بعد تهديداتها... هل تستطيع إيران فعلاً إغلاق مضيق هرمز؟

ناقلات نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

بعد تهديداتها... هل تستطيع إيران فعلاً إغلاق مضيق هرمز؟

ناقلات نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)

مع تصاعد التوترات في أعقاب الضربات الإسرائيلية على إيران، عادت المخاوف من أن طهران قد ترد باستهداف مضيق هرمز، أحد أهم شرايين النفط في العالم. وقد نقلت وكالة «تسنيم» السبت عن عضو لجنة الأمن في البرلمان الإيراني، إسماعيل كوثري، قوله إن إغلاق مضيق هرمز «قيد الدراسة»، وإن طهران ستتخذ «القرار الأفضل بحزم».

فماذا يعني ذلك في ظل الديناميكيات الجيوسياسية الحالية؟

يقع مضيق هرمز بين عُمان وإيران، ويشكل ممراً بحرياً حيوياً يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب. ونظراً لكميات النفط الهائلة التي تعبر هذا المضيق، فإنه يتميز بكونه أهم ممر نفطي في العالم. والأهم من ذلك، أنه نظراً لمحدودية الطرق البديلة لصادرات النفط من المنطقة، يتم ضخ ما يقرب من 90 في المائة من صادرات نفط الخليج العربي عبر مضيق هرمز. وقد نقلت ناقلات النفط ما يقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً عبر هذا الممر في عام 2022. وهو ما يمثل ما يقرب من خُمس شحنات النفط العالمية. كما يمر عبره ما نسبته 20 في المائة من الغاز الطبيعي السائل.

التهديدات الإيرانية السابقة

هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز عدة مرات في الماضي، أبرزها عام 2018 عندما تصاعدت التوترات عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات. وقبل ذلك، ورد تهديد كبير آخر في عامي 2011 و2012 عندما حذر مسؤولون إيرانيون من احتمال إغلاق المضيق إذا فرض الغرب عقوبات إضافية على صادراتها النفطية بسبب برنامجها النووي. ومع ذلك، لم تُنفذ هذه التهديدات على الإطلاق.

تحول في ديناميكيات التجارة العالمية

في الفترة من 2001 إلى 2022، شهدت صادرات النفط الخام من الخليج العربي إلى الولايات المتحدة انخفاضاً ملحوظاً بنسبة 72 في المائة، حيث انخفضت من 2660 إلى 740 ألف برميل يومياً، وفق «إيكونوفيس»، وهو موقع أبحاث اقتصادية مُخصص لإجراء أبحاث متطورة في مجال الاقتصاد. وشهد الاتحاد الأوروبي اتجاهاً مماثلاً، حيث انخفضت الصادرات بنسبة 37 في المائة، من 2330 إلى 1460 ألف برميل يومياً. في المقابل، برزت الصين كقوة مؤثرة في سوق النفط العالمية، حيث شهدت زيادة غير مسبوقة بنسبة 800 في المائة في وارداتها من نفط الخليج العربي، حيث ارتفعت بشكل هائل من 630 إلى نحو 5800 ألف برميل يومياً.

وفي عام 2022، انخفضت حصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من واردات النفط الخام من الخليج العربي إلى 4.1 في المائة و8.1 في المائة على التوالي، بينما استحوذت الصين على حصة ساحقة، حيث استوردت أكثر من 30 في المائة. وشكّل نفط الخليج العربي 12 في المائة من إجمالي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام، و15 في المائة من الاتحاد الأوروبي، و55 في المائة من الصين.

برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام في العالم، حيث استحوذت على حصة كبيرة بلغت 23 في المائة من الواردات العالمية في عام 2022. كما تُعدّ المستورد الأول للنفط الإيراني، حيث تُشكّل، بحسب التقارير، أكثر من ثلاثة أرباع صادراتها النفطية. كما تُعدّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم أكبر شريك تجاري لإيران.

ولا تزال الصين تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، مع تركيز ملحوظ على النفط الخام. ففي عام 2022، بلغت قيمة واردات الصين من الوقود المعدني ومنتجاته 535 مليار دولار، منها 366 ملياراً أُنفقت على النفط الخام فقط. وقد أدى ذلك إلى عجز تجاري للصين بلغ 470 مليار دولار في الوقود المعدني ومنتجاته.

ومن أبرز الاتجاهات التي برزت على مر السنين هو تحول ديناميكيات التجارة مع كبار اللاعبين العالميين. ففي عام 2001، كانت تجارة الخليج العربي مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين أكبر من تجارتها مع الصين بنحو سبعة أضعاف. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولاً كبيراً في هذه الأنماط التجارية، مع ارتفاع ملحوظ في التجارة مع الصين. إذ شهدت العلاقات التجارية بين دول الخليج والصين نمواً هائلاً، حيث ارتفعت بنسبة تزيد عن 2700 في المائة بين عامي 2001 و2022. وبحلول نهاية عام 2022، بلغ إجمالي التجارة مع الصين 385 مليار دولار، مما يعكس الأهمية المتزايدة لهذه الشراكة الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، بلغ إجمالي التجارة بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي في العام نفسه 219 مليار دولار، بينما بلغت تجارتها مع الولايات المتحدة 95 مليار دولار، وفق بيانات «إيكونوفيس».

تصاعد عمود من الدخان الكثيف فوق مصفاة نفط جنوب طهران بعد استهدافها في غارة إسرائيلية ليلية (أ.ف.ب)

تحديات إغلاق المضيق

ومن هنا، يعتقد مراقبو السوق أن حدوث انقطاع كامل في تدفقات النفط العالمية بإغلاق المضيق أمر غير مرجح، بل قد يكون مستحيلاً فعلياً، وفق شبكة «سي إن بي سي». وترى إيلين والد، رئيسة شركة «ترانسفيرسال» للاستشارات، أنه لا توجد «أي فائدة صافية» لإيران من إعاقة مرور النفط عبر مضيق هرمز، وأن أي إجراء من هذا القبيل سيؤدي على الأرجح إلى المزيد من الانتقام. وحذرت من أن أي ارتفاع كبير في أسعار النفط بسبب إغلاق المضيق قد يثير رد فعل عنيفاً من الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، والتي «لا ترغب في أن يتعطل تدفق النفط من الخليج بأي شكل من الأشكال، ولا ترغب في ارتفاع أسعار النفط. لذا، ستُسخّر كامل قوتها الاقتصادية للضغط على إيران». وأوضحت والد أن الصين «لا ترغب في أن يتعطل تدفق النفط من الخليج بأي شكل من الأشكال، ولا ترغب في ارتفاع أسعار النفط. لذا، ستُسخّر كامل قوتها الاقتصادية للضغط على إيران».

يؤكد الدكتور أنس الحجي، خبير اقتصادات الطاقة، أن «أصدقاءهم سيعانون أكثر من أعدائهم»، مما يجعل التوقع بحدوث ذلك صعباً جداً. ويضيف أن تعطيل القناة قد يكون نقمة أكثر منه نعمة لطهران، نظراً لأن معظم السلع الاستهلاكية اليومية لإيران تأتي عبر هذا الطريق، و«ليس من مصلحتهم التسبب في مشكلات لأنهم سيعانون أولاً».

بحسب صحيفة «ذي إيكونوميست» في هذا الإطار، إن مثل هذا الإجراء سيكون تهوراً، سيما وأن هذا الممر المائي الضيق هو حيوي لإيران نفسها. وتضيف أنه رغم تهديد إيران بمثل هذا الإجراء عدة مرات، فإنها لم تجرؤ حتى الآن على المخاطرة.

هل إغلاق المضيق مستحيل تقنياً؟

عام 2018، هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز عندما تصاعدت التوترات عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات. وقبل ذلك، ورد تهديد كبير آخر في عامي 2011 و2012، عندما حذر مسؤولون إيرانيون، بمن فيهم نائب الرئيس آنذاك محمد رضا رحيمي، من احتمال إغلاق المضيق إذا فرض الغرب عقوبات إضافية على صادراتها النفطية بسبب برنامجها النووي.

ولكن على الرغم من التهديدات المتكررة، لم تُنفذ أي محاولة لإغلاق مضيق هرمز، حيث يقول المحللون إنه غير ممكن من الناحية العملية. يوضح الحجي أن معظم المضيق يقع في عُمان، وليس في إيران، وأنه واسع بما يكفي بحيث لا يستطيع الإيرانيون إغلاقه. وتشير والد أيضاً إلى أنه على الرغم من مرور العديد من السفن عبر المياه الإيرانية، فإنه لا يزال بإمكان السفن سلوك طرق بديلة عبر الإمارات العربية المتحدة وعُمان.

ويلخص البروفسور الأميركي المعروف، بول سوليفان، الموقف بالقول: «لن يخنقوا اقتصادهم بإغلاقه. كم مرة علينا أن نقول هذا؟». في حين قالت آمنة بكر، رئيسة قسم الشرق الأوسط وتوقعات «أوبك بلس» في شركة «كبلر»: «يُعد إغلاق المضيق سيناريو متطرفاً، مع أننا في وضع حرج. لهذا السبب لا أستبعد هذا الخيار تماماً. علينا دراسته».


مقالات ذات صلة

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

تحليل إخباري مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

تُظهر استراتيجية الصين طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وبناء المخزونات قدرتها على التكيّف مع الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)

ترمب يعلن تطهير «هرمز»... وطهران تتمسك بالسيطرة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الجيش الأميركي بدأ «تطهير» مضيق هرمز، وأنه سيُفتح «قريباً»، في حين تمسكت طهران بإبقائه مغلقاً.

«الشرق الأوسط» (لندن – واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية منظومة دفاع جوي تُعرض بمتحف الوحدة الصاروخية لـ«الحرس الثوري» في طهران... نوفمبر 2024 (رويترز)

مصادر استخباراتية: إيران تحتفظ بقدرات صاروخية... والصين تستعد لتزويدها بدفاعات جوية

كشفت تقييمات استخباراتية أميركية عن أنَّ طهران تحتفظ بقدرات صاروخية يمكن استعادتها، بالتوازي مع معلومات عن استعداد الصين لتزويدها بأنظمة دفاع جوي جديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان

فانس وقاليباف يفتتحان مساراً مباشراً لإنهاء الحرب

باشرت قيادات أميركية وإيرانية رفيعة المستوى، السبت، في العاصمة الباكستانية، مسار مفاوضات يهدف إلى إنهاء الحرب التي اندلعت بين الجانبين قبل ستة أسابيع.

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية في طهران وتظهر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين بينهم علي رضا تنغسيري قائد بحرية «الحرس الثوري» قبل مقتله في بندر عباس (إ.ب.أ)

مصادر: المرشد الإيراني الجديد يعاني إصابات وتشوهات بالغة

لا يزال المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يتعافى من إصابات بالغة في الوجه والساق أُصيب بها جراء الغارة الجوية التي قتلت والده في بداية الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية: استثمارات الجبيل وينبع الصناعية تتجاوز 400 مليار دولار في 2025

مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)
مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)
TT

السعودية: استثمارات الجبيل وينبع الصناعية تتجاوز 400 مليار دولار في 2025

مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)
مدينة ينبع الصناعية (موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع الإلكتروني)

ارتفع إجمالي حجم الاستثمارات في مدينتي الجبيل وينبع الصناعية السعودية إلى أكثر من 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) خلال عام 2025، وفق تقرير «الهيئة الملكية للجبيل وينبع» السنوي.

وبحسب التقرير، يعكس الرقم حجم الاستثمارات وتوافق جهود الهيئة مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للصناعة، الرامية إلى تنمية الصناعات الوطنية، وتعظيم القيمة المضافة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويزيد مساهمة القطاع غير النفطي في النمو الاقتصادي.

ويأتي هذا النمو امتداداً لدور الهيئة بصفتها أحد الممكنات الرئيسة لبرنامج «تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب)»، الذي يستهدف تحويل السعودية إلى قوة صناعية رائدة ومنصة لوجيستية عالمية، عبر تطوير قطاعات الصناعة والتعدين والطاقة والخدمات اللوجيستية وتعزيز تكاملها وجاذبيتها الاستثمارية.


خطوة نحو العالمية... «السعودية للقهوة» تتسلم قيادة «مركز جازان للبُن»

أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)
أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)
TT

خطوة نحو العالمية... «السعودية للقهوة» تتسلم قيادة «مركز جازان للبُن»

أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)
أحد المزارعين يجمع البن بمنطقة جازان (واس)

أعلنت «الشركة السعودية للقهوة»، التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، تسلمها رسمياً إدارة «مركز تطوير البُن السعودي» في محافظة الدائر بمنطقة جازان، من «أرامكو السعودية»، بالتنسيق مع «المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة جازان». وتُعدّ هذه الخطوة إنجازاً مهماً في مسيرة التطوير المستمر للبنية التحتية لقطاع القهوة في المملكة.

ويُمثّل «المركز» ثمرة مبادرة نوعية من «أرامكو السعودية» ضمن «مبادرات المواطنة المتنوعة» التي أطلقتها الشركة لدعم زراعة وإنتاج البُن في المنطقة، بالتعاون مع «جمعية البر» بمحافظة الدائر، و«هيئة تطوير وتعمير المناطق الجبلية بمنطقة جازان»، ودشنه الأمير محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز، أمير المنطقة، ليكون منصة متقدمة لتعزيز قدرات القطاع في المملكة.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية للقهوة»، المهندس بندر علي القحطاني: «يمثِّل هذا المركز محركاً أساسياً لتوسعة الطاقة الإنتاجية، وتمكين المزارعين، وخلق قيمة مضافة في جميع مراحل سلسلة القيمة الخاصة بقطاع القهوة».

وتجسِّدُ هذه الخطوة الاستراتيجية الأهدافَ المشتركة لكلٍّ من «أرامكو»، و«الشركة السعودية للقهوة»، لتمكين المجتمعات المحلية، وتعظيم الأثر الاقتصادي للبُن السعودي، وتُعززُ جهود «الشركة السعودية للقهوة» في تحقيق مهمتها المتمثلة في زيادة الطاقة الإنتاجية، وتمكين المزارعين، وإنشاء بنية تحتية متكاملة تدعم نمو القطاع على المدى الطويل.

فيما بيّن نائب الرئيس لأعمال الاتصال والمواطنة المؤسسية في «أرامكو السعودية»، حسين حنبظاظة، أن «أرامكو» دعمت صناعة القهوة لأعوام طويلة، من خلال مساعدة أكثر من ألف مزارع للبُن في جبال جازان وعسير بالتدريب وتقديم الأدوات الزراعية الحديثة لتطوير أعمالهم، مؤكداً الثقة بأن «مركز تطوير البُن السعودي» في المنطقة سيواصل التطور تحت إدارة «الشركة السعودية للقهوة»، وبأنه سيؤدي دوراً مستداماً في تعزيز هذه الصناعة.

و«تواصل (الشركة السعودية للقهوة)، بصفتها المنصة الوطنية لتطوير قطاع القهوة في المملكة، جهودها لتحويل المنطقة الجنوبية مركزاً عالمياً للقهوة الفاخرة، من خلال استثمارات استراتيجية تغطي كامل سلسلة القيمة، بما يعزِّز تكامل الجهود، ويدعم الاقتصادات المحلية، ويضمن تحقيق القهوة السعودية كل إمكاناتها التجارية، بالتوازي مع الاحتفاء بها بصفتها رمزاً ثقافياً وطنياً أصيلاً».


استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
TT

استراتيجية الصين للطاقة تؤتي ثمارها مع اضطراب الإمدادات

مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)
مبانٍ سكنية ومكاتب في بكين (رويترز)

تُظهر استراتيجية الصين طويلة الأمد في تنويع مصادر الطاقة وبناء المخزونات قدرتها على التكيّف مع الاضطرابات الناجمة عن الحرب مع إيران، رغم أن بعض القطاعات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، حسب محللين.

تُعد الصين مستورداً صافياً للنفط، وقد جاء أكثر من نصف وارداتها البحرية من الخام من الشرق الأوسط العام الماضي، وفقاً لشركة التحليلات «كبلر».

وقد أدى النزاع الذي أشعلته إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران إلى توقف شبه كامل للشحنات من منطقة الخليج لمدة ستة أسابيع حتى الآن، مع اتفاق هش لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه هذا الأسبوع، ومن غير المرجح أن يؤدي إلى تعافٍ فوري.

ومع ذلك، فإن تركيز بكين المستمر منذ فترة طويلة على أمن الطاقة جعلها مستعدة بشكل جيد لمثل هذه الصدمات، حسبما قال محللون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت مويو شو، كبيرة محللي النفط في «كبلر»، إن «القلق العام بشأن الوضع الجيوسياسي» في السنوات الأخيرة دفع القادة الصينيين إلى ضمان إنشاء مرافق تخزين كافية وبناء احتياطيات استراتيجية.

وأضافت أن هذه الجهود تعني أن الصين الآن في وضع أفضل بكثير مقارنة ببعض جيرانها في آسيا، مثل اليابان والفلبين. لكنها أشارت إلى أن بكين لم تكن «في عجلة» حتى الآن للبدء في استخدام احتياطياتها الاستراتيجية الكبيرة.

«تأكيد» الاستراتيجية

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن مهمة الصين المستمرة منذ عقود لتقليل اعتمادها التقليدي على الفحم والوقود الأحفوري بدأت تؤتي ثمارها. فجهود التحول واسعة النطاق نحو الطاقة المتجددة تعني أن «الصين في وضع جيد نسبياً» للتعامل مع الوضع الحالي، وفقاً للوري ميلفيرتا، المؤسس المشارك لـ«مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف».

وقد تمت إضافة قدرات كبيرة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية إلى المقاطعات الساحلية المكتظة بالسكان، إلى جانب تحسين البنية التحتية للشبكات التي تنقل الكهرباء إليها من المناطق الداخلية.

وقال ميلفيرتا إنه «كان سيتعين استيراد مزيد من النفط والغاز لتشغيل تلك المقاطعات» لولا هذه الجهود.

ورغم استمرار بعض الاعتماديات، بما في ذلك في قطاع التصنيع الضخم، فإن الطاقة المتجددة «تساعد كثيراً على الهامش»، حسب قوله.

كما قال لي شو، مدير «مركز الصين للمناخ في جمعية آسيا»، إن أزمة الطاقة الحالية «تؤكد صحة استراتيجية الصين طويلة الأمد القائمة على تنويع كل المصادر».

ويسعى الرئيس شي جينبينغ إلى الاستفادة من التوسع في الطاقة المتجددة بشكل أكبر مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية. وقد بثت قناة «سي سي تي في» الرسمية تقريراً يوم الاثنين نقلت فيه عن شي دعوته إلى تسريع بناء «نظام طاقة جديد» لضمان أمن الطاقة، دون الإشارة إلى حرب الشرق الأوسط.

مشاكل تلوح في الأفق

بالنسبة لبكين، فإن «الخطر الأكثر جدية» لا يتمثل في الصدمات الفورية للطاقة، بل في احتمال حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي بسبب النزاع، حسب لي من «جمعية آسيا». ومن المتوقع أن تتأثر بعض القطاعات حتماً، ما يخلق تحديات جديدة أمام القادة الذين يسعون إلى إنعاش النشاط الاقتصادي المتباطئ.

ومن بين هذه القطاعات «المصافي الصغيرة» الخاصة، التي استفادت تاريخياً من الوصول إلى النفط الإيراني والفنزويلي الخاضع للعقوبات بأسعار مخفضة.

وقد يكون فقدان النفط الإيراني بمثابة ضربة قاضية لكثير من هذه العمليات، التي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ الشرقية، التي تعاني بالفعل من تداعيات التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا هذا العام.

وقالت شو من «كبلر» إن لدى بكين «مشاعر مختلطة» تجاه ذلك. فمن جهة، تمثل هذه المصافي نحو خُمس قدرة التكرير في الصين وتوفر فرص عمل كبيرة. ومن جهة أخرى، فإن معاييرها البيئية المتساهلة، وإيراداتها الضريبية الأقل استقراراً، ومنافستها للشركات الحكومية الكبرى، تعني أن إغلاقها «ليس بالضرورة خبراً سيئاً بالكامل للصين».

كما أن قطاع صناعة الرقائق، الذي عده شي أولوية استراتيجية، قد يواجه تحديات مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. وتُعد قطر واحدة من الدول القليلة في العالم التي تنتج الهيليوم على نطاق واسع، وهو عنصر حيوي لصناعة أشباه الموصلات، وقد توقفت الإمدادات منذ بدء الحرب.

وقد يواجه قطاع الكيميائيات أيضاً «ضغوطاً كبيرة» بسبب الاضطرابات، حسب تقرير حديث لميخال ميدان من «معهد أكسفورد لدراسات الطاقة».

ومع ذلك، على المستوى الوطني، قالت إن «التأثيرات يمكن التخفيف منها». فبينما لن يكون الاقتصاد بمنأى عن ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي، فإن الجهات المعنية تتخذ بالفعل إجراءات استباقية في حال استمرار الاضطرابات.