الجميل: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن حافظ لم يفاتحه بموضوع تحالف الأقليات لكن رفعت كان يجاهر به (2 من 3)

TT

الجميل: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)
كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)

كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مفاوضاً بارعاً وحريصاً على صورته. كان يفضل إنهاك الزائر برحلة طويلة عبر التاريخ قبل التطرق إلى جوهر المحادثات. وكان قادراً على كبح غضبه والالتفاف ثم معاودة الكرة. وكان يتفادى الألفاظ الخشنة وترك الكراهيات تعبر عن مشاعرها. لكنه لم يكن ينسى أولئك الذين حاولوا عرقلة مشروعه، وبينهم ياسر عرفات وكمال جنبلاط وبشير الجميل وأمين الجميل وسمير جعجع.

وفي اتهام الآخرين والعمل على تطويعهم، كان لدى الأسد - على حد قول الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في الحلقة الثانية من مقابلته مع «الشرق الأوسط» - عصا اسمها عبد الحليم خدام الذي كان وزير خارجيته ونائبه لاحقاً. وكثيراً ما اعتبر سياسيون لبنانيون أن «فظاظة خدام وليدة تكليف رسمي من معلمه». ولم يكن الأسد يلجأ إلى التهديد المباشر لزائره ويفضل الإيحاء - كما حدث حين حكى للجميل أن مساعديه اقترحوا تفجير طائرة الرئيس أنور السادات لمنعه من الوصول إلى القدس.

تعمد خدام في أحيان كثيرة إذلال حلفاء سوريا وخصومها حين يعاندون ويخرجون عن الخط الذي ترسمه. وكان يتعمد إقلاقهم كي يصلوا مستسلمين إلى مكتب السيد الرئيس. سألت خدام «المتقاعد» في باريس عن اتهامه بتجاوز الحدود والخشونة، فأجاب أن الغرض لم يكن الإهانة، بل تفادي الوصول إلى صدام قد تكون عواقبه سيئة إذا أوكلت تسوية الأمور إلى الأجهزة الأمنية. وفي الجلسة نفسها، قال خدام إن أمين الجميل «عرقل طويلاً الوصول إلى حل في لبنان، وكان كثير التردد والشكوك». ولم ينكر أن الأسد فوجئ بسقوط «الاتفاق الثلاثي»؛ إذ لم يعتقد أن أحداً في لبنان يمكن أن يقدم على مثل هذا التحدي السافر لسوريا وللأطراف التي وقّعت الاتفاق.

كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)

«كانت لدى الرئيس الأسد أوراق كثيرة، ولم تكن لدى الرئيس سركيس أي أوراق. كان باستطاعة الأسد إسقاط الحكومة اللبنانية أو شلّها قبل عودة الرئيس اللبناني إلى بيروت. ولم يكن لدى سركيس ما يضغط به على الأسد. لكن سركيس الذي كان يبدي مرونة كان يتصلب حين يرى أن المطلوب منه يمس بالثوابت اللبنانية»، هذا ما سمعته من وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس، ولعله يصدق أيضاً على علاقة الجميل بالأسد. وقال بطرس إنه كان يمارس أقصى درجات الجدية لمنع خدام من أخذ الحوار إلى اتهامات وعبارات غير رزينة».

طلبت من الجميل أن يتذكر علاقته بخدام وها هو يروي: «من الأساس، لم يكن هناك ود بيني وبين خدام؛ لأنه كان يستعمل وسائل قوطبة (عرقلة) على رئاسة الجمهورية، وتأليب فريق عملي عليّ، أي كانت هنا وسائل خبيثة ولئيمة لإرباك الرئيس اللبناني. الرئيس الأسد بقدر ما كان ودوداً معي ويتصرف معي باحترام، بقدر ما كان بحاجة إلى فريق آخر يحرك العصا. والعصا كان خدام. يعني كل الضغوطات التي كانت تمارس عليّ، والتي كانت بمعرفة الرئيس الأسد، كان ينفذها عبد الحليم خدام.

خدام هو العصا والسم. من أول الطريق، لم تكن هناك علاقة ودية معه. بقدر ما كان الأسد مهذباً ولطيفاً معي، بقدر ما كان خدام يجسد المقلب الآخر من سوريا الذي يريد أن يوقّع أمين الجميل مرغماً على اتفاقات تضر بمصلحة لبنان.

كنت أضع خدام عند حدوده. لم يستطع التطاول عليّ. كنا في اجتماع مرة مع الأسد، وكان موجوداً، وكان يشيع قبل الاجتماع أننا اجتمعنا مع بعض جماعتنا في لبنان، ويورد قضايا سخيفة، يعني خارج إطار المألوف. دخلنا إلى الاجتماع، فقال خدام كلمتين، فقلت للرئيس الأسد: سيادة الرئيس، نحن لدينا مشكلة مع خدام، ليتك تقول له أن يوقف جاسوسيته، الأسلوب الجاسوسي، في التعاطي معنا. خدام، كنت ألزمه حدوده، ولا يأخذ راحته معي كثيراً. كان مهيمناً على كثير من اللبنانيين، وفارضاً وهرة على اللبنانيين، وهذه لا تمشي معي.

كان بلا تهذيب. وكان وقحاً إلى درجة تبتعد عن المنطق والتهذيب. لكن معي أنا، كان يعرف أن أي كلمة خارج الحدود سيتلقى جواباً عليها».

الأسد ولغة الأقليات

أدرك حافظ الأسد باكراً هشاشة التركيبة اللبنانية وعدّها لقاء أقليات تحتاج دائماً إلى من يرعى حروبها وهدناتها. سمح بالانتصارات المحدودة ومنع الهزائم الساحقة؛ لأنها تبطل الحاجة إلى وصي أو وسيط. كان يريد أن يحكم سوريا كلها وإلى الأبد، وأن يكون لبنان حديقة ملحقة بنظامه. لم يستخدم لغة الأقليات والطلاق بين المكونات التي جاهر بها شقيقه رفعت أمام وليد جنبلاط ومروان حمادة، داعياً إلى تقسيم لبنان وسوريا معاً.

سألت الجميل إن كان شعر خلال حواراته مع الأسد أنها في عمقها حوار بين علوي وماروني، فأجاب: «لا، هذه كانت مع رفعت (الأسد). رفعت عندما بدأ يلعب دوراً في سوريا على الصعيد السياسي، كان يطرح هذا الموضوع، أي نحن الأقليات يجب أن نتفاهم مع بعضنا وأن نتضامن. هذه اللغة لم تكن في أي مرة على صعيد النظام. لا الرئيس الأسد ولا الحاشية كانت تطرح الموضوع من هذه الزاوية. نعم، رفعت كان يتحدث علناً عن أنه يجب أن يكون هناك تفاهم. لكن التفاهم بالتأكيد، على مقاسهم هم.

كانت سياسة حافظ الأسد ترمي إلى جمع الأوراق. هكذا كانت علاقته مع الدروز، والتصادم بينه وبين كمال جنبلاط ضمن هذا الإطار. كان يستعمل دروز سوريا، وكان يستعمل الأقلية المسيحية في سوريا. كان واضعاً يده على الأقليات كي يجمعها كلها تحت رايته هو ولتكون جزءاً من النظام السوري.

قصة التوتر بين السنة والعلويين كانت مكشوفة. وكان رفعت يعلنها، وعندما يتحدث إلينا كان واضحاً وجود العداوة بين العلويين والسنة، لكن مع الرئيس الأسد لم يكن يبدو لها أي أثر، لكن باطنياً ماذا هناك؟ لا يعرف أحد ماذا يوجد في باطن الآخر، لكن في الممارسة معنا، في العلاقة، لم نكن نشعر أبداً بهذا الشيء».

سألته عما تردد عن أن الرئيس كميل شمعون طرح ذات يوم على الرئيس الأسد أن تقوم علاقة كونفدرالية بين لبنان وسوريا، فأجاب: «ليس صحيحاً. هذا ليس صحيحاً أبداً. لا يمكن أن يكون الرئيس شمعون طرح مثل هذا الطرح. صدرت أخبار كثيرة. صدر خبر ثان أن (المبعوث الأميركي إلى لبنان) دين براون عرض على البطريرك نقل المسحيين إلى كاليفورنيا، كل هذا كلام للاستهلاك، كلام شعر ليس له مدلول على الأرض».

ضغط أميركي لمصلحة إسرائيل... وسوريا

استفسرت من الجميل عن عبارة المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي: «مخايل الضاهر أو الفوضى» التي تردد أنه قالها للقيادات اللبنانية في خضم أزمة رئاسة الجمهورية عام 1988، باعتبار الضاهر المرشح الوحيد الذي تقبل به دمشق وتوافقت عليه مع أميركا، قبل أن يتنكر لها لاحقاً.

الجميل مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

قال الجميل: «نعم مورفي قالها. كانت لدينا مشكلة. الأميركي يريد سوريا ولا يريدها. يعرف أن سوريا دورها سلبي جداً في لبنان، لكنه لا يريد أن يعاكسها، لا يريد أن يخوض معركة معها. فكان يظل يدفع لكي يجد قاسماً مشتركاً مع سوريا وليس معنا نحن. وقضية مورفي أنهم اعتبروا مخايل الضاهر تسوية؛ لأن مخايل الضاهر رجل محترم إلى حد يمكن أن يكون مقبولاً لبنانياً، فلذلك مشوا مع سوريا بترشيح مخايل الضاهر. وكان الأميركيون، مثل كل سياستهم عندنا في لبنان، مع سوريا وغير سوريا كما كان في اتفاق 17 مايو (أيار) مع إسرائيل، كانوا دائماً في الحلول في المقلب الآخر. يريدون أن يفرضوا على لبنان بعض الأمور؛ أي إنهم لا يقدرون على إسرائيل، فلبنان لازم يدفع. لا يقدرون على سوريا، سوريا عنيدة وعندها الإمكانات ولا يريدون أن يصطدموا معها، كانوا يجربون أن يقنعونا بشيء ليس لصالح لبنان كثيراً. كانت أميركا، البراغماتية الدبلوماسية الأميركية، تريد حلولاً بأي ثمن. من الطرف الذي يستطيعون أن يأخذوا منه بأسرع ما يمكن. من الذي يستطيعون أن يمونوا عليه؟ كان عندهم حرص على إرضاء سوريا، كما كان عندهم حرص على إرضاء إسرائيل. في الاتفاق مع إسرائيل، كانوا كثيراً يزركوننا (يحشروننا) في نواحٍ معينة، ومع سوريا أيضاً، كان من الواضح أنهم لا يريدون أن يزعلوا سوريا، ومن الواضح أنهم في النهاية يعرفون أن القوة بيد سوريا ولا يريدون أن يواجهوا هذه القوة، لذا يحاولون أن يجدوا طريقة ليمشّوا المصلحة السورية بأي ثمن. هذه كانت قصة مخايل الضاهر».

وعن أبرز موفديه إلى دمشق، قال الجميل: «في الأساس العلاقة والقرار بيدي أنا. والقرار كنت أنا أفاوض عليه. بالنسبة إلى التمهيد، كان جان عبيد (الوزير الراحل)، ولعب دورا مفيداً جداً، رجلاً ذكياً وحريصاً على المصلحة اللبنانية وعلاقاته حميمة مع السوريين. لعب دوراً إيجابياً، لم يقدر أن يأخذ كل شيء، إنما حلحل بعض الأمور. إيلي سالم كذلك لعب دوراً إيجابياً. وبطريقته البديهية، كان يقدر أن يصل إلى بعض الأمور المعينة، وخاصة مع خدام الذي كان يعرف أن علاقتي به ليست طيبة، وكان هو يحاول أن يعوض من هذه الناحية، وكانت علاقته جيدة مع خدام واستطاعا أن يصلا إلى كيمياء مشتركة. هذان الاثنان كانا أساسيين، وما تبقى كانت الأجهزة. والذي لعب دوراً، ستتفاجأ، إيجابياً جداً في هذه العلاقة (الضابط) جميل السيد. جميل السيد كان ضابط مخابرات في الجيش اللبناني في البقاع. وعندما كنت أذهب إلى الشام كنت أتوقف في البقاع وأجتمع به ويعطيني معلومات دقيقة جداً جداً عن الوضع في القصر الجمهوري والوضع السوري بصورة عامة. كان مطلعاً وكان مخلصاً. أشعر أنه كان يعطيني معطيات غير موجودة عند العموم وتفيد لبنان».

هل كان هناك انزعاج سوري من دور غسان تويني معك؟ قال: «لم يكن هناك ود لغسان أبداً. غسان جاء مرة واحدة معي إلى سوريا. لم يكن هناك ود. كانت هناك مشادات عندما يكون موجوداً. غسان وخدام يلعبان كرة الطاولة بعضهما مع بعض. يرمون الطابة بعضهما لبعض. لم يكن لديهما حب له بسبب جريدة (النهار). لم تكن ترحم سوريا، وبقدر ما يتنصل غسان من أي مقال فيها، تبقى ظاهرة للكل».

سوريا واغتيال بيار الجميل

أسأله عن اغتيال نجله الوزير والنائب بيار الجميل، وما إذا كان مقتنعاً بأن سوريا في عهد بشار الأسد وراء الاغتيال، فيجيب: «نحن قناعتنا أنه لا يمكن أن يُفعل هذا الشيء إذا لم تكن هناك يد سورية؛ لأن المخابرات السورية كانت ممسكة بكل المفاصل، خاصة في تلك المرحلة بالذات. انسحبت القوات السورية لكن بقيت المخابرات بالكامل. بقيت المخابرات في بيروت، والذي أخذ محل السوري هو الإيراني، وكانت هناك وحدة حال بين إيران وسوريا، وبقيت إيران بعد ما كانت ركزت أجهزة المخابرات التابعة لها.

أمين الجميل متكئاً على نعش نجله بيار خلال جنازته (أ.ف.ب)

«حزب الله» لم يكن أخذ كل هذا النفوذ، كانت سوريا لا تزال هي الأداة التنفيذية لإيران في تلك المرحلة، حتى تمكن لاحقاً الإيرانيون ورتبوا «حزب الله» بالشكل المعروف، وأخرجوا سوريا من الساحة السياسية إلى حد ما.

لا توجد قصاصة ورقة في ملف التحقيق في اغتيال بيار. معروف أن القضاء لا يستطيع العمل إلا بالتعاون مع قوى الأمن، قوى الأمن تتقصى وتأتي بالمعلومات، قوى الأمن هي التي تحضر للقاضي الدعوى، وكان ممنوعاً على القضاء، على قوى الأمن، إعطاء أي معلومات لديهم عن هذا الموضوع.

لا توجد ولا قصاصة ورق في الملف. لا توجد أي قصاصة ورق على الإطلاق. رغم كل تقديري للقضاة المحققين، ماذا يقدر أن يفعل القاضي إذا قوى الأمن لا تنفذ استنابته؟ لا نزال حتى اليوم نتأمل. ثمة شاب صديق لنا التقى بالرئيس أحمد الشرع في سوريا في مناسبة معينة، وتحدث معه عن موضوع بيار. الرئيس الشرع، عندما عرف أن الشخص قريب منا، فتح السيرة وقال له نحن نعرف كم عانى لبنان والاغتيالات ومنها بيار الجميل، ذكر بيار الجميل، أرسلنا للرئيس الشرع نسأله إن كان يمكنه أن يساعدنا في توفير معلومات إضافية حول هذا الموضوع ووعد خيراً».

سقوط بشار وصعود الشرع

لم يستغرب الجميل سقوط نظام بشار الأسد. قال إن الأمر كان متوقعاً؛ «لأن الرئيس بشار لم يكن مؤهلاً للوصول إلى هذا الموقع... وكان لديه نوع من الطموح الشخصي يفوق قدراته، فضلاً عن أن الطاقم المحيط به لم يكن على قدر المسؤولية، وقدم مصالحه الشخصية على ما عداها».

أمين الجميل خلال المقابلة مع غسان شربل (الشرق الأوسط)

وعن رأيه بإطلالة الرئيس الشرع على الساحة السورية، قال: «نتمنى له التوفيق، ونحن بحاجة إلى أن يكون في سوريا قيادة منفتحة وعندها تفهم للمصلحة اللبنانية - السورية بشكل نظيف ونزيه، وهو يظهر الاستعدادات الطيبة، لكن المهم أن يدعوه يعمل. إلى أي حد سيستطيع الوصول إلى النتيجة المرجوة، ونحن نتمناه، خاصة بعد كل هذه المواقف والتصريحات التي تصدر. شيء يطمئن، هل يستطيع يا ترى أن ينفذ؟ هل يستطيع يا ترى أن يأتي أحد من الرعيل الأول في هذه التنظيمات المعروفة يخرب مشروعه؟ لا يزال من السابق لأوانه أن يعرف المرء ماذا سيحصل، لكن المهم أولاً أنه انتهى عهد الأسد وهذا شيء إيجابي جداً، وأي شخص سيأتي من بعده لن يكون أسوأ منه، ثانياً، التصريحات الأولية للرئيس الشرع مطمئنة، ثالثاً المهم أن يقدر أن يطبق ويستوعب الأجنحة المتعددة والمتضاربة في سوريا، يستطيع أن يستوعبها حتى يخلق مناخاً جديداً لسوريا؛ لأن الدولة يجب أن يكون فيها تضامن. ما نعاني منه في لبنان، هذا التشرذم في السلطة. بقدر ما يستوعب القيادات الأخرى ويوحد القرار بسوريا، بقدر ما يخدم مصلحة سوريا ومصلحة لبنان ومصلحة المنطقة».

الإطلالة الأولى للحريري

سألته عن الإطلالة الأولى لرفيق الحريري على الملفات اللبنانية في عهده، فقال: «نعم. أول مرحلة، جاء رفيق كمندوب للملك فهد بن عبد العزيز للقيام ببعض الأعمال الإنمائية. مثلاً أول عمل كان تنظيف شارع المعرض، أنفقوا مبلغاً معيناً لتنظيف شارع المعرض وتأهيله. كان وقتها مغطى بالركام. وبعض المشاريع. كان هناك مبلغ معين تسلمه رفيق الحريري، وهو مخصص لبعض القضايا. المساعدات الاجتماعية بكثافة، وبعدها تطورت الأمور حتى بدأ رفيق يأخذ موقعاً سياسياً خاصة في مؤتمر لوزان ومؤتمر جنيف. كان مرافقاً للسفير السعودي والمندوب السعودي لهذا المؤتمر، وضابط ارتباط بينهم وبين القيادات اللبنانية، ونسج علاقات مع معظم القيادات اللبنانية، ولعب دوراً تنسيقياً ودور تبادل آراء في هاتين المرحلتين، مرحلة لوزان ومرحلة جنيف، لم يلعب دوراً سياسياً أبعد من هذا الشيء في عهدي».

أما عن تجربة رفيق الحريري في عهد الأسدين، فيقول الجميل: «قد أكون الأقدر على فهم ما عاناه الحريري في ضوء تجربتي؛ لأن المعاناة تتشابه. متى بدأت الصراعات بين الحريري والأسد؟ عندما بدأ الأسد يطلب من الحريري أموراً فوق طاقة الحريري القبول بها، والتي هي تتعلق بسيادة لبنان واستقلال لبنان. مر بمراحل صعبة جداً جداً. علينا أن نتذكر عندما اضطر أن يوافق على التجديد لإميل لحود. كانت كارثة له، لم ينم الليل. لا يستطيع أن يقول لا ولا يستطيع أن يقول نعم. وأنا مررت بها. أنا قلت لا وظللت حياً. مررنا بالمعاناة نفسها، أنا وهو، فيما يتعلق بهذه النقطة بالذات. لذلك، أنا أفهمه تماماً. وأيضاً، بقيت العلاقات طيبة جداً بيننا وبينه، لأننا نفهم بعضنا.

الجميل مع الحريري ولحود (أ.ف.ب)

كنت ألتقي الحريري كثيراً. وكنت أحكي له عن تجربتي. لم يكن يريد التحدث عن تجربته. كان يعرف أن الحيطان لها آذان، ولم يكن يجرؤ على التحدث كي لا يصل الكلام إلى السوريين. كنا نفهم بعضنا «على الطاير».

في عهد بشار، قاوم الحريري بشراسة. ظاهرة رفيق الحريري مميزة ومضمونها نقيض مصلحة سوريا في لبنان. من هنا، بقدر ما هو قريب إلى الخليج ولديه هذا المفهوم للبنان المعتدل المنفتح ولبنان الدور الإقليمي والدولي، بقدر ما يزعج هذا الشيء سوريا. لا أريد أن أعمل تشبيهاً، لكن بصورة ما، كانت لدينا نفس الأهداف، ولهذا السبب نفس الحساسية مع السوريين.

الحريري واختراق النظام السوري

تجاوز حضور الحريري في سوريا الحدود المسموح بها. لا أعرف إلى أي حد، كان خدام مؤمناً بالأسد أكثر مما هو مؤمن برفيق الحريري مثلاً. هذا ما أقوله لك. هناك شخص فهم المسألة بذكاء. إنه رئيس الأركان حكمت الشهابي، ترك سوريا وراح إلى أميركا. تركها بحجة مشاكل صحية. وهناك مجموعة كبيرة صارت قريبة من رفيق الحريري. وبعض أبنائهم استفادوا من الحريري ودرسوا على حسابه.

اخترق الحريري النظام السوري بكل معنى الكلمة. نتحدث ماذا أعطى سوريا وماذا أعطته سوريا. أعطى سوريا، أتذكر عندما جاء شيراك إلى لبنان، وقال في مجلس النواب إن اللبنانيين يجب أن يفهموا الموقع السوري في لبنان، وأن الجيش السوري في لبنان عنصر إيجابي، ويجب ألا تطالبوا أنتم بانسحاب الجيش السوري. ما ثمنها هذه؟ كان الحريري يبيع سوريا هذا الموقف نظراً لتأثيره على شيراك. أثّر على شيراك ليأتي ويقول كلاماً عكس جمهور فرنسا في لبنان، جمهور فرنسا في لبنان يريد انسحاب السوري، بينما طرح شيراك عكس المفهوم. سلف رفيق سورياً كثيراً.

لقاء بين الجميل وشيراك (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

لسوء الحظ، أنا كنت أتوقع استهداف الحريري، وقلت: انتبه لحالك. رفيق الحريري وصل إلى مرحلة أعطى لبنان نفساً أكثر مما تستطيع سوريا أن تحتمله. أعطى للبنان نفساً وموقعاً. مثل اجتماعاته مع الرئيس جاك شيراك، واجتماعاته مع السعودية، ومع الأميركيين، واجتماعاته مع اللبنانيين، منفتح على الكل، لا يوجد لبناني لم يتواصل معه، هذا كله نقيض ما تريده سوريا في لبنان. سوريا تريده معزولاً عربياً أولاً، ودولياً ثانياً. سوريا تريد أن تكون هي المرجع بين اللبنانيين بين بعضهم البعض. إذا أمين الجميل يريد أن يتحدث مع أخيه فعليه أن يذهب إلى الشام أو إلى عنجر، ومن هناك يتم التواصل، بينما رفيق الحريري تجاوز هذا المنطق وأعطى، حقيقة، طموحاته الوطنية بُعداً أبعد من أن تستوعبه سوريا على الصعيد اللبناني».

غداً حلقة ثالثة (أخيرة)


مقالات ذات صلة

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

تحليل إخباري رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي رفعت الأسد عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد (أ.ب) p-circle

وفاة رفعت الأسد «جزار حماة»

 أفاد مصدران، الأربعاء، ‌بوفاة ‌رفعت ‌الأسد، ⁠عمّ ​الرئيس ‌السوري المعزول بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)

من منفاهما في روسيا... رئيس سابق للمخابرات السورية وابن خال الأسد يخططان لانتفاضتين

كشف تحقيق عن أن اثنين كانا ذات يوم من أقرب رجال بشار الأسد وفرَّا من سوريا بعد سقوطه، ينفقان ملايين الدولارات على عشرات الآلاف من المقاتلين المحتملين

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عبد الرؤوف الكسم رئيس الوزراء السوري الأسبق (ويكيبيديا)

رحيل عبد الرؤوف الكسم رئيس «حكومات التقشف» السورية في الثمانينات

رحل عبد الرؤوف الكسم، أحد أبرز رموز نظام حافظ الأسد، في مدينة ميونخ بألمانيا، الذي لعب دوراً رئيسياً في إدارة الاقتصاد السوري في مرحلة عصيبة في الثمانينات.

سعاد جرَوس (دمشق)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
TT

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)

يحتاج عقد أولى جلسات البرلمان السوري (مجلس الشعب) في الموعد الذي حدده الرئيس السوري أحمد الشرع في أنطاليا قبل أيام، إلى تكثيف الجهود والتعجيل في اختيار الأعضاء الممثلين عن محافظة الحسكة، حيث تستعد «اللجنة العليا للانتخابات» لمعالجة الملفات الشائكة المرتبطة بانطلاق أعمال المجلس.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد ذكر خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة الماضي، أن أولى جلسات البرلمان السوري ستعقد في نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، وأن مجلس الشعب المقبل يتضمن جدول أعمال يُشكّل من خلاله مسار مرحلة ما بعد السنوات الخمس الانتقالية، ومن أبرزها صياغة الدستور الذي سيضع أساساً للقوانين ومهام مؤسسات الدولة وتحديد صلاحيات ومهام رئيس الجمهورية وشكل الحكم في سوريا الجديدة، وكلها سيُجري التصويت عليها.

ومن المتوقع أن يعلن مكتب الرئيس الشرع عن أسماء ممثليه الذين يشغلون ثلث مقاعد المجلس، بعد المصادقة على أسماء الناجحين في انتخابات الحسكة شمال شرقي سوريا، ليكتمل بذلك نصابه ويكون جاهزاً لأولى الجلسات البرلمانية.

الحسكة وحساسية التنوع

تصريحات الرئيس الشرع تشير إلى وجود تقدم كبير في الملفات التي كانت تعيق انطلاق جلسات البرلمان واكتمال نصابه، وفي مقدمتها محافظة الحسكة، إلا أن الإعلان أثار أيضاً حالة من القلق إزاء المدة المفترضة لإنهاء انتخابات المحافظة لتتناسب مع الموعد المحدد.

ويرى أصحاب هذا الرأي، ومنهم الباحث المتعاون مع معهد الشرق الأوسط، سامر الأحمد، أن طبيعة المحافظة والتنوع العرقي والطائفي والمجتمعي فيها يفرضان على الحكومة السورية التعامل بتأن وخطوات مدروسة مع العملية الانتخابية التي تحمل أيضاً تبعات ورسائل سياسية، خصوصاً أن هذه الأمور يجب مراعاتها في آلية اختيار الممثلين وقبلها اللجان الفرعية والهيئات الناخبة.

ويشير الأحمد إلى الحضور الثقافي والسياسي في المحافظة وتعدد الأحزاب السياسية الناشطة، وفي مقدمتها الأحزاب الكردية والسريانية، إضافة إلى القبائل ومجالسها التي تأخذ طابعاً سياسياً، وأيضاً المجتمع الثائر، وأخيراً كيان الإدارة الذاتية.

هذا التنوع، كما يقول الأحمد، يضفي على انتخابات الحسكة حساسية خاصة، تحتم على دمشق العمل على إرضاء جميع الأطراف ومنع فتح أبواب التدخل الخارجي. وأضاف: «هذه الانتخابات تخضع لتفاهمات 29 يناير (كانون الثاني) بين (قسد) والحكومة السورية، وقد تطالب (قسد) بحصة خاصة على غرار حصة الرئيس السوري، أو قد يحدث تعطيل، كما جرى قبل أيام برفض تسليم المكاتب والقصر العدلي في القامشلي، وهي أمور يجب أخذها في الاعتبار، وتحتاج إلى الوقت الكافي».

محافظ الحسكة نورالدين أحمد استقبل السبت وفد «اللجنة العليا للانتخابات» التي تستعد لانتخابات الحسكة استكمالاً لمقاعد مجلس الشعب (محافظة الحسكة)

من جهته، يتوقع عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد ولي، أن تأخذ العملية الانتخابية في محافظة الحسكة فترة تتراوح بين 15 و21 يوماً.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللجنة باشرت التحضير لاستئناف العملية وفق المقاعد المخصصة لمحافظة الحسكة، من خلال تشكيل الهيئة الناخبة التي بدأت بالتواصل مع الفعاليات الرسمية والمجتمعية، حرصاً على تمثيل جميع المكونات السورية في أول برلمان سوري بعد التحرير».

ويلفت ولي إلى أن «تأجيل الانتخابات في محافظة الحسكة (سابقاً) وتأخر انطلاق مجلس الشعب الجديد، كان بدافع الحرص على توفير بيئة ملائمة للانتخابات هناك، في ظل سيادة الدولة السورية وحرصها على وجود ممثلين من المحافظة التي تمثل جزءاً أصيلاً من سوريا».

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

وأكد أن العملية الانتخابية أطلقت استحقاقها مع زيارة اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب للحسكة قبل أيام، ولقاء المحافظ والمبعوث الرئاسي، لتطبيق اتفاقية 29 ديسمبر (كانون الأول) والبدء بالترتيبات اللوجستية والتنظيمية، والتشاور لإعلان القوائم الأولية للجان الفرعية للانتخابات التي بدورها ستقوم بتشكيل الهيئات الناخبة.

نهاية الأسبوع الأول من مايو؟

تتفق مصادر حكومية سورية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» مع الرأي القائل بصعوبة عقد أولى جلسات البرلمان خلال الفترة التي حددها الرئيس الشرع، «سنشهد صدامات واعتراضات على غرار ما حصل في انتخابات الرقة الأخيرة».

واستبعدت المصادر أن «تكون السلطة السورية متمسكة بالموعد المعلن عنه، ورأت أنها ستتوافق مع مطالب شعبية في الحصول على مهلة أطول، مرجحة أن يكون موعد انطلاق مجلس الشعب نهاية الأسبوع الأول من شهر مايو (أيار) المقبل». وتعتقد أن «التصريحات الرئاسية الأخيرة تعكس رغبة السلطة التنفيذية في بدء السلطة التشريعية ممارسة مهامها، خصوصاً مع وجود العديد من الملفات العالقة التي تحتاج موافقتها، وفي مقدمتها القوانين الداخلية وملف الدستور والعدالة الانتقالية، والاتفاقيات الخارجية».

انتخابات مجلس الشعب لدائرتي تل أبيض ورأس العين بمحافظة الرقة أكتوبر الماضي (اللجنة العليا للانتخابات)

وشددت المصادر الحكومية على أن الإدارة السياسية أولت أهمية لوجود ممثلين عن عموم المنطقة الشرقية ووصولهم إلى قبة البرلمان عبر انتخابات مماثلة لما حدث في المحافظات السورية الأخرى، لضمان شرعية المجلس وتمثيله عموم السوريين.

وسبق أن شهدت محافظة الرقة التي كانت تخضع لسيطرة «قسد»، انتخابات محلية أسفرت عن اختيار أربعة أعضاء، ثلاثة منهم عن دائرة الرقة، والأخير عن مدينة الطبقة، ليكتمل نصاب ممثلي المحافظة بوجود عضوين عن دائرة تل أبيض في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني).

السويداء وثلث الرئيسد

الحديث عن الحسكة يفتح ملف انتخابات السويداء، إلى جانب حصة الرئيس السوري في المجلس، المحددة بالثلث، والتي يعتقد أنها ستكون الإطار المحافظ على توازن التمثيل السياسي والاجتماعي بما يراعي أوضاع البلاد المعقدة والشائكة.

ويرى مدير «مركز الحوار السوري للدراسات»، أحمد قربي، أن الحل في السويداء لا يزال بعيداً مع استمرار جماعة «الهجري» برفع مطالب الانفصال، وبالتالي عجز الحكومة عن إقامة انتخابات برلمانية في المحافظة، ما يدفعها إلى خيارات أكثر واقعية لتفادي هذه المعضلة.

يتوقع قربي أن يكون هناك استثناء لحصة محافظة السويداء من الأعضاء المنتخبين المحددة بثلاثة مقاعد من أصل 140، ليتم تعويضها من حصة الرئيس المؤلفة من 70 مقعداً، وفق المادة 24 من الإعلان الدستوري الفقرة الثالثة التي تشير إلى أن هذا الثلث يهدف إلى ضمان التمثيل العادل، والذي يمكن قراءته بضمان التمثيل الإثني والطائفي والجندري، ما يرجح ضمان وجود ممثلين عن الطائفة الدرزية تحت قبة البرلمان.

عضو لجنة الانتخابات في الرقة تؤدي اليمين أمام رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد (سانا)

يوضح قربي أن هذا الحل لن يكون وفق قاعدة «الكوتا» أو المحاصصة، بقدر ما هو ضمان لوجود ممثلين عن عموم المجتمع السوري، وتغطية الفراغات التي تكون قد ظهرت خلال الانتخابات، ومراعاة الكفاءة، وترميم غياب بعض التخصصات، وفق المعايير الانتخابية التي تقوم على التمثيل العادل والكفاءات.

ويقول: «لا يمكن تعطيل برلمان دولة بحضور 207 أعضاء من أصل 210، وتستطيع الحكومة تغطية غياب الطائفة الدرزية من خلال اختيار شخصيات من مناطق تضم المكون الدرزي، مثل جرمانا وأشرفية صحنايا، إضافة إلى شخصيات تحمل ثقلاً وازناً داخل السويداء رافضة لمطالب الانفصال».

ضرورة إطلاق البرلمان

إلى جانب الدور التشريعي الذي يمثل عماد عمل مجلس الشعب وسن الأنظمة وتعديل القوانين المخالفة للإعلان الدستوري، التي لا تزال سارية حتى اليوم بسبب غياب المؤسسة التشريعية، تبرز حاجة سياسية إلى وجود المجلس بحد ذاته، وهو أمر يؤكده عضو مجلس الشعب الجديد المنتخب، عبد العزيز مغربي، الذي يعتبر أن انعقاد مجلس الشعب السوري يحمل أهمية كبيرة على المستويين الداخلي والسياسات الخارجية.

مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

ويقول: «لأول مرة، وبعد عقود من تعطيل دور مجلس الشعب فترة حكم آل الأسد، ينتظر الشعب انعقاد مجلسه ليأخذ دوره الرقابي الذي يعني تفعيل السلطة التشريعية لدورها في سوريا، وتحسين عمل المؤسسات عبر اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل القوانين السابقة التي قد تتضمن ثغرات تتسبب في البيروقراطية والتعطيل، إضافة إلى إقرار الموازنة العامة للبلاد، وهي من أبرز مهام المجلس».

ومن المتوقع أن يعلن مكتب الرئيس الشرع عن أسماء ممثليه الذين يشغلون ثلث مقاعد المجلس، بعد المصادقة على أسماء الناجحين في انتخابات الحسكة شرق سوريا، ليكتمل معها نصابه استعداداً لانعقاد أولى الجلسات البرلمانية.

تجدر الإشارة إلى أن عملية انتخابات البرلمان السوري انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في العديد من المحافظات السورية، وفق نظام انتخابي استثنائي يقوم على فكرة المجمعات الانتخابية، حيث تم اختيار الهيئات الناخبة لكل مدينة ومنطقة بحيث تمثل مكونات وفئات المجتمع، لتقوم هذه المجمعات بانتخاب ثلثي أعضاء المجلس الذين يبلغ عددهم 210 أعضاء.


وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
TT

وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن لبنان «بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية «وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض»، وأن لبنان «ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور»، آسفاً لأن مساعي الدولة لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، «تواجه طرفاً داخلياً، هو (حزب الله)، الذي لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمة لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «الأولوية الوطنية اليوم هي استعادة السيادة كاملة غير منقوصة»، مؤكداً أنه «لا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض». واستنكر «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية»، مُديناً في الوقت نفسه استهداف الدول العربية الشقيقة واستهداف أمنها واستقرارها.

حصرية التفاوض بيد الدولة

عقدت السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض، مع نظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، لقاءً مباشراً ثانياً في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين، ضمن مسار هو الأول في المحادثات المباشرة منذ عام 1993.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)

وقال رجي: «لقد أدخلت إيران لبنان في حربٍ لم تكن خيار الدولة اللبنانية ولا خيار غالبية اللبنانيين، بل فرضت عليه ضمن مقاربة تَعدّ لبنان ورقة ضغط تُستخدم على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية». وتابع: «من هنا جاءت الخطوة المتقدمة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية جوزيف عون، حين اختار الذهاب إلى مسار التفاوض المباشر، معلناً بوضوح أن الدولة اللبنانية وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض، وأن لبنان ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور». وشدد رجي على أن «هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها التفاوضي، بل تؤسس لاستعادة القرار الوطني المستقل، ولإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في الحرب والسلم والسياسة الخارجية».

وجدد رجي التأكيد «أن المسار اللبناني بات منفصلاً عن المسار الإيراني»، وأن «مصلحة لبنان لم تعد رهينة تعثر المفاوضات الإيرانية أو تقدمها»، بدليل أن «الاجتماع التمهيدي الثاني يُعقد فيما المفاوضات المتعلقة بإيران تشهد جموداً وتعقيدات، مما يثبت أن لبنان بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين». وقال: «هذه نقطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، لأنها تُنهي مرحلة طويلة جرى فيها ربط الاستحقاقات الوطنية بالأجندات الخارجية».

نهاية الساحات

وأكد رجي «أننا لن نقبل بعد اليوم أن يكون لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة للمغامرات العسكرية والسياسية التي يدفع ثمنها اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم ووحدتهم الوطنية»، شارحاً: «لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات لم يجلب له إلا الدمار والعزلة والانهيار، فيما المطلوب اليوم إعادة تثبيت موقعه كدولة ذات سيادة، لا كساحة نفوذ أو خط تماسٍّ دائم».

أهداف التفاوض

وحول أهداف التفاوض، قال رجي إن «ذهاب لبنان إلى التفاوض يهدف إلى معالجة النقاط العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها القضايا الحدودية والأمنية والإنسانية»، مشدداً على أن «التفاوض ليس استسلاماً كما يحاول البعض تصويره، بل هو أداة من أدوات الدفاع عن المصالح الوطنية حين يُدار من موقع الدولة وبحسابات دقيقة». وقال إن «ميزان القوى لا يُقاس فقط بالسلاح، بل أيضاً بشرعية الدولة، ووحدة الموقف الوطني، والدعم الدولي، والقدرة على استخدام القانون والدبلوماسية لحماية الحقوق»، مشيراً إلى أنه «من الخطأ الجسيم تصوير لبنان كأنه في موقع ضعف مطلق، كما من الخطأ المقابل تصويره في موقع استسلامي. الحقيقة أن لبنان يستطيع، إذا توحدت مؤسساته، أن يفاوض من موقع المصلحة الوطنية الواضحة».

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي خلال لقائه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لإدارة عمليات السلام جان بيار لاكروا (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأوضح رجي: «الأولوية الوطنية اليوم هي لاستعادة السيادة كاملة غير منقوصة. ولا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض، وتأمين سلام مستدام يحفظ كرامة اللبنانيين ويمنع تكرار المآسي، ولا سيما لأهلنا في الجنوب الذين دفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم». وتابع: «لقد أثبتت المغامرات العبثية التي جرى خوضها عبر ما تسمى (الأذرع) أن نتائجها لم تكن تحريراً ولا نصراً، بل مزيداً من تفكيك الدولة اللبنانية وإضعافها واستنزاف مجتمعها واقتصادها».

حصرية السلاح

ورأى رجي أن لبنان «تأخر كثيراً في تنفيذ القرارات الحكومية والدستورية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، لا سيما سلاح (حزب الله)، في وقت تطالب فيه غالبية اللبنانيين بقيام دولة فعلية تحتكر وحدها حق استخدام القوة». وقال: «حصر السلاح ليس مطلباً سياسياً لفريق ضد آخر، بل هو المدخل الوحيد لبناء الدولة الحديثة، لأن مفهوم الدولة يتناقض جذرياً مع وجود مجموعات مسلحة خارجة عن سلطتها. فلا يمكن أن تقوم دولة بسلاحين، ولا بسيادتين، ولا بقرارين في الحرب والسلم».

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي (أ.ف.ب)

ولفت رجي إلى أن الوقائع «أثبتت أن السلاح الموازي لم يحرر الأراضي المحتلة، ولم يحمِ المواطن اللبناني، ولم يمنع الدمار، بل أسهم في تعميق الخسائر الوطنية»، موضحاً: «قبل حرب (إسناد غزة) وربط لبنان بالمواجهة الإيرانية، كانت النقاط الخلافية الحدودية محدودة ومحصورة بمسائل معروفة، منها النقاط الثلاث عشرة، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا. أما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد توسع الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في خمس نقاط، وبعد الثاني من مارس (آذار) الماضي، أصبحت المساحات المحتلة أوسع، فيما دُمّرت عشرات القرى وتعرضت مناطق واسعة للخراب والتهجير». وأضاف: «هذه الحصيلة الكارثية تؤكد أن منطق السلاح المنفلت لم ينتج حماية، بل إن معادلات (حزب الله) القاتلة هي ما فرض في نهاية المطاف مسار التفاوض المباشر بوصفه المخرج الوحيد لاستعادة ما خسره لبنان».

استهداف الدول العربية

وأعلن رجي استنكار الدولة اللبنانية بأشد العبارات «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية». وقال: «هذا السلوك يشكل نموذجاً إضافياً لطبيعة المشروع الإيراني العابر للحدود، وخطورته ليست فقط على سيادة لبنان، بل أيضاً على أمن الدول الشقيقة والصديقة التي لطالما وقفت إلى جانب لبنان في أصعب الظروف». وتابع: «أبلغنا الأصدقاء في الدول المعنية استعداد لبنان الكامل للتعاون القضائي والأمني، ولملاحقة المسؤولين عن هذه الشبكات وتقديم كل مساعدة لازمة. كما نجدد رفضنا المطلق استخدام الأراضي اللبنانية أو أي جهة لبنانية للإضرار بأمن أي دولة عربية أو صديقة».

«حزب الله» يقامر بالجنوبيين

في هذا الوقت، تواصل إسرائيل التفجيرات داخل القرى الحدودية في الجنوب. وقال رجي: «نتابع بقلق بالغ التطورات الميدانية في الجنوب، لا سيما الحزام الأمني الذي فرضته إسرائيل، وتعمل وزارة الخارجية عبر مختلف القنوات الدبلوماسية المتاحة للوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار». وتابع: «لكن المؤسف أن الدولة، بينما تسعى لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، تواجه في المقابل طرفاً داخلياً هو (حزب الله)، لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمةً لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي: «إن المشهد المحزن للقرى المدمرة في الجنوب، وللأهالي الذين خسروا بيوتهم ومواسمهم وأمانهم، يجب أن يشكل لحظة مراجعة وطنية شجاعة»، مضيفاً: «على من تسبب بهذه الحرب وأدخل لبنان فيها رغماً عن إرادة شعبه أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية والتاريخية، وأن يراجع حساباته قبل فوات الأوان»، مشدداً على أن «لبنان لم يعد يحتمل حروب الآخرين، ولا مشاريعهم، ولا أوهام الانتصارات التي لا تخلّف إلا الخراب». وقال: «المستقبل يجب أن يكون للدولة، للسيادة، وللسلام العادل الذي يحمي جميع اللبنانيين».


فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، جولة «مختصرة» إلى لوكسمبورغ وفرنسا، حيث وفرت له محطته الأولى فرصة للتواصل مع الاتحاد الأوروبي الذي كان وزراء خارجيته يعقدون اجتماعاً دورياً. وعرض سلام وضع لبنان الواقع بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله»، وما يطمح إليه من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وجاءت كلمته أمام الوزراء الأوروبيين واضحة لجهة عرض موقف لبنان ومطالبه، وأهمها اعتبار أن وضع حد للحرب الأخيرة يعد «ضرورة» بالنسبة إليه كونه يعاني من «وضع داخلي أضعف الدولة»، لافتاً إلى أن الدولة التي «لا تمسك بقرار السلم والحرب تبقى دائماً في خطر».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على مدخل قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء (أ.ب)

وأوضح سلام: «لا يمكن أن تقوم دولة مستقلة من غير أسس السيادة ولا سيادة من غير سلطة رسمية واحدة تمسك بناصية القرارات الوطنية». وشرح سلام ما يتوقعه لبنان من المفاوضات، إذ إن هدف الدولة «الاستفادة من الفرصة المتوافرة من أجل التوصل إلى حل نهائي» مع إسرائيل.

ورغم أن سلام لم يعد بقرارات أوروبية جديدة تتناول لبنان، فإنه حصل على دعم سياسي ودبلوماسي لمساعدته على استعادة استقرار لبنان من جهة وتعزيز خياراته وأساسها التوجه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وحسب وزير خارجية لبناني سابق، من المهم للبنان أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ما يسمى «الدبلوماسية العامة» لما لها من أثر مباشر على الرأي العام الخارجي، بدل الاكتفاء بالحوار الداخلي بين الأطراف وانتظار زوار الخارج، سيما أن لبنان يعد «الحلقة الأضعف في النزاع الحالي»، وهو بحاجة إلى كل أنواع الدعم.

محطة باريس

بين لوكسمبورغ وباريس، تعد المحطة الثانية الأكثر أهمية بالنسبة للبنان وللعلاقة مع فرنسا. وليس سراً أن باريس لم تستسغ امتناع لبنان عن الرد على يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في واشنطن، عقب لقائه السفيرة اللبنانية ندى معوض حماده، والذي دعا فرنسا إلى «البقاء بعيداً» عن أي مفاوضات مع لبنان.

وكانت فرنسا تفضل أن يصدر رد على ليتر يتضمن تمسكاً بمواكبة لا بل بحضور فرنسي في المفاوضات على غرار ما حصل في خريف 2024 في سياق الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل «آلية الرقابة» أي «الميكانيزم» وضمت آنذاك الولايات المتحدة وفرنسا معاً. وأفادت مصادر الإليزيه أن «فرنسا جزء من البلدان التي لها دور ملموس جداً ومباشر في تعزيز موقع الحكومة اللبنانية» و«دعم عملها بشكل ملموس للغاية» لجهة مساعدتها على نزع سلاح «حزب الله»، مضيفة أن الأميركيين والإسرائيليين «يعون ذلك تماماً».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء سلام خلال المؤتمر الصحافي عقب انتهاء محادثاتهما (أ.ف.ب)

فرنسياً، استفاد ماكرون من المؤتمر الصحافي المشترك مع سلام للرد، إذ قال: «الوجود حول طاولة المفاوضات أو عدم الوجود مسألة ثانوية... وفرنسا ليست بحاجة إلى هذه الطاولة حتى تكون إلى جانب لبنان. صداقتنا لهذا البلد لا تحتاج إلى طاولة». وأفادت مصادر فرنسية بأن باريس شعرت بنوع من «الإجحاف» عندما «نسي» الرئيس اللبناني جوزيف عون توجيه الشكر لها لجهودها في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله»، مكتفياً بشكر «الصديق» ترمب والمملكة العربية السعودية. لذا، فإن مصادر الإليزيه وفي حوار عن بُعد مع مجموعة صحافية، شددت على أهمية الدور الذي لعبه ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية. بيد أن قراءة واقع الحال تبين أن إصرار لبنان على المشاركة في المفاوضات ما كان ليغير شيئاً، لأن القرار النهائي لدى الولايات المتحدة مكسوبة الولاء لإسرائيل التي «تناهض» كل ما تقوم به باريس.

خيارات ماكرون

ما أكده ماكرون في المؤتمر الصحافي هو أن فرنسا «تدعم لبنان دون تحفظ» في خيار اللجوء إلى المفاوضات المباشرة. وفرنسا، كما لبنان، تدعو إلى «تمديد الهدنة» وإعادة إحياء «آلية الرقابة» كونها تدفع باتجاه «ديمومة الاستقرار الذي لا يمكن أن يكون دائماً إلا بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية»، بالإضافة إلى «تخليها عن أي أطماع» بالأراضي اللبنانية. ودعا تل أبيب إلى أن تعي أن ضمان أمنها «لا يأتي إلا عبر دولة لبنانية قوية وليس عن طريق سياسة زرع الفوضى».

صورة لما تبقى من منزل في بيت ليف قصفته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك تبنى ماكرون مقاربة الدولة اللبنانية باعتبار ما قام به «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار) بتوجيه عدة صواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية بمثابة «خطأ استراتيجي كبير» وربط استقرار لبنان بنزع سلاحه، منوّهاً أن هدفاً مثل هذا «لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي اللبنانيين أنفسهم وبدعم من الأسرة الدولية». ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن حصرية السلاح «لا يمكن أن تتوافر بعصى سحرية» بل يجب أن «تندرج في إطار استراتيجية سياسة شاملة».

كذلك أكد ماكرون أن فرنسا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان بعد رحيل قوة «اليونيفيل» نهاية العام الحالي، وتسعى إلى أن تقوم بهذا العمل مع شركائها «الأكثر تعبئة» ووفق ما تريده وتقرره الدولة اللبنانية. وفي سياق تعداد ما تقوم به باريس لدعم الجيش وتقديم المساعدات الإنسانية والتربوية، وبالطبع الدعم السياسي، أضاف إليها استعداد باريس للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الهجمات الإسرائيلية. ووجه ماكرون رسالة تحذيرية لإسرائيل تقول إنه «طالما أن هناك قوة تحتل أراضي لبنانية وتقصف لبنان، فإنها بذلك تضعف إمكانية نزع سلاح (حزب الله)».

ما سبق يؤكد أن باريس، وبغض النظر عن المطبات السياسية والدبلوماسية، عاقدة العزم على مواصلة مساعدة لبنان في هذه المحنة الجديدة رغم أن مواقفها تثير حفيظة إسرائيل وتفاقم توتر العلاقات الثنائية، المتوترة أصلاً. ووفر اللقاء لسلام فرصة لتوجيه عدة رسائل للداخل اللبناني وأولها أن المفاوضات المباشرة «ليست علامة ضعف لكنها عمل مسؤول لاكتشاف كل السبل التي تساهم في استعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه».

وإزاء من يتهمه بالخيانة في لبنان ويكيل له التهم والشتائم حرص على تأكيد أنه «لا يسعى للمواجهة مع (حزب الله)، بل إنه يفضل تجنبها». ولمن يتهمونه بالضعف استدرك قائلاً بلهجة حازمة: «صدقوني، لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».