أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

قال لـ«الشرق الأوسط» إن السعودية هي «الأخ الأكبر الذي لم يطعن لبنان يوماً في الظهر» (3 من 3)

TT

أمين الجميل: حاولت بطلب من صدام إبعاد شبح الحرب الأميركية على العراق

صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)
صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

كان عهد الرئيس أمين الجميل (1982 - 1988) صعباً وصاخباً. انقسم فيه اللبنانيون واشتد الصراع الإقليمي والدولي على لبنان. بدأ العهد بذيول الغزو الإسرائيلي لبيروت واغتيال شقيقه الرئيس المنتخب بشير. ولم تتأخر المحطات الصعبة.

في السنة التالية للغزو دعمت موسكو ودمشق رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط فكانت «حرب الجبل» التي أحدثت تمزقاً عميقاً في نسيج التعايش الدرزي - الماروني في الجبل. وفي 1984 دعمت دمشق رئيس حركة «أمل» نبيه بري فكانت «انتفاضة 6 شباط» (فبراير) التي غيّرت ميزان القوى بين الطوائف اللبنانية.

حدث آخر بالغ الدلالات وقع في 1983. فجر انتحاريان مقري «المارينز» و«الوحدة الفرنسية» في القوة المتعددة الجنسيات في لبنان فسقط مئات القتلى وانسحب الدعم الغربي. وعلى دوي تلك التفجيرات سيولد «حزب الله» الذي تحول في القرن الحالي اللاعب الأول في لبنان، خصوصاً بعدما ورث الدور السوري فيه. وفي عهد الجميل حاولت سوريا إبرام سلام الميليشيات في لبنان، لكن «الاتفاق الثلاثي» سقط فاتحاً الباب لمزيد من الحروب وجولات التفاوض.

لم يستسلم الجميل لمحاولات إخضاع عهده أو تطويقه. سعى إلى إبقاء علاقات لبنان الغربية حاضرة وحية، وعزز الروابط مع الاعتدال العربي، وأقام علاقات مع الرئيس صدام حسين والعقيد معمر القذافي وغيرهما، كما يروي في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط».

علاقة وثيقة بالسعودية وملوكها

سألت الجميل عن علاقته بالمملكة العربية السعودية، بدءاً بزيارتها برفقة والده بيار الجميل للقاء الملك فيصل بن عبد العزيز، فأجاب: «أنا فخور بهذه العلاقة. فخور أنني تعرفت على كل الملوك، من الملك فيصل إلى الملك سلمان. لا يوجد ملك منهم لم تكن تربطنا به علاقة حميمة، وأنا أفتخر بهذا. معظمهم كانت لديهم عاطفة خاصة تجاهي».

جمعت الجميل علاقات طيبة مع قادة السعودية منذ عهد الملك فيصل وحتى عهد الملك سلمان (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

ويضيف: «في هذه المرحلة التي يعيشها لبنان، السعودية هي الأخ الأكبر، السعودية هي التي لم تطعن لبنان يوماً في الظهر، السعودية الوحيدة التي كانت بالسراء والضراء إلى جانب لبنان، وتمده بكل الدعم المعنوي والاجتماعي والإنساني في كل المراحل. لا يمكنك أن تنكر هذا الشيء. لا يمكنك أن لا تقدر هذا الشيء. لا يمكنك ألا تحترم الناس الذين احترموك ودعموك في الظروف الصعبة».

ويروي الجميل واقعة طريفة لا تخلو من دلالة مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، قائلاً: «الملك سلمان، الله يطول بعمره، كنت مداوماً على زيارته عندما كان أمير الرياض. مكتب الرياض يعرفني تماماً، وكنت كلما ذهبت إلى المملكة، كان بديهياً أن أزور إمارة الرياض. مرة ذهبنا، وكان لدي موعد معه، أخذنا إلى الصحراء في مكان ما لديه نوع من مكان إقامة فيه. خيام على الطريقة القديمة، وبين هذه الخيم كان هناك مكتب له فيه (وسائل) اتصالات، آخر طراز الاتصالات، الإنترنت قبل الإنترنت. وبينما كنا نتحدث معاً، قال لي أنا يمكنني أن أتصل من هنا بأي كان وفي أي وقت. قلت له: هل يمكنني أن أتصل ببيتي؟ قال لي: لا. أنا استغربت فسارع إلى القول: لا يمكنك أن تتصل ببيتك لأن بيتك هنا. هكذا كان الجو حميماً، وأنا عندي تقدير واحترام».

وأضاف: «حقيقة، في الأيام الصعبة، دائماً كانت المملكة بجانب لبنان، وإلى حد اليوم، رغم العتب والزعل بالنسبة لنكران الجميل من بعض لبنان تجاههم والتصرف الذي حصل في ظل الهيمنة الإيرانية وغيره، بقيت المملكة عينها على لبنان، وقلبها على لبنان، وانتظرت أول فرصة حتى ترجع (إليه). وإذا كان اليوم لبنان ينعم بهذا الأمل الجديد فهو بفضل المملكة التي وضعت كل ثقلها ونفوذها لإعادة إيقاف لبنان على رجليه وتعزيز قدراته وبناء المؤسسات الدستورية لتستأنف دورها».

سيارة صدّام المصفحة

عن علاقته بالرئيس صدام حسين، قال الجميل: «كانت علاقة حميمة جداً، وأنا زرته مرات عدة في بغداد. في يوم، وكنت رئيساً جرت محاولة اغتيال ضدي، اتصل بي وقال لي: ماذا تفعل أنت؟ يقولون لي إن أمنك يحتاج إلى شدشدة؟ قلت له: نفعل ما بيدنا، والله هو الذي يحمي. قال: لا، هذا ليس عملاً، سأرسل لك سيارتي. في اليوم التالي تصل سيارته وهي مصفحة بالكامل، تصفيح قوي من الداخل والخارج. وصلت بالطائرة. لترى كيف كانت لفتته واهتمامه بأمني».

استمرت هذه العلاقة حتى اللحظات الأخيرة لحكم صدام، حين وصل الجميل طلب فاجأه. يتذكر: «بقيت العلاقة حميمة إلى درجة أنه عشية الحرب (الغزو الأميركي) بعث لي خبراً أنه يريد رؤيتي، فذهبت إلى بغداد. قال لي الأمور ليست سوية بيننا وبين الأميركيين، وهناك صدام معهم، ما رأيك؟ أنت لديك علاقة جيدة معهم، هل نستطيع أن نفهم شيئاً منهم؟ ماذا نفعل؟ قلت له إن هذه قصة كبيرة، أكبر مني. لدي علاقات جيدة، لكنها ليست على مستوى، عندما كنت رئيساً كانت على مستوى الرؤساء. الآن لدينا علاقات أقل. قال لي: حاول. ذهبنا إلى أميركا، واجتمعنا مع بعض الناس. وكان من المهم ألا نعقد اجتماعاً مع المسؤولين المباشرين، أي الفريق الرئاسي، لئلا يسلط الإعلام الأميركي الضوء علينا ويحولها إلى قضية. كنا نمشي على رؤوس أصابعنا لنصل إلى نتيجة.

صدام مستقبلاً الجميل في بغداد (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

لي قريب في أميركا من آل الجميل، من أهم المحامين الذين حصلوا على رقم قياسي في كتاب غينيس. من أهم المحامين في أميركا، ولديه علاقات. تحدثنا معه، وهذه قضية عائلية لا تحدث جلبة، وهو كانت علاقته جيدة مع جيمس بايكر الذي كان وزيراً للخارجية وتولى حقائب وزارية عدة في أميركا. عقدنا اجتماعاً معه، وحينها لم يكن في الإدارة ومتقاعداً تقريباً لكن لديه كل العلاقات. كنا نحاول ألا نتسبب بأي إحراج للإدارة.

كان هذا قبل الحرب الكبيرة على العراق. عرضت عليه الموضوع، فقال لي: دعنا نرى ماذا يمكننا أن نفعل. بعد ثلاثة أو أربعة أيام، أنا بقيت في هيوستن حيث مركزه، عقدنا اجتماعاً وقال لي عندي باب نور، هناك شيء يمكننا أن نقوم به، ابق معنا على الخط. وكان هو وزير مالية، ويوقع على ورقة الدولار. ذهب وراء مكتبته وأحضر رزمة دولارات، من فئة الدولار الواحد، وقال لي: لنر مدى حظنا في الموضوع، وقال لي: متى ولدت؟ قلت له: في 1942. أي تاريخ؟ قلت له: في كانون الأول، كانون الثاني. ذهب إلى دولاراته ونظر إذا كان بينها رقم يتناسب مع تاريخ ميلادي. وجدها، وقالي لي: هذا هو. وعندي الدولار موجود هنا. فقال لي عندنا حظ، هذا الدولار رقم عيد مولدك، والله يوفقنا. فقلت له: هذا الدولار أريده، وموقعاً منك بخط يدك. وقع عليه وأعطاني إياه، على أساس أنه دليل خير. وأكملنا، لكن لسوء الحظ، وكما يقولون سبق السيف العزل، والأميركيون كانوا حددوا موقفهم وانتهت القصة. حاول ولم ينجح، وهذه القصة لن نتوسع فيها، دخل فيها الفاتيكان ومجموعة عناصر، وكانت هناك محاولات عدة نسقناها بعضنا مع بعض لكي نصل إلى نتيجة، لكنها لم تعط نتيجة، ولكن المهم، أن التجربة أو المهمة التي قمنا بها بناء على طلب صدام حسين.

هذا بالنسبة إلى صدام، بقيت العلاقة جيدة جداً مع صدام ومع فريق صدام، كان وزير الخارجية طارق عزيز صديقاً لي، كانت العلاقة ودية جداً معه. ذهبت مرات عدة إلى العراق، في الحقبة التي كان صدام رئيساً فيها، وكان مهتماً أن يساعد في شيء. لكن وقتها، علاقته مع الأسد لم تكن جيدة. كان متحفظاً في كلامه. أكيد لم يكن هناك ود بينهما. هذا مع صدّام حسين، والسيارة لا تزال موجودة. السيارة مرسيدس موجودة، لكن الكراهية مع الأسد كانت أكيدة ومتبادلة. السيارة (موديل) سنة 80، حافظت عليها بيضاء، وتصفيحها رقم واحد، أي أهم تصفيح، ومازلت محتفظاً بها. كانت مشاعره جيدة تجاه لبنان وربطته علاقات بجهات لبنانية بينها العماد ميشال عون قائد الجيش إبان ولايتي. والحقيقة أنه أرسل مساعدات بكمية كبيرة».

تأمين صدام وشبيهه!

سألت الجميل عن أسلوب صدام واستقباله لضيوفه، فأجاب: «قريب جداً إلى القلب. عندما تكون معه رأساً برأس، لا يوجد بروتوكول. قريب إلى القلب. متحدث، متحدث مهم، وعندما تكون معه تنسى أنه هو صدام حسين الأسطورة أو التاريخ. ودود جداً عندما يكون لديه ثقة بالشخص. وكان الطريف أنك لتصل إليه هناك كثير من التمويه الأمني. قصة كبيرة، تلف مائة لفة ودوران، ثم تصل إلى مكان وتعتقد أنك وصلت إلى صدام حسين، ثم تتبين أنك وصلت إلى شبيه صدام حسين، وليست له علاقة به. ثم تأتي سيارة أخرى وتأخذك إلى مكان آخر، ثم تدخل إلى بيت متواضع جداً فتجد صدام حسين فيه. الاجتماع في بيت متواضع، في منطقة واسعة، بعيدة عن المطار، فيها مراكز كثيرة، وتظن أنه هذا المركز الرئيسي ثم يتبين أنه محطة، ثم تذهب إلى المحطة الأخيرة وتجد البيت المتواضع. ليس متواضعاً كثيراً لكنه عادي وليس بمستوى القصور. الإجراءات الأمنية صارمة جداً».

وعن الغزو العراقي للكويت، قال: «قصة الكويت قديمة في العراق كما هي قصة لبنان في سوريا. لكن التذرع بروايات تاريخية لا يبرر أبداً الاعتداء على سيادة الدول أو شطب الحدود الدولية المعترف بها... سألتني عن علاقتي الشخصية مع صدام حسين وأجبتك بأنها ممتازة وأنه كان يريد مساعدة لبنان. موقفه هذا لم يمنعنا من الوقوف بقوة ضد غزو الكويت البلد الذي ربطته دائماً علاقات ممتازة مع لبنان. فكما رفضنا سياسة الأسد الرامية إلى ضم لبنان إلى سوريا، رفضنا سياسة صدام الرامية إلى ضم الكويت إلى العراق».

أمين الجميل خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل (الشرق الأوسط)

الجميل والقذافي... من القطيعة إلى الصداقة

بدأت علاقة الجميل مع العقيد معمر القذافي في مناخ من التوتر والقطيعة لكنها تحسنت لاحقاً إلى درجة صار معها الرئيس اللبناني يشارك في معالجة مشاكل الزعيم الليبي وخيمته الجوالة. سألته فروى: «حين توليت الرئاسة كانت لدي ملفات، لا سيما ملف إيران وملف ليبيا. لم يكن هناك حديث عن مشاركة ليبية في قوات السلام العربية التي أرسلت إلى لبنان. بادرت ليبيا وبالتفاهم مع سوريا إلى إرسال وحدة عسكرية. دخلت وهذا شيء ضد المنطق وضد القانون وضد البروتوكول الدبلوماسي.

عندما تسلمت (الرئاسة) بعثت رسالة مفادها أن هذا الوضع شاذ ومناف للدستور اللبناني ولبروتوكول جامعة الدول العربية، وطالبت القذافي بسحب الوحدة. لم يتجاوب، لا بل في الإعلام كان هناك موقف عدائي للبنان. أخذت قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا. قطعنا العلاقات الدبلوماسية وسحبنا السفراء. هذا في بداية العهد.

مرت الأيام، وكانت تربطني علاقة حميمة جداً وودية جداً مع الملك الحسن الثاني، ملك المغرب، وكان يصر علي حين أكون في المنطقة أن أزوره لتناول عشاء على انفراد. إنها جزء من هذه السفرات أو هذه الرحلات واللقاءات، غير السرية، لكن البعيدة عن الأضواء. تماماً بلا إعلام. اتصلت بالملك الحسن الثاني وأبلغته أنني موجود، فقال لي: تفضل تعال نتعشى معاً في اليوم الفلاني. أثناء العشاء، والملك الحسن الثاني رجل مهذب جداً وخبير في الأصول، غادر العشاء مرتين. استغربت إذ لم يكن ذلك من عادته. في المرة الثانية عاد ضاحكاً وقال لي: معمر القذافي على الهاتف. اتصل بي مرتين ويريدك أن تذهب إليه. قلت له: يا عمي الدم للركب بيننا وبينه وهناك قطع علاقات دبلوماسية. وكذلك كانت قضية إخفاء الإمام موسى الصدر ساخنة، كيف أذهب إلى هناك؟ قال لي: معك حق، وأنا اختبرت القذافي وأعرف كم يمكن أن يضر، لكنني أنصحك، ولدينا تجربة معه وطبعنا العلاقات، وكان صادقاً، ومتى ما اتفقت معه يكون صادقاً. أنا أنصحك كرمى للبنان أن تقيم هذه العلاقة معه، وأنا أضمنها لأنني أخذت ضمانات من القذافي أنه سيفتح صفحة جديدة مع لبنان، وبصورة خاصة معك.

أصر علي الملك، فقلت له: كيف سنبررها؟ عندي دولة وعندي حكومة وعندي مجلس نواب؟ قال لي: نجريها بسرية تامة ولا يعرف أحد بها. طائرة تحط في ليبيا بمطار عسكري لا يعرف أحد، تلتقي القذافي فإذا اتفقتما اتفقتما وإذا لا فكل شيء يبقى على حاله، وتغادر. وأنا سأرسل معك وزير كبير بطائرتي حتى يكون كل شي مضموناً وبأمان.

ذهبنا في طائرة مغربية وطائرتي «الميدل إيست». على أساس أن العاهل المغربي هو الضامن لكل شيء. وصلنا إلى المطار واستقبلني (القذافي) وكان في قمة اللطف والتهذيب والمودة. تحدثنا مطولاً، طوينا الصفحة؟ قال لي: نعم، انتهت، ربما حصل خطأ، وما تريدنا أن نقوم به سنفعل، المهم أن تكون العلاقة جيدةً معكم، وكيف يمكننا أن ندعم لبنان في الأوساط العربية والمحافل الدولية نحن مستعدون. (قلت له) كثر خيرك. صعدنا إلى الطائرة وعدنا إلى بيروت. غبنا مدة الهواء، مدة خمس أو ست ساعات أي مشوار الوصول إلى بيروت. ماذا حدث في هذه الوقت؟ في هذا الوقت تبث الإذاعة الإسرائيلية: طائرة الرئيس اللبناني تركت المغرب باتجاه بيروت واختفت في الجو. كان الاتفاق أن الزيارة سرية. إطفاء أضواء في المطار في ليبيا وتختفي الإشارات كلها، ثم تأتي الإذاعة الإسرائيلية وتذيع أنه من الأرجح أن الرئيس الجميل اختطف في الأجواء الليبية. وقامت القيامة ووصل الخبر إلى بيروت وصار هناك استنفار كامل، رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ووزير الخارجية والمخابرات، حصل اضطراب كامل. قامت القيامة في بيروت وعقدوا اجتماع حرب في القصر الجمهوري، جاء رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب.

جرت اتصالات مع سفارة أميركا وكلام مفاده نريد أن نقدم شكوى لدى الأمم المتحدة، وشكوى لدى الجامعة العربية. وطلب اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية. وسنأخذ إجراءات فورية بحق ليبيا، لأن هذا ليس منطقياً وليس معقولاً. وجاء واحد من الحضور، وقال لنبلغ زوجة الرجل، نحن نقوم بكل هذه الإجراءات وستصدر في الإذاعات والأخبار، فلنبلغها بأننا نقوم باللازم.

اتصلوا بزوجتي وقالت لهم، بعد فترة تفكير: أنا لست خائفة. أعرف زوجي عنده «نتعات» (مفاجآت) من هذا النوع ويجب أن يكون هناك شيء للخير وراء ذلك. لدى زوجتي إلهام، تستكشف ذهنياً. قالت: أنا لست خائفة على أمين ولا أرى سوءاً، ولنستمر في البحث. اتصلوا بليبيا ولم يكن لدى أحد خبر.

(وزير الخارجية اللبناني الأسبق) إيلي سالم اتصل بوزير خارجية ليبيا فقال له إنه ليس لديه خبر. اتصلوا بالمغرب وجاءهم رد مشابه. في الأخير إيلي سالم أخذ قراراً بالاتصال بالملك مباشرة. لحسن حظنا، استجاب الملك بعدما علم بخطورة الموضوع، وقالوا له لا تشغلوا بالكم والرئيس الجميل بألف خير وسيصل إلى بيروت بعد ساعة. طائرتي معه تواكبه ومعه وزير من عندي. أهنئكم كانت الزيارة ناجحة إلى ليبيا وإن شاء الله تكون بينكم أطيب العلاقات.

علاقة الجميل بالقذافي انتقلت من المواجهة إلى الصداقة (أرشيف الرئيس أمين الجميل)

هذه قصة ليبيا، ومن وقتها أصبحت بيني وبين القذافي علاقات وكل فترة يريدني أن أزوره بالقوة، وأزوره. ولهذا لعبت دوراً في القمة العربية في الجزائر، خصوصاً أن مقعد لبنان مجاور لمقعد ليبيا. طالب القذافي العرب بإصدار بيان استنكار للغارة الأميركية على طرابلس والتي قال إنها قتلت ابنته بالتبني. أكد أنه لن يغادر مقعده ما لم يصدر بيان من هذا النوع.

أنا كنت بجانبه، وقلت له: سأجد حلاً. ما رأيك تعد ليبيا بياناً تستنكر فيه ما حصل، ونطلب أن يكون هذا البيان جزءاً لا يتجزأ من البيان الختامي، أي يضم إلى البيان الختامي. اقترحت هذا المخرج لأن دولاً عربية عدة لم تكن في وارد تضمين البيان الختامي للقمة إدانة لأميركا. سألت القذافي إن كان موافقاً، فأجاب: شرط أن تكتب أنت البيان وتضمنه انتقاداً لأميركا واستنكاراً للغارة. وكتبت له بياناً طويلاً عريضاً وعجبه كثيراً، هذا كلام هذا كلام. قلت للرئيس (الجزائري الراحل) الشاذلي بن جديد أن الأخ معمر موافق ووجدنا وليس هناك سوى إضافة هذا البيان ويكون جزءاً من أعمال القمة. وافق الجميع على المخرج. كان إقناع القذافي قصة كبيرة. هذا نوع من المحطات.

واجهتنا مشكلة أخرى. جاء العقيد مع خيمته وأصر على الإقامة فيها وليس في الفندق. عارض الأمن الجزائري طلبه لأسباب أمنية وتبنى الرئيس بن جديد الموقف نفسه. لوّح القذافي بمغادرة القمة وتوليت أنا حل الإشكال وفي النهاية أرسل القذافي الخيمة إلى طائرتي كهدية منه».

لم يتحدث القذافي خلال لقاءاته مع الجميل عن قصة إخفاء الإمام الصدر خلال زيارته إلى ليبيا. ويقول الجميل إن معلومات وردت في تلك الفترة ومفادها «أن المخابرات السورية لعبت دوراً في إخفاء الصدر بسبب وجودها في المطارات الليبية منذ تولي القذافي السلطة. وقيل إن الحشود المليونية التي كانت تشارك في مناسبات الصدر أزعجت النظام السوري لأن رؤية الصدر لدور الشيعة في لبنان لا تتوافق مع مشروعه».

أكد الجميل أن لا مرارات لديه على رغم الصعوبات الهائلة التي اصطدم بها عهده. قال إنه «مرتاح الضمير لتمسكي بالثوابت الوطنية وبذلي كل جهد ممكن». بدا شديد الارتياح لتجربة نجله سامي النائب ورئيس «حزب الكتائب»، مشيراً إلى «اجتماع الشجاعة والنضج في إطلالاته». أشاد بتجربة الرئيس جوزيف عون يوم كان قائداً للجيش وبالمسيرة المهنية لرئيس الحكومة نواف سلام متمنياً النجاح للعهد الحالي في لبنان.


مقالات ذات صلة

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

خاص جان عبيد (يسار الصورة) خلال لقاء جمع (من اليمين) حافظ الأسد وأمين الجميل وإيلي سالم وعبد الحليم خدام (أرشيف جان عبيد)

هكذا أسقطت سوريا «كامب ديفيد اللبناني» مع إسرائيل

تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً جديداً من كتاب «جان عبيد... ستة عقود في الوطن» وفيه تفاصيل إسقاط سوريا ما سمته اتفاق كامب ديفيد اللبناني مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال أحد لقاءاته مع جان عبيد (أرشيف جان عبيد)

خاص رفض جان عبيد دخول السوريين قصر بعبدا... فسقط رئاسياً في امتحان الأسد

كان جان عبيد، السياسي اللبناني المعروف، قاب قوسين من رئاسة الجمهورية عام 1989. رفض السماح بأن يحتل الجيش السوري قصر الرئاسة اللبنانية... فسقط في الامتحان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص كانت العلاقة بين الجميل وخدام بالغة التوتر (غيتي) p-circle 01:31

خاص الجميل لـ«الشرق الأوسط»: خدام كان عصا يحركها الأسد... وأساليبه خبيثة ولئيمة

أمين الجميل يروي لـ«الشرق الأوسط» كيف استخدم حافظ الأسد عبد الحليم خدام لترهيب اللبنانيين، وكيف اخترق رفيق الحريري النظام السوري.

غسان شربل (بيروت)
خاص الأسد والجميل خلال قمة لحركة عدم الانحياز في الهند (غيتي) p-circle 07:13

خاص أمين الجميل: نظرة الأسد إلى لبنان كانت شبيهة بنظرة صدام إلى الكويت

قال الرئيس أمين الجميل لـ«الشرق الاوسط» إن حافظ الأسد كان يرى لبنان «خطأً تاريخياً»، وكشف عن ضغوط الأسد عليه ومحاولات اغتياله وضلوع دمشق في مقتل شقيقه بشير.

غسان شربل (بيروت)

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

قآاني يضبط إيقاع الردود العراقية على ملف «حصر السلاح»

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

في وقت تواصل الحكومة العراقية جهودها لضمان حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية فقط، تسرّبت معلومات عن عدم تمكن قائد «فيلق القدس» الإيراني، إسماعيل قآاني، من تحقيق اختراق خلال زيارته الأخيرة لبغداد، لجهة التأثير على خطط رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لنزع سلاح «الفصائل المسلحة» مع نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.

في المقابل، نجح المسؤول الأمني الإيراني، كما يبدو، في ضبط إيقاع القوى السياسية الشيعية لجهة كيفية التعامل مع هذا الملف الحساس، وهو أمر تجلَّى في تصاعد الأصوات الرافضة تسليم السلاح.

وبات مراقبون سياسيون في العاصمة العراقية يربطون بين عزم رئيس الحكومة على إتمام مهمة حصر السلاح كاملة، مع انسحاب آخر جندي أميركي من العراق بنهاية سبتمبر المقبل، طبقاً للتعهد الذي ألزم نفسه به، وبين حاجة طهران للمناورة في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة وحاجتها إلى ربط بعض أذرع ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، ومنها الفصائل العراقية، مع مجريات المفاوضات المتعثرة بين الطرفين.

وفي سياق ربط الوقائع مع بعضها، يبدو أن الزيارة الأخيرة التي قام بها قآاني للعراق، وهي زيارة غير معلنة كالعادة، رسمت ملامح المرحلة المقبلة لجهة كيفية التعامل مع ملف الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت ذريعة «عقائدية السلاح».

وتُطالب قوى وأطراف سياسية وعقائدية مرتبطة بإيران برفض الشروط الأميركية على إيران والشروط الأميركية على الحكومة العراقية فيما يخص نزع سلاح الفصائل، على أساس أن ذلك جزء من عملية تجريد طهران من مصادر قوتها، سواء في داخل إيران أو مع أذرعها في عدد من دول المنطقة، ومنها العراق.

جانب من أحد اجتماعات «الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إكس)

وفيما تُحاول قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، المنقسمة أصلاً على نفسها، مسك العصا من الوسط في العلاقة بين الزيدي والفصائل المسلحة من جهة، وبين الزيدي وإيران من جهة ثانية، يبدو موعد الثلاثين من سبتمبر المقبل من أكثر المواعيد صعوبة في العراق في الفترة المقبلة. ويختبر هذا التاريخ ما بات يُطلق عليه في العراق مصطلح «الحاكمية الشيعية» منذ عام 2003 حينما ساعد الأميركيون، بعد إسقاطهم نظام صدام حسين، القوى الشيعية في الوصول إلى السلطة ببغداد. وفي السنوات اللاحقة، تحوّل بعض القوى الشيعية المسلحة إلى طرح مسألة شرعية «مقاومة المحتل»، بذريعة أن عودة الولايات المتحدة للعراق عام 2014، بعد انسحابها منه عام 2011، تُمثّل احتلالاً جديداً للبلاد.

وفي هذا السياق، وفي ضوء التوتر الجاري حالياً بين مشروع رئيس الوزراء الهادف إلى حصر السلاح بيد الدولة وعدم قبوله بأي ثنائية مسلحة بعد موعد سبتمبر المقبل، ومشروع الفصائل الرافضة تسليم سلاحها تحت حجة «المقاومة»، يقول سياسي شيعي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القول بالخطر الذي يواجه نظام الحكم الذي نشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، في حال جرى نزع سلاح القوى المسلحة، إنما هو كلام يراد به تخويف المواطن العراقي البسيط الواقع حالياً بين مطرقة قوى السلاح بذريعة المقاومة وسندان الضغوط الأميركية التي يمكن أن تصل إلى حد حرمان العراق من مبيعات نفطه التي تذهب إلى الخزانة الأميركية، وتأتي إلى العراق بالطائرات لتوزيعها كرواتب».

ويشير هذا السياسي، وهو قيادي حزبي سابق، إلى «فشل قوى المحاصصة السياسية والطائفية في بناء دولة بعد عام 2003»، موضحاً أن التقصير في هذا المجال «لا يقتصر على الشيعة وحدهم بل أيضاً على أبرز شريكين لهم، وهما الشريك السني والشريك الكردي».

ويتابع أن «التركيز على ما يُسمى الحاكمية الشيعية يأتي من منطلق أن الشيعة هم الأغلبية السكانية، ومن ثم الأغلبية السياسية الحاكمة في البلاد»، لافتاً إلى أن أصحاب هذا الرأي يعدّون أن مخاطر نزع السلاح تواجه الشيعة تحديداً، لا الأكراد ولا السنة. ويرى هذا السياسي الشيعي أن طرح الأمر من هذا المنظور «يعقّد على الحكومة الإجراءات الخاصة في مسألة حصر السلاح».

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

إلى ذلك، يُخطط رئيس الوزراء علي الزيدي للدخول إلى أهم معاقل فصيل «كتائب حزب الله» بالعراق، وهي منطقة «جرف الصخر» بمحافظة بابل. ويسيطر على هذه المنطقة في شكل تام مسلحون مرتبطون بـ«الحرس الثوري» الإيراني. وتحرك حكومة الزيدي لاستعادة السيطرة على «جرف الصخر» جزء من الإجراءات الخاصة بحصر السلاح، وإعادة نازحي هذه المنطقة إلى ديارهم.

وقادت «منظمة بدر»، بزعامة هادي العامري، مهمة الوقوف في وجه رئيس الوزراء في هذا المجال. فبعد يوم من بيان لرئيس المكتب السياسي للمنظمة رفض فيه تسليم السلاح بالقوة، دعا المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، التابع لـ«منظمة بدر» نفسها، الزيدي إلى ما سمّاه «ترك اللعب للكبار» في مساحة حصر السلاح.

ولم ترد الأوساط المقربة من رئيس الوزراء على ما بدا تحدياً واضحاً لأعلى سلطة حكومية في البلاد. لكن ردود الفعل على كلام المسؤول الأمني في مجلس محافظة بابل، والذي ورد في مقطع فيديو متداول على نطاق واسع، عكس إشكالية «الدولة واللادولة» في العراق. وتركزت غالبية ردود الفعل على أهمية إنزال أقصى العقوبات بحق الأصوات التي ترى أن «صوت السلاح الموازي» أقوى من الدولة التي يُفترض أنها وحدها من يحتكر السلاح.

ويأتي ذلك في وقت أكد رئيس «خلية الإعلام الأمني»، الفريق سعد معن، أن هيبة الدولة لا تُبنى بالتصعيد وإنما بقدرتها على تطبيق القانون، مشيراً إلى أن الحكومة العراقية تعمل على توحيد القرار الأمني، وجعل القوة العسكرية تحت مظلة الدولة بوصفها قوة واحدة، وفق ما أوردت «وكالة الأنباء العراقية (واع)».

وقال الفريق معن إن «موعد 30 سبتمبر ليس مصدر قلق، إذ إن قنوات التفاهم والمسارات الدستورية والقانونية والإدارية مفتوحة أمام الجميع، مع تثمين بطولاتهم السابقة في مناهضة عصابات (داعش) الإرهابية، في حين تقتضي مصلحة العراق الحالية المضي في المسار القانوني الصحيح».

وأضاف أن «قرار السلم والحرب محصور بيد الدولة، ولا يمكن القبول بتعدد القرارات أو خلق قوى موازية للقوات الرسمية؛ فالبلاد تحكمها دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، مع حفظ الاحترام للجميع».


«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
TT

«مؤامرة» الإطاحة بنتنياهو شملت جنرالات ومعارضين وأحزاباً عربية

اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)
اجتماع سابق للمعارضة الإسرائيلية لإسقاط حكومة نتنياهو يضم (من اليمين) ليبرمان ولبيد وساعر (الشبكات الاجتماعية)

كشفت معلومات جديدة أدلى بها وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عن أن المحاولة التي جرت للإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في صيف عام 2024 لم تكن تقتصر على تحرك داخل حزب «الليكود»، وإنما جرت بالتنسيق مع أطراف واسعة في معسكر المعارضة، بما في ذلك الأحزاب العربية، وبمشاركة شخصيات عسكرية وسياسية بارزة.

وحسب ساعر، كانت الخطة تهدف إلى تشكيل حكومة أقلية بدعم من الأحزاب العربية، بحيث يكون منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، جزءاً من الترتيب، فيما تقدم أيمن عودة وأحمد الطيبي بدعم عبر الامتناع عن التصويت. إلا أن نتنياهو تمكن من إحباط الخطة من خلال توسيع ائتلافه وضم ساعر وكتلته إليه، ليرتفع عدد مقاعد الائتلاف من 64 إلى 68 مقعداً.

وكان الصحافي اليميني المقرب من نتنياهو، عميت سيغال، قد كشف في نهاية الأسبوع الماضي عن جانب آخر من المحاولة، عندما تحدث عن تحرك داخل حزب «الليكود» للإطاحة بنتنياهو بعد أشهر قليلة من هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال سيغال إن وزير الاقتصاد نير بركات قاد هذا التحرك، مستفيداً من علاقاته الواسعة ومن نفوذه السياسي، بعد أن شغل سابقاً منصب رئيس بلدية القدس لمدة عشر سنوات.

إفشال قانون الموازنة العامة

جلسة الكنيست يوم 16 يوليو قبل بدء العطلة التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر (أ.ف.ب)

ووفقاً للرواية، أجرى بركات اتصالات مع وزراء ونواب في محاولة لإقناعهم بضرورة الإطاحة بنتنياهو، عبر إفشال قانون الموازنة العامة، إذ ينص القانون على سقوط الحكومة في حال عدم إقرار الموازنة.

كما حاول بركات، حسب سيغال، استمالة نواب من خارج الائتلاف، وأنشأ جهازاً من المستشارين الذين عملوا على تنفيذ الخطة. وكان الهدف أن يحل بركات محل نتنياهو رئيساً للحكومة ورئيساً لحزب «الليكود»، وقد تمكن من حشد نحو ثلث أعضاء الكتلة البرلمانية.

إلا أن المحاولة تعثرت بسبب خلافات داخلية حول الشخصية التي ينبغي أن تخلف نتنياهو، إذ رفض قسم من المشاركين أن يكون بركات هو البديل.

وفي تلك الأثناء، أبلغ الوزير حاييم كاتس نتنياهو بالخطة، فباشرا العمل بهدوء لإفشالها، وهو ما تم بالفعل. لكن رواية ساعر، التي عرضها خلال مقابلة مع قناة «كان 11» التلفزيونية ليلة السبت - الأحد، تضيف بعداً آخر إلى القصة، إذ يقول إن التحرك ضد نتنياهو لم يبدأ فقط من داخل «الليكود»، وإنما تزامن مع صراع سياسي وعسكري واسع حول إدارة الحرب والمفاوضات المتعلقة بالرهائن الإسرائيليين لدى «حماس».

محور القيادات العسكرية

رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقون (من اليسار) أفيف كوخافي - غادي أيزنكوت - غابي أشكينازي - بيني غانتس خلال جنازة هَدار غولدِن (أرشيفية - أ.ب)

وحسب ساعر، بدأت العملية في شتاء عام 2024 بمبادرة من الجنرالين بيني غانتس وغادي آيزنكوت، اللذين كانا في الحكومة آنذاك. ويرى ساعر أن غانتس وآيزنكوت شكّلا، عملياً، محوراً من القيادات العسكرية السابقة في مواجهة القيادة السياسية.

وكان ساعر يومها جزءاً من حزب غانتس وآيزنكوت، لكنه يقول إن غانتس رفض اختياره ممثلاً للحزب في هيئة إدارة الحرب، واختار آيزنكوت بدلاً منه. كما جرت محاولات لضم أفيغدور ليبرمان إلى الائتلاف، لكنه اشترط المشاركة في إدارة الحرب، وهو ما عارضه غانتس وآيزنكوت أيضاً.

ويربط ساعر هذا الموقف بما يعتبره توجهاً لدى غانتس وآيزنكوت إلى إعطاء الأولوية لمواقف المؤسسة الأمنية. ويقول إن هذا التوجه كان يلقى دعماً من وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ومن عدد من كبار قادة الأجهزة الأمنية، بينهم رئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، ورئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع.

وحسب رواية ساعر، كان هؤلاء يتفقون على سياسة تقوم على إنهاء الحرب والدفع نحو صفقة لتبادل الأسرى، في مقابل موقف نتنياهو وعدد من وزرائه. وفي يونيو (حزيران) 2024، انسحب غانتس وحزبه من الحكومة، لتدخل الساحة السياسية مرحلة جديدة من التحركات ضد نتنياهو.

دعم الأحزاب العربية

منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة (يمين) يوقِّع اتفاق ائتلاف حكومي مع يائير لبيد (يسار) ونفتالي بنيت في تل أبيب يونيو 2021 (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، يقول ساعر إن غانتس وآيزنكوت سعيا إلى حشد دعم الأحزاب العربية لأي حكومة بديلة. فقد جرى، وفق روايته، الاتفاق مع منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة»، على الانضمام إلى الحكومة، فيما طُلب من أيمن عودة وأحمد الطيبي دعمها من الخارج، من خلال امتناع كتلتيهما عن التصويت.

في تلك المرحلة، انشق ساعر عن حزب غانتس، مبرراً خطوته باعتراضه على ما اعتبره نكثاً بالوعود، وبأنه لم يكن مقتنعاً بالمشاركة في تحرك لإسقاط رئيس الحكومة أثناء الحرب. وشكّل كتلة مستقلة من أربعة نواب.

وهنا، حسب ساعر، تدخل نتنياهو مستفيداً من خبرته في إدارة التحالفات الحزبية. فعرض على ساعر العودة إلى «الليكود» بوصفه أحد قادته المستقبليين، ومنحه حقيبة الخارجية، كما ضمن له الاستمرار في الكنيست (البرلمان) خلال الدورة المقبلة. وحصل شريكه زئيف إلكين بدوره على حقيبة وزارية ثانية.

وبانضمام ساعر وكتلته إلى الائتلاف، ارتفع عدد مقاعد الحكومة إلى 68 مقعداً، ما جعل خصوم نتنياهو عاجزين عن تأمين العدد اللازم لإسقاط الحكومة. وبذلك، انتهت محاولة الإطاحة به إلى الفشل.

سيناريو قد يتكرر

ولا يستبعد هذا السيناريو، وفق المعطيات التي يطرحها ساعر، أن يعود إلى الواجهة بعد الانتخابات المقبلة. فإذا صدقت استطلاعات الرأي التي تتوقع خسارة نتنياهو، فقد يحاول آيزنكوت تشكيل حكومة أقلية من دون الاعتماد على الأحزاب العربية في البداية، ثم يضم «القائمة العربية الموحدة» لاحقاً، مع التوصل إلى تفاهم مع «الجبهة» لدعم الحكومة من الخارج.

ويرى قادة «الليكود» أن طرح هذا السيناريو يخدم حملتهم الانتخابية، لأنه يسمح لهم بتقديم الصراع السياسي باعتباره امتداداً لما يسمونه «المؤامرة المستمرة ضد نتنياهو»، وتصوير أي حكومة بديلة محتملة على أنها قد تعتمد على دعم الأحزاب العربية، وهو ما لا يريده الناخب الإسرائيلي.


وفد «حماس» يبحث في مصر إلزام إسرائيل بخريطة الطريق

خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)
خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

وفد «حماس» يبحث في مصر إلزام إسرائيل بخريطة الطريق

خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)
خيام النازحين الفلسطينيين متراصة قرب ساحل بحر في قطاع غزة (د.ب.أ)

انطلق صباح الأحد اجتماع بين وفد من حركة «حماس» ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد في مدينة العلمين بشمال مصر «لمناقشة سبل الدفع باتجاه تنفيذ خريطة الطريق» في غزة، بحسب ما أفاد مسؤول بالحركة «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويقود وفد «حماس»، بحسب المسؤول، رئيس الحركة خليل الحية. ويضم الوفد أعضاء الفريق المفاوض برئاسة زاهر جبارين.

وهي أول زيارة للحية إلى مصر منذ توليه قيادة حماس أواخر يوليو (تموز).

وأفاد المسؤول بأن الوفد سيناقش مع رشاد «تطورات المفاوضات والجهود المبذولة من أجل إلزام إسرائيل بالموافقة على الاتفاق الذي يشمل خارطة الطريق المكونة من 15 بندا، وبدء تنفيذه».

ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة من 15 نقطة أعلنها الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، وافقت بموجبها حركة «حماس» على تسليم سلاحها إلى لجنة فلسطينية جديدة تتولى إدارة قطاع غزة مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء واسعة من القطاع.

وأضاف المصدر «سيُطلع الوفد المسؤولين المصريين على الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، وسوف يؤكد الحية على تمسك الحركة بالاتفاق وجاهزيتها لتنفيذه فور الإعلان عن التزام إسرائيل به».

وأعلنت «حماس» الشهر الماضي حل لجنة الطوارئ الحكومية المسؤولة عن إدارة غزة بعد عقدين من تولي زمام الحكم، تمهيدا لتسليم اللجنة الوطنية لإدارة القطاع مهامها في إطار اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

وأكد مصدر آخر في «حماس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنه يجري ترتيب لقاء بين وفد «حماس» المفاوض ونيكولاي ملادينوف ومسؤولين أميركيين خلال زيارة المبعوث الأميركي جاريد كوشنر لمصر الأسبوع الجاري، لمناقشة العقبات المتعلقة بالاتفاق.

ويزور كوشنر إسرائيل ومصر الأسبوع الجاري في محاولة لتقريب وجهات النظر بشأن خطة غزة.وتتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بشأن خرق اتفاق وقف النارالذي أُبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقتلت إسرائ

يل أكثر من 1050 فلسطينياً، منذ بدء الهدنة، وفق وزارة الصحة في غزة التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة، وقتل خمسة جنود إسرائيليين في المدة نفسها.

زأفاد المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم، اليوم الأحد، بأن لقاءات الحركة في مصر تأتي في إطار مواصلة الاتصالات والجهد الدبلوماسي مع الوسطاء، بهدف بحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة.ونقلت وكالة شهاب للأنباء الفلسطينية اليوم الأحد عن قاسم قوله إن الحركة تضع الوسطاء بصورة انتهاكات الاحتلال المتواصلة، وتسعى من خلال هذه الاتصالات إلى ضمان إلزامه بتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه ضمن خارطة الطريق.وأكد المتحدث أن اللقاءات مع الجانب المصري تأتي في سياق الجهود الرامية إلى متابعة تنفيذ الاتفاق، ومنع الاحتلال من التنصل من التزاماته أو فرض وقائع جديدة تتعارض مع ما تم التوافق عليه.وأشار إلى أن الحركة تواصل تحركاتها السياسية والدبلوماسية مع الوسطاء، في إطار العمل على تثبيت الاتفاق وضمان الالتزام ببنوده، بما يضع حداً للانتهاكات ويمنع عرقلة المسار المتفق عليه.