تكريم الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب في «معرض أبوظبي»

بحضور نخبة من رموز الأدب والثقافة العالمية

الشيخ ذياب بن محمد بن زايد خلال تكريمه الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب (وام)
الشيخ ذياب بن محمد بن زايد خلال تكريمه الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب (وام)
TT

تكريم الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب في «معرض أبوظبي»

الشيخ ذياب بن محمد بن زايد خلال تكريمه الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب (وام)
الشيخ ذياب بن محمد بن زايد خلال تكريمه الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب (وام)

تحت رعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الإمارات، كرَّم الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون التنموية وأسر الشهداء، الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الـ19، خلال حفل تكريم أُقيم في مركز «أدنيك أبوظبي»، على هامش فعاليات الدورة الـ34 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، بحضور نخبة من رموز الأدب والثقافة العالمية.

وسلَّم الشيخ ذياب بن محمد الجوائز للفائزين، وهم: الكاتبة اللبنانية الفرنسية هدى بركات عن «فرع الآداب»، والكاتبة المغربية لطيفة لبصير عن «فرع أدب الطفل والناشئة»، والمترجم الإيطالي ماركو دي برانكو عن «فرع الترجمة»، والباحث المغربي الدكتور سعيد العوادي عن «فرع الفنون والدراسات النقدية»، والأستاذ الدكتور محمد بشاري من دولة الإمارات عن «فرع التنمية وبناء الدولة»، والباحث البريطاني أندرو بيكوك عن «فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى»، والباحث العراقي البريطاني رشيد الخيون عن «فرع تحقيق المخطوطات».

الشيخ ذياب بن محمد بن زايد يكرّم الأديب الياباني العالمي هاروكي موراكامي الفائز بجائزة شخصية العام الثقافية (وام)

كما كرَّم الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان الأديب الياباني العالمي هاروكي موراكامي، الفائز بجائزة «شخصية العام الثقافية»، تقديراً لمسيرته الإبداعية التي أَثرت المكتبة العالمية بأعمال روائية فريدة، إذ تُعَدُّ أعماله من بين الأكثر قراءة وترجمة في العالم، ما يعكس قدرة الأدب على التقريب بين الثقافات المختلفة، ومدِّ جسور التواصل بين الشعوب.

وشهدت الدورة التاسعة عشرة من جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي ينظِّمها مركز أبوظبي للغة العربية، مشاركة غير مسبوقة تجاوزت 4000 ترشيح من 75 بلداً، منها 20 بلداً عربياً، مع تسجيل 5 بلدان مشاركة للمرة الأولى، هي ألبانيا، وبوليفيا، وكولومبيا، وترينيداد توباغو، ومالي، ما يعكس المكانة المرموقة التي تحظى بها الجائزة على الساحة الثقافية الدولية، ودورها في ترسيخ مكانة دولة الإمارات مركزاً عالمياً للفكر والثقافة، وحاضنةً للمبدعين والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

ويحصل الفائز بلقب شخصية العام الثقافية على ميدالية ذهبية وشهادة تقدير، إضافةً إلى جائزة مالية بقيمة مليون درهم، ويحصل الفائزون في بقية الفروع على ميدالية ذهبية وشهادة تقدير، وجائزة مالية تبلغ 750000 درهم لكلِّ فائز، في خطوة تهدف إلى دعم الإبداع المعرفي، وتعزيز استدامة العطاء الثقافي على المستويين العربي والعالمي.

علي بن تميم: تكريم للعقل

وقبيل حفل التكريم، شهدت «منصة المجتمع»، جلسة حوارية تحت عنوان «تقدير لكل مبدع... حوار مع الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب للدورة التاسعة عشرة»، بحضور نخبة من رموز الأدب والثقافة العالمية، فيما ترأس الجلسة الدكتور علي بن تميم رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، وأدارتها الدكتورة ناديا الشيخ عضو الهيئة العلمية للجائزة.

وفي كلمته، أكّد بن تميم أن جائزة الشيخ زايد للكتاب ترسخ التبادل الثقافي بين الحضارات، وتعزز حضور الإبداع الإنساني في عالم متغير، مشيراً إلى أن تكريم هذه النخبة من المبدعين هو تكريم للعقل المنتج، وللفكر الذي يعبر الحدود ليربط بين الشعوب.

وأكّد أن الجائزة تسعى إلى الاحتفاء بالعقل المنتج للمعرفة، وتكريم الأصوات القادرة على مد جسور الحوار بين الثقافات. وأشار إلى أن اللقاء مع الفائزين يرسخ هذه الرؤية، حيث يتحول الحفل إلى منصة للتبادل المعرفي والاحتفاء بالتنوع الثقافي، مشيداً بما يحمله كل عمل فائز من قدرة على إلهام الأجيال الجديدة وتعميق الوعي النقدي تجاه قضايا الإنسان والهوية والمستقبل.

علي تميم متحدثاً في ندوة الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب (معرض أبوظبي)

معايير عالمية

واستهلت الروائية اللبنانية الفرنسية هدى بركات مداخلتها بالحديث عن روايتها «هند أو أجمل امرأة في العالم» التي فازت بجائزة فرع الأدب، موضحة أن كل رواية تُكتب هي شكل من أشكال الانتصار على البيئة المحيطة.

وأكّدت أن أدبها يتموضع في منطقة الحب المنتقد، حيث تروي الرواية مفاهيم الجمال بمعالجة مختلفة تتجاوز الصور التقليدية. وأشارت بركات إلى أن شخصية «هند» في الرواية ترتبط بمدينة بيروت، التي تحمل لها حباً خاصاً ممتزجاً بالألم. ورأت أن الجوائز العربية تحمل لها قيمة مضاعفة، معربة عن امتنانها العميق لجائزة الشيخ زايد للكتاب، التي تعدّها جائزة عالمية بمعاييرها واهتمام الإعلام الدولي بها.

قدرة الأدب

من جانبها، تحدثت الكاتبة المغربية لطيفة لبصير، الفائزة بجائزة فرع أدب الطفل والناشئة عن كتابها «طيف سَبيبة»، عن تجربتها الأولى في الكتابة الموجهة للأطفال، معتبرة أن تناول موضوع التوحد كان تحدياً إنسانياً وفنياً.

وأوضحت أنها استلهمت تجربتها من معايشتها حالات قريبة تعاني من هذا الاضطراب، ما دفعها إلى البحث والدراسة العلمية قبل الخوض في السرد الأدبي.

وأشارت إلى أن الكتابة عن التوحد كانت مؤلمة في كثير من اللحظات، لكنها شعرت أن الأدب قادر على نقل هذه القضايا الحساسة بعمق وجمال، معبرة عن فخرها بأن يكون هذا العمل رسالة إنسانية موجهة للعالم.

محاولة اختراق

بدوره، أوضح الأستاذ الدكتور محمد بشاري، الفائز بجائزة التنمية وبناء الدولة عن كتابه «حقّ الكدّ والسعاية... مقاربات تأصيلية لحقوق المرأة المسلمة»، أن كتابه يقدم قراءة فقهية تأصيلية لمفهوم الكدّ والسعاية، مبيناً جذوره الفقهية وقدرته على مواكبة التحولات الاجتماعية.

وعدّ بشاري أن كتابه يمثل محاولة لاختراق تقليدي فقهي قديم، مؤكداً أن الإسلام يملك في جوهره إمكانات كبيرة لتعزيز مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة بطريقة علمية متأصلة.

ندوة الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب (معرض أبوظبي)

إحياء نصّ تراثي قديم

واستعرض المترجم الإيطالي ماركو دي برانكو، الفائز بجائزة فرع الترجمة عن نقله لكتاب «هروشيوش» من العربية إلى الإنجليزية، أهمية عمله بوصفه صلة وصل ثقافية بين عوالم متعددة.

وأشار إلى أن الكتاب يجمع بين نصّين متجاورين بالعربية والإنجليزية، ويعيد إحياء نص تراثي تمت ترجمته في العصر العباسي بأمر الخليفة المستنصر بالله. ورأى أن هذه الترجمة تفتح نافذة جديدة لدراسة التفاعل العميق بين الثقافات والحضارات عبر الزمن.

وفي مداخلته، تحدث الدكتور سعيد العوادي، الفائز بجائزة فرع الفنون والدراسات النقدية عن كتابه «الطعام والكلام... حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي»، عن أهمية إعادة قراءة التراث العربي من زوايا غير تقليدية.

وبيّن أن كتابه يسعى إلى تسليط الضوء على خطاب الطعام المهمل في التراث البلاغي العربي، مقدماً قراءة جديدة تعيد الحياة إلى النصوص المنسية، وتكشف أن كثيراً من مصطلحات اللغة العربية تنبع جذورها من عالم الطعام. وأوضح أن العودة إلى هذه المساحات المنسية تمنح البلاغة روحاً جديدة، وتفتح آفاقاً مختلفة لفهم الأدب العربي القديم.

وفي سياق متصل، تناول الباحث البريطاني أندرو بيكوك، الفائز بجائزة فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى عن كتابه «الثقافة الأدبية العربية في جنوب شرقي آسيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر»، أثر الثقافة العربية والإسلامية في تلك المنطقة.

وأوضح أن عمله يكشف عن العلاقات المتينة التي ربطت العرب والمسلمين بجنوب شرقي آسيا، وكيف أسهم العلماء المهاجرون من الحجاز والمغرب في نشر الثقافة والمعرفة هناك، ما يعيد صياغة فهمنا للتاريخ الثقافي في تلك البقعة من العالم.

وتحدث الباحث العراقي البريطاني رشيد الخيون، الفائز بجائزة فرع تحقيق المخطوطات عن تحقيقه لكتاب «أخبار النساء»، عن أهمية العمل في حفظ التراث النسوي العربي.

وبيّن أن الكتاب يُعد من المصادر النادرة التي تناولت النساء بشكل مستقل، معتمداً على كتب تراثية مثل «الأغاني»، من دون تصنيف نمطي قائم على الطبقات الاجتماعية.

وأكّد أن تحقيقه اتسم بالدقة العلمية، وأضفى قيمة نوعية على الدراسات الأدبية والتاريخية النسائية، ما يجعله أحد أوائل المختارات النسائية في تاريخ الأدب.


مقالات ذات صلة

ولي العهد السعودي يعزي نائب رئيس الإمارات في وفاة أحمد بن راشد

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي يعزي نائب رئيس الإمارات في وفاة أحمد بن راشد

أعرب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هاتفياً عن خالص العزاء والمواساة لنائب رئيس الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في وفاة أخيه الشيخ أحمد بن راشد.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج حظر أميركي على شركات الطيران الإيراني في استخدام المطارات بمختلف دول العالم (مهر)

الإمارات تعلق رحلات الطيران الإيرانية

أعلنت الإمارات تعليق رحلات شركات الطيران الإيرانية من وإلى الدولة، وذلك ابتداء من الخميس 24 سبتمبر (أيلول) الحالي وحتى إشعار آخر.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
عالم الاعمال جانب من الفعالية التي نظمتها «دار غلوبال» أمام مستثمرين في دبي (الشرق الأوسط)

«دار غلوبال» تعرض مشروعات سكنية فاخرة في السعودية وقطر أمام مستثمرين

عرضت شركة «دار غلوبال»، المدرجة في بورصة لندن، محفظة مشروعاتها السكنية الفاخرة في السعودية وقطر خلال فعالية نظمتها في دبي.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الخليج «المركزي الإماراتي» يحظر معاملات فروع «بنك ملي إيران» مع طهران

«المركزي الإماراتي» يحظر معاملات فروع «بنك ملي إيران» مع طهران

فرض مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي إجراءات إنفاذ بحق فروع «بنك ملي إيران» العاملة في البلاد

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية مقر «بنك مصر» في الإمارات (صفحة البنك على «فيسبوك»)

أزمة «المعاملات الإيرانية» تنهي حضور «بنك مصر» في الإمارات

أعلن بنكا «مصر» و«الأهلي المصري» في بيان مشترك، الثلاثاء، أن مصرف الإمارات المركزي أصدر موافقة مبدئية على طلب «البنك الأهلي» الاستحواذ على فروع «بنك مصر».

هشام المياني (القاهرة )

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».