القوة العسكرية السعودية من التأسيس إلى الرؤية... الحرس الوطني نموذجاً

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
TT

 القوة العسكرية السعودية من التأسيس إلى الرؤية... الحرس الوطني نموذجاً

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز

تتبادر تساؤلات عدة إلى الذهن في ذكرى ميلاد الدولة السعودية، 22 فباير (شباط) 1727. واحد من أبرز تلك التساؤلات يتمثل في بدايات القوة العسكرية السعودية، والقوة الوريثة لجيش التأسيس.

تظل الإجابات حول التساؤل الأخير وغيره بحاجة إلى مزيد من الاستقصاء والبحث، خصوصاً ما يتعلق بتاريخ مؤسسات الدولة ونشأتها وتطورها؛ فالدولة السعودية تُعدّ أكبر مرحلة تحول حدثت في تاريخ الجزيرة العربية، بعد انتقال عاصمة الخلافة الراشدة منها سنة 656 (36هــ)، فقد جاء ذلك التحول الكبير بتوحيد الجزيرة العربية تحت حُكم عربي مستقل، أو بإعادة الحكم العربي المركزي للجزيرة العربية، مهد الحضارة ومنطلق الرسالة، وكان المنعطف الأبرز والعلامة الفارقة في تاريخ العرب وجزيرتهم خلال 10 قرون أو تزيد، هذا إذا استثنينا بعض السنوات والومضات التي لم يُكتَب لها الاستمرار.

المقاتلون المتطوعون

يقول المؤرخ الفرنسي فليكس مانجان (1772 - 1862) عن القوة العسكرية السعودية: «عندما امتدت فتوحات سعود (يقصد الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، 1161 - 1229هـ: 1748 - 1818م، إلى ما وراء صحراء نجد، كان لديه جيش كبير، وكان يمتلك تحت تصرفه سكان البلاد التي يحكمها، وأهل البلاد التي أخضعها، وكان قبل أن يسير في أي حملة يحدد الأقاليم التي ينبغي عليها أن تقدم المتطوعين». ومن هذا النص نستطيع أن نستخلص بعض العناصر والمقارنات والمقاربات... وهنا مفارقة، فالمملكة العربية السعودية أو الدولة السعودية في كل أطوارها توحدت على يد المتطوعين، وهذا بحث آخر ومفارقة نادرة في التاريخ، لماذا؟ لأن هؤلاء المتطوعين آمنوا بفكرة الدولة، ومشروعها. هذه الثنائية بين إنسان الأرض وقيادة البلاد التي حملت لواء مشروع إنسان الجزيرة هي التي صنعت هذه المعجزة.

الأمراء القادة

يواصل مانجان وصفه: «كان الأمراء يصدرون أوامرهم لتجنيد الناس في مناطقهم، وكان الذي يقود أولئك المتطوعين أحد الأعيان من كل مدينة ومن كل إقليم بنفسه إلى المكان الذي حُدد له. إنه قائدهم يقودهم مدة دوام الحرب، وكان جماعة كل إقليم يشكلون فرقة مستقلة تأتمر بأمر أميرها، الذي يسير في ركابه اثنان من الكتبة وإمام. الإمام تقتصر وظيفته على إقامة الصلوات في المعسكر، وهو في الوقت نفسه وسيط في المحادثات التي يمكن أن تجري، ولكنه نادراً ما كان يجد الفرصة لممارسة هذا الجانب من مهمته. يحمل كل محارب معه سلاحه ومؤونته وذخيرته، ويتلقى الفقير مساعدة الغني ليعد نفسه، ويتكفل الأغنياء بتوفير مستلزمات الحياة لأسرة ذلك الفقير، ويمكن لمن طلب منه الأمير الخروج للقتال أن يقدم بديلاً يجهزه بما يحتاج إليه، وإلا فهو مجبر على تقديم جمل أو حصان...». وهنا إشارة إلى الخيل والإبل ودورها في الجيوش.

التشكيل وتكتيك المعارك

يتابع مانجان في وثيقته: «لا يتلقى جنود المشاة أو الهجانة أي راتب. أما الفارس فله ولحصانه مخصصات شهرية، والغنائم تُقسَّم أقساماً متساوية بين أفراد الجيش كله، ويتساوى في هذه الحالة وحدها القائد مع الجندي، ويذهب خُمس الغنائم إلى بيت المال الذي ترفده أيضاً عوائد العشور والغرامات، وعندما يسير الجيش في الليل أو في النهار يُختار أولئك الذين يسيرون في الطليعة والمؤخرة من خيرة الفرسان، ينتظم الجيش في رتل واحد أو عدد من الأرتال، حسب الظروف، ويقود كل أمير أبناء المنطقة التي يحكمها (والأمير هنا إما أنه أمير بلدة ما أو أمير قبيلة وما إلى ذلك)، أما الفرسان والهجانة، فإنهم يسيرون على رأس الجيش وفي ساقته، ويسير في الوسط رجال المدفعية والمشاة الذين يمتطون الجمال، ويحمل كل جمل جنديين مع مؤنتهما». وعدا الجوانب المادية والتموين نلحظ هنا ما يمكن أن نطلق عليه اليوم «(سرايا الاستطلاع) وكذلك التشكيل القتالي للجيش».

إن «لجنود الدرعية ميزةً على غيرهم، وتؤول إلى زعمائهم القيادة في المدن على الدوام. يأكل السعوديون إبان الحملات التمور، وربما غمسوها في حليب النوق الذي يشربونه يومياً، وقلما يأكلون الخبز واللحم، ويتقدمون إلى ساحة المعركة مشاة، ويتركون جمالهم وهجنهم خلفهم يحرسها الخدم؛ فإذا كانت الغَلَبة لعدوهم أصبحت هذه الحيوانات بمثابة متراس يتحصن المقاتلون خلفه، وتتألف كل كتيبة من أبناء المنطقة نفسها يقودهم أمير المنطقة وزعماء القرى، وتكون الصفوف مزدوجة، وعندما يتضح أن الصف الأول قد أنهكه التعب أو كثرت فيه الإصابات يستبدل به الصف الذي وراءه، ويحملون جثث القتلى لدفنهم، وأنه لمن العار ألا يؤدي الأحياء هذا الواجب الأخير تجاه القتلى». وكأن مانجان يتحدث عن الأنساق الهجومية أثناء القتال.

الأسلحة وسر الليل

يمضي مانجان واصفاً جيش «ابن سعود»: «تنسحب القوات بانتظام في حال الهزيمة. وفي حالة النصر لا يطارد المشاة العدو المنهزم، ولكن الفرسان والهجانة يظلون يناوشونه حتى يبتعد مسافة معينة ترتفع خلال المعركة أصوات السعوديين تنادي: (الله أكبر)، أو بعض العبارات المشابهة».

وفي وصفه للسلاح يقول: «يتسلح جندي المشاة ببندقية ذات فتيلة اعتاد أن يحشوها بسرعة، وبخنجر مغمد في الحزام، وجعبة يضع فيها الطلقات، ويحمل الفارس رمحاً وسيفاً، ويحمل بعضهم مسدساً، ويحضّر كل جندي البارود الذي يستخدمه ويصفي ملح البارود الذي يُستخرج من الجبال. وعندما يعسكر الجيش، يختار كل جندي مكانه، ويكون القائد في وسط المعسكر، ويضرب الفرسان طوقاً حول خيمته، وتوضع مواقع من المشاة والفرسان على مسافة فرسخ (5 كيلومترات) من المعسكر، ولهم كلمة سر يتعارفون بها بالليل، ويبدَّل المرابطون في هذه المواقع كل 24 ساعة». وهنا نلحظ نظاماً للمناوبات.

أما عن حراسة القائد، فيقول: «يقوم بحراسة قائد الجيش حراس متميزون. يخلد الجنود إلى النوم في النهار، ولا نرى القوات إلا في أوقات الصلاة التي يؤدونها 5 مرات في اليوم. وفي الليل يصحو الجميع ويسمرون ويرتلون القرآن ويقصون الحكايات. وعند طلوع الفجر، وبعد صلاة الصبح، يهجع الجميع».

الجزاءات العسكرية

«نادراً ما تحدث مشاحنات وخصومات. إن النظام قاسٍ؛ فالزعيم الذي يخلّ بواجباته، والذي يأتي من الأفعال ما يجعل الآخرين يشكون منه يُزاح من منصبه، وفي بعض الأحيان تُفرَض عليه غرامة. أما عقوبة الجندي فهي القرع بالعصا، وعندما يكون الفعل الذي أتاه يستحق الموت يُقطَع رأسه وينال العقوبة نفسها إذا لاذ بالفرار أمام العدو. يتميز السعوديون بالقناعة ويصبرون على الجوع والعطش، وقد يقضون يومين بلا شراب ولا طعام، ولم تصدر عن أي منهم أي شكوى».

الملابس والمأكولات

وبما أننا نتحدث عن الجيش، فلعلنا نعرج على وصف الملابس، ومانجان نفسه حينما يصف ملابس ذلك الزمن يقول: «تتألف ملابس أهل نجد عموماً من سروال قطني وثوب، يلبسون فوقه العباءة، ويرتدي الموسرون فوق الثوب قفطاناً من الجوخ، ويغطي الجميع رؤوسهم بغطاء مصنوع من القطن مخطط بالأحمر والأخضر، ويُطوى غطاء الرأس على شكل مثلث، وهو موشّى في أطرافه بأهداب، وينحدر حتى الظهر والكتفين، وينتعلون نوعاً من الأخفاف لها رباطات جلدية تربط فوق القدم».

أما ما يتناولونه من مآكل ومشارب، فيقول مانجان: «وشُرْب القهوة متعة لا تدانيها متعة لديهم؛ يشربونها مخلوطة بالقرنفل والقرفة. والتمور والحليب غذاؤهم الأساسي: والخبز بالنسبة لديهم من الكماليات. وباستثناء لحم بعض الطيور لا يأكلون إلا لحم الغنم والماعز والغزلان».

ومن وصف مانجان لجيش الدولة السعودية وطريقته القتالية، يتبين أنه يصف جيشاً منظماً حتى وإن كان من المتطوعين. وإذا تمعَّنا في شكل أو نموذج القوة العسكرية السعودية منذ ستة قرون والملابس والمأكولات التي أوردها مانجان ووسائل النقل من خيل وإبل، يتضح أن هذه العناصر أو المكونات استمرت؛ بل وحتى المهام العسكرية لتلك القوات بقيت كما هي في أطوار الدولة السعودية الثلاثة؛ فبالإضافة للمهام القتالية، كانت تقوم بمهمات أمنية، مثل حماية القوافل والمدن والموارد.

القوة العسكرية في عهد الملك عبد العزيز

بدأت التنظيمات العسكرية تتطور في عهد الملك عبد العزيز، ويرى المؤرخ العسكري السعودي اللواء الدكتور إبراهيم بن عويض العتيبي، أنها «تحوَّلت من القوة التقليدية التي استمرت من دخول الرياض (1319هـ - 1902م) إلى نشأة الهجر لتوطين القبائل وتشكيل الإخوان (1330هـ - 1912م) كقوة شبه نظامية، وصولاً إلى بناء القوات النظامية بعد انضمام الحجاز (1344هـ - 1925م)؛ حيث تشكلت قوات الهجانة كقطاع عسكري. وسنحاول هنا تتبُّع مسار القوة الوريثة لجيش التأسيس؛ فبعد استقرار الأوضاع في الحجاز صدر أمر الملك عبد العزيز بتسريح المقاتلين المرابطين هناك وتشكيل قوة جديدة من فرقتين؛ إحداهما في مكة والأخرى في المدينة، وذلك عام 1345هـ - 1926م. كما تم تشكيل فرق أخرى في باقي مدن الحجاز عامي 1346 و1347هـ - 1927 و1928م، وتم إلحاق أعداد من المقاتلين المسرَّحين بوحدات الهجانة أو بالشرطة أو بغيرها من التشكيلات العسكرية. ووفقاً للوزير والمستشار فؤاد حمزة، فإن القوات العسكرية السعودية، عام 1350هـ - 1932م كانت تتشكل من الشرطة والعسة، وقوة الهجانة، والقوات النظامية (الجيش)، وخفر السواحل، وحرس الحدود، والقوة الجوية، والجند المرابط (المجاهدين). ويُلاحَظ أنه (في عام 1349هـ - 1930م) كان هناك (ديوان الجهاد) المرتبط بـ(ديوان جلالة الملك الخاص)، للنظر في أحوال أهل الجهاد ومراقبتهم ومراقبة سلاحهم وإبلهم وأعطياتهم، وأهل الجهاد هنا هم حَمَلة السلاح الرسمي، ويصفهم إبراهيم العتيبي بـ(المرابطين في الرياض أو في القرى القريبة منها في أماكن معلومة لا يبرحونها إلا بإذن من الملك شخصياً، وهم بمثابة القوة العسكرية الجاهزة للطوارئ). وبينما يرى بعض المؤرخين أنهم جزء من الإخوان، أرى غير ذلك، إذ إن بعض المصادر التاريخية أشارت إلى أن (حرس الملك وخدمه هم جزء من أهل الجهاد)، وسيظهر معنا أيضاً مسمى المجاهدين، وهذا قد يبرر اللبس الذي وقع فيه بعض المؤرخين في الخلط بين المسميات».

كانت التشكيلات العسكرية تتطور وفقاً لمراحل تطور الدولة وظروفها، لذا صدر قرار من مجلس الوكلاء في عام 1354هـ - 1935م بإلغاء قوة الهجانة كقطاع عسكري، ووُزّعت بعض وحداتها على القطاعات العسكرية الأخرى، مثل الشرطة والجيش، وأعيد تشكيل البقية تحت اسم «ألوية المجاهدين»، وتحول اسم «ديوان الجهاد» إلى ديوان أو مكتب الجهاد والمجاهدين، وظل تابعاً لديوان الملك الخاص،

حتى ألحق في عام 1383هـ - 1963 بوزارة الداخلية وأصبح اسمه الإدارة العامة للمجاهدين، ووفقاً للعتيبي: «تولى هذا المكتب الإشراف على جميع شؤون ألوية المجاهدين وتوزيعهم وصرف مرتباتهم وتنظيم وحداتهم وترتيب وظائفهم وسجلات أسلحتهم، وتحوَّلت هذه الألوية إلى قوات احتياطية تتولى بعض المهمات، مثل حراسة بعض المنشآت والمشاركة في الحج ومع دوريات حرس الحدود. وهناك الكثير من التفاصيل حول هذه التطورات لا يتسع المجال لذكرها، لكن المؤرخ العسكري السعودي اللواء الركن خالد بن ناصر بن مرعيد يشير إلى أن ألوية المجاهدين (تحول اسمها إلى «الأفواج») تولَّت حماية خط التابلاين، إضافة إلى المشاركة في تأمين الحدود. ويؤكد الدكتور عبد العزيز بن نايف بن عبود أمير الفوج الأول في الحرس الوطني أن الفوجين الأول والثاني تأسسا بأمر من الملك عبد العزيز (رحمه الله)، في شهر محرم 1372هـ - سبتمبر (أيلول) 1952م، وكان مقرهما في الشميسي بين مكة وجدة، ثم انتقل الفوج الأول إلى بحرة (جنوب شرقي جدة) والفوج الثاني إلى الشرائع (شرق مكة).

الحرس الوطني نموذج لبناء الدولة

كانت نقطة التحول الكبرى بتحويل ألوية المجاهدين إلى مؤسسة عسكرية وتسميتها «الحرس الوطني» في عهد الملك سعود، ويحتاج التأريخ لنشأة لحرس الوطني وتطوره كمؤسسة عسكرية بهذا الاسم، خصوصاً في مراحله الأولى، إلى تتبُّع دقيق؛ فما زالت هناك صفحات غائبة في تاريخه. كما أن هناك زوايا مهمة تتعلق بالحرس الوطني كأنموذج لم تحظَ بما تستحقه من الدراسة والتوثيق: أولها أن الحرس الوطني مع الإدارة العامة للمجاهدين بوزارة الداخلية هما اليوم امتداد القوة العسكرية السعودية الأولى، إذا نظرنا إلى خصائصها ومواصفاتها وتوصيفاتها، بل وحتى مهامها المختلفة. وهذه نستطيع أن نجدها في بدايات وتكوين الحرس الوطني؛ فهي نفسها التي بدأت قبل ثلاثة قرون.

النقطة الثانية التي لم يُتطرق لها: أن الحرس الوطني يُعد نموذجاً من نماذج بناء الدولة التي بُنيت وفق نموذج سعودي مستقل. فالمملكة العربية السعودية لم يكن فيها مستعمر، ولم تنشأ وفق نماذج مستوردة، فكان هناك سعي لإيجاد النموذج المحلي (السعودي)، يؤكد ذلك ما ورد في المذكرة الإيضاحية التي أعدتها وزارة الخارجية في المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها عن الوضع العسكري والقوى المحاربة، وقدمها الوزير المفوّض في لندن، حافظ وهبة، إلى السكرتير العام لعصبة الأمم، السير إيرك روموند، في مؤتمر نزع السلاح بجنيف (1350هـ - 1932م)، وكان ذلك قبل إعلان توحيد البلاد وتسميتها «المملكة العربية السعودية». من بعض ما ورد في تلك المذكرة يمكن أن نستخلص الكثير عما أقصده بـ«النموذج السعودي»:

«...كما أن الأحوال الطبيعة والاجتماعية في هذه البلاد أحوال خاصة تكاد تكون هذه البلاد مستقلة بها، فكذلك التشكيلات العسكرية؛ فإنها تشكيلات خاصة لا تشابه ما هو معروف في الدول المعاصرة، ولكنها على كلّ تشكيلات أساسها طبيعة البلاد وأحوال سكانها، وعمادها الشكل الأكثر انطباقاً على خواص البادية وعلى موارد البلاد الضئيلة، وهي أيضاً مرتبطة بالوقت القصير الذي انقضى على قيام هذه الحكومة بشكلها الحاضر، ومتصلة بما ورثته عن الحكومات السابقة من عتاد وتشكيلات محدودة. وليس من شك في أن إحداث تشكيلات عسكرية لحفظ النظام الداخلي فقط في هذه البلاد الشاسعة على أساس التشكيلات المتبعة في الدول المعاصرة أمر يستغرق ميزانية الدولة، وتعجز مقدرتها المالية على تحمل هذه التبعات، ولكن الحكومة عملت كما ذكرت على طراز مخصوص يجمع بين ضعف المقدرة المالية وضرورة تأمين الأمن. وقد اعتمدت إلى أقصى حد ممكن على الهيبة الحكومية، واستفادت منها كل الاستفادة، ولولا ذلك لما كان لها من مواردها ما يكفي لإكمال تسليحها على الطراز الحديث، كما أنه لم يمضِ عليها الوقت الكافي لإحداث هذه التشكيلات. من أجل هذا كله، أحب أن أوضح بصراحة تامة أن التشكيلات المالية في البلاد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعبر عما يجب أن يكون موجوداً، ولا عن الذي يكفي فعلاً لحفظ الأمن الداخلي والاستعداد للطوارئ».

وإذا نظرنا إلى الحرس الوطني وتشكيلاته وتكويناته، فهمنا لماذا نعدّه نموذجاً من نماذج بناء الدولة؟ لأنه ليس مؤسسة عسكرية فقط، بل مؤسسة حضارية. فإلى جانب البعد العسكري، هناك الأبعاد التعليمية والثقافية والصحية. فعند النظر إلى التعليم نجد عدداً كبيراً من حَمَلة الشهادات العليا بين منسوبيه، وكثير من هؤلاء يمثلون الجيل الأول أو الثاني لأسر لم تحصل على أي تعليم، ناهيك بدور الحرس الوطني في محو الأمية، وامتلاكه لمنظومة تعليمية متطورة، كما يمتلك واحدة من أرقى المنظومات الصحية العالمية. إضافة إلى أن الحرس الوطني كان هو الأمين ولعقود على الإرث الثقافي السعودي ممثلاً في الخيل والإبل التي ارتبطت بهذه الأرض وإنسانها وثقافتها وحضارتها، من خلال كتيبة الفرسان ثم نادي الفروسية، وسباقات الهجن ومهرجاناتها. كما ساهم في الحفاظ على موروث العرضة السعودية (رقصة الحرب) والشعر (إعلام الحرب)، والملابس والمأكولات وغيرها من الجوانب التراثية من خلال مهرجان الجنادرية. وكل جانب من هذه الجوانب يستحق دراسة مستقلة.

مؤسسة الصهر الوطني

لكن النقطة الأهم في تقديري، فضلاً عن الجوانب الحضارية والوشائج التاريخية المرتبطة بالحرس الوطني؛ أنه كان مؤسسة للصَّهْر الوطني بين أبناء مختلف القبائل والمناطق ومكوناتها الاجتماعية، الذين انصهروا في كيان الحرس الوطني، ليشكلوا نموذجاً من نماذج الوحدة الوطنية والمجتمعية في المملكة العربية السعودية، وحصناً من حصونه المنيعة، ومؤسسة من مؤسساته الحضارية، ومَعلَماً من معالمه التنموية؛ كيف لا وهو الامتداد والعمق لجذور القوة العسكرية السعودية، التي تأسست مع بدايات تكوين الكيان السياسي للدولة السعودية قبل ثلاثة قرون بقيادة الإمام محمد بن سعود.


مقالات ذات صلة

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

ثقافة وفنون الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» السعودي، دشنّ الدكتور إبراهيم المطرف كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (الشرق الأوسط)

الملك سلمان: تأسيس دولتنا قام على التوحيد والعدل وجمع الشتات

أكد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، أن الدولة السعودية قامت على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة سعودية الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل (وزارة الرياضة)

الفيصل مهنئاً بيوم التأسيس: السعودية ستواصل مسيرة التمكين

رفع الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل وزير الرياضة رئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، خالص التهنئة والتبريكات للقيادة في البلاد بمناسبة يوم التأسيس.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج مئات الوثائق في وسط الجزيرة العربية تؤكد تمسك وتشدد السكان بالدين (صور من الباحث)

فقدان التاريخ السياسي لم يغيب المظاهر الدينية في المنطقة

عدَّ الباحث الدكتور راشد بن عساكر، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن فقدان التاريخ السياسي وسط الجزيرة العربية لم يغيّر المظاهر الدينية

بدر الخريف (الرياض)
رياضة سعودية رونالدو محتفلا مع لاعبي النصر بعد الفوز على الحزم (موقع النادي)

«بشت التأسيس» يزين احتفالات رونالدو بصدارة النصر

قاد الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو احتفالات النصر باستعادة صدارة الدوري السعودي للمحترفين، مرتديا البشت السعودي بطرازه القديم والتاريخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

السعودية تؤكد تضامنها مع قطر إثر استهداف ناقلة الغاز «المايده» بالخليج

«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
TT

السعودية تؤكد تضامنها مع قطر إثر استهداف ناقلة الغاز «المايده» بالخليج

«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)

أدانت السعودية، الأحد، بأشد العبارات، استهداف ناقلة الغاز الطبيعي المسال «المايده»، التابعة لشركة «قطر لنقل الغاز»، في مياه الخليج العربي، مجددةً رفضها لكافة الانتهاكات التي تهدد أمن وسلامة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية.

وأكدت السعودية تضامنها مع قطر في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية ناقلاتها البحرية وسلامة تجارتها الدولية، مشددةً في بيان لوزارة خارجيتها على أهمية اتخاذ المجتمع الدولي للإجراءات العاجلة لضمان الأمن البحري وسلامة التجارة الدولية، وتطبيق القانون الدولي في هذا الشأن.

كما أدان مجلس التعاون الخليجي بأشد العبارات الاعتداء، وشدد جاسم البديوي، الأمين العام للمجلس، على أن استهداف ناقلات الطاقة يمثل تصعيداً خطيراً يمس أمن المنطقة، ويعرض الأرواح والممتلكات وحركة الاقتصاد العالمي للخطر.

وأكد البديوي أن الممرات البحرية يجب أن تظل آمنة أمام الملاحة والتجارة، محذراً من التبعات التي قد تنجم عن استهداف ناقلات الغاز، سواء على البيئة البحرية أو على انتظام تدفقات الطاقة واستقرار الأسواق، ومؤكداً ضرورة محاسبة مرتكبي هذا الاعتداء الآثم.

وجدد البديوي دعم المجلس للتدابير والإجراءات التي تتخذها قطر لصون مقدراتها وحماية ممتلكاتها، وفي مواجهة كل ما يهدد أمنها ومصالحها.

وكانت قطر قد أعلنت في وقت سابق تعرض ناقلة للغاز الطبيعي المسال للاستهداف في الخليج العربي، وأعربت وزارة الخارجية القطرية في بيان عن إدانة قطر واستنكارها «الشديدين» للهجوم الذي استهدف الناقلة أثناء إبحارها في الخليج العربي، وعدّته «عملاً خطيراً يهدد سلامة الملاحة البحرية وأمن إمدادات الطاقة العالمية».

وشددت الدوحة احتفاظها بحقها في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، وفقاً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لحماية ممتلكاتها وصون مصالحها وضمان سلامة سفنها وأطقمها، مشيرةً إلى أن الجهات المختصة قد شرعت في إجراء التحقيقات اللازمة للوقوف على ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه.

وحذرت الوزارة من خطورة هذه الممارسات العبثية وغير المسؤولة، وما قد يترتب عليها من تداعيات جسيمة على أمن المنطقة واستقرارها والاقتصاد العالمي، لا سيما المخاطر البيئية المحتملة الناجمة عن استهداف ناقلات الطاقة، وانعكاساتها الخطيرة على البيئة البحرية والأمن المائي لدول المنطقة.

وكانت شركة «قطر لنقل الغاز المحدودة» (ناقلات) قد أكدت أن ناقلتها للغاز الطبيعي المسال «المايده» تعرّضت لهجوم بأجسام مجهولة أثناء إبحارها في الخليج العربي مساء أول أمس الجمعة.

وقالت الشركة، في بيان نشرته البورصة القطرية على موقعها الإلكتروني: «لم يُصَب أيٌّ من أفراد الطاقم على متن السفينة، كما لم يُسفر الحادث عن أي تأثير على البيئة».

وأضافت أن «السفينة في وضع آمن وقادرة على التحكم بقدراتها، ويجري تقييم الآثار الناجمة عن الحادث»، مشيرة إلى أن «ناقلات» تواصل التنسيق المباشر مع السفينة وطاقمها، والجهات المعنية بالأمن البحري في المنطقة، لضمان سلامة الطاقم، وتتابع مستجدات الوضع عن كثب، مؤكدة أن سلامة كوادر الشركة وحماية البيئة والحفاظ على أصولها على رأس أولوياتها.


«حوار المنامة» يختتم أعماله بالدعوة إلى احتواء التصعيد وحماية الممرات البحرية

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
TT

«حوار المنامة» يختتم أعماله بالدعوة إلى احتواء التصعيد وحماية الممرات البحرية

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)

هيمنت المخاوف من تجدد الحرب مع إيران، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الترتيبات الأمنية الخليجية، على ختام منتدى «حوار المنامة 2026»، الأحد، وسط دعوات خليجية إلى احتواء التصعيد، وتعزيز الدفاع المشترك، وتحركات دولية لتطوير التعاون العسكري والاقتصادي لحماية الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.

وبينما دعت البحرين إلى إطار أمني إقليمي يظل مفتوحاً أمام إيران شريطة احترام السيادة والقانون الدولي، أعربت الإمارات عن أملها في تحقيق اختراق دبلوماسي يمنع مواجهة جديدة، مؤكدة استعدادها لأسوأ الاحتمالات. وشددت السعودية على أن حماية المضائق مسؤولية دولية مشتركة، بينما برزت توجهات فرنسية وبريطانية لتعزيز التنسيق البحري، واهتمام ياباني بتوسيع التعاون مع دول الخليج.

وقال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية»، إن أمن الخليج يجب أن يُصاغ بمشاركة دول المنطقة نفسها، داعياً إلى إطار إقليمي يقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل، وحرية الملاحة، ونبذ التهديد بالقوة.

وأكد أن هذا الإطار ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام جميع دول الجوار المستعدة للالتزام بهذه المبادئ، مضيفاً أن الباب «يبقى مفتوحاً، لإيران كما لغيرها، لكنه يفضي إلى القواعد لا إلى الاستثناءات، وإلى الأفعال لا إلى النوايا».

وكشف الزياني أن دول مجلس التعاون والأردن تعرضت خلال العام الحالي لما يقارب 7 آلاف هجوم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ «كروز»، طالت منشآت مدنية واقتصادية، بينها مطارات وموانئ ومراكز بيانات.

وأشار إلى تعطل نحو 1600 سفينة في مضيق هرمز منذ اندلاع الأزمة، وتأثر أكثر من 23 ألف بحار بقيود الملاحة، محذراً من انعكاسات الاضطرابات على أسواق الطاقة وإمدادات الغذاء والدواء.

ودعا إلى آلية دولية لحماية الملاحة البحرية والجوية، وإقرار مبادئ تمنع استخدام المضائق والكابلات البحرية أدوات للضغط أو التهديد، مشيراً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي قدمته البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن، وحظي بدعم 136 دولة.

كما أدان الهجمات الحوثية على السعودية، مؤكداً تضامن البحرين معها، ومحذراً من امتداد التهديدات إلى البنية التحتية الرقمية والكابلات البحرية ومراكز الذكاء الاصطناعي.

الإمارات تحذر من مواجهة جديدة

من جانبه، أعرب أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، عن أمله في نجاح المساعي الدبلوماسية الجارية لاحتواء الأزمة بين واشنطن وطهران.

وقال: «نأمل في حدوث اختراق دبلوماسي... لا نرغب في رؤية جولة أخرى من المواجهة»، مضيفاً: «مع ذلك، وكما أظهرنا في مناسبات سابقة، فإننا على استعداد للأسوأ».

وشدد قرقاش على أهمية الشراكات الإقليمية، والاندماج الاقتصادي، واحترام سيادة الدول، محذراً من استمرار دور الميليشيات المسلحة في تقويض الاستقرار، وداعياً إلى تجنب تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الصراعات الدولية.

الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية (الشرق الأوسط)

السعودية: حماية المضائق مسؤولية دولية

وفي جلسة «الأمن البحري عند نقطة تحول حاسمة»، أكد الفريق البحري فهد بن عبد الله الغفيلي، نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية، أن التهديدات التي تواجه الممرات البحرية تمس مصالح جميع الدول، وتستوجب استجابة جماعية لحماية الملاحة والتجارة الدولية.

وشدد على رفض استخدام المضائق أدوات للضغط السياسي والعسكري، مؤكداً أن «الأمن البحري ليس مسؤولية دولة واحدة، والقوة لا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون».

وأوضح أن الرؤية السعودية تقوم على احترام سيادة الدول، وضمان حرية الملاحة، ورفض الاعتداء على السفن المدنية والعسكرية، داعياً إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، والتنسيق الدولي، وتطوير آليات لخفض التصعيد قبل تحول التهديدات إلى أزمات.

وأكد أن حماية الممرات البحرية لا تعتمد على القدرات العسكرية وحدها، بل تتطلب الالتزام بالقانون الدولي، والتواصل بين الدول خلال الأزمات.

«مجلس التعاون»... التمسك بالدبلوماسية مع إيران

وفي موقف سعودي خليجي موازٍ، دعا جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون، المجتمع الدولي إلى إلزام إيران بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2817، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وقال البديوي، خلال مشاركته في «منتدى بوابة الخليج 2026» الاقتصادي الذي انعقد في المنامة بالتزامن مع ختام المنتدى الأمني، إن دول المجلس تمكنت من احتواء تداعيات الاعتداءات الإيرانية على قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، والحفاظ على استمرارية أنشطتها الاقتصادية.

وأكد أن التكامل الخليجي أصبح «ضرورة استراتيجية» لمواجهة الأزمات، مشيراً إلى جهود تطوير شبكات الربط والنقل والطاقة، وتعزيز التعاون الدفاعي والأمني.

تحركات فرنسية

وعلى صعيد الشراكات الدولية، عرض مسؤول عسكري فرنسي خلال جلسة الأمن البحري ملامح مبادرة متعددة الجنسيات، بالتعاون مع بريطانيا، لتعزيز حماية الملاحة في مضيق هرمز، تشمل التنسيق بين القوات البحرية، والاستعداد لاختبارات ميدانية للجاهزية.

وتهدف المبادرة، وفق التفاصيل التي عُرضت خلال المنتدى، إلى حماية السفن والتعامل مع تهديدات الألغام البحرية، دون أن تعني انخراط فرنسا المباشر في الحرب مع إيران.

أكد الأدميرال يانيك بوسو، قائد القوات الفرنسية المشتركة في المحيط الهندي، خلال «حوار المنامة 2026»، أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز منذ فبراير (شباط) الماضي ألحق أضراراً بالتجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن المضيق كان يستوعب قبل الأزمة نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحراً عالمياً.

وكشف بوسو عن تقدم مبادرة دفاعية متعددة الجنسيات تقودها فرنسا وبريطانيا لحماية الملاحة، ومواجهة تهديدات الألغام البحرية، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 15 دولة، موضحاً أنها بلغت مرحلة الجاهزية العسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع الاستعداد لتنفيذ تمرين ميداني خلال الأسابيع المقبلة. وأكد أن فرنسا ليست طرفاً في الحرب، وأن المبادرة ذات طبيعة دفاعية، مشدداً على أن ضمان أمن الملاحة يتطلب التعاون الدولي، والالتزام بالقانون الدولي، وأن الحل المستدام للأزمة يظل رهناً بالدبلوماسية.

وشهد اليوم الختامي لـ«حوار المنامة» جلستين تناولتا الأمن البحري وحوكمة الأمن العالمي. وناقشت الأولى، بمشاركة مسؤولين من السعودية والهند وسنغافورة وفرنسا، حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة وأمن التجارة وإمدادات الطاقة، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات.

وتعكس المناقشات التي شهدها اليوم الختامي للمنتدى اتجاهاً يجمع بين تعزيز قدرات الردع والدفاع، والإبقاء على المسار الدبلوماسي مع إيران، في ظل إدراك متزايد بأن أمن الخليج والممرات البحرية لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل يرتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.


محافظ تعز عن الحصار: المجتمع الدولي اكتفى ببيانات الإدانة

حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

محافظ تعز عن الحصار: المجتمع الدولي اكتفى ببيانات الإدانة

حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

أكد نبيل شمسان، محافظ تعز اليمنية، أن المدينة لم تحظَ بإسناد كامل من المنظمات الدولية التي اكتفت بإصدار البيانات والتعبير عن القلق، دون ترجمة ذلك إلى خطوات عملية تسهم في تخفيف معاناة السكان، مشدداً على أن الحل لفك الحصار إما بالتراجع إلى ما قبل الحرب وإما بالمواجهة والحسم العسكري.

وكشفت بيانات صحية حديثة عن ارتفاع حاد في معدلات الوفيات والنزوح في المدينة؛ إذ أظهرت إحصاءات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، ومؤرخة في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ارتفاعاً كبيراً في وفيات الأمهات بنسبة 450 في المائة، وتصاعد عدد الأسر النازحة من 4721 إلى أكثر من 28 ألف أسرة؛ في مؤشرات مأساوية تعكس حجم التداعيات الكارثية التي خلَّفها الحصار على السكان والقطاع الصحي.

وقال محافظ تعز لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية انتقلت من محاصرة المدينة عبر ثلاثة اتجاهات لتطويقها من الجهات الأربع، مؤكداً أن المواجهات تتواصل على مختلف الجبهات، وأن السلطة المحلية تتحرك عبر أربعة مسارات للتواصل مع الجهات والمنظمات الدولية لتأمين الاحتياجات الإنسانية، في وقت لا يزال فيه وصول المساعدات الطبية مرهوناً بتحديد الطرق الآمنة لدخول المدينة.

وبيّن أن المسار الأول تمثل في التواصل والاتفاق مع إحدى المجموعات المدنية لإدخال كميات من المواد الغذائية، إلى جانب استئناف دخول إمدادات البترول والديزل القادمة من عدن ولحج، والتي توقفت منذ شهر، فيما تواصلت السلطة المحلية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لديها أربعة أطقم محملة بالعلاجات في الطريق إلى المدينة، إلا أن الطريق الذي ستسلكه للوصول إلى تعز لم يتحدد حتى الآن.

نقص واسع في الوقود والأدوية تواجهه مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وأشار شمسان إلى التواصل مع برنامج الأغذية العالمي بشأن تقديم السلال الغذائية أو تحويل قيمتها إلى مبالغ نقدية، إلى جانب الحصول على دعم لمادة الديزل من بعض المنظمات، مؤكداً أن الإسناد الأساسي في هذا الجانب يأتي من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، الذي يعمل على تغطية خروج المنظمات، سواء الدولية أو منظمات المجتمع المدني التي توقف تمويلها، لافتاً إلى التواصل الدائم مع القيادة السياسية في الحكومة الشرعية.

المواجهات تتسع

وعن التطورات العسكرية، أشار محافظ تعز إلى أن أشد المواجهات تتركز في مديرية صَبِر، ومشرعة وحدنان، والمشراق، وباتجاه المطار القديم، مشدداً على أن أبناء المدينة أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عنها حتى آخر لحظة، وأن هذا الدفاع من قاطني المدينة لا يقتصر على رقعة جغرافية فحسب، وإنما عن الثورة والجمهورية والمكتسبات الوطنية كافة، في مواجهة ميليشيات قال إنها قَدِمت لتغيير الهوية الوطنية والدينية، وهو ما لا يقبله أبناء تعز بأي شكل من الأشكال.

الحل والإدانات

وشدد شمسان على أن الحسم العسكري مع الميليشيات الحوثية هو الحل للتعامل معها، مشيراً إلى ضرورة خروجها أولاً من المناطق التي سيطرت عليها قبل الحرب الأخيرة، بما يفتح الباب أمام أي تفاهمات ممكنة.

وقال إن الميليشيات لا تزال مصرَّة على مواصلة عدوانها، من خلال الحشد المكثف للقوات، واستمرار استهداف الداخل والخارج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والمنشآت المدنية والمقدسات فيها.

وفيما يتعلق باستجابة المجتمع الدولي، قال محافظ تعز إن المجتمع الدولي اكتفى بإصدار بيانات التنديد والاستنكار، دون اتخاذ أي حراك على الأرض لوقف ما وصفه بالعبث، وما تقوم به الميليشيات من جرائم.

وبالعودة إلى البيانات الصحية التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» والصادرة عن مكتب الصحة العامة والسكان في محافظة تعز اليمنية، فإنها تفيد بتراجع الخدمات الطبية وارتفاع الوفيات والنزوح في المناطق المحاصرة؛ إذ ارتفعت وفيات الأمهات بنسبة 450 في المائة، وزاد عدد الأسر النازحة إلى مناطق الحصار من 4721 إلى 28100 أسرة، فيما زاد عدد الأفراد من 31406 إلى 196700 شخص، بزيادة بلغت 84 في المائة.

وأظهر التقرير أن إجمالي مرضى الفشل الكلوي انخفض من 1110 مرضى قبل الحصار إلى 516 مريضاً بعده، بالتزامن مع تراجع جلسات الغسيل الكلوي الشهرية من 8880 إلى 4128 جلسة، في مؤشر على اتساع الفجوة في تقديم الرعاية الطبية للمرضى المزمنين والحالات الطارئة.

2.5 مليون يمني تحت حصار الحوثيين في مدينة تعز (أ.ب)

حديثو الولادة

وفي خدمات رعاية الأطفال حديثي الولادة، انخفض عدد الحاضنات العاملة من 160 إلى 78 حاضنة، بتراجع نسبته 51.3 في المائة، كما تراجع عدد الأطفال المستفيدين من الخدمة شهرياً من 592 إلى 288 طفلاً، بانخفاض نسبته 51.4 في المائة، فيما سجلت وفيات حديثي الولادة ارتفاعاً من 95 إلى 132 حالة شهرياً، بزيادة 38.9 في المائة، كما ارتفعت وفيات الأمهات من حالتين إلى 11 حالة، ووفيات الأطفال دون الخامسة من 3 إلى 5 حالات شهرياً. وعزا التقرير تفاقم وفيات حديثي الولادة إلى نفاد مخزون المحروقات والأكسجين والأدوية، إلى جانب نقص النفقات التشغيلية.

في المقابل، ارتفعت الحالات الإجمالية التي تستقبلها المستشفيات في تعز بشكل قياسي وفق البيانات الواردة في التقرير، الذي ربط تدهور الأوضاع الصحية والبيئية بتكدس القمامة ومياه الشرب غير النظيفة، فيما أشار إلى تأثير الحرب والقصف المتواصل على الأحياء السكنية في ارتفاع الإصابات الجراحية.

سوء التغذية

وفي ملف سوء التغذية، ارتفع عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم والمنقطعين عن خدمات التغذية من 455 إلى 528 طفلاً شهرياً، بزيادة 16 في المائة، كما ارتفعت أعداد الأطفال الذين يتلقون العلاج في مراكز التغذية العلاجية للحالات الوخيمة المصحوبة بمضاعفات من 36 إلى 45 طفلاً.