«مريم» على نتفليكس... فرصة ضائعة لرواية سيرة والدة المسيح

فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)
فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)
TT

«مريم» على نتفليكس... فرصة ضائعة لرواية سيرة والدة المسيح

فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)
فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)

«مريم» (Mary) على نتفليكس. عنوانٌ واعدٌ لفيلمٍ يحاول أن يروي جزءاً من سيرة القديسة مريم، والدة يسوع المسيح، وذلك في توقيتٍ ملائم أي عشيّة عيد الميلاد. حتى العبارة الأولى التي تتلوها «مريم» على لسان الممثلة نوا كوهين واعدة بحدّ ذاتها، إذ تقول: «قد تظنّون أنكم تعرفون قصتي. كونوا على ثقة بأنكم لا تفعلون».

مريم ابنةُ الناصرة، التي لم تَحظَ حتى الآن بلحظةٍ سينمائية خاصة بها، مكتفيةَ بحضور ثانوي ضمن الأفلام والمسلسلات التي روَت سيرة المسيح، تُخصَص لها أخيراً ساعة و50 دقيقة على الشاشة. فباستثناءِ فيلمٍ تلفزيوني عابر عُرض عام 1999 بعنوان «مريم، والدة يسوع»، لم يقرر مخرجٌ أو كاتب أو منتج أن يغوص في سيرة مريم ما قبل ولادة المسيح. إلى أن بادر المخرج الأميركي د.ج. كاروزو في اتجاه مشروعٍ يجعل من حياتها، الزاوية الأساسية للرواية الدينية.

ينطلق الفيلم من معاناة والدَيها يواكيم وحنّة من أجل الإنجاب، إلى أن يلبّي الله طلبهما، فينبئهما الملاك جبرائيل بأنّهما سيُرزقان بابنة، شرط أن تصير خادمةً في الهيكل عندما تبلغ السن المناسبة. وسط المعلومات الشحيحة جداً عن تاريخ مريم، يشكّل الفيلم فرصة للتعرّف إلى حيثيّات ولادتها وطفولتها في ظلّ حُكم الملك هيرودس الظالم، ثم انتقالها إلى الهيكل خادمة لله. يصوّر الفيلم كذلك لقاءها الأول بالقديس يوسف، الذي سيصبح زوجها لاحقاً.

أما بشرى الملاك جبرائيل لها بأنها ستَلِد المسيح المخلّص من دون أن تمسّها يد رجُل، فتشكّل نقطة تحوّل في الفيلم على صعيد الحبكة. تتسارع الأحداث بعد انتشار خبر حملها وتتعرّض مع والدَيها للاضطهاد، كما يتضاعف غضب هيرودس وخوفه من الطفل الآتي. تبدأ رحلة البحث عن مكانٍ تنجب فيه مولودها، لتكون الوجهة بيت لحم حيث يبصر المسيح النور في وقتٍ يتعرّض فيه كل طفلٍ ذَكَر في المدينة الفلسطينية للذبح على يد جنود هيرودس.

جرى تصوير فيلم «Mary» في المغرب تحت إدارة المخرج الأميركي د.ج. كاروزو (نتفليكس)

ربما نجح الفيلم في الإضاءة على نواحٍ لا يعرفها كثيرون عن بدايات مريم، إلا أنّه لم ينجُ من التبسيط الذي لامسَ التسطيح في معظم الأحيان. يراها المُشاهد طفلةً تلهو في الحقول، ثم مراهقةً تقوم بأعمال التنظيف والحياكة والزراعة في المعبد، ولاحقاً شابةً تحاصرها الرؤى المتأرجحة بين بشائر الملاك جبرائيل وتجارب الشيطان، لكنّ الشخصية تبقى مسطّحة ولا تخضع لأي تطوير.

لا يجتهد الفيلم من أجل الغوص في أعماق مريم الروحيّة وأبعادها النفسية. باستثناء مشهدٍ نبصرها فيه وهي توزّع طعام الهيكل على الفقراء في الشارع، لا نعرف الكثير عن مكامن نفسها ولا عن صراعها الداخلي أمام حَملها الاستثنائي. يبدو فيلم «مريم» كأنه فرصة ضائعة، كان من الممكن أن تضيء على تلك الشخصية التاريخية والدينية المحوَريّة من جوانبها كاملةً.

مريم ويوسف في مشهدٍ من عُرسِهما على الطريقة اليهوديّة (نتفليكس)

لا تقتصر الفرص الضائعة على شخص مريم، بل تنسحب على الملك هيرودس الذي يؤدي شخصيته النجم العالمي أنتوني هوبكنز. رغم قدراته التمثيلية الخارقة، يبقى هوبكنز أسيرَ نصٍ عاديّ وقَصرٍ يملأه بالصراخ على جنوده ومخدوميه، بشكلٍ لا يضيف شيئاً إلى السرديّة. حتى قراره المُرعب بالقضاء على كل الأطفال الذكور في بيت لحم بالتزامن مع ولادة المسيح، لا يأخذ حقه محتوىً ولا تصويراً.

من المعروف عن المخرج كاروزو أنه كاثوليكيّ ملتزم، وأنّ المنتج المنفّذ للمشروع ليس سوى كاهن، لكنّ النيّةَ الصادقة لم تُؤتِ بثمارٍ جيّدة، إلى درجة أنّ صحيفة «تلغراف» وصفت العمل بأنه «أسوأ أفلام السنة». تتداخل الأنواع السينمائية فتضيع الهوية؛ يُراد له الحركة من خلال المعارك التي يخوضها جنود هيرودس، لكنها تبقى ناقصة. أما العلاقة بين مريم ويوسف فتبدو أشبَه بحكاية سطحية في فيلم للمراهقين. حتى المؤثرات البصريّة ترسب في امتحان الضخامة.

يستعين الفيلم بالقدرات التمثيلية الخارقة للممثل أنتوني هوبكنز بدَور الملك هيرودس (نتفليكس)

أما إحدى كبرى الانزلاقات، فهو الإطلالات الزائدة عن حدّها والطافحة خيالاً لكلٍ من الملاك جبرائيل وشخصية الشيطان «لوسيفر». في مشاهد الأخير، محاولة فاشلة لاستنساخ تلك الشخصية عن فيلم «The Passion of the Christ» (آلام المسيح). أما جبرائيل فلا يشبه الملائكة بشيء؛ فبينما وصفه الإنجيل بأنه كتلة من النور ذات محيّا بهيّ، يظهر هنا بوجهٍ مخيف، وعندما يبشّر مريم بحَملها تلفّه العتمة والظلال.

تتواصل المغالطات التاريخية خدمةً للخيال فيدقّ يوسف باب يواكيم وحنّة من دون معرفة سابقة، طالباً يد ابنتهما، في تصرّف يتنافى والتقاليد اليهوديّة السائدة قبل ألفَي عام. ومن النقاط الجدليّة وغير الدقيقة كذلك، وفاة يواكيم خلال الاضطهاد الذي تعرضت له العائلة، إضافةً إلى آلام المخاض التي مرّت بها مريم في الفيلم، والتي تتناقض والرواية الدينية.

يغرق الفيلم في مجموعة من الهفوات والمغالطات التاريخية التي أثارت سخط جزء من الجمهور (نتفليكس)

من الواضح أن المخرج كاروزو والكاتب تيموثي هايز استعانا بخيالٍ كثير، مع العلم بأنّ كاروزو كان قد صرّح بأنه استقى معلوماته من «إنجيل يعقوب» الصادر في القرن الثاني والخاص بسيرة مريم، وبأنّ النص خضع لأكثر من 70 إعادة كتابة بإشراف رجال دين مسيحيين، ويهود، ومسلمين.

يقول كاروزو إنه أراد أن يؤنسن شخصية مريم وأن يقرّبها من الجيل الصاعد، لكنّ ما حصدَه هو غضب الرأي العام، لا سيّما الفلسطيني والعربي منه. السبب هو اختياره ممثلين إسرائيليين لأداء الأدوار الأساسية، من مريم إلى يوسف مروراً بيواكيم وحنّة وغيرهم. أما الحجة التي قدّمها المخرج فبدت استفزازية، إذ قال إن خياره وقع على إسرائيليين «ضماناً للموثوقيّة والصدق».

عدّ روّاد وسائل التواصل الاجتماعي الأمر إهانة، واصفين هذا الخيار بأنه مشاركة متعمّدة في التشويه الذي تتعرّض له الهوية الفلسطينية، لا سيّما في ظلّ الحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزة.

أمام سقوط المحتوى، ربما تخدم هذه الجدليّةُ «مريم» في الصعود على مستوى المشاهَدات. فكلُ مسلسلٍ وفيلم يثير جلبةً على المنصات الاجتماعية، بات يستفيد من نسبة مشاهَدة عالية، حتى إن لم يكن يستحقها.


مقالات ذات صلة

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.