الجميل: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن حافظ لم يفاتحه بموضوع تحالف الأقليات لكن رفعت كان يجاهر به (2 من 3)

TT

الجميل: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)
كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)

كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مفاوضاً بارعاً وحريصاً على صورته. كان يفضل إنهاك الزائر برحلة طويلة عبر التاريخ قبل التطرق إلى جوهر المحادثات. وكان قادراً على كبح غضبه والالتفاف ثم معاودة الكرة. وكان يتفادى الألفاظ الخشنة وترك الكراهيات تعبر عن مشاعرها. لكنه لم يكن ينسى أولئك الذين حاولوا عرقلة مشروعه، وبينهم ياسر عرفات وكمال جنبلاط وبشير الجميل وأمين الجميل وسمير جعجع.

وفي اتهام الآخرين والعمل على تطويعهم، كان لدى الأسد - على حد قول الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في الحلقة الثانية من مقابلته مع «الشرق الأوسط» - عصا اسمها عبد الحليم خدام الذي كان وزير خارجيته ونائبه لاحقاً. وكثيراً ما اعتبر سياسيون لبنانيون أن «فظاظة خدام وليدة تكليف رسمي من معلمه». ولم يكن الأسد يلجأ إلى التهديد المباشر لزائره ويفضل الإيحاء - كما حدث حين حكى للجميل أن مساعديه اقترحوا تفجير طائرة الرئيس أنور السادات لمنعه من الوصول إلى القدس.

تعمد خدام في أحيان كثيرة إذلال حلفاء سوريا وخصومها حين يعاندون ويخرجون عن الخط الذي ترسمه. وكان يتعمد إقلاقهم كي يصلوا مستسلمين إلى مكتب السيد الرئيس. سألت خدام «المتقاعد» في باريس عن اتهامه بتجاوز الحدود والخشونة، فأجاب أن الغرض لم يكن الإهانة، بل تفادي الوصول إلى صدام قد تكون عواقبه سيئة إذا أوكلت تسوية الأمور إلى الأجهزة الأمنية. وفي الجلسة نفسها، قال خدام إن أمين الجميل «عرقل طويلاً الوصول إلى حل في لبنان، وكان كثير التردد والشكوك». ولم ينكر أن الأسد فوجئ بسقوط «الاتفاق الثلاثي»؛ إذ لم يعتقد أن أحداً في لبنان يمكن أن يقدم على مثل هذا التحدي السافر لسوريا وللأطراف التي وقّعت الاتفاق.

كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)

«كانت لدى الرئيس الأسد أوراق كثيرة، ولم تكن لدى الرئيس سركيس أي أوراق. كان باستطاعة الأسد إسقاط الحكومة اللبنانية أو شلّها قبل عودة الرئيس اللبناني إلى بيروت. ولم يكن لدى سركيس ما يضغط به على الأسد. لكن سركيس الذي كان يبدي مرونة كان يتصلب حين يرى أن المطلوب منه يمس بالثوابت اللبنانية»، هذا ما سمعته من وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس، ولعله يصدق أيضاً على علاقة الجميل بالأسد. وقال بطرس إنه كان يمارس أقصى درجات الجدية لمنع خدام من أخذ الحوار إلى اتهامات وعبارات غير رزينة».

طلبت من الجميل أن يتذكر علاقته بخدام وها هو يروي: «من الأساس، لم يكن هناك ود بيني وبين خدام؛ لأنه كان يستعمل وسائل قوطبة (عرقلة) على رئاسة الجمهورية، وتأليب فريق عملي عليّ، أي كانت هنا وسائل خبيثة ولئيمة لإرباك الرئيس اللبناني. الرئيس الأسد بقدر ما كان ودوداً معي ويتصرف معي باحترام، بقدر ما كان بحاجة إلى فريق آخر يحرك العصا. والعصا كان خدام. يعني كل الضغوطات التي كانت تمارس عليّ، والتي كانت بمعرفة الرئيس الأسد، كان ينفذها عبد الحليم خدام.

خدام هو العصا والسم. من أول الطريق، لم تكن هناك علاقة ودية معه. بقدر ما كان الأسد مهذباً ولطيفاً معي، بقدر ما كان خدام يجسد المقلب الآخر من سوريا الذي يريد أن يوقّع أمين الجميل مرغماً على اتفاقات تضر بمصلحة لبنان.

كنت أضع خدام عند حدوده. لم يستطع التطاول عليّ. كنا في اجتماع مرة مع الأسد، وكان موجوداً، وكان يشيع قبل الاجتماع أننا اجتمعنا مع بعض جماعتنا في لبنان، ويورد قضايا سخيفة، يعني خارج إطار المألوف. دخلنا إلى الاجتماع، فقال خدام كلمتين، فقلت للرئيس الأسد: سيادة الرئيس، نحن لدينا مشكلة مع خدام، ليتك تقول له أن يوقف جاسوسيته، الأسلوب الجاسوسي، في التعاطي معنا. خدام، كنت ألزمه حدوده، ولا يأخذ راحته معي كثيراً. كان مهيمناً على كثير من اللبنانيين، وفارضاً وهرة على اللبنانيين، وهذه لا تمشي معي.

كان بلا تهذيب. وكان وقحاً إلى درجة تبتعد عن المنطق والتهذيب. لكن معي أنا، كان يعرف أن أي كلمة خارج الحدود سيتلقى جواباً عليها».

الأسد ولغة الأقليات

أدرك حافظ الأسد باكراً هشاشة التركيبة اللبنانية وعدّها لقاء أقليات تحتاج دائماً إلى من يرعى حروبها وهدناتها. سمح بالانتصارات المحدودة ومنع الهزائم الساحقة؛ لأنها تبطل الحاجة إلى وصي أو وسيط. كان يريد أن يحكم سوريا كلها وإلى الأبد، وأن يكون لبنان حديقة ملحقة بنظامه. لم يستخدم لغة الأقليات والطلاق بين المكونات التي جاهر بها شقيقه رفعت أمام وليد جنبلاط ومروان حمادة، داعياً إلى تقسيم لبنان وسوريا معاً.

سألت الجميل إن كان شعر خلال حواراته مع الأسد أنها في عمقها حوار بين علوي وماروني، فأجاب: «لا، هذه كانت مع رفعت (الأسد). رفعت عندما بدأ يلعب دوراً في سوريا على الصعيد السياسي، كان يطرح هذا الموضوع، أي نحن الأقليات يجب أن نتفاهم مع بعضنا وأن نتضامن. هذه اللغة لم تكن في أي مرة على صعيد النظام. لا الرئيس الأسد ولا الحاشية كانت تطرح الموضوع من هذه الزاوية. نعم، رفعت كان يتحدث علناً عن أنه يجب أن يكون هناك تفاهم. لكن التفاهم بالتأكيد، على مقاسهم هم.

كانت سياسة حافظ الأسد ترمي إلى جمع الأوراق. هكذا كانت علاقته مع الدروز، والتصادم بينه وبين كمال جنبلاط ضمن هذا الإطار. كان يستعمل دروز سوريا، وكان يستعمل الأقلية المسيحية في سوريا. كان واضعاً يده على الأقليات كي يجمعها كلها تحت رايته هو ولتكون جزءاً من النظام السوري.

قصة التوتر بين السنة والعلويين كانت مكشوفة. وكان رفعت يعلنها، وعندما يتحدث إلينا كان واضحاً وجود العداوة بين العلويين والسنة، لكن مع الرئيس الأسد لم يكن يبدو لها أي أثر، لكن باطنياً ماذا هناك؟ لا يعرف أحد ماذا يوجد في باطن الآخر، لكن في الممارسة معنا، في العلاقة، لم نكن نشعر أبداً بهذا الشيء».

سألته عما تردد عن أن الرئيس كميل شمعون طرح ذات يوم على الرئيس الأسد أن تقوم علاقة كونفدرالية بين لبنان وسوريا، فأجاب: «ليس صحيحاً. هذا ليس صحيحاً أبداً. لا يمكن أن يكون الرئيس شمعون طرح مثل هذا الطرح. صدرت أخبار كثيرة. صدر خبر ثان أن (المبعوث الأميركي إلى لبنان) دين براون عرض على البطريرك نقل المسحيين إلى كاليفورنيا، كل هذا كلام للاستهلاك، كلام شعر ليس له مدلول على الأرض».

ضغط أميركي لمصلحة إسرائيل... وسوريا

استفسرت من الجميل عن عبارة المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي: «مخايل الضاهر أو الفوضى» التي تردد أنه قالها للقيادات اللبنانية في خضم أزمة رئاسة الجمهورية عام 1988، باعتبار الضاهر المرشح الوحيد الذي تقبل به دمشق وتوافقت عليه مع أميركا، قبل أن يتنكر لها لاحقاً.

الجميل مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

قال الجميل: «نعم مورفي قالها. كانت لدينا مشكلة. الأميركي يريد سوريا ولا يريدها. يعرف أن سوريا دورها سلبي جداً في لبنان، لكنه لا يريد أن يعاكسها، لا يريد أن يخوض معركة معها. فكان يظل يدفع لكي يجد قاسماً مشتركاً مع سوريا وليس معنا نحن. وقضية مورفي أنهم اعتبروا مخايل الضاهر تسوية؛ لأن مخايل الضاهر رجل محترم إلى حد يمكن أن يكون مقبولاً لبنانياً، فلذلك مشوا مع سوريا بترشيح مخايل الضاهر. وكان الأميركيون، مثل كل سياستهم عندنا في لبنان، مع سوريا وغير سوريا كما كان في اتفاق 17 مايو (أيار) مع إسرائيل، كانوا دائماً في الحلول في المقلب الآخر. يريدون أن يفرضوا على لبنان بعض الأمور؛ أي إنهم لا يقدرون على إسرائيل، فلبنان لازم يدفع. لا يقدرون على سوريا، سوريا عنيدة وعندها الإمكانات ولا يريدون أن يصطدموا معها، كانوا يجربون أن يقنعونا بشيء ليس لصالح لبنان كثيراً. كانت أميركا، البراغماتية الدبلوماسية الأميركية، تريد حلولاً بأي ثمن. من الطرف الذي يستطيعون أن يأخذوا منه بأسرع ما يمكن. من الذي يستطيعون أن يمونوا عليه؟ كان عندهم حرص على إرضاء سوريا، كما كان عندهم حرص على إرضاء إسرائيل. في الاتفاق مع إسرائيل، كانوا كثيراً يزركوننا (يحشروننا) في نواحٍ معينة، ومع سوريا أيضاً، كان من الواضح أنهم لا يريدون أن يزعلوا سوريا، ومن الواضح أنهم في النهاية يعرفون أن القوة بيد سوريا ولا يريدون أن يواجهوا هذه القوة، لذا يحاولون أن يجدوا طريقة ليمشّوا المصلحة السورية بأي ثمن. هذه كانت قصة مخايل الضاهر».

وعن أبرز موفديه إلى دمشق، قال الجميل: «في الأساس العلاقة والقرار بيدي أنا. والقرار كنت أنا أفاوض عليه. بالنسبة إلى التمهيد، كان جان عبيد (الوزير الراحل)، ولعب دورا مفيداً جداً، رجلاً ذكياً وحريصاً على المصلحة اللبنانية وعلاقاته حميمة مع السوريين. لعب دوراً إيجابياً، لم يقدر أن يأخذ كل شيء، إنما حلحل بعض الأمور. إيلي سالم كذلك لعب دوراً إيجابياً. وبطريقته البديهية، كان يقدر أن يصل إلى بعض الأمور المعينة، وخاصة مع خدام الذي كان يعرف أن علاقتي به ليست طيبة، وكان هو يحاول أن يعوض من هذه الناحية، وكانت علاقته جيدة مع خدام واستطاعا أن يصلا إلى كيمياء مشتركة. هذان الاثنان كانا أساسيين، وما تبقى كانت الأجهزة. والذي لعب دوراً، ستتفاجأ، إيجابياً جداً في هذه العلاقة (الضابط) جميل السيد. جميل السيد كان ضابط مخابرات في الجيش اللبناني في البقاع. وعندما كنت أذهب إلى الشام كنت أتوقف في البقاع وأجتمع به ويعطيني معلومات دقيقة جداً جداً عن الوضع في القصر الجمهوري والوضع السوري بصورة عامة. كان مطلعاً وكان مخلصاً. أشعر أنه كان يعطيني معطيات غير موجودة عند العموم وتفيد لبنان».

هل كان هناك انزعاج سوري من دور غسان تويني معك؟ قال: «لم يكن هناك ود لغسان أبداً. غسان جاء مرة واحدة معي إلى سوريا. لم يكن هناك ود. كانت هناك مشادات عندما يكون موجوداً. غسان وخدام يلعبان كرة الطاولة بعضهما مع بعض. يرمون الطابة بعضهما لبعض. لم يكن لديهما حب له بسبب جريدة (النهار). لم تكن ترحم سوريا، وبقدر ما يتنصل غسان من أي مقال فيها، تبقى ظاهرة للكل».

سوريا واغتيال بيار الجميل

أسأله عن اغتيال نجله الوزير والنائب بيار الجميل، وما إذا كان مقتنعاً بأن سوريا في عهد بشار الأسد وراء الاغتيال، فيجيب: «نحن قناعتنا أنه لا يمكن أن يُفعل هذا الشيء إذا لم تكن هناك يد سورية؛ لأن المخابرات السورية كانت ممسكة بكل المفاصل، خاصة في تلك المرحلة بالذات. انسحبت القوات السورية لكن بقيت المخابرات بالكامل. بقيت المخابرات في بيروت، والذي أخذ محل السوري هو الإيراني، وكانت هناك وحدة حال بين إيران وسوريا، وبقيت إيران بعد ما كانت ركزت أجهزة المخابرات التابعة لها.

أمين الجميل متكئاً على نعش نجله بيار خلال جنازته (أ.ف.ب)

«حزب الله» لم يكن أخذ كل هذا النفوذ، كانت سوريا لا تزال هي الأداة التنفيذية لإيران في تلك المرحلة، حتى تمكن لاحقاً الإيرانيون ورتبوا «حزب الله» بالشكل المعروف، وأخرجوا سوريا من الساحة السياسية إلى حد ما.

لا توجد قصاصة ورقة في ملف التحقيق في اغتيال بيار. معروف أن القضاء لا يستطيع العمل إلا بالتعاون مع قوى الأمن، قوى الأمن تتقصى وتأتي بالمعلومات، قوى الأمن هي التي تحضر للقاضي الدعوى، وكان ممنوعاً على القضاء، على قوى الأمن، إعطاء أي معلومات لديهم عن هذا الموضوع.

لا توجد ولا قصاصة ورق في الملف. لا توجد أي قصاصة ورق على الإطلاق. رغم كل تقديري للقضاة المحققين، ماذا يقدر أن يفعل القاضي إذا قوى الأمن لا تنفذ استنابته؟ لا نزال حتى اليوم نتأمل. ثمة شاب صديق لنا التقى بالرئيس أحمد الشرع في سوريا في مناسبة معينة، وتحدث معه عن موضوع بيار. الرئيس الشرع، عندما عرف أن الشخص قريب منا، فتح السيرة وقال له نحن نعرف كم عانى لبنان والاغتيالات ومنها بيار الجميل، ذكر بيار الجميل، أرسلنا للرئيس الشرع نسأله إن كان يمكنه أن يساعدنا في توفير معلومات إضافية حول هذا الموضوع ووعد خيراً».

سقوط بشار وصعود الشرع

لم يستغرب الجميل سقوط نظام بشار الأسد. قال إن الأمر كان متوقعاً؛ «لأن الرئيس بشار لم يكن مؤهلاً للوصول إلى هذا الموقع... وكان لديه نوع من الطموح الشخصي يفوق قدراته، فضلاً عن أن الطاقم المحيط به لم يكن على قدر المسؤولية، وقدم مصالحه الشخصية على ما عداها».

أمين الجميل خلال المقابلة مع غسان شربل (الشرق الأوسط)

وعن رأيه بإطلالة الرئيس الشرع على الساحة السورية، قال: «نتمنى له التوفيق، ونحن بحاجة إلى أن يكون في سوريا قيادة منفتحة وعندها تفهم للمصلحة اللبنانية - السورية بشكل نظيف ونزيه، وهو يظهر الاستعدادات الطيبة، لكن المهم أن يدعوه يعمل. إلى أي حد سيستطيع الوصول إلى النتيجة المرجوة، ونحن نتمناه، خاصة بعد كل هذه المواقف والتصريحات التي تصدر. شيء يطمئن، هل يستطيع يا ترى أن ينفذ؟ هل يستطيع يا ترى أن يأتي أحد من الرعيل الأول في هذه التنظيمات المعروفة يخرب مشروعه؟ لا يزال من السابق لأوانه أن يعرف المرء ماذا سيحصل، لكن المهم أولاً أنه انتهى عهد الأسد وهذا شيء إيجابي جداً، وأي شخص سيأتي من بعده لن يكون أسوأ منه، ثانياً، التصريحات الأولية للرئيس الشرع مطمئنة، ثالثاً المهم أن يقدر أن يطبق ويستوعب الأجنحة المتعددة والمتضاربة في سوريا، يستطيع أن يستوعبها حتى يخلق مناخاً جديداً لسوريا؛ لأن الدولة يجب أن يكون فيها تضامن. ما نعاني منه في لبنان، هذا التشرذم في السلطة. بقدر ما يستوعب القيادات الأخرى ويوحد القرار بسوريا، بقدر ما يخدم مصلحة سوريا ومصلحة لبنان ومصلحة المنطقة».

الإطلالة الأولى للحريري

سألته عن الإطلالة الأولى لرفيق الحريري على الملفات اللبنانية في عهده، فقال: «نعم. أول مرحلة، جاء رفيق كمندوب للملك فهد بن عبد العزيز للقيام ببعض الأعمال الإنمائية. مثلاً أول عمل كان تنظيف شارع المعرض، أنفقوا مبلغاً معيناً لتنظيف شارع المعرض وتأهيله. كان وقتها مغطى بالركام. وبعض المشاريع. كان هناك مبلغ معين تسلمه رفيق الحريري، وهو مخصص لبعض القضايا. المساعدات الاجتماعية بكثافة، وبعدها تطورت الأمور حتى بدأ رفيق يأخذ موقعاً سياسياً خاصة في مؤتمر لوزان ومؤتمر جنيف. كان مرافقاً للسفير السعودي والمندوب السعودي لهذا المؤتمر، وضابط ارتباط بينهم وبين القيادات اللبنانية، ونسج علاقات مع معظم القيادات اللبنانية، ولعب دوراً تنسيقياً ودور تبادل آراء في هاتين المرحلتين، مرحلة لوزان ومرحلة جنيف، لم يلعب دوراً سياسياً أبعد من هذا الشيء في عهدي».

أما عن تجربة رفيق الحريري في عهد الأسدين، فيقول الجميل: «قد أكون الأقدر على فهم ما عاناه الحريري في ضوء تجربتي؛ لأن المعاناة تتشابه. متى بدأت الصراعات بين الحريري والأسد؟ عندما بدأ الأسد يطلب من الحريري أموراً فوق طاقة الحريري القبول بها، والتي هي تتعلق بسيادة لبنان واستقلال لبنان. مر بمراحل صعبة جداً جداً. علينا أن نتذكر عندما اضطر أن يوافق على التجديد لإميل لحود. كانت كارثة له، لم ينم الليل. لا يستطيع أن يقول لا ولا يستطيع أن يقول نعم. وأنا مررت بها. أنا قلت لا وظللت حياً. مررنا بالمعاناة نفسها، أنا وهو، فيما يتعلق بهذه النقطة بالذات. لذلك، أنا أفهمه تماماً. وأيضاً، بقيت العلاقات طيبة جداً بيننا وبينه، لأننا نفهم بعضنا.

الجميل مع الحريري ولحود (أ.ف.ب)

كنت ألتقي الحريري كثيراً. وكنت أحكي له عن تجربتي. لم يكن يريد التحدث عن تجربته. كان يعرف أن الحيطان لها آذان، ولم يكن يجرؤ على التحدث كي لا يصل الكلام إلى السوريين. كنا نفهم بعضنا «على الطاير».

في عهد بشار، قاوم الحريري بشراسة. ظاهرة رفيق الحريري مميزة ومضمونها نقيض مصلحة سوريا في لبنان. من هنا، بقدر ما هو قريب إلى الخليج ولديه هذا المفهوم للبنان المعتدل المنفتح ولبنان الدور الإقليمي والدولي، بقدر ما يزعج هذا الشيء سوريا. لا أريد أن أعمل تشبيهاً، لكن بصورة ما، كانت لدينا نفس الأهداف، ولهذا السبب نفس الحساسية مع السوريين.

الحريري واختراق النظام السوري

تجاوز حضور الحريري في سوريا الحدود المسموح بها. لا أعرف إلى أي حد، كان خدام مؤمناً بالأسد أكثر مما هو مؤمن برفيق الحريري مثلاً. هذا ما أقوله لك. هناك شخص فهم المسألة بذكاء. إنه رئيس الأركان حكمت الشهابي، ترك سوريا وراح إلى أميركا. تركها بحجة مشاكل صحية. وهناك مجموعة كبيرة صارت قريبة من رفيق الحريري. وبعض أبنائهم استفادوا من الحريري ودرسوا على حسابه.

اخترق الحريري النظام السوري بكل معنى الكلمة. نتحدث ماذا أعطى سوريا وماذا أعطته سوريا. أعطى سوريا، أتذكر عندما جاء شيراك إلى لبنان، وقال في مجلس النواب إن اللبنانيين يجب أن يفهموا الموقع السوري في لبنان، وأن الجيش السوري في لبنان عنصر إيجابي، ويجب ألا تطالبوا أنتم بانسحاب الجيش السوري. ما ثمنها هذه؟ كان الحريري يبيع سوريا هذا الموقف نظراً لتأثيره على شيراك. أثّر على شيراك ليأتي ويقول كلاماً عكس جمهور فرنسا في لبنان، جمهور فرنسا في لبنان يريد انسحاب السوري، بينما طرح شيراك عكس المفهوم. سلف رفيق سورياً كثيراً.

لقاء بين الجميل وشيراك (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

لسوء الحظ، أنا كنت أتوقع استهداف الحريري، وقلت: انتبه لحالك. رفيق الحريري وصل إلى مرحلة أعطى لبنان نفساً أكثر مما تستطيع سوريا أن تحتمله. أعطى للبنان نفساً وموقعاً. مثل اجتماعاته مع الرئيس جاك شيراك، واجتماعاته مع السعودية، ومع الأميركيين، واجتماعاته مع اللبنانيين، منفتح على الكل، لا يوجد لبناني لم يتواصل معه، هذا كله نقيض ما تريده سوريا في لبنان. سوريا تريده معزولاً عربياً أولاً، ودولياً ثانياً. سوريا تريد أن تكون هي المرجع بين اللبنانيين بين بعضهم البعض. إذا أمين الجميل يريد أن يتحدث مع أخيه فعليه أن يذهب إلى الشام أو إلى عنجر، ومن هناك يتم التواصل، بينما رفيق الحريري تجاوز هذا المنطق وأعطى، حقيقة، طموحاته الوطنية بُعداً أبعد من أن تستوعبه سوريا على الصعيد اللبناني».

غداً حلقة ثالثة (أخيرة)


مقالات ذات صلة

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

تحليل إخباري رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي رفعت الأسد عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد (أ.ب) p-circle

وفاة رفعت الأسد «جزار حماة»

 أفاد مصدران، الأربعاء، ‌بوفاة ‌رفعت ‌الأسد، ⁠عمّ ​الرئيس ‌السوري المعزول بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)

من منفاهما في روسيا... رئيس سابق للمخابرات السورية وابن خال الأسد يخططان لانتفاضتين

كشف تحقيق عن أن اثنين كانا ذات يوم من أقرب رجال بشار الأسد وفرَّا من سوريا بعد سقوطه، ينفقان ملايين الدولارات على عشرات الآلاف من المقاتلين المحتملين

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عبد الرؤوف الكسم رئيس الوزراء السوري الأسبق (ويكيبيديا)

رحيل عبد الرؤوف الكسم رئيس «حكومات التقشف» السورية في الثمانينات

رحل عبد الرؤوف الكسم، أحد أبرز رموز نظام حافظ الأسد، في مدينة ميونخ بألمانيا، الذي لعب دوراً رئيسياً في إدارة الاقتصاد السوري في مرحلة عصيبة في الثمانينات.

سعاد جرَوس (دمشق)

دمشق و«قسد» تتبادلان إطلاق معتقلين

استقبال المعتقلين المفرج عنهم (مديرية إعلام الحسكة)
استقبال المعتقلين المفرج عنهم (مديرية إعلام الحسكة)
TT

دمشق و«قسد» تتبادلان إطلاق معتقلين

استقبال المعتقلين المفرج عنهم (مديرية إعلام الحسكة)
استقبال المعتقلين المفرج عنهم (مديرية إعلام الحسكة)

وسط إجراءات أمنية مشددة، تمت عملية تبادل دفعة ثالثة من المعتقلين بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) السبت، في محافظة الحسكة.

وأطلقت الحكومة السورية سراح نحو 400 معتقل من «قسد» كانوا محتجزين لديها، مقابل 90 معتقلاً أُطلق سراحهم من سجون «قسد»، ليصل عدد المفرج عنهم منذ بدء تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) إلى 1500 معتقل لدى الجانبين، وفق ما كشفه المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش، الذي أكد تبقي عدد قليل من المعتقلين واقتراب إغلاق هذا الملف الإنساني.

بحضور العايش، ونائب مدير قوى الأمن الداخلي في الحسكة، محمود خليل، وممثلين عن الحكومة و«قسد» والجهات المعنية بتنفيذ الاتفاق، تمت عملية تبادل المعتقلين في منطقة فوج الميلبية (15 كيلومتراً جنوب مدينة الحسكة)، وسط إجراءات أمنية مشددة.

استقبال المعتقلين المفرج عنهم (مديرية إعلام الحسكة)

وبينما استقبل العايش المعتقلين الخارجين من سجون «قسد»، كان محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من الشخصيات المحلية والوجهاء عند دوار صباغ في مدينة الحسكة يستقبلون مع الأهالي 400 معتقل أطلقت سراحهم الحكومة السورية.

وقالت وكالة الأنباء الكردية «هاوار» إن الأهالي يأملون أن تشمل المراحل المقبلة إطلاق سراح مزيد من المعتقلين وعودة بقية المفقودين إلى ذويهم.

وقال العميد العايش إن عدد المفرج عنهم من المعتقلين ارتفع مع الدفعة الثالثة، ليصل إلى 1500 معتقل، ولم يتبقَّ إلا القليل، مشيراً إلى أن ذلك يُمهد لإغلاق هذا الملف الإنساني بشكل كامل.

وأضاف العايش، في بيان صحافي، أن هذا التطور يأتي تنفيذاً لما جرى الاتفاق عليه في 29 يناير الماضي، وانطلاقاً من الدعم والمتابعة المباشرة من الرئيس أحمد الشرع الذي ينظر إلى هذا الملف باعتباره قضية إنسانية بالدرجة الأولى، لا ملفاً تفاوضياً.

وأكد أنه في المرحلة المقبلة ستتولى وزارة الداخلية إدارة السجون التابعة لـ«قسد» بشكل كامل، كما ستُباشر وزارة العدل دراسة ملفات جميع المعتقلين المتهمين بقضايا جنائية، بما يضمن تحقيق العدالة وفق الأصول القانونية.

وفيما يتعلّق بملف المفقودين، قال العايش إن الفريق الرئاسي يواصل جهوده بالتنسيق مع الجهات المعنية، للكشف عن مصير جميع المفقودين في سجون «قسد».

عملية تبادل المعتقلين (صفحة مركز إعلام الحسكة)

ورأى نائب مدير قوى الأمن الداخلي في الحسكة، محمود خليل، أن عملية تبادل المعتقلين خطوة تهدف إلى «تعزيز إجراءات بناء الثقة والمُضي قدماً في تثبيت الاستقرار في المنطقة».

وأضاف في منشور له عبر منصة «إكس» أن عمليات الدمج والتفاهمات الجارية «أسهمت في إنهاء هذا الملف، وأعادت الأمل إلى مئات العائلات بعودة أبنائها الموقوفين إلى ذويهم». وأشار إلى أن المرحلة الحالية تتضمن العمل على «تبييض السجون» التي ستُسلّم إلى الحكومة السورية. لافتاً إلى أن هذه الإجراءات تندرج ضمن استكمال التفاهمات المتفق عليها، بما يضمن «حصر التوقيف بالجهات المختصة وفق القانون».

وأكد خليل أن «قسد» تلتزم بشكل كامل بتنفيذ الاتفاق ومواصلة التنسيق لإنهاء هذا الملف بصورة شاملة، لافتاً إلى أن الرئيس أحمد الشرع يولي ملف المعتقلين والنازحين والمهجرين اهتماماً خاصاً.

وخرجت خلال الأيام الماضية مظاهرات في منطقة الشدادي بريف الحسكة ومناطق كوباني (عين عرب) تُطالب بالإفراج عن المعتقلين لدى الحكومة و«قسد» وبإعادة المعتقلين السوريين من العراق، في واحد من أعقد الملفات التي تواجه الحكومة السورية، لارتباط مسار إطلاق سراح المعتقلين بعملية بناء الثقة وتكريس الاستقرار والسلم المجتمعي.

ومع بدء تنفيذ اتفاق 29 يناير بدأت الحكومة السورية و«قسد» مساراً تدريجياً لإطلاق سراح جميع المعتقلين منذ مطلع الشهر الماضي، وقامت الحكومة السورية بإعداد قوائم بأسماء مئات من عناصر «قسد» المحتجزين لديها، تم الإفراج عن دفعات منهم بأعداد متفاوتة.


«الخارجية» الأميركية: ترمب ضد «ضم الضفة»

سموتريتش يستعرض خريطة لتوسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
سموتريتش يستعرض خريطة لتوسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«الخارجية» الأميركية: ترمب ضد «ضم الضفة»

سموتريتش يستعرض خريطة لتوسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
سموتريتش يستعرض خريطة لتوسيع مستوطنة «معاليه أدوميم» في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

بعد يوم واحد من إعلان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على التوسُّع في لبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة، اختارت وزارة الخارجية الأميركية التركيز فقط على أقواله بشأن خطته في الضفة الغربية التي تستهدف «قتل فكرة الدولة الفلسطينية».

وقالت الخارجية الأميركية، في رد مقتضب لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يدعم ضم الضفة الغربية.

وكان سموتريتش تعهَّد، في خطاب ألقاه الجمعة، خلال حفل تدشين مستوطنة «معوز تسور» في الضفة الغربية، بالعمل على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، لقتل الدولة الفلسطينية، واتخاذ خطوات سياسية أخيرة في كل من قطاع غزة ولبنان وسوريا تقوم على توسيع حدود إسرائيل، ضمن ما سماه «ركيزة سياسية» تقوم على توسيع الحدود.

مستوطن يسير بالقرب من مواقع بناء مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

وقال سموتريتش: «يتحدثون دائماً عن الركيزة العسكرية ثم عن الركيزة السياسية الأخيرة، وهناك من ينتقدوننا بأن هناك ركيزة عسكرية ممتازة ولا توجد ركيزة سياسية. لكن هذا لأنهم اعتادوا على ركيزة سياسية أخيرة تقوم على الهزيمة والاستسلام، لكن بمشيئة الله ستكون هناك خطوة سياسية أخيرة في لبنان ستوسع حدودنا حتى الليطاني، عبر حدود قابلة للدفاع. وستكون هناك خطوة سياسية خاتمة في سوريا مع قمة جبل الشيخ والمنطقة العازلة على الأقل».

وأضاف: «هذه هي سياستنا في العامين والنصف عام الأخيرين. هناك إنجازات عسكرية مذهلة على جميع الجبهات، بتوفيق كبير من الله وعمل استثنائي من المنظومة الأمنية بأذرعها كافة، وستكون هناك خطوات سياسية ختامية. نحن نعوِّد الجميع على أن هذه هي ركيزتنا السياسية الخاتمة».

وتابع: «هذا ما يحترمونه في منطقتنا بالشرق الأوسط - وهذا هو المطلوب لتحصين أمن ووجود ومستقبل أرض إسرائيل».

وتقع مستوطنة «معوز تسور» وسط الضفة الغربية، وقد دشنت حديثاً بـ12 عائلة فقط، من بين 30 مستوطنة فاخر سموتريتش أنها أُقيمت في الضفة بوقت قصير، محولاً الأقوال إلى أفعال.

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

وإلى جانب سموتريتش، حضر الحفل وزراء آخرون، وحتى وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي لم يحضر الفعالية، أرسل مقطع فيديو قال فيه إن «الاستيطان في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) لا يحمي دولة إسرائيل بأكملها فحسب، بل يعزز الأمن ويعكس الارتباط العميق بجذورنا، هنا، في أرض إسرائيل».

ويقود سموتريتش ما يُعرف في إسرائيل بـ«ثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية»، عبر قرارات سياسية وإدارية وإجراءات تقوم على إضعاف السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى انهيارها وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين، وليست دولة فلسطينية.

وتشن الحكومة الإسرائيلية الحالية حرباً على السلطة والفلسطينيين شملت السيطرة على أراضٍ واسعة ودفع مخططات استيطانية كبيرة، وإطلاق يد المستوطنين في الضفة، وتغييراً في إجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات بالضفة الغربية، في محاولة لتفكيك السلطة الفلسطينية.

وقبل فترة قصيرة جداً، تعهَّد سموتريتش بإسقاط السلطة الفلسطينية، التي أطلق عليها «سلطة الشر والإرهاب المسمّاة السلطة الفلسطينية».

وتتعمد إسرائيل تكثيف عملياتها العسكرية في الضفة الغربية، وفيما تحتل مخيمات كبيرة بشكل مستمر في قلب المنطقة «أ» التابعة للسلطة منذ أكثر من عام، مهجرة نحو 40 ألف فلسطيني من منازلهم التي هُدم معظمها، تشن يومياً في الضفة (عبر الجيش وعصابات المستوطنين) هجمات تؤدي غالباً إلى قتل فلسطينيين أو اعتقالهم، وإحراق منازلهم أو السيطرة على أراضيهم.

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة - 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الهجمات دائماً مع تضييق شديد على تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وإضافة إلى التصعيد الأمني المتواصل ثمة تصعيد اقتصادي أكثر خطورة، حيث تحتجز إسرائيل أموال المقاصة التي تشكل أكثر من 70 في المائة من دخل السلطة الفلسطينية، منذ أعوام، وتجد الحكومة الفلسطينية نفسها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها كاملة منذ أعوام، وتدفع بشكل متأخر أجزاء من الراتب؛ ما أجبر الوزارات والمدارس والمستشفيات على تقليص أيام الدوام، بشكل خلق كثيراً من المشكلات والعجز والفجوات التعليمية، في حين تلوّح النقابات بين الفينة والأخرى بتصعيد أكبر.

أما الجبهة الثالثة التي تعمل عليها إسرائيل من أجل القضاء على السلطة، فتتعلق مباشرة بوجود ووظيفة السلطة.

واتخذ الكابينت الإسرائيلي، في الأسابيع القليلة الماضية، سلسلة قرارات سياسية وإدارية، تقوم على تعزيز الاستيطان وتوسيع نطاق الصلاحيات الإسرائيلية المدنية في الضفة الغربية، إلى جانب الصلاحيات العسكرية، بما في ذلك صلاحيات الرقابة والإنفاذ والهدم في الضفة، ليشمل المنطقتين «أ» و«ب» لأول مرة منذ تأسيس السلطة.

وفاخر المسؤولون الإسرائيليون بأن الإجراءات تدفن الدولة الفلسطينية، وتمكّن اليهود من شراء الأراضي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) كما يشترونها في تل أبيب أو القدس.

وحذر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مراراً من خطة إسرائيلية لتقويض السلطة.


العراق: حراك سياسي جديد بغياب المالكي وبارزاني

إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)
إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

العراق: حراك سياسي جديد بغياب المالكي وبارزاني

إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)
إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

انتخب مجلس النواب العراقي، السبت، نزار أميدي رئيساً للجمهورية، بعد فوزه بجولة ثانية من التصويت، إثر منافسة مع 16 مرشحاً وانسحاب كل من الرئيس الحالي عبد اللطيف رشيد والمرشح المستقل آسو فريدون، بينما تترقب الكتل السياسية حسم تكليف مرشح «الإطار التنسيقي» لرئاسة الحكومة

وحصل آميدي في الجولة الأولى على 208 أصوات من أصل 252 نائباً حضروا جلسة التصويت، في حين تغيب 77 نائباً.

وجاءت الجلسة بعد أشهر من الخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني.

وكان أبرز منافسي آميدي وزير الخارجية فؤاد حسين، مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي حصل على 16 صوتاً في الجولة الأولى، في تكرار لخسارته عام 2018 أمام الرئيس الأسبق برهم صالح.

وفي الجولة الثانية، انحصرت المنافسة بين آميدي والمرشح المستقل مثنى أمين، الذي كان قد نال 18 صوتاً في الجولة الأولى، مقابل 208 أصوات لآميدي.

وأكَّدت كتل أخرى تمسكها بعقد الجلسة في موعدها، بينها تحالف «قوى الدولة»، وحزب «تقدم»، و«الاتحاد الوطني الكردستاني»، و«ائتلاف الإعمار والتنمية»، وكتلة «صادقون»، فضلاً عن الجبهة التركمانية.

وأصبح آميدي هو سادس رئيس للعراق منذ الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003.

حراك جديد

يعكس فوز مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني إخفاق غريمه «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني للمرة الثانية في الحصول على منصب رئاسة الجمهورية، في ظل تراجع صيغة التوافق الكردي التي استقرت منذ عام 2003، والقائمة على تولي الاتحاد الوطني رئاسة الجمهورية مقابل إدارة الحزب الديمقراطي لمناصب إقليم كردستان التنفيذية.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال المرشح المنسحب آسو فريدون إن انسحابه جاء «في ظل غياب التوافق الوطني اللازم لإنجاح استحقاق رئاسة الجمهورية»، محذراً من انعكاسات ذلك على استقرار العملية السياسية.

وأضاف أن «المرحلة الدقيقة التي يمر بها العراق تفرض تغليب التوافق على التنافس»، مؤكداً أن انسحابه يهدف إلى «تقريب وجهات النظر بين الشركاء السياسيين وترسيخ أسس الحكم الرشيد».

ويرى مراقبون أن انتخاب آميدي، رغم مقاطعة قوى بارزة، بينها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، يمثل نهاية مرحلة ما بعد 2003 التي قامت على التوافق بين القوى الرئيسية، في ظل تراجع دور ما يُعرف بـ«الآباء المؤسسين» للنظام السياسي الحالي.

البرلمان العراقي انتخب رئيساً جديداً للبلاد بعد جولتي تصويت (موقع المجلس)

رئيس الحكومة

في السياق، رجَّح رئيس كتلة «الإعمار والتنمية» بهاء الأعرجي، في وقت سابق، توجُّه جلسة انتخاب الرئيس إلى جولة ثانية، مشيراً إلى أن «الإطار التنسيقي» لم يحسم بعد مرشحه لرئاسة مجلس الوزراء.

بدوره، أكَّد رئيس كتلة «صادقون» النيابية عدي عواد أن اختيار رئيس الوزراء «قرار يعود إلى الإطار التنسيقي ويتطلب موافقة أغلبية قياداته»، داعياً الكتل السياسية إلى استكمال الاستحقاقات الدستورية وإنهاء حالة الانسداد السياسي.

ويأتي انتخاب الرئيس بعد تجاوز المهلة الدستورية بنحو 70 يوماً، ومرور 148 يوماً على عدم تشكيل حكومة جديدة، منذ الانتخابات التشريعية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في موازاة ذلك، حذَّر عضو «الإطار التنسيقي» ميثاق المساري من احتمال تفكك قوى الإطار، على خلفية استمرار الانسداد السياسي والخلافات داخل البيت الشيعي بشأن حسم مرشح رئاسة الوزراء.