الجميل: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن حافظ لم يفاتحه بموضوع تحالف الأقليات لكن رفعت كان يجاهر به (2 من 3)

TT

الجميل: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)
كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)

كان الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مفاوضاً بارعاً وحريصاً على صورته. كان يفضل إنهاك الزائر برحلة طويلة عبر التاريخ قبل التطرق إلى جوهر المحادثات. وكان قادراً على كبح غضبه والالتفاف ثم معاودة الكرة. وكان يتفادى الألفاظ الخشنة وترك الكراهيات تعبر عن مشاعرها. لكنه لم يكن ينسى أولئك الذين حاولوا عرقلة مشروعه، وبينهم ياسر عرفات وكمال جنبلاط وبشير الجميل وأمين الجميل وسمير جعجع.

وفي اتهام الآخرين والعمل على تطويعهم، كان لدى الأسد - على حد قول الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في الحلقة الثانية من مقابلته مع «الشرق الأوسط» - عصا اسمها عبد الحليم خدام الذي كان وزير خارجيته ونائبه لاحقاً. وكثيراً ما اعتبر سياسيون لبنانيون أن «فظاظة خدام وليدة تكليف رسمي من معلمه». ولم يكن الأسد يلجأ إلى التهديد المباشر لزائره ويفضل الإيحاء - كما حدث حين حكى للجميل أن مساعديه اقترحوا تفجير طائرة الرئيس أنور السادات لمنعه من الوصول إلى القدس.

تعمد خدام في أحيان كثيرة إذلال حلفاء سوريا وخصومها حين يعاندون ويخرجون عن الخط الذي ترسمه. وكان يتعمد إقلاقهم كي يصلوا مستسلمين إلى مكتب السيد الرئيس. سألت خدام «المتقاعد» في باريس عن اتهامه بتجاوز الحدود والخشونة، فأجاب أن الغرض لم يكن الإهانة، بل تفادي الوصول إلى صدام قد تكون عواقبه سيئة إذا أوكلت تسوية الأمور إلى الأجهزة الأمنية. وفي الجلسة نفسها، قال خدام إن أمين الجميل «عرقل طويلاً الوصول إلى حل في لبنان، وكان كثير التردد والشكوك». ولم ينكر أن الأسد فوجئ بسقوط «الاتفاق الثلاثي»؛ إذ لم يعتقد أن أحداً في لبنان يمكن أن يقدم على مثل هذا التحدي السافر لسوريا وللأطراف التي وقّعت الاتفاق.

كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي)

«كانت لدى الرئيس الأسد أوراق كثيرة، ولم تكن لدى الرئيس سركيس أي أوراق. كان باستطاعة الأسد إسقاط الحكومة اللبنانية أو شلّها قبل عودة الرئيس اللبناني إلى بيروت. ولم يكن لدى سركيس ما يضغط به على الأسد. لكن سركيس الذي كان يبدي مرونة كان يتصلب حين يرى أن المطلوب منه يمس بالثوابت اللبنانية»، هذا ما سمعته من وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس، ولعله يصدق أيضاً على علاقة الجميل بالأسد. وقال بطرس إنه كان يمارس أقصى درجات الجدية لمنع خدام من أخذ الحوار إلى اتهامات وعبارات غير رزينة».

طلبت من الجميل أن يتذكر علاقته بخدام وها هو يروي: «من الأساس، لم يكن هناك ود بيني وبين خدام؛ لأنه كان يستعمل وسائل قوطبة (عرقلة) على رئاسة الجمهورية، وتأليب فريق عملي عليّ، أي كانت هنا وسائل خبيثة ولئيمة لإرباك الرئيس اللبناني. الرئيس الأسد بقدر ما كان ودوداً معي ويتصرف معي باحترام، بقدر ما كان بحاجة إلى فريق آخر يحرك العصا. والعصا كان خدام. يعني كل الضغوطات التي كانت تمارس عليّ، والتي كانت بمعرفة الرئيس الأسد، كان ينفذها عبد الحليم خدام.

خدام هو العصا والسم. من أول الطريق، لم تكن هناك علاقة ودية معه. بقدر ما كان الأسد مهذباً ولطيفاً معي، بقدر ما كان خدام يجسد المقلب الآخر من سوريا الذي يريد أن يوقّع أمين الجميل مرغماً على اتفاقات تضر بمصلحة لبنان.

كنت أضع خدام عند حدوده. لم يستطع التطاول عليّ. كنا في اجتماع مرة مع الأسد، وكان موجوداً، وكان يشيع قبل الاجتماع أننا اجتمعنا مع بعض جماعتنا في لبنان، ويورد قضايا سخيفة، يعني خارج إطار المألوف. دخلنا إلى الاجتماع، فقال خدام كلمتين، فقلت للرئيس الأسد: سيادة الرئيس، نحن لدينا مشكلة مع خدام، ليتك تقول له أن يوقف جاسوسيته، الأسلوب الجاسوسي، في التعاطي معنا. خدام، كنت ألزمه حدوده، ولا يأخذ راحته معي كثيراً. كان مهيمناً على كثير من اللبنانيين، وفارضاً وهرة على اللبنانيين، وهذه لا تمشي معي.

كان بلا تهذيب. وكان وقحاً إلى درجة تبتعد عن المنطق والتهذيب. لكن معي أنا، كان يعرف أن أي كلمة خارج الحدود سيتلقى جواباً عليها».

الأسد ولغة الأقليات

أدرك حافظ الأسد باكراً هشاشة التركيبة اللبنانية وعدّها لقاء أقليات تحتاج دائماً إلى من يرعى حروبها وهدناتها. سمح بالانتصارات المحدودة ومنع الهزائم الساحقة؛ لأنها تبطل الحاجة إلى وصي أو وسيط. كان يريد أن يحكم سوريا كلها وإلى الأبد، وأن يكون لبنان حديقة ملحقة بنظامه. لم يستخدم لغة الأقليات والطلاق بين المكونات التي جاهر بها شقيقه رفعت أمام وليد جنبلاط ومروان حمادة، داعياً إلى تقسيم لبنان وسوريا معاً.

سألت الجميل إن كان شعر خلال حواراته مع الأسد أنها في عمقها حوار بين علوي وماروني، فأجاب: «لا، هذه كانت مع رفعت (الأسد). رفعت عندما بدأ يلعب دوراً في سوريا على الصعيد السياسي، كان يطرح هذا الموضوع، أي نحن الأقليات يجب أن نتفاهم مع بعضنا وأن نتضامن. هذه اللغة لم تكن في أي مرة على صعيد النظام. لا الرئيس الأسد ولا الحاشية كانت تطرح الموضوع من هذه الزاوية. نعم، رفعت كان يتحدث علناً عن أنه يجب أن يكون هناك تفاهم. لكن التفاهم بالتأكيد، على مقاسهم هم.

كانت سياسة حافظ الأسد ترمي إلى جمع الأوراق. هكذا كانت علاقته مع الدروز، والتصادم بينه وبين كمال جنبلاط ضمن هذا الإطار. كان يستعمل دروز سوريا، وكان يستعمل الأقلية المسيحية في سوريا. كان واضعاً يده على الأقليات كي يجمعها كلها تحت رايته هو ولتكون جزءاً من النظام السوري.

قصة التوتر بين السنة والعلويين كانت مكشوفة. وكان رفعت يعلنها، وعندما يتحدث إلينا كان واضحاً وجود العداوة بين العلويين والسنة، لكن مع الرئيس الأسد لم يكن يبدو لها أي أثر، لكن باطنياً ماذا هناك؟ لا يعرف أحد ماذا يوجد في باطن الآخر، لكن في الممارسة معنا، في العلاقة، لم نكن نشعر أبداً بهذا الشيء».

سألته عما تردد عن أن الرئيس كميل شمعون طرح ذات يوم على الرئيس الأسد أن تقوم علاقة كونفدرالية بين لبنان وسوريا، فأجاب: «ليس صحيحاً. هذا ليس صحيحاً أبداً. لا يمكن أن يكون الرئيس شمعون طرح مثل هذا الطرح. صدرت أخبار كثيرة. صدر خبر ثان أن (المبعوث الأميركي إلى لبنان) دين براون عرض على البطريرك نقل المسحيين إلى كاليفورنيا، كل هذا كلام للاستهلاك، كلام شعر ليس له مدلول على الأرض».

ضغط أميركي لمصلحة إسرائيل... وسوريا

استفسرت من الجميل عن عبارة المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي: «مخايل الضاهر أو الفوضى» التي تردد أنه قالها للقيادات اللبنانية في خضم أزمة رئاسة الجمهورية عام 1988، باعتبار الضاهر المرشح الوحيد الذي تقبل به دمشق وتوافقت عليه مع أميركا، قبل أن يتنكر لها لاحقاً.

الجميل مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

قال الجميل: «نعم مورفي قالها. كانت لدينا مشكلة. الأميركي يريد سوريا ولا يريدها. يعرف أن سوريا دورها سلبي جداً في لبنان، لكنه لا يريد أن يعاكسها، لا يريد أن يخوض معركة معها. فكان يظل يدفع لكي يجد قاسماً مشتركاً مع سوريا وليس معنا نحن. وقضية مورفي أنهم اعتبروا مخايل الضاهر تسوية؛ لأن مخايل الضاهر رجل محترم إلى حد يمكن أن يكون مقبولاً لبنانياً، فلذلك مشوا مع سوريا بترشيح مخايل الضاهر. وكان الأميركيون، مثل كل سياستهم عندنا في لبنان، مع سوريا وغير سوريا كما كان في اتفاق 17 مايو (أيار) مع إسرائيل، كانوا دائماً في الحلول في المقلب الآخر. يريدون أن يفرضوا على لبنان بعض الأمور؛ أي إنهم لا يقدرون على إسرائيل، فلبنان لازم يدفع. لا يقدرون على سوريا، سوريا عنيدة وعندها الإمكانات ولا يريدون أن يصطدموا معها، كانوا يجربون أن يقنعونا بشيء ليس لصالح لبنان كثيراً. كانت أميركا، البراغماتية الدبلوماسية الأميركية، تريد حلولاً بأي ثمن. من الطرف الذي يستطيعون أن يأخذوا منه بأسرع ما يمكن. من الذي يستطيعون أن يمونوا عليه؟ كان عندهم حرص على إرضاء سوريا، كما كان عندهم حرص على إرضاء إسرائيل. في الاتفاق مع إسرائيل، كانوا كثيراً يزركوننا (يحشروننا) في نواحٍ معينة، ومع سوريا أيضاً، كان من الواضح أنهم لا يريدون أن يزعلوا سوريا، ومن الواضح أنهم في النهاية يعرفون أن القوة بيد سوريا ولا يريدون أن يواجهوا هذه القوة، لذا يحاولون أن يجدوا طريقة ليمشّوا المصلحة السورية بأي ثمن. هذه كانت قصة مخايل الضاهر».

وعن أبرز موفديه إلى دمشق، قال الجميل: «في الأساس العلاقة والقرار بيدي أنا. والقرار كنت أنا أفاوض عليه. بالنسبة إلى التمهيد، كان جان عبيد (الوزير الراحل)، ولعب دورا مفيداً جداً، رجلاً ذكياً وحريصاً على المصلحة اللبنانية وعلاقاته حميمة مع السوريين. لعب دوراً إيجابياً، لم يقدر أن يأخذ كل شيء، إنما حلحل بعض الأمور. إيلي سالم كذلك لعب دوراً إيجابياً. وبطريقته البديهية، كان يقدر أن يصل إلى بعض الأمور المعينة، وخاصة مع خدام الذي كان يعرف أن علاقتي به ليست طيبة، وكان هو يحاول أن يعوض من هذه الناحية، وكانت علاقته جيدة مع خدام واستطاعا أن يصلا إلى كيمياء مشتركة. هذان الاثنان كانا أساسيين، وما تبقى كانت الأجهزة. والذي لعب دوراً، ستتفاجأ، إيجابياً جداً في هذه العلاقة (الضابط) جميل السيد. جميل السيد كان ضابط مخابرات في الجيش اللبناني في البقاع. وعندما كنت أذهب إلى الشام كنت أتوقف في البقاع وأجتمع به ويعطيني معلومات دقيقة جداً جداً عن الوضع في القصر الجمهوري والوضع السوري بصورة عامة. كان مطلعاً وكان مخلصاً. أشعر أنه كان يعطيني معطيات غير موجودة عند العموم وتفيد لبنان».

هل كان هناك انزعاج سوري من دور غسان تويني معك؟ قال: «لم يكن هناك ود لغسان أبداً. غسان جاء مرة واحدة معي إلى سوريا. لم يكن هناك ود. كانت هناك مشادات عندما يكون موجوداً. غسان وخدام يلعبان كرة الطاولة بعضهما مع بعض. يرمون الطابة بعضهما لبعض. لم يكن لديهما حب له بسبب جريدة (النهار). لم تكن ترحم سوريا، وبقدر ما يتنصل غسان من أي مقال فيها، تبقى ظاهرة للكل».

سوريا واغتيال بيار الجميل

أسأله عن اغتيال نجله الوزير والنائب بيار الجميل، وما إذا كان مقتنعاً بأن سوريا في عهد بشار الأسد وراء الاغتيال، فيجيب: «نحن قناعتنا أنه لا يمكن أن يُفعل هذا الشيء إذا لم تكن هناك يد سورية؛ لأن المخابرات السورية كانت ممسكة بكل المفاصل، خاصة في تلك المرحلة بالذات. انسحبت القوات السورية لكن بقيت المخابرات بالكامل. بقيت المخابرات في بيروت، والذي أخذ محل السوري هو الإيراني، وكانت هناك وحدة حال بين إيران وسوريا، وبقيت إيران بعد ما كانت ركزت أجهزة المخابرات التابعة لها.

أمين الجميل متكئاً على نعش نجله بيار خلال جنازته (أ.ف.ب)

«حزب الله» لم يكن أخذ كل هذا النفوذ، كانت سوريا لا تزال هي الأداة التنفيذية لإيران في تلك المرحلة، حتى تمكن لاحقاً الإيرانيون ورتبوا «حزب الله» بالشكل المعروف، وأخرجوا سوريا من الساحة السياسية إلى حد ما.

لا توجد قصاصة ورقة في ملف التحقيق في اغتيال بيار. معروف أن القضاء لا يستطيع العمل إلا بالتعاون مع قوى الأمن، قوى الأمن تتقصى وتأتي بالمعلومات، قوى الأمن هي التي تحضر للقاضي الدعوى، وكان ممنوعاً على القضاء، على قوى الأمن، إعطاء أي معلومات لديهم عن هذا الموضوع.

لا توجد ولا قصاصة ورق في الملف. لا توجد أي قصاصة ورق على الإطلاق. رغم كل تقديري للقضاة المحققين، ماذا يقدر أن يفعل القاضي إذا قوى الأمن لا تنفذ استنابته؟ لا نزال حتى اليوم نتأمل. ثمة شاب صديق لنا التقى بالرئيس أحمد الشرع في سوريا في مناسبة معينة، وتحدث معه عن موضوع بيار. الرئيس الشرع، عندما عرف أن الشخص قريب منا، فتح السيرة وقال له نحن نعرف كم عانى لبنان والاغتيالات ومنها بيار الجميل، ذكر بيار الجميل، أرسلنا للرئيس الشرع نسأله إن كان يمكنه أن يساعدنا في توفير معلومات إضافية حول هذا الموضوع ووعد خيراً».

سقوط بشار وصعود الشرع

لم يستغرب الجميل سقوط نظام بشار الأسد. قال إن الأمر كان متوقعاً؛ «لأن الرئيس بشار لم يكن مؤهلاً للوصول إلى هذا الموقع... وكان لديه نوع من الطموح الشخصي يفوق قدراته، فضلاً عن أن الطاقم المحيط به لم يكن على قدر المسؤولية، وقدم مصالحه الشخصية على ما عداها».

أمين الجميل خلال المقابلة مع غسان شربل (الشرق الأوسط)

وعن رأيه بإطلالة الرئيس الشرع على الساحة السورية، قال: «نتمنى له التوفيق، ونحن بحاجة إلى أن يكون في سوريا قيادة منفتحة وعندها تفهم للمصلحة اللبنانية - السورية بشكل نظيف ونزيه، وهو يظهر الاستعدادات الطيبة، لكن المهم أن يدعوه يعمل. إلى أي حد سيستطيع الوصول إلى النتيجة المرجوة، ونحن نتمناه، خاصة بعد كل هذه المواقف والتصريحات التي تصدر. شيء يطمئن، هل يستطيع يا ترى أن ينفذ؟ هل يستطيع يا ترى أن يأتي أحد من الرعيل الأول في هذه التنظيمات المعروفة يخرب مشروعه؟ لا يزال من السابق لأوانه أن يعرف المرء ماذا سيحصل، لكن المهم أولاً أنه انتهى عهد الأسد وهذا شيء إيجابي جداً، وأي شخص سيأتي من بعده لن يكون أسوأ منه، ثانياً، التصريحات الأولية للرئيس الشرع مطمئنة، ثالثاً المهم أن يقدر أن يطبق ويستوعب الأجنحة المتعددة والمتضاربة في سوريا، يستطيع أن يستوعبها حتى يخلق مناخاً جديداً لسوريا؛ لأن الدولة يجب أن يكون فيها تضامن. ما نعاني منه في لبنان، هذا التشرذم في السلطة. بقدر ما يستوعب القيادات الأخرى ويوحد القرار بسوريا، بقدر ما يخدم مصلحة سوريا ومصلحة لبنان ومصلحة المنطقة».

الإطلالة الأولى للحريري

سألته عن الإطلالة الأولى لرفيق الحريري على الملفات اللبنانية في عهده، فقال: «نعم. أول مرحلة، جاء رفيق كمندوب للملك فهد بن عبد العزيز للقيام ببعض الأعمال الإنمائية. مثلاً أول عمل كان تنظيف شارع المعرض، أنفقوا مبلغاً معيناً لتنظيف شارع المعرض وتأهيله. كان وقتها مغطى بالركام. وبعض المشاريع. كان هناك مبلغ معين تسلمه رفيق الحريري، وهو مخصص لبعض القضايا. المساعدات الاجتماعية بكثافة، وبعدها تطورت الأمور حتى بدأ رفيق يأخذ موقعاً سياسياً خاصة في مؤتمر لوزان ومؤتمر جنيف. كان مرافقاً للسفير السعودي والمندوب السعودي لهذا المؤتمر، وضابط ارتباط بينهم وبين القيادات اللبنانية، ونسج علاقات مع معظم القيادات اللبنانية، ولعب دوراً تنسيقياً ودور تبادل آراء في هاتين المرحلتين، مرحلة لوزان ومرحلة جنيف، لم يلعب دوراً سياسياً أبعد من هذا الشيء في عهدي».

أما عن تجربة رفيق الحريري في عهد الأسدين، فيقول الجميل: «قد أكون الأقدر على فهم ما عاناه الحريري في ضوء تجربتي؛ لأن المعاناة تتشابه. متى بدأت الصراعات بين الحريري والأسد؟ عندما بدأ الأسد يطلب من الحريري أموراً فوق طاقة الحريري القبول بها، والتي هي تتعلق بسيادة لبنان واستقلال لبنان. مر بمراحل صعبة جداً جداً. علينا أن نتذكر عندما اضطر أن يوافق على التجديد لإميل لحود. كانت كارثة له، لم ينم الليل. لا يستطيع أن يقول لا ولا يستطيع أن يقول نعم. وأنا مررت بها. أنا قلت لا وظللت حياً. مررنا بالمعاناة نفسها، أنا وهو، فيما يتعلق بهذه النقطة بالذات. لذلك، أنا أفهمه تماماً. وأيضاً، بقيت العلاقات طيبة جداً بيننا وبينه، لأننا نفهم بعضنا.

الجميل مع الحريري ولحود (أ.ف.ب)

كنت ألتقي الحريري كثيراً. وكنت أحكي له عن تجربتي. لم يكن يريد التحدث عن تجربته. كان يعرف أن الحيطان لها آذان، ولم يكن يجرؤ على التحدث كي لا يصل الكلام إلى السوريين. كنا نفهم بعضنا «على الطاير».

في عهد بشار، قاوم الحريري بشراسة. ظاهرة رفيق الحريري مميزة ومضمونها نقيض مصلحة سوريا في لبنان. من هنا، بقدر ما هو قريب إلى الخليج ولديه هذا المفهوم للبنان المعتدل المنفتح ولبنان الدور الإقليمي والدولي، بقدر ما يزعج هذا الشيء سوريا. لا أريد أن أعمل تشبيهاً، لكن بصورة ما، كانت لدينا نفس الأهداف، ولهذا السبب نفس الحساسية مع السوريين.

الحريري واختراق النظام السوري

تجاوز حضور الحريري في سوريا الحدود المسموح بها. لا أعرف إلى أي حد، كان خدام مؤمناً بالأسد أكثر مما هو مؤمن برفيق الحريري مثلاً. هذا ما أقوله لك. هناك شخص فهم المسألة بذكاء. إنه رئيس الأركان حكمت الشهابي، ترك سوريا وراح إلى أميركا. تركها بحجة مشاكل صحية. وهناك مجموعة كبيرة صارت قريبة من رفيق الحريري. وبعض أبنائهم استفادوا من الحريري ودرسوا على حسابه.

اخترق الحريري النظام السوري بكل معنى الكلمة. نتحدث ماذا أعطى سوريا وماذا أعطته سوريا. أعطى سوريا، أتذكر عندما جاء شيراك إلى لبنان، وقال في مجلس النواب إن اللبنانيين يجب أن يفهموا الموقع السوري في لبنان، وأن الجيش السوري في لبنان عنصر إيجابي، ويجب ألا تطالبوا أنتم بانسحاب الجيش السوري. ما ثمنها هذه؟ كان الحريري يبيع سوريا هذا الموقف نظراً لتأثيره على شيراك. أثّر على شيراك ليأتي ويقول كلاماً عكس جمهور فرنسا في لبنان، جمهور فرنسا في لبنان يريد انسحاب السوري، بينما طرح شيراك عكس المفهوم. سلف رفيق سورياً كثيراً.

لقاء بين الجميل وشيراك (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

لسوء الحظ، أنا كنت أتوقع استهداف الحريري، وقلت: انتبه لحالك. رفيق الحريري وصل إلى مرحلة أعطى لبنان نفساً أكثر مما تستطيع سوريا أن تحتمله. أعطى للبنان نفساً وموقعاً. مثل اجتماعاته مع الرئيس جاك شيراك، واجتماعاته مع السعودية، ومع الأميركيين، واجتماعاته مع اللبنانيين، منفتح على الكل، لا يوجد لبناني لم يتواصل معه، هذا كله نقيض ما تريده سوريا في لبنان. سوريا تريده معزولاً عربياً أولاً، ودولياً ثانياً. سوريا تريد أن تكون هي المرجع بين اللبنانيين بين بعضهم البعض. إذا أمين الجميل يريد أن يتحدث مع أخيه فعليه أن يذهب إلى الشام أو إلى عنجر، ومن هناك يتم التواصل، بينما رفيق الحريري تجاوز هذا المنطق وأعطى، حقيقة، طموحاته الوطنية بُعداً أبعد من أن تستوعبه سوريا على الصعيد اللبناني».

غداً حلقة ثالثة (أخيرة)


مقالات ذات صلة

72 ساعة صنعت الخلافة... خدام يروي ما جرى بعد وفاة حافظ الأسد

المشرق العربي بشار الأسد إلى جانب نعش والده (أ.ف.ب)

72 ساعة صنعت الخلافة... خدام يروي ما جرى بعد وفاة حافظ الأسد

من تعديل الدستور في ساعات إلى الخلاف على رتبة بشار... وقرار خدام «دعمه للنهاية حتى لو على حساب الرفاق القدامى»

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب) p-circle

خاص حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

منحت دمشق طهران بوابة لبنان عبر «حزب الله»... فتفرّد بالمقاومة قبل أن يتحول إلى قوة إقليمية عابرة للحدود.

غسان شربل (الرياض)
خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

تحليل إخباري رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)

رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
TT

رئيس «القضاء» العراقي يدعو إلى مراجعة أحكام الدستور

عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)
عراقيان يلوّحان بورقة الاستفتاء على الدستور الدائم في 15 أكتوبر 2005 (أ.ف.ب)

دعا القاضي فائق زيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق البرلمانَ إلى مراجعة أحكام الدستور وإجراء التعديلات اللازمة «بما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب»، ما فسره خبراء في القانون على أنه دعوة لتشكيل لجنة تأسيسية تقود إلى «عقد اجتماعي جديد للبلاد».

وقال رئيس القضاء الأعلى في بيان صحافي مساء الخميس، بمناسبة الذكرى الـ21 للاستفتاء على الدستور عام 2005، إن البرلمان «أمام مسؤولية وطنية وتاريخية لمراجعة الأحكام وإجراء التعديلات اللازمة وفق الآليات التي رسمها الدستور، وبما ينسجم مع القانون وإرادة الشعب».

ودعا زيدان إلى «تحديث التشريعات بما يواكب متطلبات الدولة وتطور تجربتها الديمقراطية، ويعزز سيادة الدولة والقانون، ويقوي مؤسساتها، ويصون حقوق المجتمع وحريات الأفراد في ظل النظام الديمقراطي التعددي الذي نطمح إليه جميعاً».

وأضاف أن «احترام الدستور والتمسك به يقتضيان معالجة مواطن الخلل وتحديث بعض نصوصه، بعد مرور أكثر من عقدين على صياغته في ظروف انتقالية دقيقة وحساسة».

وذكر زيدان أن «التجربة كشفت عن إشكالات في التطبيق والتفسير، أسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، أبرزها ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)، وغيرها من الفقرات الجدلية».

وكان زيدان قد كتب في مارس (آذار) الماضي مقالاً في «الشرق الأوسط»، محذراً من «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور». وأشار حينها إلى أن «الاجتهاد الخاطئ في تفسير النص الدستوري، خصوصاً إذا وافق مصالح سلطة معينة، يُنظر إليه على أنه انحياز سياسي، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في استقلال القضاء الدستوري ونزاهته».

رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان (موقع المجلس)

«عقد اجتماعي جديد»

وبشأن الدعوة إلى إعادة النظر في الدستور، قال الخبير القانوني سيف السعدي إن «القاضي فائق زيدان يجهز الرأي العام لتعديل جراحي وليس تجميلياً للدستور».

وأشار السعدي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إلى «الفرق بين ما تعمل عليه الكتل السياسية في تعديل فقرة أو فقرات بعينها وفق مصالح سياسية، وبين مقاصد القاضي زيدان في قوله (إعادة النظر في الدستور) الذي يعني لجنة تأسيسية جديدة تعد عقداً اجتماعياً جديداً».

من جهته، رأى صلاح العرباوي رئيس حركة «وعي»، أنه «من الطبيعي الدعوة إلى إعادة النظر في دستور مضى عليه أكثر من عقدين، لا سيما النصوص الإشكالية»، داعياً في حديث مع «الشرق الأوسط» البرلمان العراقي إلى «تفعيل لجان تعديل الدستور مرة أخرى؛ لإنجاز التعديلات الممكنة وعرضها على الشعب للاستفتاء عليها».

أما باسل حسين، رئيس «مركز كلواذا للدراسات»، فقد اعتبر «دعوة رئيس مجلس القضاء إلى فتح باب المراجعة الدستورية استكمالاً لما طرحه سابقاً في هذا الصدد، لكنه هذه المرة يتوسع في تشخيص الإشكالات التي كشفها التطبيق، ويضعها في مقدمة الحاجة إلى تعديل الدستور، لا سيما ما يتعلق بتحديد الكتلة النيابية (الأكثر عدداً)، والأغلبيات المطلوبة داخل مجلس النواب، وآلية انتخاب رئيس الجمهورية».

وقال حسين، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «غموض بعض النصوص في الدستور أدى إلى اجتهادات متضاربة عطّلت استحقاقات دستورية وأخّرت تشكيل السلطات، ما يجعل معالجة هذه الثغرات ضرورة تتجاوز حدود التفسير إلى مراجعة النصوص نفسها».

قضاة من بغداد وأربيل خلال ندوة عن الدستور العراقي (أرشيفية - إعلام حكومي)

تاريخ من الخلاف والتعطيل

منذ إقرار دستور عام 2005، برزت خلافات بشأن تفسير عدد من مواده، ولا سيما «المادة 76» المتعلقة بتكليف مرشح الكتلة النيابية «الأكثر عدداً» بتشكيل الحكومة، و«المادة 70» الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية. وأسهم التباين في تفسير هذه الأحكام في تعقيد المفاوضات بين القوى السياسية، خصوصاً في ظل عدم امتلاك أي طرف القدرة على حسم الاستحقاقات منفرداً.

ويتمثل أحد أبرز أوجه الخلاف في تحديد مفهوم «الكتلة النيابية الأكثر عدداً»، وما إذا كانت تعني القائمة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، أم تحالفاً يتشكل داخل مجلس النواب بعد إعلان النتائج. وقد أتاح تفسير المحكمة الاتحادية العليا الصادر عام 2010 اعتماد المفهومين، ما جعل تشكيل التحالفات بعد الانتخابات عاملاً مؤثراً في تحديد الجهة التي تتولى تشكيل الحكومة.

ولم تقتصر الانعكاسات على تشكيل السلطة التنفيذية؛ إذ أدى الخلاف على شروط انعقاد جلسات انتخاب رئيس الجمهورية والنصاب المطلوب له إلى تعطيل هذا الاستحقاق في مراحل مختلفة. ففي عام 2022، أخفق البرلمان مراراً في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وسط انقسامات بين القوى السياسية ومقاطعة جلسات التصويت، قبل أن تنتهي الأزمة بانتخاب عبد اللطيف رشيد في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بعد نحو عام على الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2021.

وأظهر ذلك أن المهل الدستورية، رغم تحديدها مواعيد لإنجاز الاستحقاقات، لم تكن كافية وحدها لضمان انتقال سلس للسلطة في ظل غياب التوافق السياسي. كما أسهم تداخل الخلافات القانونية مع حسابات التحالفات الحزبية في إطالة أمد المفاوضات، وتأخير تشكيل الحكومات، وإبقاء المؤسسات في حالة انتظار إلى حين التوصل إلى تسويات بين الأطراف المعنية.


مستوطنون يهاجمون قرية بالضفة الغربية... يحرقون أشجار الزيتون ويصيبون صحافية

مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)
مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

مستوطنون يهاجمون قرية بالضفة الغربية... يحرقون أشجار الزيتون ويصيبون صحافية

مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)
مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

أحرق العشرات من المستوطنين الإسرائيليين المتشددين، مرتدين ملابس سوداء وملثّمين، أشجار الزيتون ورشقوا الفلسطينيين بالحجارة في هجوم منسق اليوم (الجمعة) استهدف موسم الحصاد السنوي بإحدى قرى الضفة الغربية، وأسفر عن إصابة شخصين على الأقل بينهما صحافية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

رجل فلسطيني يقف بجانب شجرة زيتون لا تزال تشتعل فيها النيران بعدما أضرم مستوطنون إسرائيليون فيها النار بالقرب من قرية ترمسعيا شمال مدينة رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال شهود من «رويترز» إن نحو 80 مستوطناً، حمل بعضهم عبوات غاز، نزلوا من تلة تطل على بستان زيتون حيث تجمّع سكان قرية أبو فلاح لجمع الثمار الناضجة، وهو تقليد سنوي له مكانة خاصة لدى الفلسطينيين. واتخذ المستوطنون مواقع في ممرات أشجار الزيتون. واستخدم بعضهم مقاليع لإلقاء الحجارة على فلسطينيين نزلوا نحو أسفل التل والتقطوا الحجارة للدفاع عن أنفسهم.

رجال إطفاء يعملون على إخماد النيران في سيارة محترقة عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون متشددون على مجموعة من الفلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون بالقرب من ترمسعيا بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

وقال معتز عبد الهادي (42 عاماً)، وهو مزارع شهد الهجوم في أبو فلاح، إن المستوطنين يهدفون لمهاجمة الفلسطينيين وإجبارهم على مغادرة ديارهم.

وخلال الهجوم عبرت سيارتان على الأقل للجيش الإسرائيلي بسرعة من المنطقة، وهرع الفلسطينيون للفرار من طريقهما وسط الغبار الذي أثارته المركبتان.

واستمر الهجوم بعد وصول الجيش؛ إذ أطلق جنود إسرائيليون الغاز المسيل للدموع في اتجاه الفلسطينيين الذين تفادوا السيارتين «الجيب». وسُمع صوت إطلاق أعيرة رصاص حي في المنطقة، ورأى مصوّر من «رويترز» مستوطناً مسلحاً واحداً على الأقل يطلق النار.

مستوطن إسرائيلي يشهر سلاحاً وسط اشتباكات مع فلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون في قرية أبو فلاح قرب رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

ولم يرد الجيش الإسرائيلي بعد على طلب للتعليق. وقال مسعفون فلسطينيون إن شخصين أُصيبا ونُقلا إلى مستشفيين في منطقة رام الله، ومن بينهما هايدي ليفين، وهي مصوّرة صحافية في صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

تصاعد عنف المستوطنين

قالت منظمة «ييش دين» الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان والتي ترصد نشاط المستوطنات، إن أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة تصاعدت بوقوع 170 هجوماً على الأقل منذ 27 سبتمبر (أيلول)؛ أي مع بداية موسم حصاد الزيتون السنوي.

فلسطينيون يتفقدون موقعاً تعرّض لهجوم من مستوطنين إسرائيليين متشددين على مجموعة من الفلسطينيين أثناء قطفهم الزيتون بالقرب من ترمسعيا في الضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

واكتسب مستوطنون جرأة في عهد الحكومة اليمينية التي يترأسها بنيامين نتنياهو، الذي أشرف على توسع سريع للمستوطنات والبؤر الاستيطانية الصغيرة في أنحاء الضفة الغربية.

وانتقد نتنياهو أعمال العنف، لكنه لم يتخذ سوى خطوات قليلة للحد من هذه الوقائع التي أثارت إدانة دولية وخططاً من حلفاء إسرائيل القدامى، ومن بينهم بريطانيا، لفرض عقوبات.

ويقطن الضفة الغربية نحو 500 ألف مستوطن وما لا يقل عن ثلاثة ملايين فلسطيني. وتعتبر هيئات الأمم المتحدة ومعظم الدول أن المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي المتعلق بالاحتلال العسكري. وترفض إسرائيل ذلك، وتعتبر الأراضي متنازعاً عليها وليست محتلة.

وجاء هجوم أبو فلاح بعد هجوم مماثل وقع صباح اليوم (الجمعة) في منطقة قرية ترمسعيا حيث أحرق المستوطنون ثلاث سيارات بعد مهاجمة مجموعة من المزارعين كانوا يحصدون الزيتون. ولم يرد الجيش الإسرائيلي حتى الآن على طلب للحصول على تعليق.

وقال صلاح أبو النسوة، الذي شهد الهجوم في ترمسعيا، إن المستوطنين «تسللوا ورا بعضهم كالحرامية... وإللي بيمسكوه لحاله... يبلشوا فيه ضرب».


60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

خسر العراق نحو 60 مليار دولار منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط والتراجع الحاد في إيراداته النفطية بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، حسب ما قال وزير الخارجية فؤاد حسين، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويعاني العراق أزمة اقتصادية منذ نشوب الحرب في فبراير (شباط)، إذ تراجعت بشكل حادّ ولعدّة أشهر صادراته النفطية التي تؤمّن 90 في المائة من إيراداته، ما اضطرّ الحكومة إلى الاقتراض الداخلي. وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية، وتدنّت احتياطات العملات الأجنبية بنحو 20 مليار دولار.

وفي اجتماع في روما مع نظيره الإيطالي، مساء الخميس، أشار حسين إلى أن «العراق تكبّد خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية»، حسب بيان صدر عن مكتبه.

وكان العراق، وهو عضو في منظمة «أوبك»، يُنتج قبل الحرب نحو أربعة ملايين برميل من النفط يومياً، ويصدّر منها نحو 3.5 ملايين معظمها من جنوب البلاد عبر مضيق هرمز.

شاحنات نفط قادمة من العراق في طريقها إلى محطة بانياس النفطية في سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

لكن منذ بدء الحرب، قيّدت إيران حركة الملاحة في الممرّ الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما اضطرّ العراق إلى وقف الإنتاج في معظم حقوله بعدما امتلأت الخزانات، واللجوء إلى التصدير بكميات محدودة عبر سوريا من خلال شاحنات الصهاريج، وتركيا عبر خط أنابيب.

وبعد تراجع حاد في الصادرات النفطية العراقية، عادت لترتفع مؤخراً لتصل إلى 2.6 مليون برميل يومياً في الفترة بين 1 و21 سبتمبر (أيلول)، بحسب وزارة النفط.

ولفت صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع إلى أن العراق من الدول الأكثر تضرراً من الاضطرابات التي طالت حركة النقل جرّاء الحرب.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، رفع البنك المركزي العراقي، الأسبوع الماضي، السعر الرسمي لصرف الدولار لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

أوراق نقدية عراقية وأميركية في محل صرافة بدهوك بإقليم كردستان العراق - 7 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

ويعتمد العراق إلى حدّ كبير على العملات الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط، لتمويل الواردات وتحقيق استقرار الدينار ودفع رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان الذين يزيد عددهم عن 46 مليوناً.

ويسعى العراق إلى تنويع موارده الاقتصادية ورفع الإيرادات غير النفطية من 10 إلى 45 في المائة بحلول العام 2037، بحسب السلطات.