسوشيتد برس».

كما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 432 نقطة، أو 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما بقي مؤشر «ناسداك» المركب دون تغيير يُذكر.

وتأتي هذه التحركات في الأسواق المالية بعد أن استدعت وزارة العدل الأميركية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مهددة بتوجيه اتهامات جنائية لرئيسه جيروم باول بشأن شهادته حول أعمال التجديد الجارية في مقرّ المجلس.

وفي بيان مصوّر نُشر، يوم الأحد، وصف باول التحقيق بأنه «ذريعة» تهدف إلى ممارسة مزيد من النفوذ على أسعار الفائدة التي يسعى الرئيس ترمب إلى خفضها بشكل كبير، مؤكداً أن تحديد أسعار الفائدة يتم «بناءً على أفضل تقييم لدينا لما يخدم المصلحة العامة، وليس اتباعاً لرغبات الرئيس».

وفي مقابلة مع قناة «إن بي سي نيوز» يوم الأحد، أصر الرئيس ترمب على أنه لم يكن على علم بالتحقيق الجاري مع باول، وقال عند سؤاله عن احتمال أن يكون الهدف الضغط على باول: «لا، لم يخطر ببالي مجرد القيام بذلك بهذه الطريقة».

وتنتهي ولاية باول رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو (أيار) المقبل، وقد أشار مسؤولون في إدارة ترمب إلى احتمال تعيين بديل له هذا الشهر. كما سعى ترمب إلى إقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.

ويشهد المجلس خلافاً حاداً مع البيت الأبيض حول أسعار الفائدة؛ إذ كثيراً ما دعا ترمب إلى خفضها بشكل كبير لجعل الاقتراض أرخص للأسر والشركات الأميركية، ما قد يمنح الاقتصاد دفعة قوية.

وقد خفض «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الرئيسي ثلاث مرات، العام الماضي، وأشار إلى إمكانية المزيد من التخفيضات هذا العام، إلا أن وتيرة خفضه كانت بطيئة؛ ما دفع ترمب لإطلاق لقب «فات الأوان» على باول.

ويعمل «الاحتياطي الفيدرالي» تقليدياً بشكل مستقل عن الأجهزة السياسية في واشنطن، ويتخذ قراراته بشأن أسعار الفائدة دون الخضوع للأهواء السياسية؛ ما يمنحه حرية اتخاذ إجراءات غير شعبية ضرورية لصحة الاقتصاد على المدى الطويل، مثل الإبقاء على أسعار مرتفعة للسيطرة على التضخم.

وفي «وول ستريت»، تكبدت أسهم الشركات المالية بعضاً من أكبر الخسائر بعد مسعى منفصل من ترمب لفرض سقف بنسبة 10 في المائة على أسعار بطاقات الائتمان لمدة عام؛ ما قد يقلص أرباح شركات بطاقات الائتمان.

وانخفض سهم «كابيتال وان فاينانشال» بنسبة 6 في المائة، وخسر سهم «أميركان إكسبريس» 4 في المائة.

وفي سوق السندات، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.19 في المائة من 4.18 في المائة في نهاية، يوم الجمعة.

على الصعيد العالمي، ارتفعت مؤشرات الأسهم في معظم أنحاء أوروبا، وقفزت الأسهم بنسبة 1.4 في المائة في هونغ كونغ و1.1 في المائة في شنغهاي، مسجلةً اثنين من أكبر المكاسب العالمية، عقب تقارير تفيد بأن القادة الصينيين يعدّون المزيد من الدعم للاقتصاد.