في بيت منصور الرحباني... غاب «الأستاذ» وبقي العطر والشِّعر والقلم

أسامة الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: إذا تحوَّل المنزل متحفاً فلا أمانع البقاء فيه

«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
TT

في بيت منصور الرحباني... غاب «الأستاذ» وبقي العطر والشِّعر والقلم

«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)

العابرون في شوارع أنطلياس وأزقَّتها سيشعرون حتماً بعبَقٍ خاص، وسيلمسون أثراً ما خلَّفَه عبقريَّا البلدة اللبنانية الساحلية، الأخوان عاصي ومنصور الرحباني. ولمَن فاتَه العبق، ثمّة لافتة على الرصيف الرئيسي تُذكّر المارّة بأنّهم يعبرون في «شارع الأخوين رحباني».

تغيّرت البلدة. ما عادت كما تركها عاصي في 1986، ومنصور في 2009. استوطنت المباني والمحال بساتينَ الليمون، واكتظَّت الساحة بما لا يشبه أغاني الأخوين. وحدَه بيت «الأستاذ» بقي على حاله؛ هكذا ينادي أهل البلدة «جار الرضا» منصور الرحباني.

منزل منصور الرحباني في بلدة أنطلياس اللبنانية (الشرق الأوسط)

داخل صندوق الذكريات

خلف تلك الشبابيك الخشبيّة الحمراء، أمضى «الأستاذ» عمراً. خلال سنواته الأخيرة، اخترعَ لنفسه سكوناً يَقيه ضوضاء المدينة. إنه سكونٌ مصنوعٌ من حبرٍ وورقٍ وكتب، وألحانِ ما تبقَّى من عصافيرَ وشجر.

يوم أسلمَ منصور الرحباني الروح، سلَّم مفتاح البيت لابنه الأصغر أسامة، الذي فتح صندوق الذكريات لـ«الشرق الأوسط».

«عندما ذهبنا، شقيقي وأنا، لنستكشف قلعة بيبلوس الأثريّة بغية عرض أعمالنا هناك، حذّرنا أبي من إيقاظ الحجارة النائمة منذ 4 آلاف عام»، يخبر أسامة عن والده الذي كان حريصاً على عدم العبث بالإرث والمسّ بالتاريخ. «وهكذا أنا»، يتابع أسامة: «تركتُ كل شيءٍ كما كان قبل رحيله».

الكرسي الهزّاز الذي أحبّ منصور الرحباني الجلوس عليه (الشرق الأوسط)

من مخطوطات شِعره إلى خصلةِ شَعره

وكأنّ الزمن توقّف في بيت منصور الرحباني، وهذا القِدَم ينثر سِحراً في الزوايا. ها هو الكرسي الهزّاز الذي كان يحلو له الجلوس عليه. وهنا البيانو الذي مرّت عليه أصابعه، لم يبارح مكانه. وحدَها الموسيقى تبثّ الروح هنا، وتُعيد الحياة إلى ما بَهُتَ من ألوان بفعل مرور السنوات. يذكر الابن أباه وهو يتلقّى متأخّراً تقنيات العزف على البيانو، من الأستاذ ذاته الذي كان يأتي ليدرّس الأولاد: مروان، وغدي، وأسامة.

أسامة الرحباني عازفاً على البيانو ذاته الذي مرت عليه أصابع والده منصور (الشرق الأوسط)

لا يمرّ يومٌ من دون أن يجلس أسامة إلى هذا البيانو العتيق الذي شهد ولادة عددٍ كبير من روائع الرحابنة. يهجس حالياً بديوانِ أبيه «أسافر وحدي ملكاً»، وهو يعمل على تحويله إلى عرضٍ موسيقي ضخم، يتّخذ شكل «أوراتوريو»، وذلك تتويجاً لمئويّة ولادة منصور الرحباني هذا العام.

وللمناسبة ذاتها، ينتقل عددٌ من مقتنيات الرحباني إلى جناحٍ خاص يُقام ضمن «معرض أنطلياس للكتاب»، ما بين 6 و16 مارس (آذار). سيُتاح لقاصدي المعرض أن يعاينوا عن قُرب مخطوطات الشاعر والمؤلّف الموسيقي والمسرحي، من أبياتٍ ونوتات كتبها بخطّ يده، إضافة إلى أغراض أخرى، مثل: آلاته الموسيقية، وكتبِه، وأقلامه، وقبّعاته، وعصاه، وحتى خصلة من شعره. على أن يُختتم المعرض عشيّة ذكرى ميلاد الرحباني في 17 مارس، بمحاضرة عن إرثه، وبحفلٍ موسيقي صغير.

آلات البزق الخاصة بمنصور الرحباني ومخطوطات شعره بخطّ يده (الشرق الأوسط)

من بيتٍ إلى متحف

لا يستبعد أسامة -هو الذي يحرس الذاكرة كما لو كان يخدم في معبد- أن يتحوّل البيت إلى متحف. يؤكّد أنّ «المشروع وارد، إلا أنّ المسؤولية تقع على عاتق بلديّة أنطلياس أوّلاً، ووزارة الثقافة ثانياً». يضيف: «إذا جاء هذا اليوم، فلن أمانع أن أبقى مقيماً في المنزل– المتحف»، لئلّا يفقد بيت العائلة نبضَه ودفأه.

جزء من إحدى مكتبات منصور الرحباني في منزله (الشرق الأوسط)

كل ما في المكان يجعل منه متحفاً، بدءاً بالمكتبة التي تتدفّق منها الكتب لتصل السقفَ بالأرض؛ «كان منصور يمضي معظم يومه منشغلاً بالكتابة والقراءة. أحبّ القراءات التاريخيّة والفلسفيّة والدينيّة والسياسيّة والشعريّة»، يقول أسامة. ثم يلتفت إلى اللوحات التي تمتلئ بها كل جدران البيت، من رواق المدخل، مروراً بغرفة الجلوس وقاعة الطعام، وصولاً إلى مكتب منصور. «تعاملَ مع الرسم واللوحات كما لو أنها ثروة. اختارها بنفسه، وقد شهدتُ مرَّاتٍ دفع فيها مبالغ كبيرة مقابل لوحة».

كان الرحباني عاشقاً للرسم واللوحات وقد اقتنى منها عشرات (الشرق الأوسط)

من الفنّ أتى منصور وإلى الفنّ عاد. ملكَ بيانو، وكتباً، ولوحاتٍ ثمينة؛ لكنه -للمفارقة- لم يملك منزلاً ولا حتى قطعة أرض. «تصوّري أنّ الأخوَين رحباني اللذَين صنعا مجد الأرض اللبنانية في أغانيهما ومسرحياتهما وأفلامهما، رحلا عن هذه الدنيا من دون أن يملكا شبرَ أرض»، يقول أسامة. «حتى هذا البيت إيجار وليس مُلكاً».

جانب من غرفة الجلوس في منزل منصور الرحباني (الشرق الأوسط)

ما سرّ القبّعة؟

كان إذا انتهى منصور الرحباني من جلسته على الشرفة أو من محطّته في الكرسي الهزّاز، انتقل إلى مكتبه، وهو المكان الذي أمضى فيه معظم وقته. هنا أيضاً بقي كل شيءٍ على ما كان عليه قبل الرحيل. يستريح البزق على الأريكة الزرقاء. ربطَته بتلك الآلة الموسيقية علاقة خاصة؛ ولا سيما أنها كانت تذكّره بأبيه حنا، وبعدَه بشقيقه عاصي. صورتُهما معاً تظلّل طاولة المكتب، ونصوص مسرحياتهما ونوتات أغانيهما كما خطّها قلم منصور، شاهدة على سنواتٍ من ذهب.

في معظم صورهما، يظهر الأخوان معتمرَين القبّعة. «ما قصة القبّعة؟»، أسأل أسامة. «اشتريا معطفَين في أحد الأيام ليعثرا في جَيب كلٍّ منهما على قبّعة، ومنذ ذلك الحين اعتمداها فصارت جزءاً أساسياً من إطلالتهما».

كانت القبّعة جزءاً لا يتجزأ من إطلالة الأخوين عاصي ومنصور الرحباني (الشرق الأوسط)

عطر الزعتر وصوت المطر

تختبئ في الدُّرج نصوصٌ لم تُنشَر لمنصور الرحباني. ينبشها أسامة، يعيد قراءتها ولا يستطيع أن يقاوم الغصّة. ثم ينظر إلى زاوية فيها هواتف والده القديمة ويضحك: «كان يستصعب التعامل مع الهواتف الخلويّة، ويتذمّر من صِغَر حجمها». أما الكومبيوتر فلم يستعِن به يوماً، مفضّلاً الأوراق والأقلام. نضبَ الحبر منها؛ لكنها ما زالت هنا، تشهد لما أنتجَت من مسرحيات؛ «هذه هي الأقلام التي كتب بها مسرحيّتَي (ملوك الطوائف) و(جبران والنبي)».

أقلام منصور الرحباني وهواتفه (الشرق الأوسط)

فضَّل منصور الرحباني الأقلام على الأوسمة. تشهدُ على ذلك زاوية صغيرة في البيت خُصصت للنياشين. لم يكن التكريم يعني له الكثير. آثرَ رحلات الصيد مع الأصدقاء والأولاد والأحفاد، وهي كانت تذكّره بطفولته وشبابه مع عاصي. أما من العطور فأحبّ ما هو منبثقٌ من الطبيعة، كالزعتر والقصعين.

قوارير عطور منصور الرحباني وفرشاة شَعره (الشرق الأوسط)

من بين الأغراض كلّها، صارت العصا وعلبة الدواء رفيقة السنوات الأخيرة. «في مرحلة النهايات، ما عاد يحبّ العتمة، وصار ينتظر بزوغ الضوء»، يروي أسامة الرحباني. يتذكّره جالساً خلف باب المكتب يصغي إلى ما يتسرّب من نغمات البيانو، ولا يتأفف يوماً من الموسيقى المتواصلة.

بعد ثمانينه، تخفّفَ منصور الرحباني كثيراً من كل ما هو مادّيّ. وصار إيقاعه المفضّل صوتَ المطر المنهمر على سقف البيت العتيق فوق تلّة أنطلياس.


مقالات ذات صلة

عبد العزيز الشلاحي لـ«الشرق الأوسط»: المكان يصنع هوية الفيلم

يوميات الشرق عبد العزيز الشلاحي مع فريق الفيلم خلال التصوير (الشرق الأوسط)

عبد العزيز الشلاحي لـ«الشرق الأوسط»: المكان يصنع هوية الفيلم

يرى أنّ خصوصية المنطقة الشرقية تكمن في قدرتها على جمع بيئات متباينة ضمن مساحة جغرافية متقاربة.

إيمان الخطاف (الدمام)
الولايات المتحدة​ الروائي سلمان رشدي يحضر العرض الأول للفيلم الوثائقي «سكين: محاولة قتل سلمان رشدي» خلال مهرجان صندانس السينمائي في 25 يناير 2026 في ذا راي في بارك سيتي بولاية يوتا الأميركية (أ.ب)

سلمان رشدي يدلي بشهادته في محاكمة جديدة لمهاجمه بتهمة الإرهاب

أدلى الكاتب سلمان رشدي بشهادته، الخميس، في محاكمة جديدة للشاب الذي حاول قتله طعناً خلال مشاركته في مناسبة بمعهد ثقافي في نيويورك عام 2022.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق لا أحد يهدم التصفيق الذي بقي معلقاً في الهواء (غيتي)

في عيدها الـ88... حملة لإنقاذ سينما «البيتلز»

سينما «ريل»، التي كانت تُعرف أصلاً باسم «ذا رويال» وتقع في منطقة ديري كروس بمدينة بليموث في إنجلترا، ظلَّت مغلقة منذ عام 2019...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تكريم سابق لوزيرة الثقافة المصرية المستقيلة جيهان زكي (وزارة الثقافة المصرية)

قطاعات الفنون المصرية لتجاوز «الاستقالة المفاجئة» لوزيرة الثقافة

تسعى قطاعات الفنون والثقافة المصرية لاستيعاب وتجاوز «الاستقالة المفاجئة» التي تقدمت بها وزيرة الثقافة جيهان زكي.

أحمد عدلي (القاهرة)
ثقافة وفنون الشاعر والكاتب البحريني علي عبد الله خليفة (1944 - 2026)

رحيل علي عبد الله خليفة... شاعر القصيدة الحديثة وسادن التراث البحريني

فقدت الساحة الثقافية في البحرين والخليج عموماً، الشاعر والكاتب البحريني علي عبد الله خليفة (1944 - 2026) أحد أبرز الأصوات في حركة الشعر البحريني الحديث.

ميرزا الخويلدي (المنامة)

مفاجأة أثناء الحفر في بلجيكا... سبائك وعملات ذهبية بـ10.4 مليون دولار

تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)
تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)
TT

مفاجأة أثناء الحفر في بلجيكا... سبائك وعملات ذهبية بـ10.4 مليون دولار

تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)
تقوم الشرطة بفهرسة الذهب الموجود في بلجيكا (لوكالي بوليتي ديندرموند على فيسبوك)

اكتشف عمال بناء في بلجيكا كنزاً من الذهب تقدر قيمته بنحو 10.4 مليون دولار، وذلك أثناء تنفيذ أعمال لإنشاء شبكة صرف صحي أسفل مبنى كان في السابق مصنعاً للجعة، وفقاً لما نقلت «فوكس نيوز» عن الشرطة المحلية.

ووقع الاكتشاف في بلدة سينت-غيليس-ديندرموند التابعة لإقليم فلاندرز، خارج العاصمة بروكسل. وسارع العمال إلى إبلاغ الشرطة بما عثروا عليه، قبل أن تقوم السلطات بجرد القطع الذهبية، ونقلها إلى خزنة حكومية اتحادية شديدة الحراسة.

عامل شاب ظن أن القطع عملات من فئة يورو

وقال عامل يبلغ من العمر 18 عاماً، يُدعى كوبي، لشبكة «في آر تي» البلجيكية، إنه ظن في البداية أن القطع التي عثر عليها ليست سوى عملات معدنية من فئة يورو.

وأضاف: «كان رد فعلنا الأول في الواقع عدم التصديق، والمفاجأة. بالطبع لم نتوقع العثور على الذهب».

وكان العمال يضطرون إلى إزالة جزء من أساس المبنى لإفساح المجال أمام أنابيب شبكة الصرف الصحي، قبل أن يلاحظوا شيئاً بين التربة.

«وجدنا الذهب... ثم ظهرت العملات والسبائك»

وقال ماريو، قائد المشروع، إن لحظة اكتشاف الكنز كانت بمثابة «شعور جنوني».

وأوضح أن العمال صاحوا: «وجدنا الذهب»، قبل أن يذهب لتفقد ما عثروا عليه بنفسه.

وقال ماريو: «أخذت الذهب بين يدي. وواصلنا أيضاً الحفر، فعثرنا على مزيد من العملات والسبائك. عندها فقط أدركنا حقاً ما وجدناه».

وبعد ذلك اتصل ماريو بمديره، ثم أبلغ الشرطة بالاكتشاف.

العمال لن يحتفظوا بالكنز

وعلى الرغم من قيمة الذهب الكبيرة، فإن عمال البناء لا يحق لهم الاحتفاظ به بموجب القانون البلجيكي.

وينص القانون على أن صاحب الذهب الشرعي يملك حق المطالبة به خلال خمس سنوات.

وعندما سُئل ماريو عما إذا كان قد فكر في الاحتفاظ بالذهب، أجاب بأن الأمر كان صعباً للغاية بسبب العدد الكبير من العملات والسبائك، مضيفاً أن الاحتفاظ بها سيُعد سرقة.

أما كوبي، فقال إنه لا يزال يأمل في الحصول على مكافأة مالية لمن عثر على الكنز، قائلاً: «سيكون ذلك أمراً جميلاً».

مؤسسة للرعاية الاجتماعية قد تستفيد من الكنز

ويعود المبنى الذي جرى فيه الاكتشاف إلى منظمة تقدم خدمات الرعاية والدعم الاجتماعي للمجتمع الفلمنكي.

وقال مدير المنظمة، وفقاً لـ«بي بي سي»، إنه يأمل في أن يُستخدم الذهب لمساعدة الناس، في ظل «الاحتياجات الهائلة التي نواجهها يومياً».

الشرطة تحذر الباحثين عن الكنوز

وحذرت الشرطة المحلية الباحثين عن الكنوز من التوجه إلى موقع الاكتشاف، مؤكدة أنه موقع بناء مغلق، ومحاط بسياج، ويضم حُفراً خطرة عدة.

وأوضحت السلطات أن الذهب جرى نقله بالكامل من الموقع، داعية إلى عدم محاولة الوصول إلى المكان.

وقالت الشرطة إنها تأمل في أن ينتهي هذا الكنز «في الأيدي المناسبة»، وأن يسهم هذا الاكتشاف غير المتوقع في تغيير حياة كثير من الناس نحو الأفضل.


بارون ترمب يبيع المتّة ويجني مليونه الأول... رائد أعمال على خُطى والدِه

يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)
يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)
TT

بارون ترمب يبيع المتّة ويجني مليونه الأول... رائد أعمال على خُطى والدِه

يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)
يبدو بارون ترمب متأثراً بوالده في عالم الأعمال (أ.ف.ب)

لو لم يكن ابنَ دونالد ترمب، لَرُبّما احترف بارون كرة القدَم. قبل بلوغه الـ12 من العمر، انضمّ إلى أكاديمية «دي سي يونايتد» في واشنطن متدرّباً مبتدئاً. راقت له اللعبة وأظهرَ موهبةً فيها. وعندما طلب من والده أن يدعو النجم البريطاني واين روني إلى البيت الأبيض عام 2018، لبّى الرئيس ترمب الطلب.

لكن بين نجوميّة روني الكُرويّة وسُلطة والده وهيبتِه، كان على بارون أن يختار الثانية. تربّى الابن الخامس لترمب، وهو الوحيد من ميلانيا، في ظلّ رجلٍ يُبَدّي السلطة والعمل والمال على أي شيءٍ آخر. متأثّراً به أو ربما من أجل إرضائه، سلك بارون طريقاً مشابهاً، لا بل إنه نسخة طبق الأصل من مسار والده المهني. كانت البداية بتأسيسه شركة عقارية في سن الـ18، ومن الواضح أنّ أعماله لن تتوقف عند حدود مشروب المتّة الذي أطلقه قبل أشهر.

بارون ترمب متوسطاً والده ورئيس «الفيفا» في نهائي كأس العالم (فيفا)

متّة ترمب بنكهة الأناناس

عام 2011 وخلال تقديمه برنامج «The Apprentice»، ابتكر دونالد ترمب عبوة مياه شرب تحمل اسم «ترمب آيس»، وطلب إلى المتبارين تسويقها وبيعها لمتاجر نيويورك. لم تنجح العلامة التجارية فكُتبت لها نهاية سريعة. هذا ما حصل كذلك مع «ترمب فودكا»، المشروب الكحولي الذي توقّف تصنيعه.

إلا أنّ تلك التجارب الفاشلة لم تردع بارون (20 سنة) عن إطلاق مشروبه الخاص في مايو (أيار) 2026. بالشراكة مع 4 أصدقاء تتراوح أعمارهم بين 19 و23 عاماً، ابتكر «سولوس» (Sollos) وهو مزيج من عشبة المتّة البرازيلية، وسكّر القصب، والعسل، وفاكهة الراهب؛ وكلّها مكوّنات عضويّة تُضاف إليها نكهة الأناناس وجوز الهند الطبيعية. وليس المشروب متوفراً للبيع سوى في فلوريدا أو من خلال المتاجر الرقميّة.

تُباع 12 عبوة من مشروب «سولوس» مقابل 39 دولاراً (موقع سولوس)

تُعدّ خطوة بارون ترمب وشركائه ذكيّة في التوقيت، بما أنّ الجيل زد معروفٌ بتقليله من تناول الكحول، واعتماده أكثر على المشروبات الغنية بمادة الكافيين. وتحتوي عبوة واحدة من «سولوس» على 120 ملّيغراماً من الكافيين الطبيعي المستخرَج من المتّة.

في المقابل، لم ينجُ «سولوس» من الانتقادات؛ إذ شبّه بعض الصحافيين نكهته بواقي الشمس! أما سياسياً، فصُوّبت السهام إلى مُنتَجٍ مصنوع من عشبة من أميركا الجنوبية ويحمل اسماً إسبانياً، في وقتٍ يستهدف فيه دونالد ترمب المجتمعات اللاتينية من خلال قوانين الهجرة التي فرضها.

شبّه البعض نكهة مشروب «سولوس» بواقي الشمس (موقع سولوس)

بارون ترمب... متران وبضع سنتيمترات

حاولت ميلانيا قدر المستطاع إبعاد ابنها عن الضوء والصخب المحيطَين بحياة والده، وقد نجحت في ذلك إلى حدٍ ما. لا يملك بارون ترمب حساباتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو مرتاحٌ إلى استراتيجيّة أمّه؛ إذ إنه لم يتحدّث مرةً إلى الإعلام، ونادراً ما يُطلّ في المناسبات الرئاسية.

يُعرَف عنه أنه يدرس إدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وأنّ طوله فارع وفق ما يردّد والدُه. ويتكفّل الأخير بإفشاء بعض الأسرار عن ابنِه الأصغر، كأن يقول إنه «نابغة في الكمبيوتر والتكنولوجيا».

إلّا أنّ انطلاقة بارون لم تكن معلوماتيّة؛ ففي عام 2024 خطا أولى خطواته في عالم الأعمال من باب العقارات. وهذا تماماً ما فعله والده قبله، يوم سار على خُطى والده فريد ترمب، مثاله الأعلى.

دونالد ترمب وابنه بارون في صورة من عام 2020 (أ.ف.ب)

بارون ترمب للعقارات

صيف 2024، أسّس بارون ترمب بالتعاون مع زملاء له في المدرسة، شركة تطوير عقاري طامحة للاستحواذ على عقارات وأراضي ملاعب غولف في عددٍ من الولايات الأميركية. كان الابنُ الخامس والأصغر لدونالد ترمب في الـ18 من عمره حينذاك، ومتخرجاً للتوّ من مدرسة «أُكسبريدج» في فلوريدا.

لكن مع فوز ترمب في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، جرى حلّ الشركة بعد 4 أشهر من تأسيسها، تفادياً لضجيج الإعلام بالتزامن مع عودة العائلة إلى البيت الأبيض. لم يحقّق المشروع أي عوائد ماليّة تُذكَر، إلّا أنه جسّد دخول بارون الرمزي إلى عالم ريادة الأعمال، في محاكاةٍ لانطلاقة والده المبكرة.

بارون برفقة والدَيه ليلة فوز دونالد ترمب بانتخابات 2024 (أ.ف.ب)

بارون يُدخل والده عالم الـ«كريبتو»

ليس عبثاً إن نادَتهُ والدتُه «دونالد الصغير»، فمن بين إخوته يبدو بارون ترمب الأقرب إلى مسيرة أبيه وطموحه المادّي. ومن غير المعروف ما إذا كان يسير وفق توجيهات والده، أم إذا كانت ميلانيا هي التي تُسرّ في أذنه وتدفع به إلى الأمام. لكن المؤكّد أنّها السنَد الأكبر، فوفق سيرتِها التي نُشرت عام 2020، أعادت ثالثة زوجات ترمب التفاوض على اتفاقية ما قبل الزواج، لتأمين شروط ميراثٍ أفضل لابنها ومشاركة أكبر في أعمال العائلة.

أتى ذلك بثمارٍ سريعة؛ إذ انضمّ بارون إلى أخوَيه غير الشقيقَين إريك ودونالد جونيور في سبتمبر (أيلول) 2024، لدى تأسيس مشروع العملات المشفّرة (كريبتو) لعائلة ترمب (World Liberty Financial). ووفق عدد من التقارير الصحافية، فإنّ بارون كان أول أفراد العائلة إدراكاً لإمكانات هذه السوق، وهو الذي أقنعَ الجميع بإطلاق الشركة. وقد أقرّ دونالد ترمب حينذاك بعدم إلمامه بمصطلحات العملات المشفّرة، قائلاً: «لا أعرف حتى ما هي المحفظة الرقميّة، فيما ابني بارون لديه 4 محفظات».

بارون ترمب مع إخوته غير الأشقّاء: إريك ودونالد جونيور وإيفانكا وتيفاني (إنستغرام)

بارون ترمب وأول 100 مليون

بصفتِه شريكاً مؤسِساً، كان بارون ترمب من بين أكبر المستفيدين من التداولات الرقمية لشركة العملات المشفّرة الخاصة بالعائلة. عام 2025، وفي سنته الـ19، أصبح ترمب الأصغر يملك ثروةً تُقدّر بـ150 مليون دولار وفق أرقام مجلّة «فوربس». وبذلك، أصبح أحد أغنى أبناء الجيل زد في الولايات المتّحدة، كما فاقت أمواله ثروةَ والدته ميلانيا.

لم تقتصر الأرباح الناتجة عن شركة العملات المشفّرة على بارون وحده؛ إذ شهدت ولاية ترمب الرئاسية الثانية تضاعفاً في حسابات ولدَيه إريك ودونالد جونيور. تضاعفت ثروة الأخير 10 مرات لتصل إلى 500 مليون دولار. أما إريك فنما رصيده من 40 مليون دولار إلى 750 مليوناً خلال سنة واحدة.

دونالد جونيور وإريك ترمب في سوق «ناسداك» بنيويورك (رويترز)

بعد العملات المشفّرة، ومشروب المتّة، وسوق العقارات، من المرجّح أن يخوض بارون ترمب تجربةً رابعة لم تتّضح ملامحها بعد. فهل يدخل بحُكم أعماله الكثيرة فضاء التواصل الاجتماعي، أم يبقى منكفئاً؟ مع العلم بأنه أطلق في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، حملةً للانضمام إلى قيادة «تيك توك»، بالتزامن مع إصدار والده أمراً تنفيذياً بإنشاء مشروع مشترك لعمليّات المنصة في الولايات المتحدة.


حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».