أمين الجميل: نظرة الأسد إلى لبنان كانت شبيهة بنظرة صدام إلى الكويت

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس السوري استخدم اقتراح تفجير طائرة السادات لتهديده (1 من 3)

TT

أمين الجميل: نظرة الأسد إلى لبنان كانت شبيهة بنظرة صدام إلى الكويت

الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي)
الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي)

قال الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل إن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان ينظر إلى لبنان كما كان ينظر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى الكويت. وأضاف أن الأسد «كان يعد لبنان خطأ تاريخياً يمكن تصحيحه بإعادته إلى الحضن السوري». وشدد على أن الأسد كان يريد «ضم لبنان لا أكثر ولا أقل»، لافتاً إلى أنه تمسك بقسمه الدستوري خلال 14 لقاء قمة عقدها مع نظيره السوري.

وكان الجميل يتحدث إلى «الشرق الأوسط» التي سألته عن تجربة لبنان مع «عهد الأسدين» الطويل إضافة إلى محطات أخرى.

في السبعينات تلقى بيار الجميل رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» دعوة من حافظ الأسد لزيارة دمشق فاصطحب معه نجليه أمين وبشير. استقبلهم الرئيس السوري في منزله وكان اللقاء حميماً، لكن موسم الود لم يعمر طويلاً.

يوقظ حديث الذكريات أوجاع الجميل، فهو يعيش مع جرحين عميقين. جرح اغتيال نجله النائب والوزير بيار في 2006 في خضم موجة الاغتيالات التي ضربت لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وجرح اغتيال شقيقه الرئيس المنتخب بشير في 1982. والواقع أن أمين الجميل دخل قصر الرئاسة في العام نفسه إثر زلزالين، الأول الاجتياح الإسرائيلي والثاني اغتيال شقيقه.

حافظ الأسد و«خطأ» لبنان

سألت الجميل عما كان حافظ الأسد يريد من لبنان، وسأتركه يروي: «أنت تسأل سؤالاً مفروغاً منه، كما يقول المثل الفرنسي. كان يريد ضم لبنان لا أكثر ولا أقل. السياسي السوري، حتى من قبل الرئيس الأسد، لا يهضم وجود لبنان، ويعتبره بلداً مصطنعاً ويجب أن يكون جزءاً من سوريا. نعرف أن مرفأ بيروت أقرب إلى الشام (دمشق) من مرفأ طرطوس. لذلك، كانوا يعتبرون أن لبنان جزءٌ لا يتجزأ من سوريا، وأن هذا خطأ سايكس - بيكو وما إلى ذلك.

الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي)

الرئيس (حافظ) الأسد كانت هذه الفكرة أيضاً موجودة عنده، لم يهضموا وجود لبنان بلداً مستقراً. كانت الغاية الأخيرة هي ضم لبنان. وكل المساعي والاتفاقات والعلاقات التي كانت تتم سابقاً كانت خلفيتها الوصول إلى مرحلة لضم لبنان.

قال لي الرئيس الأسد بوضوح وكنا رأساً برأس (في خلوة): لا تنس أن لبنان جزء من سوريا، ولبنان ونحن بلد واحد، الاستعمار هو الذي قسمنا، ويجب أن تفهموا أنتم كلبنانيين أنه من مصلحتكم أن ترجعوا إلى الحضن السوري، ويجب أن تفهموا أنه مهما تطورت الظروف، يجب أن يرجع لبنان إلى الحضن السوري.

كان بهذا الوضوح. بصراحة، كان يقول لي إنه يجب أن تفهم أنه بالنهاية يجب أن يكون البلدان بلداً واحداً. وأعطاني مثلاً من أجل أن يخففها، عندما وجدني غير مقتنع، قال لي: خذ أوروبا مثلاً. كيف التقت أوروبا واجتمعت وتوحدت، لماذا نحن لا نفعل الشيء ذاته؟ أصبح هذا شيئاً طبيعياً. أوقات من الطبيعي أن يتوحد البلدان، مصالح مشتركة على الصعيد السياسي على الصعيد الأمني على الصعيد الاقتصادي، هناك مصلحة أن يتوحد البلدان».

سألت الجميل إن كان غزو صدام حسين للكويت ذكّره بسعي حافظ الأسد إلى ضم لبنان، فقال: «بالنسبة إلى صدام كانت الكويت ما كانه لبنان بالنسبة إلى حافظ الأسد»، مشيراً إلى الرأي الذي ساد لدى حكام عراقيين ومفاده «أن الاستعمار سرق الكويت من العراق والرأي الذي كان لدى حكام سوريين ومفاده أن الاستعمار سرق لبنان من سوريا».

لكن الجميل يستدرك: «رغم كل ذلك بقيت علاقتي طبيعية مع الرئيس الأسد. حتى إنه، ويمكن لا يفهمني البعض، كانت هناك عاطفة بيننا. كان هناك تقبل للآخر. كان الرئيس الأسد يتفهم موقفي، وكان يقول في فكره إنه لو كان مكاني لاتخذ الموقف ذاته. وأنا أتفهم موقفه، لأن العقيدتين متناقضتان، وكل واحد عنده مفهومه للحالة الوطنية التي ينطلق منها.

بيار الجميل وحافظ الأسد (أ.ف.ب)

كان الرئيس الأسد يشمئز ويثور على مواقفي الرافضة، في محطات عدة. كان الرئيس الأسد يعتبر أن ثمرة التين صارت ناضجة وحان موعد قطفها، أي قطف لبنان، ثم آتي أنا وأقف في وجهه وأكون جدار الصد المنيع ضد تحقيق هذا الهدف. ورغم ذلك، كان هناك احترام، في قرارة نفسه، وكان يقدر أنه لو كان هو محل أمين الجميل كان سيقف الموقف ذاته. لكن رغم ذلك، كانت مصالحه تقتضي أن يحقق «وحدة سوريا». وكان يعتبر أنه لديه كل الإمكانيات لذلك.

لا ننسى أن الجيش السوري كان في لبنان وكان استوعب معظم القيادات اللبنانية التي كانت تذهب لتحج في سوريا. كان اعتبر أن الموضوع مؤاتٍ اليوم لتوحيد البلدين. نعرف الضغط السوري الذي كان على قيادات لبنانية معينة. وفي الوقت نفسه تحرك الأسد للإمساك بالقضية الفلسطينية وأنشأ شبكة من المنظمات الموالية لنظامه.

كان مقتنعاً بأن الوقت مناسب (لإلحاق لبنان) وأنا كنت المانع لتحقيق هذا الحلم، لذلك كانت هناك مشادات سياسية قوية بيني وبينه، وصراع داخلي. صراع أكاديمي - إذا صح التعبير - بين أن يقنعني هو بوحدة سوريا وأنا أقنعه باستقلال لبنان. كان هذا الصراع الأكاديمي مع احترام متبادل لوجهة نظر كل واحد منا. بقيت العلاقة جدلية بيني وبين الرئيس الأسد طوال رئاستي وقد التقيته 14 مرة».

أمين الجميل خلال المقابلة مع رئيس تحرير "الشرق الأوسط" غسان شربل (الشرق الأوسط)

«كلمة لا لحافظ الأسد تتطلب بطولة خارقة»

وأضاف: «حاورت وعاندت وحاورت وقاومت على الجهتين. كانت هناك حقيقة مقاومة مهمة، كان هناك ثقل الرئيس الأسد، وبرستيج الرئيس الأسد وموقعه على الساحة السورية والساحة العربية، وكل ثقله وأنا آتٍ أعزل وبلدي محتل وجيشي مضطرب غير ثابت ومخترق، والقيادات السياسية لا تعرف أين تذهب.

كان الوضع اللبناني صعباً جداً جداً ودقيقاً جداً حتى وصلنا إلى مرحلة انقلب فيها معسكري علي أيضاً. كنت أنا أعزل في تلك المرحلة، واعتبر الرئيس الأسد أنها الفرصة المؤاتية، خاصة عندما استوعب جزءاً من (القوات اللبنانية) واعتبر أن المعركة انتهت وأن أمين الجميل ليس لديه إلا أن يمضي (يوقع) ويعطينا هذا الصك وننتهي.

فوجئ عندما وقفت أنا هذا الموقف، وأعتقد كان ذلك أصعب المحطات. كان نادراً جداً أن يقف أحد هذا الموقف في وجه الرئيس الأسد خصوصاً في الظرف الذي كنت موجوداً فيه وأن يقول له لا. كلمة لا لحافظ الأسد في ذلك الوقت كانت تتطلب بطولة خارقة نظراً للواقع الذي كنا موجودين فيه في ذلك الوقت».

سألته إن كانت مرحلة اتفاق 17 مايو (أيار) اللبناني - الإسرائيلي هي الأصعب في العلاقة مع الأسد، فأجاب: «لا، أصعب مرحلة كانت مرحلة (الاتفاق الثلاثي) (بين حركة «أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية»). في الاتفاق تمكن الرئيس الأسد بشكل كامل من الساحة اللبنانية، لا سيما عندما استطاع أن يستوعب فريقاً من (القوات اللبنانية) مع إيلي حبيقة وسمير جعجع.

مع استيعاب إيلي حبيقة وسمير جعجع اللذين يمثلان الواقع المسيحي المقاوم في ذلك الوقت، اعتبر أن لبنان أصبح بمتناول اليد. من يعارض؟ من يعاكس؟ ليس سوى أمين الجميل. هو لم يكن يعطي أهمية، للأسف، لموقعي أنا أو لعنادي فيما يتعلق بالمصلحة الوطنية. أنا معي (أمتلك) التوقيع. توقيع رئيس الجمهورية. لا يستطيع أن يتجاوز هذا التوقيع. مهما استوعب قيادات على الأرض، حتى الميدانية أو السياسية، يبقى في حاجة إلى توقيع رئيس الجمهورية. رئيس الجمهورية أقسم اليمين على المحافظة على الدستور وسيادة البلد. وهذا كان شيئاً مقدساً عندي.

رغم كل الضغوطات أكانت من الداخل أو كانت من الخارج، حتى من ضمن المعسكر المسيحي الذي فقد صوابه وباع نفسه للشيطان، ولا أريد أن أدخل في التفاصيل، أصبحت أنا وحيداً ومعزولاً تقريباً في الوسط اللبناني. ورغم ذلك، كنت متشبثاً بالحقيقة، متشبثاً بالحق اللبناني، ومتشبثاً بالقناعات الوطنية التي تربينا عليها، واعتبرت أن هذه، أياً كان الجنوح من هنا أو من هناك، من المفترض أن نتمسك بها، من المفترض أن ندافع عنها حتى الرمق الأخير.

لذلك، قضية الاتفاق الثلاثي كانت أصعب محطة في عهدي، والحمد لله قدرنا أن ننتصر. الفريق الذي منّا وفينا باع نفسه للشيطان، انكشف على صعيد الرأي العام المسيحي واللبناني بصورة عامة، والتف الرأي العام المسيحي حولي أنا، حتى نقدر على أن نواجه هذه الجريمة التي كانت ترتكب بحق سيادة لبنان واستقلاله وسيادته والنظام الديمقراطي ودور لبنان على الصعيد العربي والعالمي».

سألت الجميل عما إذا كان الأسد حقد عليه لتسببه بسقوط «الاتفاق الثلاثي»، فأجاب: «كان الأسد مقتنعاً بأنه ضم لبنان كله ولم يبق غير تقبل التهاني. كان مقتنعاً وقتها أنه وضع يده على لبنان. يوم التوقيع على الاتفاق الثلاثي كانت هناك زيارة رسمية للملك حسين (العاهل الأردني) إلى سوريا. أجلوا زيارة الملك حسين من أجل أن يحصل التوقيع وتجنباً لأن يحصل أي شيء وتضيع الفرصة. لهذه الدرجة كانوا متمسكين بهذه الفرصة.

حافظ الأسد مستقبلاً الجميل في دمشق (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

بقدر ما كان الرئيس الأسد مشمئزاً ومصاباً بنوع من خيبة أمل كبيرة، أو ضغينة إذا صح التعبير، لأنني قلت له لا، وكيف يجرؤ أمين الجميل الرئيس المصادرة كل إمكانياته الوطنية والدستورية، أن يقول له لا؟ فبقدر ما كان مغتاظاً من هذا الموقف، كان عنده احترام لي. كان لدي شعور أنه لم يفقد الاحترام (لموقفي).

بعدما قلت له لا وفرط الاتفاق، كنا بزيارة للمغرب، وإذ فوجئت بمجيء سفير سوريا في المغرب لزيارتي، وهو من الفريق العلوي المقرب جداً من الرئيس. جاء لزيارتي على أساس أنها زيارة بروتوكولية، وخلال الزيارة قال لي إن الرئيس الأسد يحترمك ويقدرك، وكان بذلك يفتح باباً لإعادة التواصل. هكذا فتح الخط بيني وبين الرئيس الأسد، ما يؤكد أنه بقدر ما كان مغتاظاً من موقفي بقدر ما كان عنده احترام ضمني كيف أن هذا الشاب في أول طلعته قادر على أن يقف في وجه سوريا، وفي وجه كل الإمكانيات والحضور».

رفض الطيار الإقلاع فاكتُشفت القنبلة!

سألت الجميل إن كان قد خاف من الاغتيال، خصوصاً بعد سابقة كمال جنبلاط مع الأسد، فأجاب: «كل الوسائل استعملت حتى يدفعني إلى التوقيع على الاتفاق. من الوسائل (التي استخدمها أنه) عندما كنا قاعدين وكنا نتحدث وراح يخبرني بمعرض أنها خبرية عابرة، ولا علاقة لها بالموضوع. قال إن (الرئيس المصري الراحل أنور) السادات جاء ليبلغه أنه ذاهب إلى القدس، وأن هذه فرصة ونريد طي صفحة الماضي ونصل إلى صفحة سلام جديد للمنطقة كلها، وباحترام، وبتحقيق حق الفلسطينيين. يعني كل هذه السردية المعروفة. الرئيس الأسد أكيد قال له (للسادات) أنت غلطان، ورحلتك إلى القدس لا نشجعهاً أبداً أبداً، ونعتبرها طعنة. فقال له: أنا أخذت القرار. انتهت الزيارة، وخرج السادات من الغرفة ليتوجه إلى طائرته.

الأسد أخبرني القصة كما أخبرك إياها. في محيطه (الأسد) قالوا له يجب ألا نسمح للسادات بالوصول إلى القدس. إذن ما رأيك؟ أي ما معناه هل ننسف طائرته أو نقتله كيلا يستمر في مشروعه؟ الرئيس الأسد أخبرني أنه فكر أنه شيء منطقي ألا يدعوه (السادات) يصل (إلى القدس)، لكن ضميره لم يسمح له. وكأنه كان يسمعني أنه يمكن أن يكون أخطأ. يمكن أنه غلط لأنه لم يدعهم يغتالونه. وكأنه كان يوحي أنه لن يعيد الغلط نفسه مرة ثانية أي أنه لن يدعني أرجع إلى بيروت من دون هذا التوقيع. يعني أنه كان يُسمِعني. كان يسمعني أنه هذا ما كان سيحصل للسادات، لكن هو منعها، وليس كل مرة سيمنعها. وهذه قصة، وضع لبنان بأهمية القدس.

حصلت محاولات عدة لاغتيالي. هناك محاولة وهي الأكثر ثبوتاً، يوم كنت مسافراً إلى اليمن وفخخوا الطائرة التي كانت ستقلني إلى صنعاء. القبطان اكتشف أن هناك ثغرة ثانوية في الطائرة شغلت باله وأبلغ المطار أنه توجد علّة في الطائرة. قالوا له إن هذه العلّة ثانوية ولها علاقة بالراديو، وأنت لست بحاجة إليه، سافر الآن وعندما ترجع نصلحها، فقال لهم: لا، لن أسافر. هذا الطيار كان من عائلة مكاوي. كان معقداً لدرجة أنه متمسك بالكتاب ويمشي حسب الأصول مائة في المائة. رفض أن يطير بالطائرة بهذه العلّة. جاؤوا وكشفوا على الطائرة. اكتشفوا تحت غرفة القيادة شريطاً موصولاً بالراديو الثانوي الذي يربط الطيار بالمحطة في مطار بيروت. اكتشفوا أن هناك شيئاً معلقاً بالهوائي، تتبعوه ورأوا قنبلة تحت كرسي كابتن الطائرة وساعتها «قامت القيامة».

فخخت الطائرة في مطار بيروت. أبدلنا الطائرة وسافرت إلى اليمن. يعني هذه كانت بالجرم المشهود إذا شئت. جاءت المخابرات السورية، كانوا بالمطار، صادروا القنبلة، صادروا كل المعدات، ليمنعوا أي أحد من أخذ البصمات أو أي دليل آخر. حصلت محاولات ولكن كنا نكتشفها قبل أن تأخذ مداها. هناك ثلاث محاولات لا أذكرها، لا أحب أن أتذكرها، لكن المحاولة التي ثبتت وكانت على وشك أن تنفذ كانت قضية طائرة اليمن.

الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

طبعا من يقدر أن يفخخ طائرة تحت الحراسة؟ طائرة رئاسية تحت الرقابة من يجرؤ على الدخول إليها؟ ثم بعد أن اكتشفوا القنبلة منعت المخابرات السورية المخابرات اللبنانية من الاقتراب من الطائرة، وفكوا جهاز التفجير وأخذوه معهم».

المخابرات السورية «خططت اغتيال بشير»

وعما إذا كان يعتقد أن الأجهزة السورية لها علاقة باغتيال شقيقه بشير، قال أمين الجميل: «هذه ثابتة. الذي اغتال بشير هو عنصر تابع للحزب القومي السوري، ومعروف أن هذا الحزب في ذلك الوقت مع أسعد حردان وجماعته، (مرتبطون) مباشرة مع جهاز المخابرات السورية، يعني الأساس (في التخطيط) أجهزة المخابرات السورية، وتنفيذ العملية «المجيدة» لأسعد حردان وجماعته في الحزب القومي السوري. وانكشف الذي نفّذ التفجير وهو (حبيب) الشرتوني. وعندما اقتحمت القوات السورية في أيام الرئيس (إلياس) الهراوي القصر الجمهوري وطردوا ميشال عون، توجهت فرقتان عسكريتان واحدة إلى القصر الجمهوري، وأخرى إلى سجن رومية لتحرر حبيب الشرتوني، ونزل الشرتوني من السجن وأدلى بتصريح طويل قدم فيه شكره لسوريا وتحدث عن أمجاد الفريق الذي ينتمي إليه.

الشرتوني كان تابعاً مباشرة للحزب القومي السوري وهم سلحوه وجهزوه وساعدوه. كان الاغتيال بوضع عبوة ناسفة في مكتب بشير، وكان لدى الشرتوني وصول إلى المكان لأنه كان ساكناً في البناية. وضع القنبلة أول مرة لكن لم تكن لديه الشجاعة ليفجر لأنه في قلب منطقة سكانية وهناك جماعة يعرفهم ويعرف أهلهم. المرة الأولى جَبُنَ ولم يتجرأ، والمرة الثانية لم يجرؤ، وعندما وبخه مسؤولو الحزب القومي السوري وأفهموه أن هذا غير مقبول وأن القضية كلها بيده وهو سينقذ البشرية كلها، في المرة الثالثة تجرأ وفجر.

صدر بحق الشرتوني حكم بالإعدام لكنه لم ينفذ. كان مسجوناً في سجن رومية، وجاء الجيش السوري، فتح زنزانته وأنزله بمظاهرة طويلة عريضة. وهذا دليل قاطع. صعود فرقة من الجيش السوري، هل تحتاج إلى كل هذا؟ وعلى كل حال الجيش السوري كان مسيطراً على الأجهزة كلها وكان يقدر باتصال بقائد للسجن أن يرسل لهم الشرتوني، لا أن تطلع فرقة عسكرية بأمها وأبيها طوقت السجن ودخلوا إلى زنزانته وحملوه وجاؤوا به مثل المنتصر على الراحات. جاؤوا به إلى بيروت وعقد مؤتمراً صحافياً أشاد فيه بسوريا وافتخر باغتيال بشير الذي هو خائن صهيوني»، على حد تعبيره.

أمين الجميل إلى جانب والده بيار خلال تشييع شقيقه بشير (غيتي)

قصة اللقاء الأخير مع الأسد

وتحدث الجميل عن لقائه الأخير مع الأسد الأب وفشل محاولة الاتفاق على مخايل الضاهر رئيساً لقاء ضمانات، فقال: «اجتمعت بالرئيس الأسد قبل يومين من نهاية ولايتي، وكنا نحاول العثور على حل. كنت مهتماً بإيجاد حل وأن ينتخب الرئيس بشكل طبيعي حسب الدستور وأن نجنب لبنان فراغاً قاتلاً. آخر زيارة قمت بها إلى الرئيس الأسد في سوريا، كنت حاملاً معي مشروع حل: انتخاب مخايل الضاهر لقاء ضمانات معينة لن أدخل الآن في تفاصيلها.

بينما كنت عند الرئيس الأسد أشرح له الموضوع وما هو الحل الذي أحمله، وهو كان حلاً يمكن أن يطبق، ورد خبر إلى الرئيس الأسد، أدخلوا له ورقة، أن هناك اجتماعاً في وزارة الدفاع في لبنان بين الدكتور سمير جعجع وقائد الجيش العماد ميشال عون ولا أعرف من أيضاً. فسّر الأمر بمثابة انقلاب على الرئيس الجميل، وإذا وافقت سوريا فسيحصل عليه انقلاب في لبنان، خاصة أن الاجتماع حصل في وزارة الدفاع. هذه أفشلت اجتماعنا. قال الرئيس الأسد: تفضل.

وفي الواقع حصل هذا الاجتماع (بين عون وجعجع). الاجتماع ما كان سيؤدي إلى انقلاب لكن هذا الذي حصل يومها، فتوقف البحث (مع الأسد) ورجعت إلى بيروت لنعالج الموضوع ثم نستمر بالبحث. رجعت إلى بيروت ولم نقدر على أن نخرج من هذا المأزق. هذا لأقول إنني ذهبت إلى الرئيس الأسد قبل انتهاء ولايتي تقريباً واختلفنا ولم نتوصل إلى نتيجة للأسباب التي ذكرتها. رغم ذلك، وكان الرئيس الأسد مريضاً، لكنه أصر على أن يوصلني إلى المطار وينتظر لتطير الطائرة، لترَ إلى أي حد كان هناك احترام، قلت له: سيادة الرئيس، ما في لزوم. أوصلني إلى المطار وقبلات قبل (صعودي إلى) الطائرة وأكد أنْ نحن إخوة ونظل إخوة مهما حصل. صعدنا إلى الطائرة ورجعنا إلى بيروت، وبقيت الأمور على حالها، أي لم نقدر على أن نتوصل إلى حل في قضية الرئاسة، وبعد أيام حصل اتصال بيني وبين الرئيس الأسد. كنا نستعرض على التليفون، وأنه إن شاء الله نلتقي قريباً، وقال لي الرئيس الأسد: البيت بيتك مائة أهلاً وسهلاً بك. انتهت. بعد كم يوم، حصلت معي مشاكل في لبنان. اعتبرت أنه من الأنسب أن أغادر قليلاً، أبتعد عن الساحة اللبنانية، لأنه حصلت فوضى. فراغ تبعته فوضى، ولا أريد أن أكون جزءاً من هذه الفوضى».

غداً حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

خاص جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً جديداً من كتاب «جان عبيد... ستة عقود في الوطن» وفيه تفاصيل إسقاط سوريا ما سمته اتفاق كامب ديفيد اللبناني مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)

خاص رفض جان عبيد دخول السوريين قصر بعبدا... فسقط رئاسياً في امتحان الأسد

كان جان عبيد، السياسي اللبناني المعروف، قاب قوسين من رئاسة الجمهورية عام 1989. رفض السماح بأن يحتل الجيش السوري قصر الرئاسة اللبنانية... فسقط في الامتحان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل) p-circle 02:18

خاص أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

يروي أمين الجميل في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاءات سرية مع صدام والقذافي، وسط صراع إقليمي أعاد تشكيل لبنان والمنطقة.

غسان شربل (بيروت)
خاص كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي) p-circle 01:31

خاص الجميل لـ«الشرق الأوسط»: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

أمين الجميل يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف استخدم حافظ الأسد عبد الحليم خدام لترهيب اللبنانيين، وكيف اخترق رفيق الحريري النظام السوري.

غسان شربل (بيروت)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».