أمين الجميل: نظرة الأسد إلى لبنان كانت شبيهة بنظرة صدام إلى الكويت

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس السوري استخدم اقتراح تفجير طائرة السادات لتهديده (1 من 3)

TT

أمين الجميل: نظرة الأسد إلى لبنان كانت شبيهة بنظرة صدام إلى الكويت

الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي)
الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي)

قال الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل إن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان ينظر إلى لبنان كما كان ينظر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى الكويت. وأضاف أن الأسد «كان يعد لبنان خطأ تاريخياً يمكن تصحيحه بإعادته إلى الحضن السوري». وشدد على أن الأسد كان يريد «ضم لبنان لا أكثر ولا أقل»، لافتاً إلى أنه تمسك بقسمه الدستوري خلال 14 لقاء قمة عقدها مع نظيره السوري.

وكان الجميل يتحدث إلى «الشرق الأوسط» التي سألته عن تجربة لبنان مع «عهد الأسدين» الطويل إضافة إلى محطات أخرى.

في السبعينات تلقى بيار الجميل رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» دعوة من حافظ الأسد لزيارة دمشق فاصطحب معه نجليه أمين وبشير. استقبلهم الرئيس السوري في منزله وكان اللقاء حميماً، لكن موسم الود لم يعمر طويلاً.

يوقظ حديث الذكريات أوجاع الجميل، فهو يعيش مع جرحين عميقين. جرح اغتيال نجله النائب والوزير بيار في 2006 في خضم موجة الاغتيالات التي ضربت لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وجرح اغتيال شقيقه الرئيس المنتخب بشير في 1982. والواقع أن أمين الجميل دخل قصر الرئاسة في العام نفسه إثر زلزالين، الأول الاجتياح الإسرائيلي والثاني اغتيال شقيقه.

حافظ الأسد و«خطأ» لبنان

سألت الجميل عما كان حافظ الأسد يريد من لبنان، وسأتركه يروي: «أنت تسأل سؤالاً مفروغاً منه، كما يقول المثل الفرنسي. كان يريد ضم لبنان لا أكثر ولا أقل. السياسي السوري، حتى من قبل الرئيس الأسد، لا يهضم وجود لبنان، ويعتبره بلداً مصطنعاً ويجب أن يكون جزءاً من سوريا. نعرف أن مرفأ بيروت أقرب إلى الشام (دمشق) من مرفأ طرطوس. لذلك، كانوا يعتبرون أن لبنان جزءٌ لا يتجزأ من سوريا، وأن هذا خطأ سايكس - بيكو وما إلى ذلك.

الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي)

الرئيس (حافظ) الأسد كانت هذه الفكرة أيضاً موجودة عنده، لم يهضموا وجود لبنان بلداً مستقراً. كانت الغاية الأخيرة هي ضم لبنان. وكل المساعي والاتفاقات والعلاقات التي كانت تتم سابقاً كانت خلفيتها الوصول إلى مرحلة لضم لبنان.

قال لي الرئيس الأسد بوضوح وكنا رأساً برأس (في خلوة): لا تنس أن لبنان جزء من سوريا، ولبنان ونحن بلد واحد، الاستعمار هو الذي قسمنا، ويجب أن تفهموا أنتم كلبنانيين أنه من مصلحتكم أن ترجعوا إلى الحضن السوري، ويجب أن تفهموا أنه مهما تطورت الظروف، يجب أن يرجع لبنان إلى الحضن السوري.

كان بهذا الوضوح. بصراحة، كان يقول لي إنه يجب أن تفهم أنه بالنهاية يجب أن يكون البلدان بلداً واحداً. وأعطاني مثلاً من أجل أن يخففها، عندما وجدني غير مقتنع، قال لي: خذ أوروبا مثلاً. كيف التقت أوروبا واجتمعت وتوحدت، لماذا نحن لا نفعل الشيء ذاته؟ أصبح هذا شيئاً طبيعياً. أوقات من الطبيعي أن يتوحد البلدان، مصالح مشتركة على الصعيد السياسي على الصعيد الأمني على الصعيد الاقتصادي، هناك مصلحة أن يتوحد البلدان».

سألت الجميل إن كان غزو صدام حسين للكويت ذكّره بسعي حافظ الأسد إلى ضم لبنان، فقال: «بالنسبة إلى صدام كانت الكويت ما كانه لبنان بالنسبة إلى حافظ الأسد»، مشيراً إلى الرأي الذي ساد لدى حكام عراقيين ومفاده «أن الاستعمار سرق الكويت من العراق والرأي الذي كان لدى حكام سوريين ومفاده أن الاستعمار سرق لبنان من سوريا».

لكن الجميل يستدرك: «رغم كل ذلك بقيت علاقتي طبيعية مع الرئيس الأسد. حتى إنه، ويمكن لا يفهمني البعض، كانت هناك عاطفة بيننا. كان هناك تقبل للآخر. كان الرئيس الأسد يتفهم موقفي، وكان يقول في فكره إنه لو كان مكاني لاتخذ الموقف ذاته. وأنا أتفهم موقفه، لأن العقيدتين متناقضتان، وكل واحد عنده مفهومه للحالة الوطنية التي ينطلق منها.

بيار الجميل وحافظ الأسد (أ.ف.ب)

كان الرئيس الأسد يشمئز ويثور على مواقفي الرافضة، في محطات عدة. كان الرئيس الأسد يعتبر أن ثمرة التين صارت ناضجة وحان موعد قطفها، أي قطف لبنان، ثم آتي أنا وأقف في وجهه وأكون جدار الصد المنيع ضد تحقيق هذا الهدف. ورغم ذلك، كان هناك احترام، في قرارة نفسه، وكان يقدر أنه لو كان هو محل أمين الجميل كان سيقف الموقف ذاته. لكن رغم ذلك، كانت مصالحه تقتضي أن يحقق «وحدة سوريا». وكان يعتبر أنه لديه كل الإمكانيات لذلك.

لا ننسى أن الجيش السوري كان في لبنان وكان استوعب معظم القيادات اللبنانية التي كانت تذهب لتحج في سوريا. كان اعتبر أن الموضوع مؤاتٍ اليوم لتوحيد البلدين. نعرف الضغط السوري الذي كان على قيادات لبنانية معينة. وفي الوقت نفسه تحرك الأسد للإمساك بالقضية الفلسطينية وأنشأ شبكة من المنظمات الموالية لنظامه.

كان مقتنعاً بأن الوقت مناسب (لإلحاق لبنان) وأنا كنت المانع لتحقيق هذا الحلم، لذلك كانت هناك مشادات سياسية قوية بيني وبينه، وصراع داخلي. صراع أكاديمي - إذا صح التعبير - بين أن يقنعني هو بوحدة سوريا وأنا أقنعه باستقلال لبنان. كان هذا الصراع الأكاديمي مع احترام متبادل لوجهة نظر كل واحد منا. بقيت العلاقة جدلية بيني وبين الرئيس الأسد طوال رئاستي وقد التقيته 14 مرة».

أمين الجميل خلال المقابلة مع رئيس تحرير "الشرق الأوسط" غسان شربل (الشرق الأوسط)

«كلمة لا لحافظ الأسد تتطلب بطولة خارقة»

وأضاف: «حاورت وعاندت وحاورت وقاومت على الجهتين. كانت هناك حقيقة مقاومة مهمة، كان هناك ثقل الرئيس الأسد، وبرستيج الرئيس الأسد وموقعه على الساحة السورية والساحة العربية، وكل ثقله وأنا آتٍ أعزل وبلدي محتل وجيشي مضطرب غير ثابت ومخترق، والقيادات السياسية لا تعرف أين تذهب.

كان الوضع اللبناني صعباً جداً جداً ودقيقاً جداً حتى وصلنا إلى مرحلة انقلب فيها معسكري علي أيضاً. كنت أنا أعزل في تلك المرحلة، واعتبر الرئيس الأسد أنها الفرصة المؤاتية، خاصة عندما استوعب جزءاً من (القوات اللبنانية) واعتبر أن المعركة انتهت وأن أمين الجميل ليس لديه إلا أن يمضي (يوقع) ويعطينا هذا الصك وننتهي.

فوجئ عندما وقفت أنا هذا الموقف، وأعتقد كان ذلك أصعب المحطات. كان نادراً جداً أن يقف أحد هذا الموقف في وجه الرئيس الأسد خصوصاً في الظرف الذي كنت موجوداً فيه وأن يقول له لا. كلمة لا لحافظ الأسد في ذلك الوقت كانت تتطلب بطولة خارقة نظراً للواقع الذي كنا موجودين فيه في ذلك الوقت».

سألته إن كانت مرحلة اتفاق 17 مايو (أيار) اللبناني - الإسرائيلي هي الأصعب في العلاقة مع الأسد، فأجاب: «لا، أصعب مرحلة كانت مرحلة (الاتفاق الثلاثي) (بين حركة «أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» و«القوات اللبنانية»). في الاتفاق تمكن الرئيس الأسد بشكل كامل من الساحة اللبنانية، لا سيما عندما استطاع أن يستوعب فريقاً من (القوات اللبنانية) مع إيلي حبيقة وسمير جعجع.

مع استيعاب إيلي حبيقة وسمير جعجع اللذين يمثلان الواقع المسيحي المقاوم في ذلك الوقت، اعتبر أن لبنان أصبح بمتناول اليد. من يعارض؟ من يعاكس؟ ليس سوى أمين الجميل. هو لم يكن يعطي أهمية، للأسف، لموقعي أنا أو لعنادي فيما يتعلق بالمصلحة الوطنية. أنا معي (أمتلك) التوقيع. توقيع رئيس الجمهورية. لا يستطيع أن يتجاوز هذا التوقيع. مهما استوعب قيادات على الأرض، حتى الميدانية أو السياسية، يبقى في حاجة إلى توقيع رئيس الجمهورية. رئيس الجمهورية أقسم اليمين على المحافظة على الدستور وسيادة البلد. وهذا كان شيئاً مقدساً عندي.

رغم كل الضغوطات أكانت من الداخل أو كانت من الخارج، حتى من ضمن المعسكر المسيحي الذي فقد صوابه وباع نفسه للشيطان، ولا أريد أن أدخل في التفاصيل، أصبحت أنا وحيداً ومعزولاً تقريباً في الوسط اللبناني. ورغم ذلك، كنت متشبثاً بالحقيقة، متشبثاً بالحق اللبناني، ومتشبثاً بالقناعات الوطنية التي تربينا عليها، واعتبرت أن هذه، أياً كان الجنوح من هنا أو من هناك، من المفترض أن نتمسك بها، من المفترض أن ندافع عنها حتى الرمق الأخير.

لذلك، قضية الاتفاق الثلاثي كانت أصعب محطة في عهدي، والحمد لله قدرنا أن ننتصر. الفريق الذي منّا وفينا باع نفسه للشيطان، انكشف على صعيد الرأي العام المسيحي واللبناني بصورة عامة، والتف الرأي العام المسيحي حولي أنا، حتى نقدر على أن نواجه هذه الجريمة التي كانت ترتكب بحق سيادة لبنان واستقلاله وسيادته والنظام الديمقراطي ودور لبنان على الصعيد العربي والعالمي».

سألت الجميل عما إذا كان الأسد حقد عليه لتسببه بسقوط «الاتفاق الثلاثي»، فأجاب: «كان الأسد مقتنعاً بأنه ضم لبنان كله ولم يبق غير تقبل التهاني. كان مقتنعاً وقتها أنه وضع يده على لبنان. يوم التوقيع على الاتفاق الثلاثي كانت هناك زيارة رسمية للملك حسين (العاهل الأردني) إلى سوريا. أجلوا زيارة الملك حسين من أجل أن يحصل التوقيع وتجنباً لأن يحصل أي شيء وتضيع الفرصة. لهذه الدرجة كانوا متمسكين بهذه الفرصة.

حافظ الأسد مستقبلاً الجميل في دمشق (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

بقدر ما كان الرئيس الأسد مشمئزاً ومصاباً بنوع من خيبة أمل كبيرة، أو ضغينة إذا صح التعبير، لأنني قلت له لا، وكيف يجرؤ أمين الجميل الرئيس المصادرة كل إمكانياته الوطنية والدستورية، أن يقول له لا؟ فبقدر ما كان مغتاظاً من هذا الموقف، كان عنده احترام لي. كان لدي شعور أنه لم يفقد الاحترام (لموقفي).

بعدما قلت له لا وفرط الاتفاق، كنا بزيارة للمغرب، وإذ فوجئت بمجيء سفير سوريا في المغرب لزيارتي، وهو من الفريق العلوي المقرب جداً من الرئيس. جاء لزيارتي على أساس أنها زيارة بروتوكولية، وخلال الزيارة قال لي إن الرئيس الأسد يحترمك ويقدرك، وكان بذلك يفتح باباً لإعادة التواصل. هكذا فتح الخط بيني وبين الرئيس الأسد، ما يؤكد أنه بقدر ما كان مغتاظاً من موقفي بقدر ما كان عنده احترام ضمني كيف أن هذا الشاب في أول طلعته قادر على أن يقف في وجه سوريا، وفي وجه كل الإمكانيات والحضور».

رفض الطيار الإقلاع فاكتُشفت القنبلة!

سألت الجميل إن كان قد خاف من الاغتيال، خصوصاً بعد سابقة كمال جنبلاط مع الأسد، فأجاب: «كل الوسائل استعملت حتى يدفعني إلى التوقيع على الاتفاق. من الوسائل (التي استخدمها أنه) عندما كنا قاعدين وكنا نتحدث وراح يخبرني بمعرض أنها خبرية عابرة، ولا علاقة لها بالموضوع. قال إن (الرئيس المصري الراحل أنور) السادات جاء ليبلغه أنه ذاهب إلى القدس، وأن هذه فرصة ونريد طي صفحة الماضي ونصل إلى صفحة سلام جديد للمنطقة كلها، وباحترام، وبتحقيق حق الفلسطينيين. يعني كل هذه السردية المعروفة. الرئيس الأسد أكيد قال له (للسادات) أنت غلطان، ورحلتك إلى القدس لا نشجعهاً أبداً أبداً، ونعتبرها طعنة. فقال له: أنا أخذت القرار. انتهت الزيارة، وخرج السادات من الغرفة ليتوجه إلى طائرته.

الأسد أخبرني القصة كما أخبرك إياها. في محيطه (الأسد) قالوا له يجب ألا نسمح للسادات بالوصول إلى القدس. إذن ما رأيك؟ أي ما معناه هل ننسف طائرته أو نقتله كيلا يستمر في مشروعه؟ الرئيس الأسد أخبرني أنه فكر أنه شيء منطقي ألا يدعوه (السادات) يصل (إلى القدس)، لكن ضميره لم يسمح له. وكأنه كان يسمعني أنه يمكن أن يكون أخطأ. يمكن أنه غلط لأنه لم يدعهم يغتالونه. وكأنه كان يوحي أنه لن يعيد الغلط نفسه مرة ثانية أي أنه لن يدعني أرجع إلى بيروت من دون هذا التوقيع. يعني أنه كان يُسمِعني. كان يسمعني أنه هذا ما كان سيحصل للسادات، لكن هو منعها، وليس كل مرة سيمنعها. وهذه قصة، وضع لبنان بأهمية القدس.

حصلت محاولات عدة لاغتيالي. هناك محاولة وهي الأكثر ثبوتاً، يوم كنت مسافراً إلى اليمن وفخخوا الطائرة التي كانت ستقلني إلى صنعاء. القبطان اكتشف أن هناك ثغرة ثانوية في الطائرة شغلت باله وأبلغ المطار أنه توجد علّة في الطائرة. قالوا له إن هذه العلّة ثانوية ولها علاقة بالراديو، وأنت لست بحاجة إليه، سافر الآن وعندما ترجع نصلحها، فقال لهم: لا، لن أسافر. هذا الطيار كان من عائلة مكاوي. كان معقداً لدرجة أنه متمسك بالكتاب ويمشي حسب الأصول مائة في المائة. رفض أن يطير بالطائرة بهذه العلّة. جاؤوا وكشفوا على الطائرة. اكتشفوا تحت غرفة القيادة شريطاً موصولاً بالراديو الثانوي الذي يربط الطيار بالمحطة في مطار بيروت. اكتشفوا أن هناك شيئاً معلقاً بالهوائي، تتبعوه ورأوا قنبلة تحت كرسي كابتن الطائرة وساعتها «قامت القيامة».

فخخت الطائرة في مطار بيروت. أبدلنا الطائرة وسافرت إلى اليمن. يعني هذه كانت بالجرم المشهود إذا شئت. جاءت المخابرات السورية، كانوا بالمطار، صادروا القنبلة، صادروا كل المعدات، ليمنعوا أي أحد من أخذ البصمات أو أي دليل آخر. حصلت محاولات ولكن كنا نكتشفها قبل أن تأخذ مداها. هناك ثلاث محاولات لا أذكرها، لا أحب أن أتذكرها، لكن المحاولة التي ثبتت وكانت على وشك أن تنفذ كانت قضية طائرة اليمن.

الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل خلال المقابلة (الشرق الأوسط)

طبعا من يقدر أن يفخخ طائرة تحت الحراسة؟ طائرة رئاسية تحت الرقابة من يجرؤ على الدخول إليها؟ ثم بعد أن اكتشفوا القنبلة منعت المخابرات السورية المخابرات اللبنانية من الاقتراب من الطائرة، وفكوا جهاز التفجير وأخذوه معهم».

المخابرات السورية «خططت اغتيال بشير»

وعما إذا كان يعتقد أن الأجهزة السورية لها علاقة باغتيال شقيقه بشير، قال أمين الجميل: «هذه ثابتة. الذي اغتال بشير هو عنصر تابع للحزب القومي السوري، ومعروف أن هذا الحزب في ذلك الوقت مع أسعد حردان وجماعته، (مرتبطون) مباشرة مع جهاز المخابرات السورية، يعني الأساس (في التخطيط) أجهزة المخابرات السورية، وتنفيذ العملية «المجيدة» لأسعد حردان وجماعته في الحزب القومي السوري. وانكشف الذي نفّذ التفجير وهو (حبيب) الشرتوني. وعندما اقتحمت القوات السورية في أيام الرئيس (إلياس) الهراوي القصر الجمهوري وطردوا ميشال عون، توجهت فرقتان عسكريتان واحدة إلى القصر الجمهوري، وأخرى إلى سجن رومية لتحرر حبيب الشرتوني، ونزل الشرتوني من السجن وأدلى بتصريح طويل قدم فيه شكره لسوريا وتحدث عن أمجاد الفريق الذي ينتمي إليه.

الشرتوني كان تابعاً مباشرة للحزب القومي السوري وهم سلحوه وجهزوه وساعدوه. كان الاغتيال بوضع عبوة ناسفة في مكتب بشير، وكان لدى الشرتوني وصول إلى المكان لأنه كان ساكناً في البناية. وضع القنبلة أول مرة لكن لم تكن لديه الشجاعة ليفجر لأنه في قلب منطقة سكانية وهناك جماعة يعرفهم ويعرف أهلهم. المرة الأولى جَبُنَ ولم يتجرأ، والمرة الثانية لم يجرؤ، وعندما وبخه مسؤولو الحزب القومي السوري وأفهموه أن هذا غير مقبول وأن القضية كلها بيده وهو سينقذ البشرية كلها، في المرة الثالثة تجرأ وفجر.

صدر بحق الشرتوني حكم بالإعدام لكنه لم ينفذ. كان مسجوناً في سجن رومية، وجاء الجيش السوري، فتح زنزانته وأنزله بمظاهرة طويلة عريضة. وهذا دليل قاطع. صعود فرقة من الجيش السوري، هل تحتاج إلى كل هذا؟ وعلى كل حال الجيش السوري كان مسيطراً على الأجهزة كلها وكان يقدر باتصال بقائد للسجن أن يرسل لهم الشرتوني، لا أن تطلع فرقة عسكرية بأمها وأبيها طوقت السجن ودخلوا إلى زنزانته وحملوه وجاؤوا به مثل المنتصر على الراحات. جاؤوا به إلى بيروت وعقد مؤتمراً صحافياً أشاد فيه بسوريا وافتخر باغتيال بشير الذي هو خائن صهيوني»، على حد تعبيره.

أمين الجميل إلى جانب والده بيار خلال تشييع شقيقه بشير (غيتي)

قصة اللقاء الأخير مع الأسد

وتحدث الجميل عن لقائه الأخير مع الأسد الأب وفشل محاولة الاتفاق على مخايل الضاهر رئيساً لقاء ضمانات، فقال: «اجتمعت بالرئيس الأسد قبل يومين من نهاية ولايتي، وكنا نحاول العثور على حل. كنت مهتماً بإيجاد حل وأن ينتخب الرئيس بشكل طبيعي حسب الدستور وأن نجنب لبنان فراغاً قاتلاً. آخر زيارة قمت بها إلى الرئيس الأسد في سوريا، كنت حاملاً معي مشروع حل: انتخاب مخايل الضاهر لقاء ضمانات معينة لن أدخل الآن في تفاصيلها.

بينما كنت عند الرئيس الأسد أشرح له الموضوع وما هو الحل الذي أحمله، وهو كان حلاً يمكن أن يطبق، ورد خبر إلى الرئيس الأسد، أدخلوا له ورقة، أن هناك اجتماعاً في وزارة الدفاع في لبنان بين الدكتور سمير جعجع وقائد الجيش العماد ميشال عون ولا أعرف من أيضاً. فسّر الأمر بمثابة انقلاب على الرئيس الجميل، وإذا وافقت سوريا فسيحصل عليه انقلاب في لبنان، خاصة أن الاجتماع حصل في وزارة الدفاع. هذه أفشلت اجتماعنا. قال الرئيس الأسد: تفضل.

وفي الواقع حصل هذا الاجتماع (بين عون وجعجع). الاجتماع ما كان سيؤدي إلى انقلاب لكن هذا الذي حصل يومها، فتوقف البحث (مع الأسد) ورجعت إلى بيروت لنعالج الموضوع ثم نستمر بالبحث. رجعت إلى بيروت ولم نقدر على أن نخرج من هذا المأزق. هذا لأقول إنني ذهبت إلى الرئيس الأسد قبل انتهاء ولايتي تقريباً واختلفنا ولم نتوصل إلى نتيجة للأسباب التي ذكرتها. رغم ذلك، وكان الرئيس الأسد مريضاً، لكنه أصر على أن يوصلني إلى المطار وينتظر لتطير الطائرة، لترَ إلى أي حد كان هناك احترام، قلت له: سيادة الرئيس، ما في لزوم. أوصلني إلى المطار وقبلات قبل (صعودي إلى) الطائرة وأكد أنْ نحن إخوة ونظل إخوة مهما حصل. صعدنا إلى الطائرة ورجعنا إلى بيروت، وبقيت الأمور على حالها، أي لم نقدر على أن نتوصل إلى حل في قضية الرئاسة، وبعد أيام حصل اتصال بيني وبين الرئيس الأسد. كنا نستعرض على التليفون، وأنه إن شاء الله نلتقي قريباً، وقال لي الرئيس الأسد: البيت بيتك مائة أهلاً وسهلاً بك. انتهت. بعد كم يوم، حصلت معي مشاكل في لبنان. اعتبرت أنه من الأنسب أن أغادر قليلاً، أبتعد عن الساحة اللبنانية، لأنه حصلت فوضى. فراغ تبعته فوضى، ولا أريد أن أكون جزءاً من هذه الفوضى».

غداً حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

خاص جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً جديداً من كتاب «جان عبيد... ستة عقود في الوطن» وفيه تفاصيل إسقاط سوريا ما سمته اتفاق كامب ديفيد اللبناني مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)

خاص رفض جان عبيد دخول السوريين قصر بعبدا... فسقط رئاسياً في امتحان الأسد

كان جان عبيد، السياسي اللبناني المعروف، قاب قوسين من رئاسة الجمهورية عام 1989. رفض السماح بأن يحتل الجيش السوري قصر الرئاسة اللبنانية... فسقط في الامتحان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل) p-circle 02:18

خاص أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

يروي أمين الجميل في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاءات سرية مع صدام والقذافي، وسط صراع إقليمي أعاد تشكيل لبنان والمنطقة.

غسان شربل (بيروت)
خاص كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي) p-circle 01:31

خاص الجميل لـ«الشرق الأوسط»: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

أمين الجميل يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف استخدم حافظ الأسد عبد الحليم خدام لترهيب اللبنانيين، وكيف اخترق رفيق الحريري النظام السوري.

غسان شربل (بيروت)

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب)

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع الفلسطيني، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحظي قرار سلطات كوسوفو بموافقة البرلمان الذي صوّت بالإجماع على تشريع يجيز انضمام عناصر من قوى الأمن في كوسوفو إلى قوّة دولية لإرساء الاستقرار بقيادة أميركية، في حال تشكّلها.

وقد تضمّ هذه البعثة في المجموع نحو 20 ألف جندي، بينهم 8 آلاف إندونيسي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا يحدّد التشريع عدد العناصر الذين يمكن إرسالهم إلى غزة. وحسب وسائل الإعلام، تعتزم الحكومة إرسال 22 عنصراً.

أما في البوسنة فقد تطرّق وزير الدفاع، زوكان هيليز، إلى هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن مع المسؤول عن الشؤون السياسية العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية، ستانلي براون.

وقال هيليز في بيان: «بلغت التحضيرات لهذه المهمّة مرحلة متقدّمة، ونتوقّع أن يشارك فيها أكثر من 60 عنصراً من القوّات المسلّحة في البوسنة والهرسك. وهذا إسهام ملحوظ من بلدنا في السلم والأمن الدوليين».

وقد حظيت مشاركة البوسنة في هذه القوّة بموافقة السلطات في يناير (كانون الثاني).

والتأم «مجلس السلام» الذي أُنشئ أساساً للمساعدة في إعمار غزة بعد الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس»، للمرّة الأولى في واشنطن في فبراير (شباط)، بغية مناقشة سبل تمويل هذه المبادرة وإيفاد عسكريين أجانب إلى القطاع.

وتعهّدت، حينها، إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا، المشاركة في القوة.

وما زال تنفيذ هذه المرحلة من خطّة السلام الأميركية في النطاق الافتراضي، مع تمسّك كلّ من إسرائيل و«حماس» بمطالب متناقضة، وتبادلهما التهم بخرق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد سنتين من حرب طاحنة شهدها القطاع الفلسطيني، إثر هجوم غير مسبوق لـ«حماس» على الدولة العبرية في 7 أكتوبر 2023.


عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».