«الصندوق العالمي للآثار» في جولة خليجية استكشافية

رئيسته التنفيذية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هدم الأبنية القديمة وإعادة بنائها يجعلانها كأنها «ديزني لاند»

تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)
تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)
TT

«الصندوق العالمي للآثار» في جولة خليجية استكشافية

تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)
تكية إبراهيم الجولشاني في القاهرة (موقع الصندوق العالمي للآثار)

الجولة الاستكشافية التي قام بها وفد «الصندوق العالمي للآثار» المؤلف من 50 شخصاً، وشملت الكويت والبحرين والسعودية، صادف أن جاءت مع احتفال هذه المنظمة بالعيد الـ60 لانطلاقتها، وهي تسعى إلى أن توسّع أعمالها باتجاه الخليج العربي.

تقول بينيديكت دو مونلور، الرئيسة التنفيذية لـ«الصندوق العالمي للآثار»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نزور الخليج، لأن المنظمة تكبر، وثمة أشخاص جدد انضموا إلى مجلس الإدارة، من بينهم الشيخة مي آل خليفة. وهي حالياً، الشخصية العربية الوحيدة في المجلس».

مديرة الصندوق العالمي للآثار بينيديكت دو مونلور

وتشرح بينيديكت أن «هذه كانت رغبتنا، نظراً لدور الشيخة مي المهم في الحفاظ على التراث في البحرين، ونتطلّع لانضمام مزيد من الأعضاء العرب، والتعاون مع شركاء في المنطقة؛ نظراً لغناها التراثي». وترى أن العرب أنفسهم، باتوا أكثر اهتماماً بقضايا الآثار والحفاظ عليها، و«لدينا في المجلس الاستشاري نحو 20 شخصية عربية، بينهم من الكويت والسعودية والبحرين».

د. إيلي فلوطي ممثلاً للصندوق

ويدعم «الصندوق العالمي للتراث» مشاريع في العالم العربي، منذ 30 سنة، عمل خلالها على 70 مشروعاً، كلفت نحو 40 مليون دولار، لكن ليس له مركز رسمي عربي. وقد اختار الصندوق مؤخراً الدكتور إيلي فلوطي ممثلاً له في المنطقة العربية. «هو يمثلنا في مسائل الشراكة والتواصل. أما افتتاح مكتب رسمي، فهي فكرة جدّية نعمل على دراستها، ليكون أسوة بمكاتبنا في بقية أنحاء العالم».

الدكتور إيلي فلوطي (خاص الشرق الأوسط)

ويقول الدكتور فلوطي لـ«الشرق الأوسط» إن دوره هو التعريف بالصندوق. لأنه رغم المشروعات المهمة التي أنجزتها المنظمة في مصر والمنطقة، بقيت غير معروفة من قبل الناس. «ثمة تقصير. وعملي أن أسدّ هذه الفجوة. كما أنني إضافة إلى التواصل مع الإعلام أنسّق مع الحكومات والجهات المعنية، والمؤسسات، وأشرح ماهية المشروعات التي تحتاج إلى تمويلات».

حالياً، يعمل الصندوق على أكثر من مشروع عربي. في العراق يُرمّم متحف الموصل الذي دمّره «تنظيم داعش»، وكان قد بناه المهندس محمد مكية. وهناك ورشة في موقع بابل، وقلعة أربيل، هذا فيما يتعلق بالعراق. وفي اليمن ورشة في مدينة تعز القديمة، ويجري ترميم قصر الإمام. وفي مصر مشروعات أيضاً، أحدها في القاهرة القديمة في باب زويلة، في تكية إبراهيم الجولشاني، وثمة عمل على الموقع الفرعوني أبيدوس. وتعمل المنظمة بالتعاون مع الحكومات والسكان المحليين لتنفيذ مشروعاتها، وتساعد في توفير التّمويل والخبرات.

جانب من ورشة بابل (موقع الصندوق العالمي للآثار)

تحضير ملفات «اليونيسكو»

ويعمل الصندوق مع الحكومة الكويتية لتحضير الملف الذي سيُقدّم لـ«اليونيسكو» لوضع جزيرة فيلكا على لائحة التراث العالمي. في هذه الحالة، تقول بينيديكت: «شكّلنا فريقاً من أثريين ومهندسين ذهبوا إلى الجزيرة بحثوا ووثقوا، وحضّروا جزءاً من الملف الذي يُفترض أن يكون قوياً ومتماسكاً». لهذا فإن مهمات الصندوق العالمي ذات طبيعة متعدّدة، تختلف تبعاً للحاجة. فقد سبق لهذه المنظمة أن عمِلت مع العراق لتحضير ملف موقع بابل، وحضّرت مع الحكومة البيروفية، ملف موقع مجمع شنكيلو، الذي أُدرج منذ سنتين على لائحة التراث العالمي. هو نوع من الملفات يحتاج وجوداً على الأرض، للتوثيق والبحث وتعاوناً بين الخبراء الدوليين والجهات المحلية والحكومات التي هي من تقدم الملف، في نهاية المطاف.

60 سنة مع التراث

وبحسب بينيديكت فإن «الصندوق العالمي للتراث» بات المنظمة غير الحكومية الأولى عالمياً في الحفاظ على التراث. ويقع مركز الصندوق في نيويورك، وله مكاتب في البيرو ولندن، وباريس، وإسبانيا، والبرتغال، والهند، وسجّل في الصين، وله مشروعات في 112 دولة، وعمل على 700 موقع أثري. وكان قد أسّسه الكولونيل جيمس أ. جراي عام 1965، وبدأ عمله بالاهتمام بكنائس منحوتة في الصخر بإثيوبيا، وبعد الفيضانات القياسية التي ضربت مدينة البندقية عام 1966، حشد الكولونيل جراي جهوده لحماية كنوز التراث الإيطالي.

من ورشة بابل (موقع الصندوق العالمي للآثار)

وهدف الصندوق إنقاذ المعالم الأكثر تهديداً، سواء بسبب الحروب أو تحوّلات المناخ. وهذا الأخير هو سبب أساسي يتهدّد التراث في غالبية دول العالم باستثناء المنطقة العربية، حيث إن الغالبية الساحقة ممن أرسلوا طلبات مساعدة للمنظمة، يشتكون مما خلّفته الحروب من دمار، في سوريا كما في ليبيا والعراق وفلسطين. وتُشدّد بينيديكت على أن الصندوق يقوم على جهود الأفراد، ولا علاقة له بالسياسة، بل مهمته تحفيز الحكومات والهيئات على الاهتمام بالآثار.

25 موقعاً للمراقبة والمتابعة

ويعلن «الصندوق العالمي للتراث» عما يسميه «قائمة مواقع مراقبة الآثار» كل سنتين مرة، وتشمل 25 معلماً. وتضمنت لائحة عام 2025، مواقع مثل أديرة وادي درينو، بألبانيا، والنسيج العمراني التاريخي لمدينة غزة، بفلسطين، وخزانات المياه في المدينة العتيقة في تونس، والمدينة التاريخية لأنطاكيا. وأتت الاختيارات من بين مائتي طلب وصلت للمنظمة.

يُموّل الصندوق من جهات مختلفة، شركات وأفراد ومؤسسات، تذكر منها بينيديكت شركات: «أكور»، و«تيفاني» في اليابان، و«تاتا» في الهند، وهناك مشاركة لحكومات، مثل مشروع بابل المُمول من الدولة الأميركية، ومتحف الموصل المُمول من مؤسسة «ألف». وتشرح أن الدول التي تحسم من ضرائب مواطنيها، كما في أميركا وأوروبا عند دفع تبرعات، غالباً ما تجد فائدة في دفع الأموال للتراث أو قضايا أخرى، للاستفادة من التخفيضات الضريبية. «في العالم العربي الناس يعطون بدوافع اجتماعية ودينية وإنسانية، والآن جاء دور الثقافة، وهو أمر جيد. نحن ندعو الجميع للمساهمة في هذا المجال والعناية بترميم المعالم التراثية».

جولة الكويت والسعودية

مع توسع عمل «صندوق التراث العالمي» نما عدد الأعضاء المنضمين إليه. «والمنطقة العربية مهمة جداً، لأنها مهد الحضارات». لهذا تُعدُّ مديرة الصندوق أن لقاء الوفد الذي يزور المنطقة مع شخصيات خليجية، مثل الشيخة حصة آل الصباح، في الكويت، وهي من مؤسسي دار الآثار الإسلامية، وزيارة مكان مخصص لغزل الصوف، والحياكة والنسيج، أمر مهم. «لأننا نُركّز على الآثار والعمارات بوصفها تراثاً مادياً، لكننا معنيون أيضاً بالتراث غير المادي. لهذا كان جميلاً أن نرى شغل الصوف، وبيت الشيخة حصة الذي هو من هندسة حسن فتحي، وأن نزور المسجد الكبير في الكويت».

وبعد السعودية التي زار فيها الوفد العلا وجدة، واستفاد من وجود «بينالي الفنون الإسلامية»، تجد بينيديكت أنهم «في السعودية باتوا يدعمون التراث أكثر من أي بلد في العالم».

متحف الموصل يُرمّم بعد أن دمّره «داعش» (موقع الصندوق العالمي للآثار)

مركز الشيخ إبراهيم نموذج رائع

وفي البحرين جال الوفد في المحرق، وعدّت مديرة الصندوق أنها من المدن القليلة التي احتفظت بتاريخها، ممّا يُعطيها روحها، خصوصاً طريق اللؤلؤ، ومركز الشيخ إبراهيم ببيوته القديمة المرمّمة. تعقب قائلة: «حين يتحمّس الناس للجديد، ويتخلصّون من هذه المباني القديمة، ويتم القضاء عليها، نجد استعادتها مستحيلة، وإذا ما حاولنا بناءها مرة أخرى تُصبح مثل (ديزني لاند). لذلك يجب الحفاظ عليها، والاهتمام بها، وإعارتها العناية اللازمة». ويُعدّ مركز الشيخ إبراهيم نموذجاً رائعاً، «حيث نرى بيوتاً قديمة رُمّمت بمهارة، وبميزان دقيق يجمع بين التاريخ والحداثة. إنها تنبض بالروح، وتجلب السياح والمال أيضاً».

التراث مسؤولية الجميع

كان يُنظر إلى الحفاظ على الآثار على أنها وظيفة الدولة، بيد أن هناك وعياً اليوم لدور الهيئات والمنظمات غير الحكومية والأفراد. و«الصندوق العالمي للآثار» يريد أن يخرج من طابعه الأوروبي والأميركي، بعد أن انضم إليه أفراد من الهند والبيرو وغير ذلك. «لا نريد أن نبقى أميركيين، وإنما نُشدّد على التنوع والطابع الدولي، والحفاظ على علاقتنا بالجهات المحلية التي نتعامل معها».


مقالات ذات صلة

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتي «TT416» و«TT417» الأثريتين للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الموقع الأثري (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف بقايا معبد «بلوزيوس» بسيناء يعيد كتابة تاريخ مدينة قديمة

جدد إعلان وزارة السياحة والآثار المصرية عن اكتشاف بقايا معبد «الإله بلوزيوس» تاريخ مدينة بلوزيوم القديمة في شمال سيناء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون 3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
TT

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)
استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، عن مبادرة لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها، وذلك خلال كلمة ألقاها مع ختام «ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي» بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، الخميس.

وشهد الحفل الختامي حضور عددٍ من المسؤولين والشخصيات الثقافية، وقيادات ومنسوبي منظمات القطاع الثقافي غير الربحي، ومنسوبي جهات حكومية ذات العلاقة، ومانحين وداعمين من الأفراد والقطاع الخاص، والمهتمين.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان في كلمته: «بدعم وتمكين مستمر يحظى به القطاع الثقافي من قيادتنا، نسعد اليوم بختام أعمال ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، لنحتفي بمسيرة استثنائية لشركاء الأثر».

وأكد أن القطاع الثقافي غير الربحي شهد نقلة تاريخية، في ظل «رؤية المملكة 2030»، واستراتيجية الوزارة له، موضحاً أن عدد منظماته قفز من 30 إلى أكثر من 1650 منظمة، وسجل 20 ألف متطوع مليون ساعة تطوعية، كما أسهمت برامج الدعم التي تجاوزت 340 مليون ريال في تمكينه وتعزيز قدرته على الإنتاج والتأثير.

وأضاف وزير الثقافة السعودي: «قيمنا وإرثنا وثقافتنا تمثل عناصر القوة في القطاع الثقافي غير الربحي، وبفضلها ساهمت المجتمعات المحلية بمختلف مناطق المملكة في ترميم نحو ألف موقع للتراث العمراني».

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى أن المبادرة الجديدة تستهدف في عامها الأول ترميم عدة قرى تراثية من خلال نموذج دعم مبتكر يتضمن تقديم دعم مالي مماثل لما يقدم من قبل المنظمات غير الربحية لدعم وتمكين ملاك البلدات التراثية الراغبين في ترميم وإعادة تأهيل هذه البلدات على نفقتهم الخاصة.

وأبان أن هذه المبادرة تتوِّج شراكة مميزة وفاعلة بين العمل الحكومي ممثلاً في هيئة التراث، والعمل المجتمعي، للحفاظ على البلدات التراثية في مناطق السعودية، وتحفيز الجهود لتنميتها وإدارتها وتفعيلها وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تسهم في تنمية المجتمعات المحلية، والحفاظ على الهوية العمرانية، مضيفاً أنه سيتم الإعلان عن فتح باب التقديم عليها خلال الربع الرابع من العام الحالي 2026.

واستعرضت الجلسة الختامية للملتقى منجزات القطاع الثقافي غير الربحي منذ إعلان وزارة الثقافة عن استراتيجيته خلال عام 2021، التي تضمّنت عدة مبادراتٍ تطويرية وتمكينية للمنظمات الثقافية غير الربحية. ومن أبرز المنجزات تأسيس جمعياتٍ مهنية واحتضانها، وتسريع عملية نموها، وتطوير منهجية متكاملة لتصحيح أوضاع الأندية الأدبية والجمعيات.

كما تضمنت المنجزات إطلاق برنامج الدعم مقابل الأداء لتمويل مشاريع مختلف فئات المنظمات الثقافية غير الربحية ذات الأثر؛ بما يسهم في تحقيق استدامته. وطوّرت الوزارة إطاراً لتقييم وتصنيف تلك المنظمات على الصعيدين المالي والإداري، وتطوير عدّة جمعيات من خلال تطوير خططها السنوية، وبناء القدرات والمعارف.

وشهد الملتقى على مدى يومين 14 جلسةً حوارية، ناقش فيها مجموعة من الخبراء والمختصين المحليين والدوليين واقع القطاع الثقافي غير الربحي الحالي، ودوره في صناعة المستقبل في ظل التوجُّهات الحديثة، والمستقبل الإنساني المشترك، ودور الثقافة بوصفها قوّةً ناعمة، وأهمية تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية لبناء أثرٍ مستدام ثقافياً واقتصادياً.

واستعرض المشاركون نماذج التعاونيات الثقافية، ودور المسؤولية الاجتماعية في تنمية القطاع غير الربحي، بالإضافة إلى آفاقٍ ومساراتٍ مبتكرة للتمويل الثقافي، وأهمية التكامل الفعّال والمستدام، والتعاون الدولي ودوره في التمكين الثقافي، والممكنات والفرص التي تقدمها الوزارة للقطاع ومنظماته، وتطويرها لكفاءتها المؤسسية.

واشتمل الملتقى على عدّة أركان ومبادرات تفاعلية، حيث قدَّم «مختبر المعرفة» مجموعة ورش عمل تطبيقية متخصصة في الحوكمة وقياس الأثر وتنمية الموارد، لتمكين منسوبي المنظمات الثقافية غير الربحية، وأتاحت «جلسات المشورة» فرصة عقد لقاءات إرشادية فردية مع الخبراء، في حين أسهمت «لقاءات 360» في تعزيز التواصل وبناء الشراكات، واستعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة لمنظمات القطاع، وعرّفت «بوابة التمكين» المشاركين ببرامج الدعم وآليات الاستفادة منها.

ويأتي ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي ضمن جهود وزارة الثقافة لتمكينه، ودعم منظماته، لرفع مستوى تأثيرها الثقافي والمجتمعي، وذلك لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية 2030».


الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
TT

الدبلجة باللهجة اللبنانية... صناعة تشقُّ طريقها بثبات

مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)
مسلسل «فريد» شكّل النموذج الأول لهذه الصناعة (وسام بدين)

بعد نجاح مسلسل «فريد»، اتجهت محطة «إم تي في» اللبنانية إلى توسيع تجربة الدبلجة بالعامية المحلية، فاختارت عرض مسلسلي «شراب التوت»، و«المشردون» بصوت لبناني. هذه الخطوة، التي شقّت طريقها بصعوبة في بداياتها، تبدو اليوم أكثر رسوخاً، لتؤكد أن المقولة القائلة بعدم استساغة اللهجة اللبنانية في الدراما المدبلجة ليست دقيقة. فقد تفاعل الجمهور مع هذه الأعمال بإيجابية، ما ساهم في كسر حاجز كان يُعد عائقاً أمام تطوّر هذا القطاع.

وسام بدين بدأ بصناعة الدوبلاج اللبناني من الصفر (وسام بدين)

ومع شركة «ديفكات ستوديوز»، التي يديرها وسام بدين، انطلقت عجلة الدبلجة اللبنانية بشكل فعلي، مستكملة مساراً كان قد بدأه في الثمانينات والتسعينات المخرج نقولا أبو سمح. يومها، فتح الباب أمام دبلجة المسلسلات المكسيكية إلى العربية الفصحى عبر استوديوهات «فيلملي»، واستطاع وضع لبنان على خريطة صناعة الدبلجة، من خلال أعمال أجنبية مدبلجة تركت أثرها لدى الجمهور اللبناني، ولا تزال حاضرة في الذاكرة حتى اليوم. وكان أول عمل هو «السندباد»، ثم توالت المسلسلات المكسيكية مثل «أنت أو لا أحد» و«سوف تدفع الثمن» و«ماريا مرسيدس» وغيرها.

غير أن انتشار الدبلجة باللهجة السورية لاحقاً أدى إلى تراجع حضور «فيلملي»، قبل أن يعيد بدين إحياء هذا المجال عبر تأسيس «ديفكات ستوديوز»، التي انطلقت بأعمال كرتونية وألعاب فيديو وبرامج إذاعية.

لم تولد فكرة الدبلجة باللهجة اللبنانية صدفة، بل جاءت بمبادرة من رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر، الذي رأى فيها مشروعاً واعداً. وكان «فريد» باكورة هذه التجربة، قبل أن تتوسع لتشمل أعمالاً تركية أخرى مثل «شراب التوت»، و«المشردون». ويؤكد بدين أن التخوّف من اللهجة اللبنانية تلاشى. فقد أبدى الجمهور حماسة لسماعها بأصوات ممثلين محليين، ما أضفى قرباً أكبر على مجريات العمل.

ويشير إلى أن اللهجة اللبنانية، بما تحمله من مرونة وانفتاح، قادرة على مواكبة الأعمال الأجنبية، ولا سيما أنها تتضمن مفردات دخيلة من لغات أخرى، ما يسهل اندماجها في سياقات درامية متنوعة، ولا يحصرها في نطاق الأعمال التركية فقط.

ويعلّق: «يشتهر لبنان بالانفتاح، ولهجته تشكّل نموذجاً حيّاً لتعدد الثقافات. وعادةً ما نستخدم عبارات ومفردات أجنبية، وقد اعتمدنا عليها في صناعتنا لتقديم نموذج واقعي يعكس أحاديثنا اليومية».

أحدث الأعمال المدبلجة المعروضة على «إم تي في» في «المشرّدون» (وسام بدين)

وقد أسهم حضور ممثلين لبنانيين بارزين في إنجاح هذه التجربة، من بينهم خالد السيد، وجمال حمدان، وجناح فاخوري، وتقلا شمعون، وميراي بانوسيان، ووجيه صقر، ورانيا عيسى وغيرهم. في حين يوقّع إخراج هذه الأعمال عدد من الأسماء المعروفة في هذا المجال، مثل رانيا حمندي، ومحمد قدورة، وريتا صبّاغة. وتشرف على تنفيذ هذه الأعمال ريتا نجم.

ورغم هذا النجاح، يلفت بدين إلى أن دعم «إم تي في» يبقى الأساس، داعياً محطات لبنانية أخرى إلى الانخراط في هذه الصناعة، لما توفره من فرص عمل لمئات العاملين في المجالين الفني والتقني. كما يوضح أن تكلفة دبلجة ساعة تلفزيونية أقل بكثير من إنتاج عمل درامي جديد، ما يدفع القنوات إلى اعتماد هذا الخيار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

يؤكد بدين أن هيكلية هذه الصناعة وأسسها أصبحت راسخة في لبنان، وباتت قادرة على تلبية حاجات أسواق أخرى. ويضيف: «أنا متأكد من أن المشاهد العربي يتقبل اللهجة اللبنانية، ونلمس ذلك من خلال التعليقات التي نتلقاها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقناة (إم تي في) يشاهدها الملايين خارج لبنان، وأعمالنا المدبلجة باللبنانية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة».

وعن مستقبل هذه الصناعة، يقول: «أنا منكب على تطوير هذا المجال منذ فترة طويلة، ولا أترك باباً أو منبراً إلا وأطرقه للترويج له. لكن الأمر لا يتعلق بالتفاؤل أو التشاؤم، بل هو مسار طويل يتطلب المثابرة والجهد والتشجيع. فقد وُلدت هذه الصناعة من الصفر، حتى إننا استحدثنا مترجمين لتقديم نصوص تتلاءم مع خصوصية اللهجة اللبنانية. ونأمل أن تتحسن الأوضاع في البلاد لضمان استمرارية أفضل».

ويختم وسام بدين: «نتطلع أيضاً إلى المنصات والقنوات الإلكترونية، مثل (أمازون) و(إم بي سي) وغيرهما، ونأمل أن تكون قد لاحظت نجاح الدبلجة باللبنانية، فتتجه إليها في إنتاجاتها المستقبلية».


البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
TT

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

إسلام وسط عائلته (فيسبوك)
إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته بعدما خطفته من المستشفى سيدة ارتكبت جرائم اختطاف عدة، وتم القبض عليها، لكنها لم تفصح عن أسرته أو مكان اختطافه (أدت دورها في المسلسل الفنانة ريهام عبد الغفور). وظهر إسلام الذي أطلق على نفسه لقب «إسلام الضائع» عبر حسابه بـ«تيك توك» في بث مباشر مساء الأربعاء ليعلن عثوره على أسرته الحقيقية وأنه أخيراً لم يعد ضائعاً بعد تطابق تحليل البصمة الوراثية «DNA» لوالديه معه.

وتحدث إسلام خلال البث مع والدته المصرية، ووالده الليبي الجنسية، اللذين كانا قد اعتقدا أنه مات بعد أن أخبرتهم إدارة المستشفى في الإسكندرية أن طفلهما قد توفي وبعدها سافرت الأسرة إلي ليبيا، وقد أعيته الحيل للوصول إليهم. وكشف إسلام أن اسمه الحقيقي محمد وأن والده ليبي الجنسية، لكنه عاش في مصر وتزوج والدته المصرية، وأضاف أن لديه 20 شقيقاً وشقيقة، وكان قد كشف في تصريحات تلفزيونية سابقة عن إجرائه 55 تحليلاً مع أسر فقدت أبناءها ولم يستدل منها على أسرته.

واقعة خطف إسلام تطرق إليها مسلسل «حكاية نرجس» المأخوذ عن قصة حقيقية، وتصدر «الترند» على منصة «غوغل» الخميس، بعد إعلان إسلام عثوره على أسرته. ويروي المسلسل حكاية نرجس التي تواجه نظرة مجتمعية قاسية لكونها عاقراً، فتنزلق لسيل من الأكاذيب التي تقودها إلي جرائم خطف الأطفال ونسبهم لها وزوجها رسمياً، وتتواصل رحلتها في خطف المزيد منهم والمتاجرة بهم حتى تنتهي حياتها بشكل مأساوي.

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

وأدى الممثل يوسف رأفت شخصية «يوسف» التي تعادل شخصية إسلام في الواقع، حيث خطفته نرجس طفلاً وتمسكت بادعاء أنه ابنها. في المسلسل ترفض نرجس إخبار يوسف عن عائلته الحقيقية وتنهي حياتها بالقفز من أعلى بناية لتلقى حتفها وتتركه في حيرته.

ومنذ حلقته الأولى لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً وتصدّر استفتاءات «أفضل مسلسل رمضاني»، ونالت بطلته الفنانة ريهام عبد الغفور لقب أفضل ممثلة، وأشاد الجمهور والنقاد ببراعتها وبأداء جميع أبطال المسلسل الذي خاض مخرجه وكاتب القصة سامح علاء من خلاله أولى تجاربه التلفزيونية، بينما كتب المؤلف عمار صبري السيناريو والحوار، وضم بين أبطاله سماح أنور، وحمزة العيلي، وتامر نبيل، وأحمد عزمي.

وأبدى المؤلف عمار صبري سعادته بعثور إسلام على أسرته وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذا خبر سعيد للغاية فإسلام هو الضحية الكبرى لهذه القصة وكنت أتابع منذ سنوات رحلة بحثه الطويلة عن أسرته، وإذا كان مسلسل (حكاية نرجس) قد تسبب في إثارة أزمته بشكل ساعد في وصوله لأسرته فهذا هدف نبيل للفن عامة»، وأشار إلى أن المسلسل يحكي قصة نرجس بينما جاءت قصة إسلام كحدث تابع.

وسادت فرحة كبيرة مواقع «السوشيال ميديا» لعثور إسلام على أسرته وأشاد متابعون بمسلسل «حكاية نرجس» لطرحه القصة التي كانت سبباً في إلقاء الضوء على أزمة إسلام، موجهين الشكر لأسرة العمل، فيما طالب بعض الجمهور بتقديم جزء ثانٍ من المسلسل بعد عودة إسلام، ونشرت الفنانة ريهام عبد الغفور عبر حسابها بـ«فيسبوك» خبر عثور إسلام على أسرته وعلقت عليه قائلة «الحمد لله».

إسلام البطل الحقيقي لمسلسل «حكاية نرجس» (فيسبوك)

ويقول عمار صبري عن ذلك: «قصة إسلام تستحق مسلسلاً خاصاً عنها لأنها ذات أبعاد درامية جذابة للغاية لقصة شاب عاش حياته متنقلاً بين أسر مختلفة يظن أن كلاً منها هي أسرته الحقيقية ولكنه يجد نفسه ضائعاً».

وعدت الناقدة الفنية المصرية، ناهد صلاح، أن مسلسل «حكاية نرجس» أول عمل درامي يساهم في عودة مختطف إلى أسرته ويكون عاملاً مهماً في أن يجد الطرفان بعضهما، محققاً رسالة إنسانية مهمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لولا نجاح المسلسل ووصوله إلى الجمهور بهذه الطريقة لم تكن أسرة إسلام قد انتبهت وأجرت التحاليل اللازمة التي أكدت أنه ابنهم».

وأشارت ناهد إلى أن الدراما يمكن أن تكون عاملاً مساعداً ومهماً في قضايا عديدة كاسترداد حقوق وتغيير قوانين، «لكن العثور على مفقودين هي أول واقعة يحققها عمل فني فهناك كثير من الأفلام اللبنانية تناولت المفقودين في الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم العثور عليهم، من بينها الفيلم الروائي (مفقود) للمخرج بشير أبو زيد والوثائقي (خط التماس) إخراج سيلفي باليوت، مما يبرز قوة تأثير الدراما حين يتم تنفيذها بشكل متكامل. وتثير القصة أسئلة عامة عن حوادث خطف الأطفال الموجودة في المجتمع ولعل أقربها واقعة اختطاف طفلة رضيعة من مستشفى الحسين الجامعي قبل يومين».

في السياق؛ ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على السيدة المنتقبة التي اختطفت قبل يومين رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، بعد أن تتبع فريق البحث الجنائي عبر كاميرات المراقبة المتهمة حتى العثور عليها بمنزلها بمدينة بدر.

وكانت والدة الطفلة قد أعطتها بحسن نية حسبما ذكرت في التحقيقات لسيدة منتقبة داخل المستشفى لتتمكن من تهدئة الطفلة لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات.

وأكد الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، متابعته الشخصية لتطورات هذ الحادث، باعتباره يخص مستشفى تابعاً لجامعة الأزهر، وأصدر بياناً عبر فيه عن أسفه على اختطاف الرضيعة، موجهاً بضرورة تنسيق الجهود مع الجهات المعنية لسرعة التوصل للطفلة.