من منفاهما في روسيا... رئيس سابق للمخابرات السورية وابن خال الأسد يخططان لانتفاضتين

كمال حسن ورامي مخلوف يسعيان للسيطرة على شبكة من 14 غرفة قيادة تحت الأرض شُيّدت في الساحل السوري

عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)
عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)
TT

من منفاهما في روسيا... رئيس سابق للمخابرات السورية وابن خال الأسد يخططان لانتفاضتين

عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)
عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)

نشرت وكالة «رويترز» تحقيقاً من دمشق، الجمعة، ذكرت فيه أن اثنين كانا ذات يوم من أقرب رجال بشار الأسد وفرَّا من سوريا بعد سقوطه، ينفقان ملايين الدولارات على عشرات الآلاف من المقاتلين المحتملين؛ أملاً في إشعال انتفاضتين ضد الحكومة الجديدة واستعادة بعض ما فقدوه من نفوذ.

وقال أربعة أشخاص مقربين من العائلة إن الأسد، الذي فرّ إلى روسيا في ديسمبر (كانون الأول) 2024، استسلم إلى حد كبير لفكرة العيش في المنفى بموسكو. لكن شخصيات بارزة أخرى في دائرته المقربة بينهم شقيقه لم تتقبل فكرة فقدان السلطة.

وجدت «رويترز»، حسب ما جاء في تحقيقها، أن اثنين كانا من أقرب رجال الأسد، وهما اللواء كمال حسن وابن خاله الملياردير رامي مخلوف، يحاولان تشكيل ميليشيات في الساحل السوري ولبنان تضم أفراداً من الطائفة العلوية التي تنتمي لها عائلة الأسد. ويموّل الرجلان وفصائل أخرى تتنافس على النفوذ أكثر من 50 ألف مقاتل؛ أملاً في كسب ولائهم.

وقال الأشخاص الأربعة إن ماهر، شقيق الأسد، المقيم أيضاً في موسكو والذي لا يزال يحتفظ بولاء آلاف الجنود السابقين، لم يقدّم بعد أموالاً أو يوجّه أي أوامر.

ويسعى حسن ومخلوف حثيثاً للسيطرة على شبكة من 14 غرفة قيادة تحت الأرض شُيّدت عند الساحل السوري قرب نهاية حكم الأسد، بالإضافة إلى مخابئ أسلحة. وأكد ضابطان ومحافظ إحدى المحافظات السورية وجود غرف القيادة السرية التي تظهر تفاصيلها في صور اطلعت عليها «رويترز».

شابان سوريان يقفان على تلة في داريا مُطلّة على القصر الرئاسي الفسيح للرئيس السابق بشار الأسد بدمشق أواخر أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

يواصل حسن، رئيس المخابرات العسكرية في عهد بشار الأسد، بلا كلل إجراء مكالمات هاتفية وإرسال رسائل صوتية إلى قيادات ومستشارين يعبّر فيها بغضب شديد عن فقدان نفوذه، ويرسم رؤى طموحة للطريقة التي سيحكم بها الساحل السوري، موطن غالبية السكان العلويين وقاعدة نفوذ الأسد السابقة.

واستغل مخلوف، ابن خال الأسد، إمبراطوريته التجارية في تمويل الرئيس المخلوع خلال الحرب الأهلية قبل أن يصطدم بأقاربه الأكثر نفوذاً وينتهي به الأمر تحت الإقامة الجبرية لسنوات. ويصوّر مخلوف نفسه في أحاديثه ورسائله لأتباعه على أنه «المُخلِص» الذي سيعود إلى السلطة بعد أن يقود «المعركة الكبرى». ويستند في ذلك إلى خطاب ديني ويربط الأحداث بنبوءات تتعلق بنهاية الزمان.

وذكرت «رويترز» أن حسن ومخلوف لم يردّا على طلبات للتعليق على هذا التقرير. ولم يتسن الوصول إلى بشار وماهر الأسد. كما حاولت «رويترز» الحصول على تعقيب منهما عبر وسطاء ولم تتلق أي رد.

من منفاهما في موسكو يرسم الرجلان صورة لسوريا مقسّمة، ويريد كل منهما السيطرة على المناطق ذات الأغلبية العلوية. وتوصلت «رويترز» إلى أن كليهما ينفق ملايين الدولارات لتشكيل قوات موالية له. وهناك ممثلون لهما في أكثر من دولة.

وللتصدي لهما، استعانت الحكومة السورية الجديدة بشخص آخر كان موالياً للأسد، هو صديق طفولة للرئيس الجديد أحمد الشرع. وكان هذا الرجل، خالد الأحمد، قائداً لقوات شبه عسكرية في عهد الأسد قبل أن يغيّر ولاءه في منتصف الحرب بعدما انقلب الرئيس المخلوع عليه.

جانب من مظاهرات العلويين في اللاذقية 25 نوفمبر الماضي (رويترز)

وتتمثل مهمة هذا الرجل في إقناع العلويين، سواء الجنود السابقين أو المدنيين، بأن مستقبلهم مع سوريا الجديدة.

وقالت الباحثة أنصار شحود، التي درست الأوضاع في سوريا لأكثر من عقد: «ما يجري هو امتداد لصراع القوى الذي كان سائداً في نظام الأسد. فالمنافسة مستمرة للآن، لكن بدلاً من أن تكون بهدف التزلف للأسد، باتت بهدف خلق بديل له يقود المجتمع العلوي».

وتستند تفاصيل المخطط إلى مقابلات مع 48 شخصاً على دراية مباشرة به اشترطوا جميعاً عدم نشر أسمائهم. وراجعت «رويترز» أيضاً السجلات المالية والوثائق العملياتية والرسائل الصوتية والنصية المتبادلة.

وقال أحمد الشامي، محافظ طرطوس الواقعة على الساحل السوري، إن السلطات السورية على دراية بالخطوط العريضة لهذه المخططات ومستعدة للتصدي لها. وأكد وجود شبكة غرف القيادة أيضاً، لكنه قال إنها «ضعفت بشكل كبير».

وأضاف الشامي لـ«رويترز»، رداً على أسئلة مفصلة حول المخطط: «نحن على يقين بأنهم غير قادرين على تنفيذ أي شيء فعال؛ نظراً لعدم امتلاكهم أدوات قوية على الأرض وضعف إمكاناتهم».

ولم تستجب وزارة الداخلية اللبنانية ووزارة الخارجية الروسية لطلبات الحصول على تعقيب. وصرح مسؤول إماراتي بأن حكومته ملتزمة بمنع استخدام أراضيها في «جميع أشكال التدفقات المالية غير المشروعة».

وقد تزعزع أي انتفاضة استقرار الحكومة السورية الجديدة في الوقت الذي تلقي فيه الولايات المتحدة وقوى إقليمية بثقلها خلف الشرع الذي أطاح الأسد في ديسمبر 2024، ويخوض الآن غمار مشهد سياسي متصدع.

وقد تشعل أي انتفاضة أيضاً شرارة موجة جديدة من العنف الطائفي الدموي الذي عصف بسوريا الجديدة خلال العام الماضي.

صورة ضخمة لبشار الأسد على الأرض بعد هروبه ملقاة على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر العام الماضي (أ.ب)

وتبدو فرص نجاح أي انتفاضة ضئيلة في الوقت الراهن.

فالمتآمران الرئيسيان، حسن ومخلوف، على خلاف شديد، وتتضاءل آمالهما في كسب دعم روسيا التي كانت من قبل أقوى داعم سياسي وعسكري للأسد. وكثير من العلويين في سوريا، الذين عانوا أيضاً في عهد الأسد، لا يثقون بالرجلين والحكومة الجديدة تعمل على إحباط خططهما.

وفي بيان مقتضب رداً على نتائج «رويترز»، قال الأحمد، المسؤول عن ملف العلويين في الحكومة السورية، إن «العمل على تحقيق التعافي واقتلاع جذور الكراهية الطائفية وتكريم الموتى هو السبيل الوحيد نحو سوريا قادرة على التصالح مع نفسها من جديد».

يزعم حسن أنه يسيطر على 12 ألف مقاتل، بينما يقول مخلوف إنه يسيطر على 54 ألف مقاتل على الأقل، وفقاً لوثائق داخلية لفصائلهما. وذكر قادة على الأرض أن المقاتلين يتقاضون أجوراً زهيدة ويتلقون أموالاً من الجانبين. وأشار الشامي، محافظ طرطوس، إلى أن عدد المقاتلين المحتملين «في حدود عشرات الآلاف».

ولا يبدو أن حسن أو مخلوف قد حشد أي قوات حتى الآن. ولم تتمكن «رويترز» من تأكيد أعداد المقاتلين أو تحديد خطط عمل بعينها.

وفي المقابلات، قال مقربون من حسن ومخلوف إنهما يدركان أن عشرات الآلاف من العلويين السوريين قد يتعرضون لانتقام عنيف إذا نفّذا مخططاتهما ضد القيادة السورية الجديدة. وتولت الحكومة الجديدة السلطة بعد أن خرجت منتصرة في الحرب الأهلية التي استمرت قرابة 14 عاماً وأغرقت البلاد في موجات من الاقتتال الطائفي.

وفي مارس (آذار)، قتلت قوات تابعة للحكومة ما يقرب من 1500 مدني على ساحل البحر المتوسط بعد فشل انتفاضة في بلدة علوية. وتعهد حسن ومخلوف بحماية العلويين من انعدام الأمن المستمر منذ ذلك الشهر والذي أدى إلى عمليات قتل وخطف شبه يومية.

وانفجر غضب العلويين تجاه الحكومة الجديدة في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عندما خرج الآلاف إلى شوارع حمص ومدن ساحلية للمطالبة بمزيد من الحكم الذاتي، والإفراج عن المعتقلين، وإعادة نساء مختطفات. وشكّلت هذه الاحتجاجات أول مظاهرات واسعة النطاق تشهدها سوريا منذ سقوط الأسد.

لم يكن مخلوف أو حسن وراء هذه الاحتجاجات، بل رجل دين يعارض كلا الرجلين ودعا الناس علناً إلى التظاهر سلمياً.

وهاجم مخلوف رجل الدين في اليوم التالي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلاً: «هذه التحركات لن تجلب إلا البلاء؛ لأن الوقت لم يحن بعد».

مقاتل من المعارضة يحمل صاروخاً مضاداً للطائرات أمام صورة مزَّقها الرصاص للرئيس السابق بشار الأسد (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال أحد كبار المنسقين العسكريين التابعين لحسن لـ«رويترز» إن القتال هو السبيل الوحيد لاستعادة كرامة العلويين.

وأضاف المنسق، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية في عهد الأسد ويقيم حالياً في لبنان: «نحمد الله أنه حتى الآن لم يمت علويون أكثر من الذين ماتوا رغم كل ما حصل. يمكن أن يموت ألف أو ألفان، ولكن يجب أن يكون هناك كبش فداء لنحمي الطائفة».

ووفقاً لوثائق بتاريخ يناير (كانون الثاني) 2025 اطلعت عليها «رويترز»، وضعت قوات موالية للأسد خططاً أولية لبناء قوة شبه عسكرية قوامها 5780 مقاتلاً وتزويدهم بالعتاد من مراكز القيادة السرية. وهذه المراكز هي بالأساس مخازن كبيرة مجهزة بأسلحة وطاقة شمسية وإنترنت وأجهزة تحديد المواقع (جي بي إس) ومعدات اتصال لاسلكية.

لم يُنفذ شيء من تلك الخطة. وكشف مصدران وصور اطلعت عليها «رويترز» عن أن غرف القيادة، المنتشرة على شريط من الساحل السوري يمتد نحو 180 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب، لا تزال موجودة، لكنها شبه معطلة.

وظهرت في صورة غرفة بها خمسة صناديق مكدسة، ثلاثة منها كانت مفتوحة وبداخلها مجموعة من بنادق «إيه كيه-47» (كلاشنيكوف) وذخيرة وعبوات ناسفة. احتوت الغرفة أيضاً على ثلاثة أجهزة كمبيوتر، وجهازين لوحيين، ومجموعة من أجهزة اللاسلكي، وبنك طاقة (باور بنك). وفي المنتصف، وُضعت طاولة خشبية تعلوها خريطة كبيرة.

وقال أحد المصدرين، وهو ضابط يراقب جاهزية الغرف، إن هذه المراكز بالنسبة لحسن ومخلوف «هي جزيرة الكنز، وكلهم مثل القوارب يحاولون أن يصلوا إليها».

وقال الشامي، محافظ طرطوس، إن الشبكة حقيقية، لكنها لا تشكل خطراً يُذكر. وأضاف: «هذه المراكز ضعُفت بشكل كبير بعد التحرير... ولا يوجد قلق من استمرار وجودها».

فرَّ كبار المسؤولين العسكريين وشخصيات حكومية بارزة إلى الخارج في ديسمبر 2024، لكن القادة من المستوى المتوسط بقوا ​​في سوريا ولجأ معظمهم إلى المناطق الساحلية التي يهيمن عليها العلويون الذين يشكلون ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من سكان سوريا.

وبدأ هؤلاء الضباط في تجنيد مقاتلين، وفقاً لقائد متقاعد شارك في ذلك. وقال القائد: «الجيش والعسكر كانوا أرضية خصبة. آلاف الشباب من الطائفة كانوا مجندين في الجيش الذي انحل فجأة وقت السقوط، وفجأة وجدوا أنفسهم بلا شيء».

رفع صورة رئيس المجلس الأعلى للعلويين في سوريا غزال الغزال خلال مظاهرة باللاذقية نوفمبر الماضي (رويترز)

ثم جاءت الانتفاضة الفاشلة في السادس من مارس، عندما نصبت وحدة علوية تعمل بشكل مستقل، كميناً لقوات الأمن التابعة للحكومة الجديدة في ريف اللاذقية؛ ما أسفر عن مقتل 12 رجلاً وأسر أكثر من 150، وفقاً للضابط الذي قاد الكمين -وهو برتبة عميد- وغادر منذ ذلك الحين إلى لبنان.

وقالت الحكومة السورية الجديدة إن المئات من قواتها الأمنية لقوا حتفهم في القتال الذي اندلع بعد ذلك. وأكد المقاتلون الموالون للأسد ذلك إلى حد كبير.

وذكر العميد أن 128 من القوات الموالية للأسد لقوا حتفهم في الانتفاضة التي أحبطتها الحكومة الجديدة، لكنها أشعلت شرارة أعمال انتقامية أودت بحياة ما يقرب من 1500 علوي.

وقال ضباط كانوا هناك إن التحرك لم يبدأه أو يقوده حسن أو مخلوف، لكن تلك الأيام مثّلت نقطة تحوّل شرعا بعدها في تنظيم صفوفهما.

خلاف داخل عائلة الأسد

بدأ مخلوف في التاسع من مارس يُطلق على نفسه «فتى الساحل المؤيد بقوة من الله، لنصرة المظلومين، وتقديم يد العون للمحتاجين». وقال في بيان: «عدنا، والعودُ أحمد». ولم يذكر البيان أنه في موسكو.

هيمن مخلوف على الاقتصاد السوري لأكثر من عقدين بثروات قدرتها الحكومة البريطانية بأكثر من مليار دولار في قطاعات متنوعة، مثل الاتصالات، والبناء والسياحة. وموّل مخلوف وحدات الجيش السوري والفصائل المتحالفة معه خلال النزاع الأهلي الذي اندلع في عام 2011.

وأعلن مخلوف ذلك عندما بدا انتصار الأسد مؤكداً في عام 2019، لكن الأسد بعد ذلك بقليل استولى على شركات ابن خاله بحجة أنها مدينة للدولة ووضعه قيد الإقامة الجبرية لسنوات.

هرب مخلوف إلى لبنان في سيارة إسعاف ليلة الثامن من ديسمبر 2024 مع سقوط دمشق في أيدي مقاتلين يقودهم الشرع.

وقال أربعة مقربين من العائلة ومسؤول في الجمارك مطلع على الأحداث إن إيهاب، شقيق مخلوف، حاول الفرار في تلك الليلة بسيارته الفارهة من طراز «مازيراتي»، لكنه قُتل بالرصاص قرب الحدود وسُرقت ملايين الدولارات التي كانت بحوزته نقداً. لم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من أحداث تلك الليلة.

وذكر تسعة مساعدين وأقارب أن مخلوف يعيش حالياً في طابق خاص بفندق راديسون الفاخر في موسكو تحت حراسة أمنية مشددة. ويستشهد كثيراً بآيات من القرآن الكريم في أحاديثه التي يُسهب فيها كثيراً ولا يترك مجالاً للآخرين للرد أو المشاركة. وقالوا إنه أصبح متديناً جداً خلال سنوات الإقامة الجبرية، واستغل وقت العزلة في كتابة سلسلة من ثلاثة مجلدات عن التفسير والتراث الإسلامي.

ولم يرد فندق راديسون في موسكو أو المقر الرئيسي للمجموعة في بروكسل على طلب للحصول على تعقيب.

وكشفت منشورات مخلوف على «فيسبوك» ورسائله على «واتساب» إلى مقربين عن اعتقاده بأن الله منحه المال والنفوذ ليتمكن من لعب دور المنقذ في نبوءة دينية عن معركة هرمجدون في دمشق.

صورة ممزقة لماهر الأسد ملقاة على الأرض في فيلته ببلدة يعفور (أ.ف.ب)

ويعتقد مخلوف أن نهاية العالم ستكون بعد انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وكشف مدير مالي وإيصالات وكشوف رواتب اطلعت عليها «رويترز»، عن أن مخلوف يحوّل أموالاً عن طريق مديري أعمال يثق بهم في 3 دول إلى ضباط علويين لدفع الرواتب وشراء معدات. تُظهر الوثائق أن الأموال تُحوّل عبر ضابطين سوريين بارزين اجتمع شمل مخلوف بهما في موسكو، هما سهيل الحسن وقحطان خليل، وكان كل منهما يحمل رتبة لواء.

زعم الحسن وخليل، في وثائق اطلعت عليها «رويترز»، أنهما شكلا قوة موالية لمخلوف يبلغ قوامها 54053 شخصاً يرغبون في القتال، من بينهم 18 ألف ضابط، موزعون على 80 كتيبة ومجموعات في وحول مدن حمص، وحماة، وطرطوس واللاذقية. لكن الكثير من الجنود الذين تم تجنيدهم في عهد الأسد تركوا القتال عندما سقط حكمه.

ولم يرد الحسن ولا خليل على طلبات للتعليق بشأن دورهما في تحويل الأموال.

وأكد مسؤول إماراتي أن الحكومة تمارس رقابة صارمة على جميع قطاعاتها الاقتصادية، وتدعم بشكل كامل أمن وسيادة سوريا على أراضيها كافة.

وقال أحد المديرين الماليين لمخلوف لـ«رويترز» إنه أنفق ستة ملايين دولار على الأقل على الرواتب. وأظهرت كشوف الرواتب وإيصالات استلامها، والتي أعدها مساعدوه الماليون في لبنان، أن مخلوف أنفق 976705 دولارات في مايو (أيار)، وأن مجموعة من خمسة آلاف مقاتل تلقت 150 ألف دولار في أغسطس (آب).

وذكر خمسة قادة لمجموعات عسكرية في سوريا، ممن يتقاضون رواتب من مخلوف ويقودون نحو خُمس أتباعه، أن إجمالي عدد القوات حقيقي. لكن تمويل مخلوف لا يلبي احتياجاتهم؛ إذ لا يتجاوز 20 إلى 30 دولاراً شهريا لكل مقاتل.

بالإضافة إلى ذلك، سعى فريق مخلوف لتوفير أسلحة. فقد حددوا المواقع المحتملة لعشرات المخابئ من عهد الأسد، والتي تضم بضعة آلاف من الأسلحة، وفقاً لمخططات اطلعت عليها «رويترز». وهذه المخزونات غير تلك الموجودة في غرف القيادة السرية.

كما أجروا محادثات مع مهربين في سوريا للحصول على أسلحة جديدة، لكن أشخاصاً مطلعين على المناقشات قالوا إنهم لا يعرفون ما إذا كانت أسلحة جديدة قد تم شراؤها أو تسليمها بالفعل.

وذكر القادة العسكريون الخمسة أنهم يقودون في المجمل نحو 12 ألف رجل في مراحل مختلفة من الجاهزية. وقال أحدهم لـ«رويترز» إن الوقت لم يحن بعد للتحرك.

وسخر قائد آخر من الخمسة من مخلوف، ووصفه بأنه يحاول شراء الولاء بمبالغ ضئيلة.

وأكد القادة الخمسة أنهم قبلوا أموالاً من مخلوف ورئيس المخابرات حسن ولا يرون أي مشكلة في تداخل مصادر التمويل.

وقال أحدهم إن «آلاف العلويين ممن كانوا في الجيش أو المدنيين الذين طُردوا من وظائف بالدولة يعيشون في حالة فقر مدقع... ليست مشكلة أن يأخذ الشخص قرشين من هذه الحيتان التي مصّت دمناً لسنوات».

مقبرة جماعة وإخفاء الفظائع

أدار حسن منظومة الاحتجاز العسكري في عهد الأسد، المعروفة بابتزاز الأموال على نطاق واسع من عائلات السجناء، وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2024. وخلص تحقيق أجرته «رويترز» هذا العام إلى أن حسن هو من اقترح نقل مقبرة جماعية تحتوي على آلاف الجثث إلى صحراء الضمير خارج دمشق لإخفاء حجم الفظائع التي ارتكبتها حكومة الأسد.

ومع انهيار جيش الأسد، لجأ حسن إلى السفارة الروسية في دمشق في ديسمبر 2024 لمدة أسبوعين تقريباً. وقال شخصان مقربان منه إنه شعر بالغضب إزاء ما عدَّه سوء معاملة من جانب مضيفيه، الذين وفَّروا له غرفة واحدة بها كرسي خشبي واحد فقط للجلوس عليه.

امرأتان في مدينة حمص يوم 21 نوفمبر مع اقتراب ذكرى مرور سنة على سقوط نظام بشار الأسد (أ.ب)

وذكر في رسالة صوتية عبر تطبيق «واتساب» إلى دائرته المقربة في الربيع الماضي، اطلعت عليها «رويترز»: «ليس كمال حسن الذي يتم إجلاسه على كرسي خشبي لأيام!». وقال ضابط التقاه خلال الصيف إن حسن انتقل في نهاية المطاف للإقامة في فيلا مكونة من ثلاثة طوابق في ضاحية بموسكو. ووفقاً لشخصين مطلعين على تحركات حسن، فإنه قابل ماهر الأسد مرة واحدة منذ ذلك الحين ويحافظ على علاقات وثيقة مع الروس.

وقال منسق عمليات حسن في لبنان إن رئيس المخابرات العسكرية السابق أنفق 1.5 مليون دولار منذ مارس على 12 ألف مقاتل في سوريا ولبنان.

وقال حسن في رسالة صوتية أخرى عبر تطبيق «واتساب» في أبريل (نيسان) الماضي، والتي بدت موجهة إلى القادة، «اصبروا يا أهلي ولا تسلّموا سلاحكم... ونحن الذين سنرجع كرامتكم».

وفي منتصف العام، تم الإعلان عن إنشاء منظمة خيرية أطلق عليها اسم «منظمة إنماء سوريا الغربية»، والتي ذكر أحد أوائل منشوراتها على «فيسبوك» أنها ممولة «من المواطن السوري اللواء كمال حسن». ووصف ثلاثة ضباط مرتبطين بحسن ومدير لبناني في المنظمة الأمر بأنه غطاء إنساني حتى يتمكن حسن من بناء نفوذ بين العلويين.

وفي أغسطس، دفعت الجمعية الخيرية 80 ألف دولار لإيواء 40 عائلة علوية سورية، حسب إعلان عن أول نشاط لها. ووفقاً لوثيقة رواتب اطلعت عليها «رويترز»، أرسل حسن في الشهر نفسه 200 ألف دولار نقداً إلى 80 ضابطاً في لبنان.

وذكر مساعد لحسن في موسكو وأحد المتسللين الإلكترونيين، وهو مهندس كمبيوتر، أن حسن قام أيضاً خلال الصيف بتجنيد نحو 30 متسللاً إلكترونياً كانوا ينتمون في السابق إلى المخابرات العسكرية. وكانت الأوامر الموجهة لهم هي تنفيذ هجمات إلكترونية ضد الحكومة الجديدة وزرع برامج تجسس في أنظمة الكمبيوتر الخاصة بها.

وبحلول سبتمبر (أيلول)، كانت مجموعات بيانات الحكومة السورية التي قال المهندس إن فريقه سرقها معروضة للبيع على شبكة الإنترنت المظلمة (دارك ويب) مقابل ما بين 150 و500 دولار. وعثرت «رويترز» على مجموعات عدة من البيانات التي حددها المهندس على الإنترنت، بما في ذلك قواعد بيانات موظفي وزارتي الاتصالات والصحة.

وقال المهندس إن رئيس المخابرات السابق حسن يخطط لهجوم متعدد الأوجه لاستعادة مكانته في سوريا. وأضاف أن «اللواء كمال يعرف أن الحرب على كل الجبهات وليست فقط على الأرض».

ماهر الأسد

اللاعب الرئيسي المحتمل في محاولات التحريض على الانتفاضة هو ماهر الأسد، الشقيق الأصغر للديكتاتور السابق.

سيطر ماهر على إمبراطورية تجارية وقاد أقوى وحدة في الجيش السوري، وهي الفرقة الرابعة المدرعة. وكشف بحث أجراه معهد نيو لاينز للأبحاث في الولايات المتحدة، عن أن في عهده، اكتسبت الفرقة نفوذاً واستقلالاً مالياً جعلها أشبه بدولة داخل الدولة، إلى الحد الذي جعل الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي تفرض عليها عقوبات خاصة.

وقال قائد كبير في الفرقة، موجود الآن في لبنان، إن إمبراطورية ماهر المالية لا تزال تعمل إلى حد كبير باستثناء مبيعاته المزعومة من مخدر الكبتاغون وهو أمفيتامين يُنتج بشكل غير مشروع. ويُعتقد رجل أعمال مقرب من ماهر أن أمواله مخبأة في شركات وهمية داخل سوريا وخارجها.

وذكر القائد أنه بينما يركّز بشار على حياته الخاصة وأعماله، لا يزال ماهر يسعى خلف استعادة النفوذ في سوريا. وأضاف أن الأخ الأصغر لا يستطيع استيعاب كيف يمكن طرد أبناء حافظ الأسد، الرئيس الأسبق ومؤسس حكم العائلة، من سوريا.

ويقول ضابطان في الفرقة إن الكثير من مقاتليها البالغ عددهم 25 ألفاً، داخل سوريا وخارجها، ما زالوا يعدّون ماهر الأسد قائدهم ويمكنه حشدهم إذا أصدر الأمر.

ولا يسعى مخلوف للحصول على دعم آل الأسد؛ فقد سخر علناً من أبناء عمته ووصفهم بأنهم «الهاربون». وذكرت ثلاثة مصادر بارزة في كلا المعسكرين أن حسن يعتمد على سنوات من العلاقات الشخصية والتعاون مع آل الأسد، ويسعى للحصول على دعم ماهر.

ووفقاً لستة أشخاص على علم مباشر بمحاولات الرجلين لكسب دعم الكرملين، تحجم روسيا حتى الآن عن دعم حسن ومخلوف. وبينما تؤوي موسكو الرجلين، كانت الحكومة الروسية واضحة في أن أولويتها هي استمرار الوصول إلى القواعد العسكرية التي لا تزال تديرها على الساحل السوري، وفقاً لدبلوماسيين اثنين مطلعين على موقف موسكو.

وفي محاولة للحصول على مساعدة روسيا، تدخلت شخصية رئيسية هي الضابط السوري الكبير أحمد الملا، الذي يحمل الجنسية الروسية منذ بداية الحرب الأهلية. وكشف محضر مكتوب بخط اليد لأحد الاجتماعات اطلعت عليه «رويترز»، عن أن الملا توسط لعقد اجتماعات غير رسمية منفصلة في موسكو ابتداءً من مارس بين مسؤولين روس وممثلين عن حسن ومخلوف يقيمان في روسيا. ووفقاً لما ورد فيه، قال الروس «نظموا أنفسكم ودعونا نرَ خططكم».

ولم يستجب الملا لطلبات التعليق على دوره في تنظيم الاجتماعات.

لكن شخصين على دراية مباشرة بمواعيد الاجتماعات ذكرا أن هذه الاجتماعات أصبحت نادرة. وقالا إنه لم تُعقد أي لقاءات منذ زيارة الرئيس الشرع لموسكو في أكتوبر (تشرين الأول)؛ سعياً للحصول على دعم الكرملين.

وخلال الزيارة، أثار الشرع قضية حسن ومخلوف مع الحكومة الروسية، وفقاً لما ذكره الشامي محافظ طرطوس. قال الشامي: «خلال زيارة السيد الرئيس إلى روسيا، جرى النقاش مع القيادة الروسية حول هذه الشخصيات، إضافة إلى التواصل مع الجانب اللبناني، وقد أبدت الحكومات المذكورة تجاوباً لزيادة التنسيق ومنع أي نشاط لهذه الشخصيات داخل أراضيها».

وقال أحد الدبلوماسيين إن اجتماع الشرع في الكرملين «أرسل إشارة إلى المتمردين العلويين: لا أحد في الخارج سيأتي لإنقاذكم».

وتوجد مؤشرات على أن مخلوف، الذي جُمدت حساباته التجارية بسبب العقوبات، يعاني مشاكل في السيولة النقدية. ولم تصل رواتب شهر أكتوبر بعد، وفقاً لثلاثة أشخاص مطلعين على التحويلات.

القائد على الأرض

منذ أعمال القتل التي وقعت في مارس، اعتمدت حكومة دمشق بشكل محوري على خالد الأحمد، صديق الطفولة للرئيس الشرع، لمواجهة المؤامرة.

كان الأحمد، العلوي، ذات يوم ضمن الدائرة المقربة للأسد. عمل دبلوماسياً في الظل وأحد مؤسسي قوات الدفاع الوطني، أكبر قوة شبه عسكرية متحالفة مع الأسد.

ومثل مخلوف، اعتقد الأحمد أنه مسؤول عن انتصار الأسد في الحرب الأهلية. لكن الأسد عامله بالطريقة نفسها التي عامل بها ابن خاله وجرّده من الامتيازات وأمر بتجنيده، حسب ما قال مساعدان.

فرّ الأحمد إلى قبرص، ثم سافر في عام 2021 إلى إدلب بشمال غربي سوريا للقاء صديقه القديم الشرع، حسب روايات ثلاثة أشخاص عملوا مع الرجلين. وأضافوا أنهما ناقشا خطة الشرع للإطاحة بالأسد، وهو ما تحقق بالفعل في ديسمبر 2024.

واطلعت «رويترز» على رسائل صوتية من الأحمد عبر تطبيق «واتساب» أواخر عام 2024 أخبر فيها مسؤولين عسكريين بارزين أنه من غير المجدي التمسك بالديكتاتور الخاسر، ووعدهم بالعفو عنهم إذا تخلوا عنه ومنعوا سفك الدماء.

في بيانه لـ«رويترز»، قال الأحمد إن هدفه كان منع المزيد من الصراع الدموي، لكنه أقرّ بعدم قدرته على «تجنيب السوريين المزيد من الخسائر، أو إرث الطائفية التي لا تزال تُخيم على مجتمعنا».

اليوم، يعد الأحمد أبرز شخصية علوية في سوريا، ويتنقل بين شقة فاخرة مطلة على البحر في بيروت وفيلا محصنة في دمشق.

يقول الشامي: «يعمل خالد الأحمد بقوة في مسار السلم الأهلي، منطلقاً من الحرص على أبناء الطائفة العلوية ودمجهم في الحكومة الجديدة. ويُعدّ الدور الذي يقوم به دوراً مهماً في تعزيز الثقة بين المكون العلوي والحكومة الجديدة».

وأشار أربعة مساعدين إلى أن الأحمد يموّل وينسق برامج لتوفير فرص عمل وتنمية اقتصادية؛ لأنه يعتقد أنهما الحل لارتفاع معدلات البطالة المزعزعة للاستقرار التي أعقبت سقوط الأسد، عندما تم حل الجيش وخسر العلويون وظائفهم الحكومية.

وفي أواخر أكتوبر، أعلنت وزارة الداخلية اعتقال خلية في منطقة الساحل قالت إنها ممولة من مخلوف وكانت تخطط لاغتيال صحافيين وناشطين. وحسب محافظ طرطوس أحمد الشامي، بلغ عدد المعتقلين المرتبطين بمخلوف وحسن «حدود العشرات».

وعلى طول الساحل نفسه، تتراكم معدات عسكرية في غرف تحت الأرض، وفقاً لقائد ميداني يشرف على الكثير منها. وقال إنها ستكون جاهزة عند الحاجة، لكنه حتى الآن لا يرى أي جانب يستحق أن ينحاز إليه.


مقالات ذات صلة

رفع جلسة المحاكمة العلنية لكبار رموز نظام الأسد إلى 10 مايو المقبل

المشرق العربي عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في منطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في قفص الاتهام خلال جلسة محاكمة في قصر العدل بدمشق سوريا اليوم الأحد (أ.ب)

رفع جلسة المحاكمة العلنية لكبار رموز نظام الأسد إلى 10 مايو المقبل

حدَّدت محكمة الجنايات السورية موعد المحاكمة العلنية الثانية لكبار رموز نظام بشار الأسد يوم العاشر من شهر مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قضاة خلال جلسة محاكمة المسؤول الأمني السوري السابق عاطف نجيب في قصر العدالة بدمشق (رويترز)

بدء محاكمة بشار الأسد غيابياً في دمشق

عُقدت الأحد أوّل جلسة محاكمة غيابية للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر مع عدد من رموز الحكم السابق، من أبرزهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

خاص السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب) p-circle

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

تستهلّ السلطات السورية، الأحد، محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق بعد توقيفهم خلال الأشهر الماضية، بدءاً بالمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب

«الشرق الأوسط» (لندن)

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
TT

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

وبعد نحو ستة أشهر من اعتقاله، أقر الشاب (22 عاماً) أمام المحكمة الإقليمية في برلين بالتهم الموجهة إليه من حيث المبدأ، وقال إنه اتجه إلى «الفكر المتطرف» عن طريق الإنترنت، وأصبح في النهاية «مصمماً تماماً» على تنفيذ الهجوم، مضيفاً: «كنت محظوظاً لأنه تم القبض عليّ».

وبحسب لائحة الاتهام، فإن الشاب كان يفكر منذ مارس (آذار) 2025 على أبعد تقدير في تنفيذ هجوم «إرهابي» يستهدف بالدرجة الأولى اليهود المقيمين في برلين، إضافة إلى من وصفهم بـ«الكفار»، وإنه كان يخطط لقتل أكبر عدد ممكن من اليهود وغير المسلمين باستخدام سكين، قبل أن ينفذ هجوماً انتحارياً بواسطة حزام ناسف.

ويواجه المواطن السوري اتهامات بالتحضير لعمل عنيف خطير يهدد أمن الدولة، وتمويل «الإرهاب». كما تشمل لائحة الاتهام نشر مواد دعائية لتنظيمات «إرهابية» في أربع حالات.

وأشارت صحيفة الدعوى إلى أنه قام، في مارس، وأكتوبر (تشرين الأول) 2025 بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بأناشيد يستخدمها تنظيم «داعش».

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية - متداولة)

وفي مستهل المحاكمة قال الشاب إنه وصل إلى ألمانيا في نهاية عام 2023 لـ«العمل وكسب المال»، لكن أحلامه وأهدافه تغيرت لاحقاً. وأضاف أنه اتجه على نحو متزايد لـ«اعتناق الفكر المتطرف» عبر منصات على الإنترنت مثل «تيك توك»، حيث اطلع في محادثات على أفكار تتعلق بـ«الاستشهاد»، وشاهد مواد صادرة عن التنظيم. وقال: «كان الشيطان يقبع في رأسي. وقد استقيت أفكاري من تنظيم (داعش)».

وبحسب التحقيقات، تبادل الشاب عبر محادثات مع أطراف مجهولة معلومات حول كيفية صنع عبوة ناسفة، وناقش تنفيذ هجوم محتمل. ويُعتقد أنه اشترى سكيناً، وعدة مواد عبر الإنترنت يمكن استخدامها في صنع عبوة ناسفة أو حارقة.

موقع الجريمة بمدينة مانهايم غرب ألمانيا حيث تعرض سياسي من اليمين المتطرف لعملية طعن في مارس 2024 (رويترز)

وجاء في لائحة الاتهام أنه «كان على وشك صنع عبوة ناسفة»، وأنه بدأ بالفعل في تجارب أولية. ووفق تصوراته، كان يعتقد أن تنفيذ الهجوم «سيكفّر عن ذنوبه»، وسيتم الاحتفاء به بوصفه «شهيداً» وفق «الفكر المتطرف».

يُذكر أن المتهم، الذي قال إنه كان يقيم لدى أحد أقاربه في حي نويكولن في برلين، ويعمل في وكالة سفر تابعة له، يقبع في الحبس الاحتياطي منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وخلال عمليات التفتيش، عُثر بحوزته على عدة أدلة ثبوتية. ومن المقرر عقد أربع جلسات إضافية للمحاكمة حتى الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.


حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تشهد العاصمة المصرية، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترجح مصادر وصول الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى القاهرة، الثلاثاء، بالتزامن مع وفد من حركة «حماس» لينضم إلى بقية أعضائها الموجودين بالفعل هناك مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية منذ أسابيع.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ميلادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله للقاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال، حيث سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي تمت صياغتها بالتنسيق مع الوسطاء خصوصاً المصري.

فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرتها إسرائيل في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وسيلتقي ميلادينوف خلال زيارته إلى القاهرة مع قيادة حركة «حماس» والوسطاء، في إطار التشاور واستكمال المحادثات للتوصل إلى صياغة تجمع عليها كل الأطراف لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل نزع سلاح غزة. بينما سيلتقي وفد الحركة الفلسطينية مع ممثلي الفصائل، وكذلك مع الوسطاء لإجراء مناقشات موسعة.

وتتعرقل المفاوضات راهناً بشأن اتفاق غزة، وفي حين تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار المتعلقة بالأعمال الإغاثية، وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط»، إن حركته منفتحة على «التعامل بإيجابية مع جميع ما يُطرح، لكنها مصرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما يقع على عاتقها بشأن المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الانتهاكات والخروق المستمرة، إلى جانب إدخال المواد الإغاثية، وبدء إعمار البنية التحتية للمستشفيات والمدارس، وفتح المعابر بشكل أوسع بما في ذلك معبر رفح».

وبحسب المصدر، فإن الحركة «لا تمانع أن تكون هناك مناقشات بشأن سلاحها، ولكن ربط ذلك بقضايا إنسانية محدودة من دون أفق واضح لملف الإعمار، وحكم القطاع، ومستقبل المسار السياسي، سيفضي إلى مصير مجهول». وزاد: «في ظل محاولة فرض إملاءات ترفضها الحركة وكل فصائل غزة، ستبقى الأوضاع تراوح مكانها من دون تحرك واضح يلزم إسرائيل بكل ما تم الاتفاق عليه».

وبيّن المصدر أن حركته «وافقت خلال المباحثات التي جرت مؤخراً على أن يكون هناك تنفيذ لما تبقى من شروط المرحلة الأولى من قبل إسرائيل، وأن تجري بالتزامن مناقشات بشأن المرحلة الثانية»، لافتاً إلى أن «حركته وافقت كذلك على بعض المقترحات من الوسطاء بإمكانية تنفيذ بعض شروط المرحلة الثانية بالتزامن والتناقش حول القضايا العالقة، ومنها قضية السلاح».

وكان المصدر نفسه ومصادر أخرى من «حماس» قد ذكرت في التاسع عشر من الشهر الحالي أن «وفد الحركة اشترط في إطار تنفيذ المرحلة الأولى أن يتم السماح بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع لمباشرة مهامها، وتسلُّم الحكم، كما أنها شددت على وجود ضمانات حقيقية وواضحة ضمن جدول زمني متفق عليه بشأن إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات في المرحلتين الأولى والثانية في حال تم التوصل لاتفاق في المفاوضات التي ستجري بشأنها».

تصعيد ميداني

ويأتي هذا الحراك السياسي على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة أدى لسقوط مزيد من الفلسطينيين، وسط تركيز على استهداف عناصر شرطة حكومة «حماس».

وأفادت مصادر ميدانية وسكان بأنه «تم تقديم الخط الأصفر (الافتراضي الفاصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي غرباً و/حماس شرقاً) مجدداً في المنطقة الواقعة ما بين حي الزيتون وحتى وادي غزة جنوب مدينة غزة، ليصبح أقرب إلى طريق صلاح الدين الرئيسي».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرح أحد السكان في المنطقة أن «تقديم الخط الأصفر بات يشكل خطراً على حرية التنقل من الشمال إلى وسط وجنوب القطاع و العكس، بينما قُتل 3 مواطنين في قصف وإطلاق نيران في تلك المناطق خلال عملية تقديم الخط».

وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، الاثنين، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بينما أصيب آخر في جباليا، وأصيب شابان جنوب خان يونس.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإنه خلال آخر 24 ساعة (من ظهيرة الأحد إلى الاثنين)، قُتل 7 فلسطينيين؛ ما يرفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 817 قتيلاً، وإصابة أكثر من 2296، بينما بلغ العدد التراكمي للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72593 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مقتل 31 من عناصر شرطة «حماس»

وقتلت القوات الإسرائيلية، يوم الجمعة، في غضون ساعتين ما لا يقل عن 6 من ضباط وعناصر الشرطة التي تتبع حركة «حماس»، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس، بينما أصابت 3 آخرين، يوم السبت، في غارة أخرى أدت لمقتل مدني فلسطيني كان بالمكان في حي الشيخ رضوان شمال المدينة.

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

وبحسب إحصائية لشرطة «حماس»، فإن 31 ضابطاً وعنصراً قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، جميعهم تمت تصفيتهم خلال القيام بمهامهم الأمنية لضبط الحالة الأمنية والانتشار عند الحواجز، أو حل الإشكاليات التي تحصل بين السكان.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحركة «حماس» بهذه الهجمات، ورأت أن الهدف منها إحداث حالة من الفوضى داخل قطاع غزة.


لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

ورأى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن الأمين العام لـ«حزب الله»، (الشيخ نعيم قاسم)، «يلعب بالنار»، مهدداً بأنها «ستحرق لبنان». وقال كاتس للمنسّقة الخاصّة للأمم المتحدة في لبنان، جينين هينيس-بلاسخارت، وفقاً لبيان وزّعه مكتبه: «نعيم قاسم يلعب بالنار، وهذه النار ستحرق (حزب الله) وكل لبنان. إذا واصلت الحكومة اللبنانية الاحتماء تحت جناح منظمة (حزب الله) الإرهابية، فستندلع النار وتحرق أرز لبنان».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هشٍّ لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، مما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا، أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، مما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفتها بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، مما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجوا تحت القصف من دون أن يتمكنوا من حمل أيٍّ من مقتنياتهم، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآنيّ)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه المرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، مما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».