وداعاً «عملاق الساكسفون»

الجاز يفقد سوني رولينز الذي حوَّل الارتجال إلى أسطورة

آخر المرتجلين الكبار يغيب (غيتي)
آخر المرتجلين الكبار يغيب (غيتي)
TT

وداعاً «عملاق الساكسفون»

آخر المرتجلين الكبار يغيب (غيتي)
آخر المرتجلين الكبار يغيب (غيتي)

رحل عازف الجاز الأسطوري سوني رولينز، الذي عُرف بـ«عملاق الساكسفون»، عن 95 عاماً.

وذكرت «بي بي سي» أنّ رولينز فارق الحياة في منزله بمدينة وودستوك بولاية نيويورك، بعد ظهر يوم الاثنين، وفق بيان صادر عن المتحدّث الإعلامي باسمه، والذي وصفه بأنه «أحد أكثر الشخصيات تكريماً وتأثيراً في الموسيقى الأميركية».

وقد حفل المسار المهني لرولينز بإنتاج غزير بدأ في أواخر أربعينات القرن الماضي، حيث تعاون مع فنانين بارزين من أمثال مايلز ديفيس، وتشارلي باركر، وجون كولترين، وأصدر أكثر من 60 ألبوماً بصفته قائداً لفرقة موسيقية. كما حصد جائزتَي «غرامي»، قبل أن يضطره مرض تنفّسي إلى الاعتزال عام 2014؛ ولم يُكشف عن سبب الوفاة.

وقد رافقت إعلان وفاته مقولة له تعود إلى عام 2009، قال فيها: «أعتقد أنه عندما تنتهي حياة الشخص المبدع، فإنه يستمر في الوجود الآخر. أنا شخص يؤمن بأن هذه الحياة ليست غاية المُراد ومنتهى كلّ شيء، فالإنسان الروحاني لا يشعر بهذا النحو».

وفي مقابلة سابقة مع مجلة «جاز تايمز»، وصف رولينز افتتانه الفوري بتلك الآلة التي صنع منها شهرته.

وقال: «أهدتني والدتي أول ساكسفون لي، وكان من نوع ألتو، عندما كنت في السابعة من عمري. أخذت الساكسفون ودخلت إلى غرفة النوم وبدأت العزف... وكان هذا كلّ شيء. شعرت حينها بأنني بلغت السعادة القصوى... وكان بإمكاني البقاء هناك إلى الأبد».

وتميّز رولينز بموهبة فذة في العزف، وتلقّى الإرشاد والتوجيه على يد عازف البيانو «ثيلونيوس مونك».

وتابع مسيرته ليعزف برفقة عدد من روّاد موسيقى الجاز، بمَن فيهم آرت بليكي، وبود باول، ومايلز ديفيس.

وعام 1956، أصدر ألبومه السادس بعنوان «عملاق الساكسفون»، والذي أصبح أحد أشهر ألبوماته على الإطلاق.

ومع تصاعد شهرته في أوائل الستينات، اعتاد رولينز التدرُّب ساعات طويلة يومياً فوق جسر «ويليامزبرغ» في نيويورك.

وقد ألهمه ذلك لتقديم أحد أشهر ألبوماته عام 1962 بعنوان «الجسر»، وهو ما أطلق دعوات تطالب بإعادة تسمية الجسر باسمه تكريماً له.

وكان رولينز، المعروف بمقاطعه المنفردة الطويلة، يُعد من بين أفضل العازفين المرتجلين، وصرح لشبكة «بي بي إس» بأنه كان يصعد إلى المسرح بذهن صافٍ ومن دون أي خطة مسبقة، سوى وعيه بالبنية العامة للمقطوعة الموسيقية.

وقال: «الارتجال في العزف أتركه بالكامل للوعي الإلهامي، وأحياناً أُفاجأ ممّا يخرج مني».


مقالات ذات صلة

مفاتيح أبواب دمشق في يد أصالة... عودة «أمّ شام» إلى الديار

يوميات الشرق تحيي الفنانة السورية أصالة نصري حفلها الأول في دمشق بعد غياب 16 عاماً (صفحتها على فيسبوك) p-circle 01:33

مفاتيح أبواب دمشق في يد أصالة... عودة «أمّ شام» إلى الديار

تستعد الفنانة أصالة لإحياء حفلها الأول في وطنها الأم سوريا بعد 16 سنة غياب. خرجت أصالة من دمشق ولم تَعُد بسبب معارضتها للنظام السابق، فهل تستقرّ الآن في الشام؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المغنية الأميركية الراحلة دولي بارتون (رويترز)

مقترح أميركي لإطلاق اسم دولي بارتون على مطار ناشفيل

قد تتم إعادة تسمية مطار ناشفيل الدولي باسم أيقونة موسيقى الريف دولي بارتون، وذلك وفقاً لاقتراح أعلنه يوم الجمعة حاكم ولاية تينيسي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الوتر السادس سامو زين لـ«الشرق الأوسط»: تمردت على الأغنيات الرومانسية

سامو زين لـ«الشرق الأوسط»: تمردت على الأغنيات الرومانسية

أعرب الفنان السوري سامو زين عن حماسه لردود الأفعال التي واكبت طرح أغنيات «الميني ألبوم» الذي أصدره أخيراً بشكل متتابع بواقع أغنية كل أسبوع

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس كريستيل نور الملّاح: صُدمت بمجال الفن حيث لا عطاء من دون مقابل

كريستيل نور الملّاح: صُدمت بمجال الفن حيث لا عطاء من دون مقابل

بعد مرور 40 عاماً على إصدارها، أطلقت الفنانة كريستيل الملّاح، برفقة والدها الملحن نور الملّاح، أغنية «حلف القمر» بنسخة مجددة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الموسيقى قادرة على التأثير في المشاعر وتغيير طريقة تعامل الإنسان مع المواقف المزعجة (رويترز)

من تنظيم الانفعالات إلى استدعاء الذكريات... كيف تؤثر الموسيقى في مشاعرنا؟

لا تقتصر الموسيقى على كونها وسيلة للترفيه؛ إذ تشير دراسات ونظريات نفسية إلى قدرتها على التأثير في المشاعر وتغيير طريقة تعامل الإنسان مع المواقف المزعجة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«فرح»... ناطقة رقمية حكومية أطلقها الأردن للتواصل مع الشعب

حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»
حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»
TT

«فرح»... ناطقة رقمية حكومية أطلقها الأردن للتواصل مع الشعب

حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»
حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»

واكبت الحكومة الأردنية اعتماد الكثيرين على الذكاء الاصطناعي فأعلنت، الخميس، عن إطلاق «فرح»، الناطقة الرقمية الحكومية، وهي شخصية افتراضية مطوّرة بالذكاء الاصطناعي، لتبدأ التواصل مع الشعب، بحسب ما أعلنت وزارة الاتصال الحكومي الأردنية.

وأرفقت الوزارة في منشورها على منصة «إكس» لتقديم «فرح» مقطع فيديو لتلك الشخصية التي قدمت نفسها بلهجة عامية كمتحدثة رقمية، وذلك «في تجربة تُعد الأولى من نوعها في المنطقة والعالم».

وأضافت أن «هدف الحكومة من تلك المبادرة هو تسخير التكنولوجيا الرقمية لتطوير أدوات التواصل في توصيل المعلومات للمواطنين».

ومن جانبه، قال وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني في منشور عبر منصة «إكس»: «في إطار سعي الحكومة المستمر لتوظيف التكنولوجيا الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي في التَّواصل وشرح القرارات والسِّياسات الحكوميَّة وإتاحة المعلومات؛ سيتم إطلاق خدمة الناطق الرقمي (فرح)، التي ستكون إحدى أدوات التَّواصل الحكوميَّة الرقميَّة؛ والتي تهدف إلى تزويد المواطنين والمهتمين بالمعلومات».

وقالت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن إطلاق حساب «فرح» على منصة «إنستغرام»، يهدف ليكون نافذة رقمية جديدة للتواصل مع الجمهور وتقديم المعلومات للمواطنين بأسلوب مبسط ومباشر.

وأضافت أن إطلاق «فرح» جاء ضمن توجه لتوظيف التكنولوجيا الحديثة في الاتصال مع المواطنين، والإجابة عن التساؤلات المتعلقة بالقضايا التي تهم الشارع، عبر محتوى رقمي موجه لمستخدمي منصات التواصل.

ولفتت إلى أن «فرح» تتحدث بأسلوب مبسط؛ لتشكل إضافة نوعية إلى قنوات الاتصال التقليدية، في تجربة تستهدف مواكبة التحول الرقمي المتسارع وتغيّر طرق تلقي الجمهور للمعلومات والأخبار الرسمية.

وأكدت أنه ينظر إلى إطلاق الناطق الرقمي كخطوة رائدة في مسار توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل المؤسسي والاتصال العام، بالتزامن مع توجه المؤسسات الرسمية لتعزيز حضورها على المنصات الرقمية والوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع.


«اعتقل المهاجرين وابنِ الجدار»... ألعاب جديدة على موقع البيت الأبيض الرسمي

لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)
لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)
TT

«اعتقل المهاجرين وابنِ الجدار»... ألعاب جديدة على موقع البيت الأبيض الرسمي

لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)
لقطة شاشة تُظهر ألعاب البيت الأبيض الإلكترونية (موقع البيت الأبيض)

في خطوة جديدة تعكس توظيف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للموقع الرسمي للبيت الأبيض في الترويج لسياساتها ورسائلها السياسية، أطلقت الإدارة، يوم الخميس، سلسلة من الألعاب الإلكترونية التي تحاكي بعض أولوياتها، من بينها تشديد الرقابة على الحدود وبناء الجدار الحدودي، في أحدث تحرك ضمن حملتها الرقمية التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب ما تضمنته أحياناً من صور ومحتوى اعتُبر عنصرياً ومسيئاً، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وتتضمن الألعاب المنشورة على موقع البيت الأبيض ألعاباً يؤدي فيها المستخدمون أدواراً تتمثل في القبض على أشخاص أثناء عبورهم الحدود الجنوبية، إلى جانب ألعاب أخرى تتيح لهم بناء جدار حدودي.

«ريو رن»... مطاردة على الحدود

في لعبة «ريو رن» يؤدي المستخدمون دور عناصر دورية على طول نهر ريو غراندي، حيث يتعين عليهم القبض على كل من يعبر الحدود في المنطقة، بهدف تحقيق أكبر عدد ممكن من عمليات الترحيل.

وتشبه اللعبة في تصميمها لعبة «الثعبان»، إذ يظهر رمز المستخدم على هيئة رجل أبيض مسن يرتدي ربطة عنق زرقاء، بينما يظهر «المعبرون» على هيئة أشخاص من ذوي البشرة السمراء أو السوداء أو البيضاء.

وعندما ينجح اللاعب في القبض على أحد «المعبرين»، يظهر الشخص فجأة مرتدياً بذلة برتقالية اللون، ثم يبدأ في اتباع اللاعب.

وقالت أميريكا غارسيا غريوال، المديرة المشاركة لمنظمة «فرونتيرا فيديريشن» ومقرها تكساس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هذا يثير اشمئزازي. لقد تلاعبوا بأرواح الناس لسنوات، والآن يبتكرون لعبة فيديو لأفعالهم».

وتابعت: «لقد فقد مصممو هذه اللعبة مغزى أن يكون المرء إنسانا وأن يهتم بالآخرين».

«بناء الجدار»... مواجهة «زومبي» على الحدود

وتحمل لعبة أخرى ذات طابع متعلق بالهجرة اسم «بناء الجدار»، وتطلب من المستخدمين رصّ الطوب لبناء جدار، و«الصمود» في مواجهة ما تصفه اللعبة بـ«حصار حدودي من الزومبي».

ولا تقتصر الألعاب على قضايا الهجرة والحدود، إذ تحث ألعاب أخرى المستخدمين على التحليق بنسر أصلع فوق «ناشيونال مول»، أو ملء «حسابات ترمب لأطفالهم» من خلال جمع الماس والنقود.

وقال مسؤول في البيت الأبيض لشبكة «سي إن إن»: «هذه محاولة لإبراز التناقض بين ثقافة المرح والفوز والرؤية الاشتراكية المظلمة التي يحملها الديمقراطيون لأميركا».

جدل حول استخدام المنصات الحكومية

وتعرض ترمب والبيت الأبيض لانتقادات حادة بسبب استخدامهما المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الحكومية الرسمية، بما في ذلك نشر صور ومواد وُصفت بأنها عنصرية ومسيئة.

ومن بين الأمثلة التي أثارت انتقادات، نشر صورة لزعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، وهو يرتدي قبعة «سومبريرو»، إلى جانب تصوير عائلة الرئيس الأسبق باراك أوباما على هيئة قرود في غابة.

وفي الوقت الذي ينشر فيه بعض المستخدمين نتائجهم في ألعاب البيت الأبيض على منصة «إكس»، يتساءل آخرون عن أولويات الإدارة، ولا سيما في ظل الحرب الإيرانية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت في نوفمبر (تشرين الثاني) بأن إدارة ترمب تتبع نهجاً غير تقليدي في التعامل مع موقع البيت الأبيض، إذ لا تراه مجرد منصة رسمية لنشر المعلومات الحكومية، بل وسيلة إضافية للترويج لرسالتها السياسية.

ونقلت الشبكة عن أحد المسؤولين قوله: «الموقع الإلكتروني غني بالمعلومات من نواحٍ عديدة، ولكنه أيضاً وسيلة لنشر رسالتنا، ونحن قادرون على استخدامه سلاحاً بطريقة لم تتمكن أي إدارة أخرى من القيام بها».


«حرّاس الذاكرة» لياسمينا نيستن: كلُّ وجهٍ يحملُ غيابَه

الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)
الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)
TT

«حرّاس الذاكرة» لياسمينا نيستن: كلُّ وجهٍ يحملُ غيابَه

الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)
الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)

تُمسك ياسمينا نيستن بالوجه كما لو أنه أكثر أجزاء الإنسان امتناعاً على القراءة. تُكبّره، تُقرّبه إلى العين، تغمره بطبقات اللون، ثم تترك فيه مساحة لا يستطيع المُشاهد اقتحامها. في معرضها «حرّاس الذاكرة» في «ذا آبر غاليري» لدى «صالح بركات غاليري» في بيروت، تبدو الوجوه أول ما يستوقف النظر، لكنّ البقاء طويلاً أمامها يُبيِّن أنّ ما يشدّ العين ليس حجمها وحده. هناك شيء مكتوم يسكنها، حزن لا يُعلن عن نفسه، وثقل يظهر في النظرات المُنسحِبة والرؤوس المُستنِدة والأجساد التي يبدو أنها وصلت إلى لحظة توقَّفت فيها عن عناد ما تشعر به.

الحيوان يعرف طريقه إلى المسافة التي يعجز عنها البشر (الشرق الأوسط)

لا ترسم نيستن أشخاصاً معروفين، ولا تسعى إلى تثبيت ملامح فرد معيَّن. تقول إنها تريد رسم الناس من دون أن ترسم شخصاً محدّداً. ومع ذلك ثمة غرابة في الألفة التي تصنعها شخصياتها. نشعر أننا رأينا هذه المرأة أو عرفنا ذلك الوجه أو جلسنا في غرفة تُشبه هذه الغرفة، من دون أن نستطيع إسناد أيٍّ منها إلى ذاكرة محدّدة. الشخصيات مُتخيَّلة، وإنما حضورها الجسدي والنفسي يمنحها كثافة أشخاص عاشوا الحياة خارج إطار اللوحة.

قُرب الأجساد لا يقيس المسافة بين أصحابها (الشرق الأوسط)

تحمل هذه الفكرة رؤية «حرّاس الذاكرة». فالذاكرة في اللوحات أثرٌ يستقرّ في الوجه والجسد والمكان. هناك امرأة تسند أخرى، شخص يستلقي في العشب، شخصية تُحدّق من نافذة مرتفعة إلى شارع بعيد، نساء حول طاولة، عروس وعريس، أجساد تجلس متقاربةً بينما تبدو المسافة بينها أكبر ممّا توحي به المقاعد. لا تحتاج هذه المَشاهد إلى حكايات مُكتمِلة. طريقة انحناء كتف أو وضع يد أو اتجاه عينين، تفتح عالماً خارج ما نراه.

الحزن الذي يُخيّم على كثير من الشخصيات يتشكَّل بعيداً عن قتامة اللون. ترسم نيستن بالوردي والبرتقالي والفيروزي والأصفر والأخضر والأحمر، وتضع أحياناً درجات شديدة الإضاءة إلى جوار وجه مُنسحِب أو جسد مُتعَب. هذه المفارقة تمنح اللوحات قوة خاصة. اللون لا يشرح الحالة النفسية ولا يخضع لها. العالم يستطيع أن يكون مُشرِقاً بينما يعيش الإنسان شيئاً آخر في داخله. تحتفظ الألوان الزاهية بسطوعها، ليتشكّل الحزن داخل الوجوه والنظرات ووضعيات الأجساد، مستقلاً عن المزاج اللوني للوحة.

العشب يحمل ما أرهق الجسد (الشرق الأوسط)

حتى أكثر اللحظات احتفالاً تحتفظ بما يخصّ أصحابها (الشرق الأوسط)

تتعامل الفنانة أيضاً مع الوجه على أنه مساحة رسم مستقلّة. بعض الملامح مُحكَمة، وأجزاء أخرى تذوب داخل ضربات الفرشاة. يتعدَّد اللون على سطح الجِلْد ليصبح تجمّعات من الأخضر والوردي والأزرق والأصفر والبنّي، كأنّ الوجه يُبنَى أمامنا من طبقات زمنية مُتراكِمة. كلّما اقتربنا منه، ضَعُفَ إحساسنا بأننا أمام صورة لشخص وازدادت رؤيتنا للرسم، للضربة واللون والسطح. وحين نبتعد، يعود الإنسان إلى الظهور. هذه الحركة بين الشخص والرسم تُبقي البورتريه معلَّقاً بين ما يمكن التعرّف إليه وما يظلُّ خارج الإدراك.

المدينة في الأسفل... والوحدة في الطابق الأعلى (الشرق الأوسط)

حتى الأيدي تؤدّي دوراً لا يقلّ أهمية عن الوجوه. تستند إليها الرؤوس، تُمسِك الكتب والأكواب، تُلامِس جسداً آخر أو تستقرّ ثقيلةً فوق طاولة. تبدو أحياناً أكثر صراحةً من العيون. الجسد عند نيستن لا يؤدّي حركة مسرحية ولا يطلب انتباهنا، لكنه يحمل أثر ما جرى قبله. شخصياتها في الغالب موجودة في لحظة ما بعد الفعل، حين تخفت الحركة ويبقى ما فعلته التجربة في الجسد.

للشرود وضعية يعرفها الجسد (الشرق الأوسط)

هذه الحساسية تجاه الإنسان والمكان ليست منفصلة عن مسار فنانة حملت أكثر من جغرافيا معها. وُلدت ياسمينا ألكسندرا نيستن في هلسنكي عام 1988 لعائلة لبنانية - فنلندية، ونشأت في بيروت، حيث درست الفنون الجميلة في «الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة». انتقلت لاحقاً إلى نيويورك ونالت درجة الماجستير في الفنون الرقمية من «معهد برات». خلال سنواتها هناك، شمل اهتمامها المدينة والسرد الاجتماعي ومعنى أن يكون الإنسان مرئياً أو غائباً داخل محيطه. وفي أوريغون، حيث تعيش وتعمل على ساحل المحيط الهادئ، عادت إلى البورتريه وعلاقة الإنسان بذاكرته ومكانه وما يحمله معه من أثر الأصول والبيئات المتعدّدة. لذلك يصعب فصل الأشخاص في «حرّاس الذاكرة» عن الغُرف والشوارع والحقول والنوافذ التي تضمّهم.

عينان تنظران كأنهما عادتا للتوّ من مكان بعيد (الشرق الأوسط)

نيستن معنيّة بما يصعب على الرسم القبض عليه، أيّ الجزء من الإنسان الذي لا تكشف عنه صورته ولا تُخفيه كلّياً. لذلك تمنح وجوهها كلّ هذه المساحة ثم تتركها عصيّة على الامتلاك. هناك دائماً حياة أبعد من الملامح، وتاريخ لا يصل إلى العين، وشيء يحتفظ به الإنسان لنفسه حتى وهو واقف أمامنا. فالوجه الذي نظنّ أننا نعرف كيف نقرأه قد يكون أكثر الأماكن التي يختبئ فيها صاحبه.