الأموال الليبية بالخارج... «نزيف متواصل» بسبب «التجميد» والاضطرابات السياسية

«المحاسبة» يرصد خسائر جديدة لـ«صندوق الاستثمارات»

وفد ليبي خلال مباحثات مع رئيس وزراء غينيا بشأن الاستثمارات الليبية هناك (محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار)
وفد ليبي خلال مباحثات مع رئيس وزراء غينيا بشأن الاستثمارات الليبية هناك (محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار)
TT

الأموال الليبية بالخارج... «نزيف متواصل» بسبب «التجميد» والاضطرابات السياسية

وفد ليبي خلال مباحثات مع رئيس وزراء غينيا بشأن الاستثمارات الليبية هناك (محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار)
وفد ليبي خلال مباحثات مع رئيس وزراء غينيا بشأن الاستثمارات الليبية هناك (محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار)

أثار تقرير رقابي، تم تسريبه في ليبيا مؤخراً، قضية الأموال والعقارات المملوكة للبلاد في دول عدة مختلفة، وما لحق بها من خسائر كبيرة، منذ إسقاط النظام السابق.

وتحدث مسؤولون ليبيون سابقون واختصاصيون اقتصاديون لـ«الشرق الأوسط»، عن أسباب تفاقم نزيف الخسائر التي تتكبدها الاستثمارات الليبية في الخارج، وعددوا من بينها انعكاسات تجميد الأموال والأصول الليبية بقرار مجلس الأمن في عام 2011، بالإضافة إلى الاضطرابات السياسية.

وخسرت «محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار» وحدها 40 في المائة من رأسمالها بواقع 1.5 مليار دولار، حسبما أفاد تقرير ديوان المحاسبة لعام 2023، الذي تم تسريبه الأسبوع الماضي، علماً بأن هذه المحفظة من بين أذرع اقتصادية تابعة للمؤسسة الليبية للاستثمار (الصندوق السيادي الليبي).

ويرى فهد إسماعيل، الذي عمل سابقاً عضواً بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن «تجميد الأصول الاستثمارية من قبل مجلس الأمن ولجنة العقوبات عام 2011 يفاقم نزيف الأموال الليبية، ويعرقل توظيف أصول المحفظة بفاعلية أو التعامل بمرونة مع المؤسسات والمصارف».

ويبلغ إجمالي الأموال الليبية المجمدة بموجب قرار مجلس الأمن الصادر عام 2011 نحو 38.9 مليار دينار (وفق آخر أرقام رسمية صادرة عن ديوان المحاسبة)، علماً بأن الصرف من هذه الأموال يستلزم موافقة لجنة دولية أنشئت بقرار مجلس الأمن رقم 1970 - 2011. وقدّرت تقارير الأصول المجمدة بقرابة 200 مليار دولار، لكنها «تآكلت»، بحسب مسؤولين محليين.

والملاحظ أن تقرير ديوان المحاسبة الأخير وثّق الرواية الرسمية القائلة إن «التجميد المفروض على المؤسسة الليبية للاستثمار بقرار مجلس الأمن الدولي قد عرقل قدرتها على التخارج من الأسهم التي تشهد خسائر كبيرة في قيمتها السوقية».

ويقرّ الرئيس الأسبق للمؤسسة الليبية للاستثمار، محسن الدريجة، بحجية دعوات المؤسسة المستمرة إلى وقف القرار الدولي بتجميد أصولها الاستثمارية، باعتبار أن «استثمار الأموال أفضل من بقائها مجمدة».

إلا أن الدريجة تساءل في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «عما إذا كانت المؤشرات والنتائج تعطي انطباعاً بأن قطاع الاستثمار يعمل على نحو مرضٍ في إدارة أصوله غير المجمدة»، كما تساءل أيضاً عن «مصير تنفيذ خطة إعادة هيكلة مضى على إعدادها أكثر من 12 سنة».

لكن إسماعيل رأى أن «تجميد الأموال الليبية يحول دون إجراء أي هيكلة مالية حقيقية في المؤسسة»، منبهاً إلى أن «تعقيدات ملف الاستثمارات الليبية في الخارج تفوق قدرة أي مسؤول على وقف هذا النزيف».

مقر المؤسسة الليبية للاستثمار بالعاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للمؤسسة)

ومنذ سنوات لم تنقطع مساعي الحكومات الليبية المتعاقبة لفكّ التجميد عن أموال البلاد المجمدة منذ مارس (آذار) 2011. وفي هذا السياق، شكلت حكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، لجنة قانونية منذ عامين، لبحث الملف مع عدد من الدول.

وإلى جانب العقوبات الدولية، من غير المستبعد تفاقم خسائر الاستثمارات الليبية مع «تذبذب أسعار النفط، المصدر الرئيسي للدخل في ليبيا، بما جعل الاستثمارات الليبية عُرضة للتأثر بالأزمات الاقتصادية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية»، وفق العضو السابق في مجلس إدارة هيئة الاستثمار، الذي نبّه إلى «انخفاض القيمة السوقية للأصول للاستثمارات في العقارات أو الطاقة».

ومن بين ملاحظات ومخالفات أوردها التقرير الرقابي الليبي، كانت لافتة خسائر الاستثمارات الليبية في أفريقيا، وتحديداً في غينيا، في ضوء ما كشفه ديوان المحاسبة من «فقدان 29 في المائة من إجمالي قيمة أصول فرع الشركة الليبية للاستثمارات الأفريقية (لايكو) هناك».

وجاء الكشف عن أرقام هذه الخسائر تزامناً مع زيارة وفد تابع لحكومة «الوحدة» إلى غينيا، لاتخاذ خطوات نحو استعادة ملكية مزرعة موالح كبرى، توصف بأنها «الأكبر في غرب أفريقيا».

ويلقي إسماعيل باللائمة على نظام الرئيس السابق معمر القذافي الذي اتخذ قرارات استثمارية «غير مدروسة في شركات أو مشاريع غير مربحة، وقطاعات متعثرة أو أسواق عالية المخاطر»، مفسراً ذلك بما عدّه «رغبة النظام السابق في السيطرة والتمدد في القارة الأفريقية دون جدوى اقتصادية حقيقية».

وسبق أن تصاعدت وتيرة القلق الليبي إثر قرار حكومة بوركينا فاسو في يونيو (حزيران) الماضي تأميم «المصرف العربي الليبي للتجارة والتنمية» الذي أنشئ بالشراكة مع ليبيا، ما دفع السلطات في غرب ليبيا إلى البحث في مصير كل الأصول المجمدة بالخارج.

ورغم أن تجميد الأموال الليبية بالخارج، كان حاضراً بقوة في تشخيص الخبراء، فإن الاضطرابات السياسية والأمنية في البلاد منذ عام 2011 كان لها نصيب من الأسباب التي قادت نحو «عدم وجود رؤية واضحة، وتقييد العمليات الاستثمارية وإضعاف الرقابة على الاستثمارات الخارجية»، وفق اسماعيل.

ويعتقد إسماعيل أن اضطرابات ما بعد «ثورة 17 فبراير» 2011 فتحت الباب أمام «نزاعات قانونية لمحفظة (ليبيا أفريقيا للاستثمار) مع شركات ومستثمرين في الخارج، قادت إلى خسائر مالية ضخمة نتيجة تسويات أو أحكام قضائية ضدها».

ومن بين الاقتصاديين الليبيين من يرى أسباباً إضافية لاستمرار نزيف الخسائر، في ضوء التركيبة الهيكلية للأذرع الاستثمارية الليبية، ومنهم الاختصاصي في الشأن الاقتصادي نعمان البوري، الذي يقول إنه «لا يوجد استثمار ناجح ومربح يديره موظفون عموميون»، منتقداً «امتلاك مؤسسة حكومية لمشاريع في قطاعات متعددة وإدارتها بموظفين تابعين لها».

وتأسست «المؤسسة الليبية للاستثمار» في عهد النظام السابق عام 2006، وتضخ استثماراتها البالغة 70.8 مليار دولار في مجالات الزراعة والعقارات والسياحة والنفط والغاز بدول أفريقية وأوروبية.

وإذ يرى البوري «أن دور الاستثمارات الحكومية يجب ألا يتعدى إدارة الأموال والأسهم»، فإنه يوصي بالاستفادة من «تجربتي الصناديق السيادية في النرويج وسنغافورة»، وكذلك البريطانية التي تعد شريكة في الأرباح الاستثمارية بفرض ضرائب دون مخاطرة برأسمال.


مقالات ذات صلة

قبل حلول رمضان... هموم المعيشة تطغى على السياسة في ليبيا

شمال افريقيا جُل الليبيين باتوا يشتكون من تدهور قدرتهم الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

قبل حلول رمضان... هموم المعيشة تطغى على السياسة في ليبيا

استثناء بعض صفحات السياسيين والمحللين من أنصار النظام السابق، تراجع اهتمام الليبيين نسبياً بحادث مقتل سيف الإسلام، وعاد الليبيون للانشغال بالقضايا المعيشية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ورئيس جهاز الاستخبارات التركي على ساحل «المتوسط» في طرابلس (مكتب الدبيبة)

العاصمة الليبية تحتضن مشاورات عسكرية دولية لتحصين «المتوسط»

في مشهد غير رسمي، ظهر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الخميس، بصحبة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، على ساحل ليبي مطل على «المتوسط».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة في لقاء مع نائب قائد أفريكوم بطرابلس الأربعاء (مكتب الدبيبة)

توحيد الجيش الليبي يتصدر مباحثات الدبيبة ونائب قائد «أفريكوم»

تصدرت جهود توحيد المؤسسة العسكرية بليبيا أجندة مباحثات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا

خالد محمود (القاهرة)
الاقتصاد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وسط ممثلي شركات النفط الفائزة بالمناقصة الأخيرة للنفط والغاز في طرابلس 11 فبراير 2026 (رويترز)

ليبيا تمنح تراخيص استكشاف للنفط والغاز في أول جولة منذ 2007

منحت ليبيا، الأربعاء، تراخيص تنقيب عن النفط والغاز لشركات أجنبية من بينها «شيفرون» و«إيني» و«قطر للطاقة» و«ريبسول» في أول جولة عطاءات منذ نحو عقدين.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» ينفي سيطرة مجموعات مسلحة على شريط حدودي بالجنوب

نفى مصدر عسكري ليبي مسؤول، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي»، بقيادة المشير خليفة حفتر، ما تم تداوله عبر صفحات ليبية بشأن فرض مجموعات مسلحة سيطرتها على الشريط الحدود

علاء حموده (القاهرة)

فولكنر لـ «الشرق الأوسط»: استمرار العنف في السودان «وصمة عار»


وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)
وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)
TT

فولكنر لـ «الشرق الأوسط»: استمرار العنف في السودان «وصمة عار»


وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)
وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني هيمش فولكنر (الشرق الأوسط)

أفاد وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، هيمش فولكنر، بأن الوضع الإنساني في السودان «مروّع للغاية»، مؤكداً أن لندن «تبذل كل ما بوسعها لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مَن يحتاجون إليها».

واستذكر فولكنر، في تصريحات خصّ بها «الشرق الأوسط»، توصيف وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لما يجري في السودان بأنه «فشل دولي»، وقال: «ما دام هذا المستوى من العنف مستمرّاً، فإن هذا الوصف صحيح، إنه فشل يشكّل وصمة عار في ضميرنا جميعاً».

إلى ذلك، وبعد ساعات من اختتام ولي العهد البريطاني الأمير ويليام، جولة له في السعودية، وصف فولكنر الزيارة بـ«الرائعة». كما عدّها «رمزاً مهماً للشراكة بين بلدينا»، مُعرباً عن سعادته بالإعلان عن عام ثقافي مشترك بين البلدين في عام 2029.


مصر تحشد أفريقياً لدعم وحدة السودان والصومال

عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تحشد أفريقياً لدعم وحدة السودان والصومال

عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» بشأن الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)

كثَّفت مصر حشدها الأفريقي لدعم وحدة السودان والصومال، وذلك على هامش اجتماعات المجلس التنفيذي وقمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا. وأبرزت لقاءات مصرية دبلوماسية، الخميس، جهود القاهرة بشأن استقرار الأوضاع في الخرطوم ومقديشو.

وشدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية»، الخميس، على دعم «بلاده جهود (مفوضية الاتحاد الأفريقي) و(مجلس السلم والأمن) والقرارات والبيانات كافة الداعمة وحدة وسيادة السودان، وشجب جميع الانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات ومحاولاتها المستمرة تقسيم السودان».

وجدد عبد العاطي التزام بلاده بتحقيق السلام والاستقرار في السودان، مستعرضاً الجهود التي تبذلها مصر من أجل التوصل إلى «هدنة إنسانية شاملة، تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية بشكل عاجل»، موضحاً «انخراط مصر بفاعلية مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية لدعم جهود التسوية»، مشيراً إلى «انفتاح مصر على كل المبادرات التي من شأنها مساعدة أشقائنا السودانيين».

وأكد «إدانة مصر الكاملة للجرائم والانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات المسلحة»، مشدداً على «ضرورة دعم مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وصون وحدتها وسيادتها، وتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها في حفظ الأمن والاستقرار، باعتبار ذلك الركيزة الأساسية لاستعادة السلم وتحقيق تطلعات الشعوب نحو التنمية والاستقرار».

بدر عبد العاطي يلتقي مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن في الاتحاد الأفريقي الخميس (الخارجية المصرية)

«رفض التقسيم»

وفيما يتعلق بالصومال، رحب وزير الخارجية المصري بالتقدم المُحرَز في مسار بناء مؤسسات الدولة الصومالية، مؤكداً «دعم مصر الثابت لوحدة وسيادة الصومال وسلامة أراضيه، والوقوف ضد أي محاولات خارجية لتقسيم الصومال، إضراراً باستقراره وأمنه وكذا بالسلم والأمن الإقليميين في القرن الأفريقي، وأمن وسلامة البحر الأحمر وخليج عدن».

وشدد على «رفض مصر القاطع أي مساعٍ لدول غير مشاطئة للبحر الأحمر في استغلال الأوضاع الهشة بالقرن الأفريقي لإيجاد موطئ قدم عسكري لها على سواحله، الأمر الذي يمثل انتهاكاً واضحاً لمبادئ السيادة، وحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بما يفاقم من التوترات الإقليمية في المنطقة».

في السياق ذاته، جدد عبد العاطي التزام مصر بمواصلة دعم جهود بناء مؤسسات الدولة الصومالية وتعزيز قدراتها في مجال إرساء الأمن والاستقرار، لا سيما في مواجهة تحديات الإرهاب والتطرف، بما يسهم في دعم الكوادر الوطنية وتعزيز الاستقرار والأمن، مؤكداً «أهمية تنسيق الجهود الإقليمية والدولية للتصدي لهذه الظواهر وتجفيف منابعها».

وقال نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، إن «هناك موقفاً مصرياً واضحاً تجاه الصومال والسودان في الحفاظ على استقرارهما، وكذا وحدة وسلامة أراضي أي دولة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك خطوطاً حمراء أكدت عليها مصر أكثر من مرة، وهي رفض أي كيان موازٍ أو أي تحرك من شأنه تفتيت وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية، بالإضافة إلى المحافظة على مقدرات الشعب السوداني وأيضاً الصومالي، وفي الوقت نفسه أيضاً عدم التدخل في الشؤون الداخلية».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره الصومالي الخميس (الخارجية المصرية)

«دعم الشرعية»

وتابع حليمة أن «هذه المبادئ تتماشى مع القانون الدولي ومبدأ الاتحاد الأفريقي الخاص بقدسية الحدود المتوارثة»، لكنه يوضح أن «هناك تحركاً من بعض القوى للدفع في (الاتجاه المعاكس) وهو تفتيت وحدة بعض الدول». ويرى أن «مصر تؤيد النظام القائم في السودان باعتباره معترفاً به إقليمياً ودولياً، كما تدعم الشرعية في الصومال».

وترأس وزير الخارجية المصري، الخميس، جلسة المشاورات «غير الرسمية» التي عقدها «مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي» حول تطورات الأوضاع في السودان، مشدداً على أن «استقرار السودان ضرورة إقليمية ملحة لتجنب انتشار الفوضى والسلاح وتصاعد التهديدات الإرهابية». وكذا «أهمية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق مسار إنساني فعّال يضمن وصول المساعدات دون عوائق، بالتوازي مع تهيئة الظروف لعملية سياسية جامعة بملكية سودانية خالصة، مع دعم جهود (الآلية الرباعية الدولية)».

ولفتت أستاذة العلوم السياسية، خبيرة الشؤون الأفريقية، الدكتورة نجلاء مرعي، إلى أن «المشاورات المصرية بشأن السودان والصومال، تأتي في الإطار الثنائي والمتعدد الأطراف؛ نظراً للدور المصري ودور (مجلس السلم والأمن الأفريقي) في متابعة الأوضاع في السودان والصومال، ونظراً لحرص مصر على التواصل المستمر مع المنظمات الإقليمية في القارة الأفريقية».

وأوضحت مرعي لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر لها دور كبير في تحقيق السلام والاستقرار بالسودان، والقاهرة لم تترك باباً إلا وطرقته لمحاولة استقرار الأمن السوداني، وخاصة التأكيد على دعم مؤسسات الدولة السودانية في المجالات كافة».

جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان الخميس (الخارجية المصرية)

«جهود مصرية»

وحسب مرعي، فإن «مصر استضافت عدداً كبيراً من الفعاليات لدعم السودان، منها (ملتقى القوى السياسية المدنية) في يوليو (تموز) 2024، وتشارك في (الرباعية الدولية) مع المملكة العربية السعودية، والإمارات والولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن استضافة الاجتماع التشاوري الخامس حول تعزيز وتنسيق مبادرات وجهود السلام بالسودان في يناير (كانون الثاني) الماضي بالتعاون مع الأمم المتحدة». وتلفت إلى أن «مصر أكدت أكثر من مرة أن الأمن السوداني من ضمن الخطوط الحمراء التي لن تسمح بتجاوزه».

وأشارت مرعي أيضاً إلى أن مصر «تؤكد حرصها على بناء مؤسسات الدولة الصومالية ودورها في دعم وسيادة الصومال، والوقوف ضد أي محاولات لتقسيم الصومال».

وتابعت إن «القاهرة تحركت في مجالات عدة سياسية وأمنية واقتصادية، وهنا أشير إلى الاتفاقيات الأمنية التي وقَّعتها مصر لدعم واستقرار منطقة القرن الأفريقي، منها مثلاً اتفاق التعاون الثلاثي مع الصومال وإريتريا في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 للحفاظ على وحدة الصومال وسيادته، ودعم سيادة إريتريا أيضاً وسلامة أراضيها». وتوضح: «كما تصدت مصر للتحركات الإسرائيلية عقب الاعتراف بإقليم (أرض الصومال)».

في غضون ذلك، عقد وزير الخارجية المصري، الخميس، عدداً من اللقاء مع نظرائه الأفارقة، وأكد خلال لقاء مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، بانكولي أديوي «أهمية إعادة تقييم منهج الاتحاد الأفريقي مع السودان، استناداً إلى مبدأ (الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية)»، معرباً عن تطلع مصر لاستئناف عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.

وأيضاً، أشار خلال لقاء وزير الخارجية الصومالي، عبد السلام عبدي علي، إلى «رفض مصر القاطع أي اعترافات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية؛ لما تمثله من انتهاك للقانون الدولي وتهديد لاستقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».


«مجلس السلم والأمن الأفريقي» يدعو لهدنة إنسانية في السودان

جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)
جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)
TT

«مجلس السلم والأمن الأفريقي» يدعو لهدنة إنسانية في السودان

جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)
جانب من جلسة «مجلس السلم والأمن الوزارية» حول تطورات الأوضاع في الصومال والسودان يوم 12 فبراير 2026 (الخارجية المصرية)

دعا «مجلس السلم والأمن الأفريقي»، يوم الخميس، إلى هدنة إنسانية عاجلة في السودان، تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، في حين رفض طلباً تقدم به وزير الخارجية السوداني، محي الدين سالم، لرفع تعليق عضوية السودان في «الاتحاد الأفريقي».

وقال سالم لدى مخاطبته الجلسة التشاورية لـ«مجلس السلم والأمن» التي عُقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إن «الاتحاد الأفريقي» اتخذ قراراً متعجلاً بتعليق عضوية السودان، داعياً إلى تقديم المزيد من الدعم للسودان لاستكمال الانتقال السياسي وإعادته إلى «الاتحاد الأفريقي» بدلاً من إقصائه.

وأكد وزير الخارجية السوداني أن الجيش يتجه لاستعادة سيطرته على كل أرجاء الوطن. وجدد بيان «مجلس السلم والأمن الأفريقي» رفضه أي كيانات موازية أو ترتيبات تمس شرعية الدولة السودانية، مؤكداً ضرورة وقف فوري لإطلاق النار، ورفض التدخلات الخارجية التي تؤجج النزاع في السودان.

وشدد المجلس على أنه لا حل عسكرياً للنزاع، داعياً إلى أهمية التوصل إلى تسوية سلمية للصراع في السودان، حفاظاً على استقرار البلاد والحيلولة دون تمدد النزاع إلى دول الجوار الإقليمي.

وشارك في الجلسة، التي ترأسها وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، وزراء خارجية كل من دول: تنزانيا، وسيراليون، ونيجيريا، وإثيوبيا، وأنغولا، وبوتسوانا، وكوت ديفوار، وغينيا الاستوائية، والكاميرون، وإسواتيني.

وشدد عبد العاطي على أن الاستقرار في السودان يمثل أهمية كبيرة في الإقليم، مؤكداً موقف بلاده الثابت في دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته.

بدوره، أفاد تحالف «صمود»، بقيادة رئيس وزراء السودان السابق عبد الله حمدوك، بأن «مجلس السلم والأمن الأفريقي» رفض بإجماع واسع مقترح فك تجميد عضوية السودان في «الاتحاد الأفريقي».

ورحب تحالف «صمود»، في بيان نُشر على صفحته الرسمية في «فيسبوك»، برفض القادة الأفارقة التراجع عن قرار «الاتحاد الأفريقي» تعليق عضوية السودان بعد الانقلاب العسكري في أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وذكر أن البيان الأفريقي جدد التأكيد على أنه لا حل عسكرياً للنزاع في السودان، وحض الأطراف المتقاتلة على الالتزام بتنفيذ هدنة إنسانية فورية في كل أرجاء البلاد، كما دعا في الوقت نفسه إلى ضرورة التوصل لحل سياسي توافقي بقيادة وملكية سودانية، بالتنسيق بين المبادرات الدولية، وعلى رأسها «الآلية الرباعية» ومساعي «الآلية الخماسية».

وشدد تحالف «صمود» على أهمية أن يحافظ «الاتحاد الأفريقي» على حياده وعدم تبني أي مبادرات أحادية تؤدي لإطالة أمد النزاع، وزيادة حدة الاستقطاب الداخلي.

سودانيون فرّوا من الفاشر يستريحون لدى وصولهم إلى مخيم «الأفاد» للنازحين بمدينة الدبة شمال السودان (أ.ف.ب)

وأكد تحالف «صمود» المناهض للحرب في السودان، استعداده للانخراط مع كل الجهود الأفريقية والدولية لإحلال السلام في السودان، ووقف نزيف الدم، ومعالجة الأزمة الإنسانية وحماية المدنيين.

وفي أكتوبر 2021 علق «الاتحاد الأفريقي» عضوية السودان بعد الانقلاب الذي قاده الجيش و«قوات الدعم السريع» على حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، واشترط لفك التجميد استعادة الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية.

من جهة ثانية، اعتبر حزب «الأمة للإصلاح»، بقيادة مبارك الفاضل، بيان «مجلس السلم والأمن الأفريقي» تطوراً مهماً في اتجاه معالجة الأزمة الوطنية، تأكيداً على أهمية العودة إلى النظام الدستوري عبر إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وقال في بيان إن دعوة المجلس إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار تمثل أولوية وطنية عاجلة؛ إذ لا يمكن إطلاق عملية سياسية ذات مصداقية في ظل استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية.