رفض جان عبيد دخول السوريين قصر بعبدا... فسقط رئاسياً في امتحان الأسد

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتاب «جان عبيد.. ستة عقود في الوطن»

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)
الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)
TT

رفض جان عبيد دخول السوريين قصر بعبدا... فسقط رئاسياً في امتحان الأسد

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)
الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)

تنشر «الشرق الأوسط» فصولاً من كتاب «جان عبيد.. ستة عقود في الوطن» للصحافي اللبناني نقولا ناصيف الذي يرصد مسيرة هذا السياسي الذي كان اسمه مطروحاً دائماً لتولي منصب رئيس الجمهورية. تتناول هذه الحلقة قصة اللقاء الذي حصل بين عبيد والقيادة السورية خلال حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد عام 1989، حيث رفض الأول إسقاط حكم ميشال عون عسكرياً من خلال اقتحام الجيش السوري قصر بعبدا، وهو ما أسقطه في «امتحان» اختياره لرئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس الراحل رينيه معوض الذي كان قد اغتيل، في نوفمبر (تشرين الثاني)، بتفجير سيارة مفخخة.

ينقل الكتاب قول جان عبيد لرفيق الحريري بعد عودته من دمشق: «أيّ رئيس للجمهوريّة هذا الّذي يأتي وليس له أن يُبْدي ملاحظات على مشروع يُحضَّر له، هذا يعني أنّهم لا يريدونه. طلبتُ حفظ ماء الوجه للجميع». ردَّ رفيق الحريري بصوت مرتفع وانفعال: «أخطأت، أخطأت. استعجلت».

يصدر الكتاب في 29 مايو (أيار) الحالي عن «مؤسسة جان عبيد» و«دار النهار للنشر». هذه تفاصيل الحلقة الأولى...

غلاف الكتاب

ساعة لم تأتِ

وَحْدَها المفاجأة - هي القدر عند جان عبيد - يسعها قلب المواقع واستبدال الأبطال وتَعاقُب الفصول. غير المَعْنيّ أو الطّرف في ما تحضَّر عشيّة الوصول إلى اتّفاق الطّائف وغداته، مُكتفياً بِدَور المُتفرّج والمراقب، تُحيلُه فجأةً الصّدمة والفاجعة على أوّل مُرَشّحي خلافة رينيه معوّض.

(...)

في حضور زائرَيْن لبنانيَّيْن هما محمود طبّو وتوفيق سلطان، خابر عبد الحليم خدّام من منزله في دمشق رفيق الحريري في برن في خلال زيارته صديقه السّفير اللّبنانيّ هناك جوني عبده. أحصى الزّائران عدد المكالمات المتتالية. 13 مخابرة إحداها كانت الأكثر لفتاً للانتباه في هذا التّوقيت بالذّات.

قال لرفيق الحريري: «ابحَث عن جان عبيد. هو في باريس. ائتِ به على عجل في طائرتك فوراً إلى الشّام».

من ثمّ الْتَفت نائب الرّئيس السّوريّ إلى زائريه، قائلاً: «ماذا إذا زعل النّوّاب من انتخاب رئيس ليس من صفوفهم؟».

اِتّصل رفيق الحريري بخالد خضر آغا وأخبره بالمكالمة قبل أن يُضيف: «يبدو أنّهم يريدون جان عبيد. هو عندك في باريس. سآتي لاصطحابه».

اِلتقط خالد خضر آغا كلمة السّرّ قبل أن يقول لزائره السّفير في واشنطن عبد الله بو حبيب، وكان لا يزال في منصبه بِتَكليف من ميشال عون رغم انقضاء عهد أمين الجميّل: «جان عبيد هو الرّئيس المقبل».

الشّائع والمعروف أنّ نائب الرّئيس السّوريّ مَن أَوْعَزَ إلى رفيق الحريري إحضار جان عبيد من باريس، بَيْدَ أنّ ما علم به المُرشّح المُحتَمَل في وقت لاحق من حكمت الشّهابي بالذّات، بينما كانا يستعيدان واقعة ذلك اليوم، أنّه هو الّذي «أمر». لم يفعل عبد الحليم خدّام سوى تنفيذ قرار الرّئيس وقد بدا استثنائيّاً ومُفاجئاً: التّفكير في انتخاب رئيس للبنان من غير النّوّاب المشاركين في اتّفاق الطّائف، كما من غير المُرشّحين الطّبيعيّين المُتَداولة أسماؤهم علناً. لم يكن كذلك الأوفر حظّاً من بينهم. لا منصب رسميّاً أو موقع له. أفضل امتياز يُبرّر رسو الخيار عليه أنّه صديق قديم لدمشق وحليف لها.

من برن خابر رفيق الحريري جان عبيد في منزله في باريس، في جادة ديانا، وكان لأيّام قليلة خَلَت وصل إلى العاصمة الفرنسية لِتَمْضِية بضعة أيّام فيها. بيتاهما مُتجاوران تفصل بينهما بضعة مئات أمتار: الأوّل برقم 5 والثّاني برقم 2.

في المكالمة قال رفيق الحريري: «ماذا تفعل؟ لديك هاتف آخر؟».

ردَّ بالإيجاب.

عاود الاتّصال به على رقم مختلف من غير أن يُفْصِح عن السّبب: «حكمت الشّهابي وعبد الحليم خدّام يُجرّبان الاتّصال بك كي يُكلّماك. الرّئيس الأسد يريد الاجتماع بك».

ردَّ: «غداً سأكون في زغرتا لحضور مأتم رينيه معوّض، ولا يَسَعُني التّغيّب عنه».

انفجار سيارة مفخخة في بيروت أودى بحياة الرئيس رينيه معوض عام 1989 (غيتي)

قال: «سأصحبك في طائرتي من باريس إلى دمشق ثمّ تذهب إلى زغرتا».

في خلال ساعات، أضحى رفيق الحريري في منزله في باريس، وكان وافاه إليه جان عبيد. تَعَشّيا سريعاً. لحظتذاك قال له صاحب البيت وهما يهمّان بالجلوس: «للمرّة الأخيرة الآن أترأّس الطّاولة».

تلك إشارة لم تُخْفَ دلالتها على محدّثه، مُلمّحاً إلى ما قد ينتظره في دمشق بإزاء انتخابات الرّئاسة اللّبنانيّة.

في الطائرة، في طريق العودة يرافقهما سمير فرنجيّة والفضل شلق، دار حوار مهم بينهما. أقرب ما يكون إلى تمهيد لما سيأتي. لم يُفصِح جان عبيد أمام أصدقائه لاحقاً سوى عن جزء منه، مُتَكتّماً عن بعض التّفاصيل. بَيْدَ أنّه استنتج في ما سمعه علامات سلبيّة مُبَكّرة ستؤكّد له فيما بعد أنّ عبد الحليم خدّام ورفيق الحريري - وكِلاهُما أَفْرَط في إظهار حماستهم لانتخابه رئيساً - كانا يريدان إلياس الهراوي في المنصب.

بإيعاز من نائب الرّئيس السّوريّ، عمل رفيق الحريري على تحضير جان عبيد لجوانب من مضمون المقابلة في دمشق كي تنتهي به رئيساً للجمهوريّة: القرار الأوّل الّذي تريده منه إخراج ميشال عون من قصر بعبدا بالقوّة. على نحو غير مباشر عبّر عن هذا الموقف بسؤال.

أَوْحَى له بخيارات صعبة يقتضي أن يتّخذها. من ثمّ حدّثه في موضوع غير ذي صلة بما يُفترض أن يخوض فيه في السّاعات التّالية. كلّمه عن إمكاناته الماليّة الهائلة ومقدرته على التّعاون معه في المرحلة المُقبلة كشريك ما إن يصبح في الرّئاسة، مُسهِباً في الكلام عن المستقبل الواعد كي يستخلص أنّ «في الإمكان معاً بناء لبنان جديد». من دون البَوْح أمامه بصفقة يعرضها عليه أو خطوات مُحدّدة، طرح العرض في صيغة سؤال ثانٍ.

لم يُجِب جان عبيد عن أيٍّ من السُّؤالَيْن، ولا أبرَز تصرُّفاً يُستشمّ منه ردّ فعله حِيال ما سمع، مُكتفياً بالإصغاء إلى مُحَدّثه. تهيَّب سلفاً الموقف بأن استنتج أنّ مفاوضات شاقّة تنتظره في سوريا تشي باكراً بأنّه مَدْعُوّ إلى أن يكون في منصبه المُقبِل أداة ليس إلّا.

بِوُصولهما إلى دمشق في التّاسعة إلّا ربعاً، مساء 23 نوفمبر (تشرين الثّاني)، اجتمع جان عبيد، في القصر الرّئاسيّ السّوريّ، بعبد الحليم خدّام وحكمت الشّهابي. شارك رفيق الحريري لبعض الوقت قبل أن ينسحب بانقضاء نصف ساعة عليه.

في النّصف السّاعة التّالية دارَ هذا الحوار.

فاتَحَهُ عبد الحليم خدّام في احتمال انتخابه رئيساً للجمهوريّة، فعقّب جان عبيد باقتراح انتخاب سليمان فرنجيّة سنتَيْن يتمكّن خلالهما من إعادة تَوْحيد البلاد، من ثمّ يَخْلفه هو إذا كان التّقدّم في السّنّ عند الرّئيس السّابق (78 عاماً) يَحُول دُونَ بقائه في المنصب.

ذكّره بِترشُّح سليمان فرنجيّة لجلسة 18 أغسطس (آب) 1988 الّتي حِيلَ دون اكتمال نصابها القانونيّ بِتَواطُؤ بين قائد الجيش ميشال عون وقائد «القوّات اللّبنانيّة» سمير جعجع. مهّد لاقتراحه هذا بالقول: «الانطلاق سيكون أصعب مع رئيس من غير النّوّاب لأنّهم يريدون واحداً منهم، ولأنّ أكثر من جهة استنفرت نوّاباً موارنة علناً لذلك».

أضاف: «أنا لا أتقدّم على الرّئيس فرنجيّة. ليأتِ رئيساً لسنتَيْن ثمّ أخلفه».

ردَّ: «نحن نبحث في اسمك أنت، ومعك».

ثمّ سأله ماذا يتوقّع أن يفعل بميشال عون متى انتُخِب رئيساً؟

ردَّ: «كما أَعْطيتُم زعماء الميليشيات فرصة للدّخول إلى السّلطة، نُعَيّنه وزيراً للدّفاع أو للدّاخليّة. ليُعطَ فرصة. نؤلّف حكومة فيها الأفرقاء جميعاً، منهم ميشال عون وفيها سليمان فرنجيّة وسمير جعجع».

عقّب بالرّفض: «لن يقبل، ولا فرصة له».

قال جان عبيد: «كما فعلتم مع سواه، ليكنْ له. أعطيتموهم فرصة لدخول السّلطة وفي اتّفاق الطّائف، وبينهم مقاتلون وقَتَلة».

(...)

أضاف: «هل أذكّرك بما نصحتك به عام 1983 بالتّحاور مع إلياس حبيقة وميشال المرّ وميشال سماحة، وبماذا أجبتني أنّ ماضيَّ الوطنيّ والقوميّ العربيّ لا يُغطّي على الموساد».

رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون بقصر بعبدا في أكتوبر 1989 (غيتي)

قال عبد الحليم خدّام: «هذا جاسوس. أليس هو (أي ميشال عون) الّذي يُريد تكسير رأس سيادة الرّئيس ودقّ مسمار في نعش النّظام؟».

ردَّ (جان عبيد) مُقلّلاً من أهمّيّة ما سمع: «كان كلام معارك وهوبرة (أي تصعيد كلامي فقط)... وليس كلام اقتدار. ما أُعطِي لأولئك لا يصحّ حجبه عن قائد للجيش ورئيس للحكومة الدّستوريّة الّذي هو ميشال عون».

قال: «وإذا رفض؟».

ردَّ جان عبيد: «نُوجّه إليه إنذاراً بإخلاء قصر بعبدا. الجيش اللّبنانيّ هو الّذي يُنذره».

قال: «ليس هناك جيش لبنانيّ».

ردَّ: «نجمع أَلْوِيَته. الجيش اللّبنانيّ هو الّذي يقود قَمْع التّمرّد».

قال عبد الحليم خدّام: «يعني أنّك لا تُريد الجيش السّوريّ أن يتدخّل».

ردَّ: «نجمع أَلْوِيَة الجيش اللّبنانيّ، ويكون الجيش السّوريّ قوّة إسناد للجيش اللّبنانيّ عندما يتحرّك».

قال: «إذاً لا تريد دخول الجيش السّوريّ إلى قصر بعبدا؟».

ردَّ: «اِجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت إلى بعبدا ولم تدخل إلى القصر الجمهوريّ، مقرّ كرامة الشّرعيّة. هل يجوز أن تكون سوريا أقلّ حرصاً على هذه الكرامة، وأن تُقْدِم على ما لم تفعله إسرائيل؟».

قال عبد الحليم خدّام: «لا. لا وقت. علينا أن ندخل نحن».

ردَّ: «يدخل الجيش اللّبنانيّ بقيادة اللّواء سامي الخطيب الّذي يُعيد تَجْميع الأَلْوِيَة...».

قاطعه: «لا. الجيش السّوريّ هو أوّل مَن يدخل».

بالوُصول إلى هذا الحدّ من الحوار، دخل عليهم حافظ الأسد في العاشرة إلّا ربعاً.

الحوار نفسه، باستفاضة، تناول جوانب شتّى في ما يُفتَرَض أن تكون عليه المرحلة المقبلة بعد اغتيال رينيه معوّض وانتخاب خَلَف له.

في المُستهلّ، قال الرّئيس السّوريّ: «أتى (وزير الخارجية السعودي الأمير) سعود الفيصل إلى هنا وعرضنا معه ثلاثة أسماء قادرة على تحقيق المصالحة الوطنيّة وتنفيذ اتّفاق الطّائف. اثنان من داخل مجلس النّوّاب هما رينيه معوّض وإلياس الهراوي، والثّالث من خارجه هو أنت. رينيه معوّض رحل. الآن أمامنا اسمان، أنت وإلياس الهراوي».

عاد دوران الحوار إلى أوّله، وهو الحصول على موافقته لاستخدام القوّة لفرض الشّرعيّة الجديدة المُنبَثِقة من اتّفاق الطّائف وإسقاط ميشال عون. سرعان ما توقّف عند التّحفّظ نفسه. لم يُوَفّر حافظ الأسد مُتّسعاً من الوقت للإشادة بصديقه الّذي يعرفه منذ عام 1963، غير أنّه حرص على الاستماع إلى نائبه ورئيس الأركان يُحاوِران المرشّح الّذي أراده هو بالذّات. بدا عبد الحليم خدّام أكثر إيغالاً من رئيسه في فرض الشّروط، إلى أن قال في ختام الاجتماع: «لن تنتظر سوريا جمع أَلْوِيَة الجيش اللّبنانيّ وتحضيرها».

إشارة صريحة إلى استعجال دمشق إنهاء ظاهرة ميشال عون بآلتها العسكريّة فحسب.

بَيْدَ أنّ جان عبيد أعاد أمام الرّئيس وجهة نظره، مُقدِّماً تَبْريره المانع استعمال القوّة لإنهاء وجود ميشال عون في قصر بعبدا ووزارة الدّفاع بأداة الجيش السّوريّ. وهو ما تمسّكت به القيادة السّوريّة.

عند الثّالثة إلّا ربعاً فجر 24 نوفمبر (تشرين الثّاني) ارفضّ الاجتماع بِخَيبة. غادر جان عبيد وعبد الحليم خدّام وحكمت الشّهابي وعلي دوبا وغازي كنعان القصر الرّئاسيّ مُتَوَجّهين إلى مكتب نائب الرّئيس السّوريّ في حيّ أبو رمانة. هناك كان ينتظرهم رفيق الحريري وسمير فرنجيّة.

مَكَثوا في المكتب إلى قرابة الرّابعة، يُواصِلون المناقشات إلى أن خرجوا تباعاً. أوّلهم كان جان عبيد، تَبِعه عبد الحليم خدّام وحكمت الشّهابي وعلي دوبا وغازي كنعان ورفيق الحريري مُسرِعاً إلى جان عبيد قبل أن يستقلّ السّيّارة.

بصوتٍ عالٍ أقرب إلى أن يكون صراخاً، قال له: «لماذا فعلت ذلك؟».

كان قد أضحى عندئذٍ على مقعده في سيّارته. ترجّل منها مُتَوجّهاً إلى رفيق الحريري: «هذه ليست ساعتي».

سأل: «كيف ليست ساعتك؟ الإخوان يُريدونك».

قال: «أيّ رئيس للجمهوريّة هذا الّذي يأتي وليس له أن يُبْدي ملاحظات على مشروع يُحضَّر له، هذا يعني أنّهم لا يريدونه. طلبتُ حفظ ماء الوجه للجميع».

ردَّ رفيق الحريري بصوت مرتفع وانفعال: «أخطأت، أخطأت. استعجلت».

كرّر قبل أن يصعد إلى سيّارته ثانيةً ويغادر للتّوّ: «ليست ساعتي. هذه ساعة ليست فيها كرامة، ورئاسة ليست فيها كرامة».

كان مرافقه حنّا أبي عقل وسائقه جورج عوض ينتظرانه منذ منتصف اللّيل في فندق «شيراتون» بعدما أَوْعَزت إليهما لبنى (زوجة جان عبيد) الذّهاب إلى «الغميق». كلمة السّرّ المُتّفق عليها في الكلام عن دمشق. في طريقهما إليها من تربل عبر حمص سمعا عند معبر العبدة في الشّمال إذاعة «صوت الشّعب» النّاطقة بلسان الحزب الشّيوعيّ اللّبنانيّ تُذيع نبأً مفاجئاً: «غداً جان عبيد رئيساً للجمهوريّة».

عند الثّانية بعد منتصف اللّيل، وكانا لا يزالان في الفندق، طلب منهما مُرسَلون من مكتب عبد الحليم خدّام الذّهاب إليه في حيّ أبو رمّانة.

ما إن صعد إلى السّيّارة بُعَيد الثّانية والنّصف قال للمرافق والسّائق: «خذاني إلى طرابلس. سأمر على جورج سعادة في شبطين ثمّ نذهب إلى بكركي، ثمّ إلى بلّونة، وبعد الظّهر إلى جنازة الرّئيس معوّض».

من اليمين فارس بويز ورفيق الحريري وفاروق الشرع وإلياس الهراوي وعبد الحليم خدام وغازي كنعان خلال لقاء في قصر بعبدا (غيتي)

في طريقهما على أوتوستراد دمشق - حمص الْتَفتَ إليه حنّا أبي عقل قائلاً: «صار في إمكاننا مناداتك فخامة الرّئيس».

ضحك قبل أن يقول: «كان يُفترَض أن يكون. لا، ليس هذا. السّاعة العاشرة اليوم في شتورة سينتخبون إلياس الهراوي رئيساً للجمهوريّة».

قال المرافق باستغراب: «ما سمعناه في الإذاعة سوى ذلك (عكس ذلك)».

ردَّ: «قلت لك كان يفترض أن يحدث. لست مضطرّاً إلى أن أحمل المسألة على ضميري. سيقتحمون قصر بعبدا. سيُهرَق دم كثير. لن أحمل ذلك في مقابل الرّئاسة. إذا كُتبت لي ستأتي».

صمتَ لبرهة وقال: «لست مضطرّاً إلى أن أكون مُختاراً على الرّملة البيضاء» (مقر مؤقت للرئاسة اللبنانية خلال وجود ميشال عون في قصر الرئاسة ببعبدا).

أضاف: «الآن غازي كنعان سيذهب إلى زحلة للاجتماع بإلياس الهراوي، والسّاعة العاشرة ينتخبونه رئيساً للجمهوريّة».

سكتَ من ثمّ واستسلمَ إلى النّوم بعض الوقت. طوال الطّريق حتّى الوصول إلى طرابلس، أُطبِق صمت كامل.

السّادسة والنّصف صباح 24 تشرين الثّاني، كان قد أصبح في شبطين بالبترون. أطْلَعَ جورج سعادة على ما دار في دمشق قبل أن يكشف له رئيس حزب «الكتائب» أنّ قائد «القوّات اللّبنانيّة» سمير جعجع كان عنده، وغادر قبل دقائق وهو يقول له: «اِنتخبوا أيّاً يكن. رائف سمارة حتى. لكن خلّصوني من ميشال عون».

زار من بعدُ بكركي، وأعلم البطريرك المارونيّ مار نصر الله بطرس صفير بوقائع دمشق.

في السّاعات الأولى من الصّباح، بدأ التّحضير الفعليّ لحسم اسم الرّئيس المُقبِل، ولم يكن مجهولاً ولا خافياً.

لا سبب مباشراً لانهيار المحاولة الاستثنائيّة هذه سوى رفض جان عبيد أمام حافظ الأسد ما كان رفضه قبل وقت قصير أمام عبد الحليم خدّام وحكمت الشّهابي. مع ذلك، ثمّة شكوك ساورت كثيرين ممّن يُلمّون بالعقل السّوريّ في ألغازه السّرّيّة وإشاراته العلنيّة غير المُفصحَة بالضّرورة عن الحقيقة الّتي يتطلّبونها. لذا عُدَّ العرض على جان عبيد شرطاً تعجيزيّاً لئلّا يوافق بُغْيَة الوصول إلى الخيار الأفضل للمجازفة المُتَوَخّاة، وهو إلياس الهراوي الّذي مَالَ إليه عبد الحليم خدّام وغازي كنعان في الأصل.

لم يعنِ الانتقال من خيار إلى نقيضه كسراً لقرار الرّئيس السّوريّ الّذي أراد جان عبيد في هذا المنصب. تفسيران متلازمان أُعْطِيَا لِمَا حدث: أوّلهما رفضه شروطاً مُلزمة اقترنت بالرّئاسة كي تكون جزءاً لا يتجزّأ منها واجبة الحصول، وثانيهما إفراط عبد الحليم خدّام في الإصرار على استخدام القوّة والجيش السّوريّ بالذّات كي يتوقّع الجواب الّذي يُرْضيه.

من السّاعات الأولى صباحاً تَدَحْرَجت كرة التّطوّرات المُتَسارِعة الحاسمة.

مُذْ أدرك إخفاق فرصة وصول جان عبيد إلى رئاسة الجمهوريّة، طلب رفيق الحريري من مُعاوِنَيْه الفضل شلق وسمير فرنجيّة التّوجّه من دمشق إلى منزل إلياس الهراوي في حوش الأمراء. وقتذاك كان نائب زحلة قصد فندق «بارك أوتيل» في شتورة ولزمه بعدما طلب منه غازي كنعان البقاء فيه حتّى إشعار آخر. كان الْتَقاه قبل وقت وأعلمه بِرَسْوِ الخيار عليه. للفور قصَّ إلياس الهراوي على سمير فرنجيّة والفضل شلق ما دار بينه وغازي كنعان.

خابَرَه الضّابط السّوريّ الكبير على عجل مُكتفياً بعبارة مُقتَضَبة: «أريد أن نتحدّث معاً على (رواق). مُرّ عليّ في المكتب في عنجر».

هناك قال له: «اِذهب الآن إلى الشّام. أبو جمال ينتظرك».

ردَّ: «ما تطلبونه من سواي أستطيع إعطاءه لكم».

في مكتب عبد الحليم خدّام في العاصمة السّوريّة، سمع منه العبارة الآتية: «الآن أوانها. بيار حلو لا يريد. مخايل ضاهر لم يعد وارداً. سليمان فرنجيّة يتعذّر إيصاله بسبب ضغوط دوليّة. لم يتبقَّ سواك».

كان اسم إلياس الهراوي الفرصة الأخيرة لدمشق كي تُنجز انتخابات رئاسية لبنانيّة على عجل لا أثر فيها لأيّ أحد سِواها. اختارت الاسم وبات عليها إدارة تَرْئيسه. في الرّجل المواصفات الّتي تُريدها منه بما يُطَمْئِنها إليه.

عند السّابعة والنّصف مساء 24 تشرين الثّاني انتُخب رئيساً للجمهوريّة من الدّورة الثّانية للاقتراع بغالبيّة 47 صوتاً، إلى خمس أوراق بيض. في الدورة الأولى نال 46 صوتاً إلى أربع أوراق بيض وورقة مُلْغاة باسم إدمون رزق من 52 نائباً حضَروا الجلسة. للمرّة الثّانية بعد عام 1982، بدافع واحد هو الإلغاء بالاغتيال، يُنتَخَب رئيسان للجمهوريّة في أقلّ من شهر.

في إشارة مُعبِّرة إلى تلبُّد وبُرودة في علاقتهما نَجَمَا عن غموض الموقف المُضْمَر وما دار بينهما في الطّائرة بين باريس ودمشق والإيحاءات المُلتَبسة، قال جان عبيد لرفيق الحريري في وقت لاحق في حضور الفضل شلق: «المرأة الأنيقة تُبصرها لدى خروجها وليس عند دخولها بعد أن تكون حدّقت فيها طويلاً».

حكمت الشهابي (غيتي)

صَعُبَ على كلّ مَن حدّث جان عبيد فيما بعد انتزاع اعتراف منه بندمه على تَفْويت الفرصة النّادرة تلك (وصوله للرئاسة). بَيْدَ أنّها مُذ ذاك ستحيله مُرشّحاً دائماً طبيعيّاً وجدّيّاً لرئاسة الجمهوريّة. خلافاً لكثيرين ممّن تحدّثوا معه في ما حصل ليل 23 تشرين الثّاني 1989 والسّاعات الأولى من فجر اليوم التّالي، إنّه أهدر حظّاً يُؤْتَى بِمِثله مرّة واحدة في الحياة، وصف ما حصل بمحطّة ليس إلّا، قاطعاً أنّه ليس خاتمة المسار: «ما أتى في المرّة الأولى يعود في أكثر من مرّة أخرى». أكّد أنّ دوره لا ينتهي: «كلّ أزمة تمرّ تدفع بي إلى الأمام أكثر وأخرج منها أقوى».

قدّم لابنته هلا تفسيراً عندما سألته بعد وقت طويل مع إخفاق محاولات وصوله لاحقاً إلى رئاسة الجمهوريّة أعوام 1998 و2004 و2007، هل غيَّر بنفسه قدره يوم وقف في طريقٍ ما كاد يكون في المرّة الأولى، فأجابها: «قدري محتوم. عندما يقتضي أن يصل سيصل. عندما تَحين السّاعة فإنّ أحداً لا يقف في وجهها».

راح يُؤكّد تالياً أنْ ليس له أن يتصرّف سوى أنّه مرّ وسيمرّ دائماً بـ«تجارب واختبارات وتَحَوُّلات لن تؤثّر عليّ لأنّ القدر هو باعِثُها».

لكنّه في أوقات مُتفاوتة عندما كان يخطر في باله التّحدّث عن ليل دمشق يومذاك وما دار داخل الجدران، وكتم جزءاً كبيراً منه، كان يستخلص من إعادة قصّ ما حدث أنّ الإرادة الإلهيّة لم تهبط في ذلك الأوان. من قبل - هو المخضرم في مُواكَبة العقود القليلة المُنصَرِمة - «ليس الخيار الشّخصيّ كافياً للوُصول إلى الرّئاسة، بل انتظار التّوقيع الإلهيّ».

لم يأتِ إليه اغتيال رينيه معوّض بساعته.

تمسّك بذريعة عدم قبوله برئاسة شروطها غير متساهلة صارمة لا تنسجم مع ما هو مطبوع عليه برفض العنف. ليس له أن يناقش في برنامج حكمه، المُعدّ سلفاً له منذ اليوم الأوّل في معزل عنه. ليس له إلّا التّسليم به. اختار أن يقول من حين إلى آخر في معرض التّبرير، أنّ ما فعله من أجل مصلحة لبنان وسوريا في آن، ولا يسعه سوى أن يكون في صلب اقتناعاته. كثيراً، عندما يُسأَل أو يأتي على ذِكْر الوقائع تلك مع المُحيطين به في عائلته وأصدقائه وزُوّاره وصحافيّين باستِعادتها بفضول، يُصرّح بأنّه لم يرفض الرّئاسة، إلّا أنّ إقرانها بشروط ليست في نظام مساره وعمره ستقوده حتماً إلى التّخلّي عن العرض، فلم يتردّد في القول: «كنت مُستعدّاً للمهمّة لا لدفتر الشُّروط». في ظنّه أنّه كان قادراً على حلّ المشكلة بالتّفاوض. تجمعه بميشال عون سنين طويلة ماضية دونما أن ينقطع عنه في ذروة استعار الحرب مع سوريا. بالحلّ السّلميّ وَحْدَه، في حسبانه، تنجح مهمّته كرئيس.

لم تكن هذه وجهة النّظر السّوريّة بمقاربتها العرض حينذاك. ما تَوَخَّته يتجاوز التّصرّف المثاليّ والانسجام مع الذّات إلى ما يدخل في صلب مصالحها وحساباتها في معالجة المُعضلة اللّبنانيّة: مُتَيَقّنة من أنّ ميشال عون الّذي رفض وساطات محلّيّة وعربيّة ودوليّة شتّى، لن يستسلم إلى الشّرعيّة الجديدة المُنبَثِقة من اتّفاق الطّائف ولن يسلّم الحكم. بِدَورها دمشق لن تدع فرصة استعادة دورها كاملاً في لبنان تفوتها. ذريعتها المُعلَنة لذلك فرضُها إنجاح تطبيق اتّفاق الطّائف وإنهاء الحرب في لبنان وتجريد الميليشيات من سلاحها، المعهود إليها وَحْدَها تطبيقه. لم تُرِد مُذ ذاك إبرام تَسْوِية جزئيّة مُكَمّلة للاتّفاق الأمّ باسترضاء ميشال عون لإلحاقه بالدّولة الجديدة. ذلك ما فسّر أنّها لم تفتح إلّا جزئيّاً ومُؤَقّتاً باب التّفاوض غير المباشر معه في انتظار نَيْلها تَفْويضاً باستخدام القوّة في الوقت المناسب.

كان من السّهولة بمكانٍ إيجاد جواب عن تصرّف جان عبيد ذاك مكابرة أو صدقاً مع الذّات أو تسليماً بقدره الّذي لم يحِن في حسبانه. كان عليه دائماً البحث عن الحجّة الدّامغة المُقنِعة الّتي تجعله مُحِقّاً في الدّفاع عمّا فعل - وكان يقتضي أن يفعل - كلّما فاتحَهُ أحد من أصدقائه في إضاعته حظًّاً نادراً. من أصدقائه مَن سمع من مسؤولين سوريّين - ربّما بَانَ ذلك شكليّاً لتبرير الذّهاب إلى خيار معاكس - خيبة أمل من امتناعه عن القبول بالعرض. بإظهار هؤلاء أسفهم لردّ فعله، قالوا إنّ اغتيال رينيه معوّض سمح لدمشق بأن تنفرد بقرار انتخاب الرّئيس اللّبنانيّ بلا شُرَكاء خلافاً لتسليمها بالرّئيس المغدور، فتُلْقي بثقلها لإنجاح مَن تعرفه عن قرب وتثق به كي تباشر من خلاله علاقة جديدة بين البلدَيْن لا تُشبِه أيًّا من المراحل السّابقة.

قيل إنّه سقط في فحص دمشق على نحو فاجأها، على الأقلّ في ما عبَّرت عنه أمام أصدقائها اللّبنانيّين. مأخذهم عليه من دون أن تتأثّر فيما بعد علاقته بالرّئيس، أنّه واحد من «المعلّمين» القدامى في إلمامه بالعقل السّوريّ وثقافة النّظام ولغته وفكّ ألغازه وأسراره وقراءة الباطن فيه والمُوحَى به. أكثر المُخيَّبين حكمت الشّهابي أكثر المُتَحَمّسين لانتخابه. كان ثاني الموارنة اللّبنانيّين من بين مُرشّحين جدّيّين، تبعاً لذلك الاستنتاج، يرسب في فحص سوريّ. سبقه ميشال إدّه إلى رفض الرّئاسة للسّبب نفسه، وهو اشتراط الانتخاب بِتَوَسُّل العنف.

بِدَوره، لمس نبيه برّي انزعاج دمشق بأنْ «أضاع (جان عبيد) فرصة عمره المؤكّدة والمضمونة كان وراءها الرّئيس السّوريّ بالذّات بأن فاجأه هو ردّ فعله». ذلك ما سيُبرّر ألا يتكرّر فيما بعد حظّ مُماثِل ويصل إلى ما كان يطمح إليه، «ما إنْ أهدر اللّحظة الجدّيّة الحقيقيّة المُتاحَة الّتي حسبها له السّوريّون. مع ذلك، في ما بعد، دعموا وجوده إلى جانبهم وساهموا في وصوله إلى مجلس النّوّاب وتعيينه وزيراً دونما استرجاع «الفرصة الضّائعة».


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من جهاز أمن الدولة يقومون بدوريات لضبط الأسعار وملاحقة المخالفين في بيروت وجبل لبنان (موقع أمن الدولة)

قطع طرق في بيروت على خلفية مداهمة أمنية

شهدت بيروت توتراً أمنياً، بعد ظهر السبت، على خلفية إشكال في منطقة ساقية الجنزير مرتبط بتسعيرة المولدات الكهربائية، تخلله إطلاق نار ووقوع إصابات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

لبنان: المفاوضات الجدية مع إسرائيل رهن بتثبيت وقف النار

في ظل الحراك القائم على خط المفاوضات الإسرائيلية – الأميركية، يسود ترقّب حذر في لبنان، مع تضارب المعلومات حول إمكان عقد لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو

كارولين عاكوم (بيروت)

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.


الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

وقال الجيش، في بيان، إنّ رقيباً في التاسعة عشرة من عمره قُتل في حادثة أصيب خلالها ضابط وأربعة جنود آخرين، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل (نيسان)، أعلن «حزب الله» مراراً تنفيذ عمليات تستهدف قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال الدولة العبرية، قائلاً إنها تأتي رداً على قيام الأخيرة بتنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير مبانٍ.


«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

​أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت في الضفة الغربية، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية والقروية وإقبالاً متوسطاً على التصويت، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة؛ وهي المدينة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات بالقطاع وسط معدلات مشاركة ضعيفة.

والانتخابات المحلية التي أجريت، السبت، هي الأولى وفق النظام الجديد الذي قررته السلطة الوطنية الفلسطينية، العام الماضي، ويُلزم المترشحين في كل الانتخابات ببرنامج «منظمة التحرير» أساساً للترشح؛ إذ تتعهد السلطة دولياً بمسار «حل الدولتين».

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح في قطاع غزة، وقال رئيس اللجنة رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي، إن «الانتخابات جرت لأول مرة وفق قانون انتخابات جديد؛ يعمل بنظام القائمة المفتوحة، والنظام الفردي، وشمل ذلك دير البلح وسط قطاع غزة، باعتبار الوطن الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة واحدة».

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب الحمد الله، فإن «عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56 في المائة، مقارنة بـ53.7 في المائة بانتخابات 2012، و53.8 في المائة في 2017، و58 في المائة في 2022».

وفيما سجلت محافظة سلفيت شمال الضفة، أعلى نسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، سجلت دير البلح بقطاع غزة أقل نسبة بواقع 23 في المائة.

«فتح» تعلن فوزاً كاسحاً

مع نشر النتائج النهائية، يوم الأحد، أكّدت «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الفوز الكبير لقائمتها «الصمود والعطاء» في الانتخابات، معتبرة، في بيان لناطق باسمها، أن النتائج تمثل «استفتاءً شعبياً مؤيداً» لنهج الحركة وبرنامجها السياسي وخياراتها.

وأعلنت «فتح» فوزها في غالبية الهيئات المحلية؛ أبرزها الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفي محافظة جنين وباقي المحافظات، وقالت إنها شكلت بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة 197 مجلساً بلدياً وقروياً بالتزكية؛ أبرزها بلديتا رام الله ونابلس الكبيرتان.

وجاء إعلان «فتح» بينما تغيب حركة «حماس» تماماً عن المنافسة؛ إذ لا تحظى بعضوية «منظمة التحرير» وكانت مشاركتها السابقة في الانتخابات تجري من دون الالتزام بكونها «ممثلاً شرعياً ووحيداً» للفلسطينيين، وفق ما تشدد السلطة.

وكانت «حماس» تشارك في الانتخابات التي كانت تجري في الضفة الغربية طيلة السنوات الماضية، إما عبر قوائم واضحة للحركة، أو من خلال دعم مرشحين آخرين غير رسميين؛ لكنها غابت هذه المرة عن الترشح، ولم تحشد للتصويت.

ومع غياب «حماس»، تنافست القوائم المدعومة من حركة «فتح» مع أخرى مستقلّة يقودها رجال أعمال، أو مرشحون من فصائل في «منظمة التحرير»؛ مثل «الجبهة الشعبية»، أو قوائم شكلتها عائلات كبيرة متحالفة، وفي بعض المناطق تنافست قوائم في المدينة الواحدة، تتبع كلها لحركة «فتح».

وتطالب «السلطة» حركة «حماس» بتسليم غزة والسلاح، والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تعلن ذلك حتى الآن.

عام الانتخابات

وتعدّ الانتخابات المحلية تحضيراً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والمجلس التشريعي، والرئاسة حال تقرر ذلك.

وروجت السلطة الفلسطينية للانتخابات المحلية في أعقاب «الإصلاحات» التي قالت إنها ستنفذها بوصفها جزءاً من «خطة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطاع غزة، وقال عباس، الأحد، إن «هذا العام سيكون عام الانتخابات».

وتعهدت السلطة بإجراء انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية بمركز تصويت بمدينة رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (د.ب.أ)

وأضاف مهنئاً بالانتخابات المحلية: «هذا النجاح يشكل انتصاراً جديداً للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتجسيداً حياً لتمسك شعبنا بخيار الديمقراطية». وأردف: «هذا الإنجاز يأتي في إطار عام الديمقراطية، الذي انطلق بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ويتواصل عبر الانتخابات المحلية، وسيتوج الشهر المقبل بعقد المؤتمر الثامن لحركة (فتح)، وانتخابات قيادتها، وصولاً إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ (صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله)».

إقبال ضعيف في غزة

وفي قطاع غزة، شهدت الانتخابات المحلية التي أقيمت بمدينة دير البلح فقط، إقبالاً ضعيفاً، في أول منافسات من نوعها منذ عقدين.

وأظهرت معدلات التصويت أن دير البلح كانت الأقل مشاركة على مستوى الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة)، حيث بلغت 23 في المائة.

وكان يحق لـ70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية التي أشرف عليها 292 مراقباً. وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، أن أي قائمة من القوائم الأربع المتنافسة لم تحسم النتيجة لصالحها.

ويتشكل المجلس البلدي لدير البلح من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات. وحصدت قائمة «نهضة دير البلح» 6 مقاعد، و«مستقبل دير البلح» 5 مقاعد، فيما حصلت القائمتان «السلام والبناء» و«دير البلح تجمعنا» على مقعدين لكل منهما.

ووفقاً لمصدر مراقب على الانتخابات، فإنه قانونياً «لا بد أن تكون هناك تحالفات لتشكيل المجلس البلدي الجديد»، والتقديرات تشير إلى أن القائمتين الأضعف ستدعمان أو على الأقل إحداهما، القائمة الأكبر «نهضة دير البلح» المدعومة من شخصيات قيادية في حركة «فتح».

وأقر جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، بأن «الوضع الميداني الأمني وما فرضته الحرب من آثار وأولويات بالنسبة للمواطن في غزة، من الأسباب المهمة التي أدت لانخفاض نسبة الاقتراع، بشكل غير متوقع».

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية يوم السبت (أ.ب)

واعتبر الخالدي في مؤتمر صحافي لإعلان النتائج، أن «مجرد مشاركة دير البلح في ظل هذه الظروف الصعبة التي يحياها قطاع غزة، بمثابة خطة مهمة في جوهر العملية الديمقراطية الحرة والنزيهة التي جرت في أجواء منظمة، من دون أي مشاكل تذكر رغم كل الأوضاع الصعبة».

وقال زين الدين أبو معيلق والفائز عن قائمة «نهضة دير البلح»، إن جميع القوائم المشاركة هدفها تحقيق الخدمات للمواطنين وتحسينها، مرجحاً أن تتم عملية تشكيل المجلس البلدي الجديد دون أي تعقيدات.

ورفض أبو معيلق كما آخرون من الفائزين، التعليق على قضية النسبة الضعيفة للمشاركين في الانتخابات. فيما أرجع أحدهم فضل عدم ذكر هويته، ذلك إلى الظروف التي تحيط بالسكان من حيث الوضع الاقتصادي والإنساني والأمني، معرباً عن أمله في أن تتحسن مشاركة سكان قطاع غزة في الانتخابات المقبلة.

وقال المحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح، ربما لا تعبر عن حقيقة وقناعة الفلسطينيين بضرورة الانتخابات، وهذا ما تدلل عليه النسب المتدنية للمشاركين»، مضيفاً: «قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم تكن هناك مشاركة فصائلية حقيقية، رغم أن هناك قوائم محسوبة أو مدعومة من حركة (فتح)، لكنها اتخذت الطابع العشائري».

ورجح إبراهيم أنه في حال شاركت «فتح» أو «حماس»، بشكل مباشر أو بدعم حقيقي لأي من القوائم، «لكانت نتائج المشاركة أعلى مما رأينا سواء على صعيد الحسم أو المشاركة».

وأضاف: «رغم عدم رضا الفلسطينيين عن النظام السياسي القائم؛ فهناك أمل لدى كثير من السكان بأن تستعيد حركة (فتح) دورها، وكذلك (حماس) ما زالت لديها القدرة على المنافسة، لكن الاعتقاد الأكبر أنها لن تحقق نتائج كما كانت في نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006».