«مريم» على نتفليكس... فرصة ضائعة لرواية سيرة والدة المسيح

فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)
فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)
TT

«مريم» على نتفليكس... فرصة ضائعة لرواية سيرة والدة المسيح

فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)
فيلم جديد على «نتفليكس» يروي جزءاً من سيرة مريم العذراء (نتفليكس)

«مريم» (Mary) على نتفليكس. عنوانٌ واعدٌ لفيلمٍ يحاول أن يروي جزءاً من سيرة القديسة مريم، والدة يسوع المسيح، وذلك في توقيتٍ ملائم أي عشيّة عيد الميلاد. حتى العبارة الأولى التي تتلوها «مريم» على لسان الممثلة نوا كوهين واعدة بحدّ ذاتها، إذ تقول: «قد تظنّون أنكم تعرفون قصتي. كونوا على ثقة بأنكم لا تفعلون».

مريم ابنةُ الناصرة، التي لم تَحظَ حتى الآن بلحظةٍ سينمائية خاصة بها، مكتفيةَ بحضور ثانوي ضمن الأفلام والمسلسلات التي روَت سيرة المسيح، تُخصَص لها أخيراً ساعة و50 دقيقة على الشاشة. فباستثناءِ فيلمٍ تلفزيوني عابر عُرض عام 1999 بعنوان «مريم، والدة يسوع»، لم يقرر مخرجٌ أو كاتب أو منتج أن يغوص في سيرة مريم ما قبل ولادة المسيح. إلى أن بادر المخرج الأميركي د.ج. كاروزو في اتجاه مشروعٍ يجعل من حياتها، الزاوية الأساسية للرواية الدينية.

ينطلق الفيلم من معاناة والدَيها يواكيم وحنّة من أجل الإنجاب، إلى أن يلبّي الله طلبهما، فينبئهما الملاك جبرائيل بأنّهما سيُرزقان بابنة، شرط أن تصير خادمةً في الهيكل عندما تبلغ السن المناسبة. وسط المعلومات الشحيحة جداً عن تاريخ مريم، يشكّل الفيلم فرصة للتعرّف إلى حيثيّات ولادتها وطفولتها في ظلّ حُكم الملك هيرودس الظالم، ثم انتقالها إلى الهيكل خادمة لله. يصوّر الفيلم كذلك لقاءها الأول بالقديس يوسف، الذي سيصبح زوجها لاحقاً.

أما بشرى الملاك جبرائيل لها بأنها ستَلِد المسيح المخلّص من دون أن تمسّها يد رجُل، فتشكّل نقطة تحوّل في الفيلم على صعيد الحبكة. تتسارع الأحداث بعد انتشار خبر حملها وتتعرّض مع والدَيها للاضطهاد، كما يتضاعف غضب هيرودس وخوفه من الطفل الآتي. تبدأ رحلة البحث عن مكانٍ تنجب فيه مولودها، لتكون الوجهة بيت لحم حيث يبصر المسيح النور في وقتٍ يتعرّض فيه كل طفلٍ ذَكَر في المدينة الفلسطينية للذبح على يد جنود هيرودس.

جرى تصوير فيلم «Mary» في المغرب تحت إدارة المخرج الأميركي د.ج. كاروزو (نتفليكس)

ربما نجح الفيلم في الإضاءة على نواحٍ لا يعرفها كثيرون عن بدايات مريم، إلا أنّه لم ينجُ من التبسيط الذي لامسَ التسطيح في معظم الأحيان. يراها المُشاهد طفلةً تلهو في الحقول، ثم مراهقةً تقوم بأعمال التنظيف والحياكة والزراعة في المعبد، ولاحقاً شابةً تحاصرها الرؤى المتأرجحة بين بشائر الملاك جبرائيل وتجارب الشيطان، لكنّ الشخصية تبقى مسطّحة ولا تخضع لأي تطوير.

لا يجتهد الفيلم من أجل الغوص في أعماق مريم الروحيّة وأبعادها النفسية. باستثناء مشهدٍ نبصرها فيه وهي توزّع طعام الهيكل على الفقراء في الشارع، لا نعرف الكثير عن مكامن نفسها ولا عن صراعها الداخلي أمام حَملها الاستثنائي. يبدو فيلم «مريم» كأنه فرصة ضائعة، كان من الممكن أن تضيء على تلك الشخصية التاريخية والدينية المحوَريّة من جوانبها كاملةً.

مريم ويوسف في مشهدٍ من عُرسِهما على الطريقة اليهوديّة (نتفليكس)

لا تقتصر الفرص الضائعة على شخص مريم، بل تنسحب على الملك هيرودس الذي يؤدي شخصيته النجم العالمي أنتوني هوبكنز. رغم قدراته التمثيلية الخارقة، يبقى هوبكنز أسيرَ نصٍ عاديّ وقَصرٍ يملأه بالصراخ على جنوده ومخدوميه، بشكلٍ لا يضيف شيئاً إلى السرديّة. حتى قراره المُرعب بالقضاء على كل الأطفال الذكور في بيت لحم بالتزامن مع ولادة المسيح، لا يأخذ حقه محتوىً ولا تصويراً.

من المعروف عن المخرج كاروزو أنه كاثوليكيّ ملتزم، وأنّ المنتج المنفّذ للمشروع ليس سوى كاهن، لكنّ النيّةَ الصادقة لم تُؤتِ بثمارٍ جيّدة، إلى درجة أنّ صحيفة «تلغراف» وصفت العمل بأنه «أسوأ أفلام السنة». تتداخل الأنواع السينمائية فتضيع الهوية؛ يُراد له الحركة من خلال المعارك التي يخوضها جنود هيرودس، لكنها تبقى ناقصة. أما العلاقة بين مريم ويوسف فتبدو أشبَه بحكاية سطحية في فيلم للمراهقين. حتى المؤثرات البصريّة ترسب في امتحان الضخامة.

يستعين الفيلم بالقدرات التمثيلية الخارقة للممثل أنتوني هوبكنز بدَور الملك هيرودس (نتفليكس)

أما إحدى كبرى الانزلاقات، فهو الإطلالات الزائدة عن حدّها والطافحة خيالاً لكلٍ من الملاك جبرائيل وشخصية الشيطان «لوسيفر». في مشاهد الأخير، محاولة فاشلة لاستنساخ تلك الشخصية عن فيلم «The Passion of the Christ» (آلام المسيح). أما جبرائيل فلا يشبه الملائكة بشيء؛ فبينما وصفه الإنجيل بأنه كتلة من النور ذات محيّا بهيّ، يظهر هنا بوجهٍ مخيف، وعندما يبشّر مريم بحَملها تلفّه العتمة والظلال.

تتواصل المغالطات التاريخية خدمةً للخيال فيدقّ يوسف باب يواكيم وحنّة من دون معرفة سابقة، طالباً يد ابنتهما، في تصرّف يتنافى والتقاليد اليهوديّة السائدة قبل ألفَي عام. ومن النقاط الجدليّة وغير الدقيقة كذلك، وفاة يواكيم خلال الاضطهاد الذي تعرضت له العائلة، إضافةً إلى آلام المخاض التي مرّت بها مريم في الفيلم، والتي تتناقض والرواية الدينية.

يغرق الفيلم في مجموعة من الهفوات والمغالطات التاريخية التي أثارت سخط جزء من الجمهور (نتفليكس)

من الواضح أن المخرج كاروزو والكاتب تيموثي هايز استعانا بخيالٍ كثير، مع العلم بأنّ كاروزو كان قد صرّح بأنه استقى معلوماته من «إنجيل يعقوب» الصادر في القرن الثاني والخاص بسيرة مريم، وبأنّ النص خضع لأكثر من 70 إعادة كتابة بإشراف رجال دين مسيحيين، ويهود، ومسلمين.

يقول كاروزو إنه أراد أن يؤنسن شخصية مريم وأن يقرّبها من الجيل الصاعد، لكنّ ما حصدَه هو غضب الرأي العام، لا سيّما الفلسطيني والعربي منه. السبب هو اختياره ممثلين إسرائيليين لأداء الأدوار الأساسية، من مريم إلى يوسف مروراً بيواكيم وحنّة وغيرهم. أما الحجة التي قدّمها المخرج فبدت استفزازية، إذ قال إن خياره وقع على إسرائيليين «ضماناً للموثوقيّة والصدق».

عدّ روّاد وسائل التواصل الاجتماعي الأمر إهانة، واصفين هذا الخيار بأنه مشاركة متعمّدة في التشويه الذي تتعرّض له الهوية الفلسطينية، لا سيّما في ظلّ الحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزة.

أمام سقوط المحتوى، ربما تخدم هذه الجدليّةُ «مريم» في الصعود على مستوى المشاهَدات. فكلُ مسلسلٍ وفيلم يثير جلبةً على المنصات الاجتماعية، بات يستفيد من نسبة مشاهَدة عالية، حتى إن لم يكن يستحقها.


مقالات ذات صلة

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

تصوّر «نتفليكس» حالياً الموسم الأول من مسلسل «كينيدي» الذي يروي سيرة إحدى أكثر العائلات إثارةً للفضول والجدل. وعلى غرار «ذا كراون» يمتدّ المسلسل على مواسم عدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

وكأنّ سيناريو «بريدجرتون 4» كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثل إريك داين (يسار) وبراد فالتشوك في إحدى حلقات سلسلة «الكلمات الأخيرة الشهيرة» (أ.ب)

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

خاطب الممثل الأميركي إريك داين ابنتيه بكلمات مؤثرة في مقابلة ضمن سلسلة وثائقية على منصة «نتفليكس» للترفيه، والبث المباشر، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.