حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

فرق متخصصة تواصل التطهير وسط تحديات التمويل وتكثيف التوعية لحماية المدنيين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مقالات ذات صلة

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الاقتصاد وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

مصر تستعين بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه»

بعد شكواها من تراجع نصيب الفرد إلى ما دون خط الفقر، تتجه مصر إلى الاستعانة بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه» التي تثير مخاوف في ظل استمرار نزاع «سد النهضة».

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

دعوة أميركية ـ أوروبية لهدنة إنسانية عاجلة في السودان

جددت الولايات المتحدة ودول أوروبية، في بيان مشترك، تأكيد الحاجة المُلحة لهدنة إنسانية في السودان، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)
تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)
TT

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)
تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

قُتل 14 سودانياً على الأقل، بينهم 3 من أسرة واحدة، خلال الساعات الأولى من صباح الخميس، في سلسلة غارات استهدفت مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، الذي يشهد تصاعداً في الهجمات المتبادلة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

واستيقظ سكان الأُبيِّض على سماع دوي انفجارات قوية. ووفقاً لمصادر محلية، فإن طائرات مُسيّرة نُسبت لـ«قوات الدعم السريع»، استهدفت أحياء سكنية في المدينة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، قُتِل أكثر من 4 أشخاص وأصيب 12 آخرون في غارات جوية على موكب تشييع أحد المواطنين ومحطة للوقود بالمدينة، وفق بيان «شبكة أطباء السودان».

استهداف منازل في مدينة الأبيض بشمال كردفان وسط غرب السودان (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

ونقلت مصادر محلية أن إحدى المسيّرات الانتحارية استهدفت منزل أسرة، ما أدّى إلى مقتل 3 من أفرادها على الفور، بين القتلى امرأة حامل، مشيرة إلى نقل الجرحى لتلقي العلاج.

وأظهرت صور نشرها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد الدمار الكبير الذي ألحقته القذائف بعدد من المنازل.

ولم يصدر تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» بشأن تلك الاتهامات، لكن منصات إعلامية مؤيدة لها تتحدث عن مهاجمة مواقع عسكرية تابعة للجيش والقوات المساندة له.

وقال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض عاشت ليلة مروعة جرّاء الهجوم بالمسيّرات الذي بدأ نحو الساعة الرابعة صباحاً (بالتوقيت المحلي)، واستمر لوقت طويل دون توقف.

وفي السياق نفسه، قالت «محامو الطوارئ»، وهي منظمة تُوثِّق الانتهاكات خلال الحرب المستمرة منذ 2023، إنَّ الحصيلة الأولية للهجمات التي شنتها مسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، على الأُبَيِّض يومي الأربعاء والخميس، تُشير إلى مقتل 23 شخصاً وجرح 19 آخرين، مُرجحة ارتفاع عدد الضحايا نتيجة وجود حالات خطرة وسط المصابين.

وأضافت المجموعة، في بيان على صفحتها الرسمية بموقع «فيسبوك»، «أن هجوماً منفصلاً استهدف شاحنة محملة بالمواد الغذائية في المدخل الجنوبي للمدينة، ما أدّى إلى مقتل سائقها على الفور».

ووفق المنظمة الحقوقية استهدفت الضربات أحياء سكنية مأهولة بالمدنيين، تقع في محيط قيادة «الفرقة الخامسة مشاة» التابعة للجيش السوداني.

وذكرت في البيان أن الهجمات المتتالية تُشير إلى نمط استهداف واسع النطاق يطول تجمعات وأعياناً مدنية، بما في ذلك أثناء عمليات تشييع الضحايا، ما يُثير مخاوف جدية بشأن غياب التمييز بين المناطق المدنية والعسكرية، تتحمل مسؤوليته قيادة «قوات الدعم السريع».

وطالبت مجموعة «محامو الطوارئ» بوقف فوري للهجمات العشوائية، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة لمساءلة المسؤولين عنها، مشددة في الوقت نفسه على أهمية حماية المدنيين من الهجمات المتبادلة بين أطراف النزاع.

دمار لحق بأحد المنازل في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

وسبق أن استهدفت مسيّرات تابعة لـ«الدعم السريع»، مرات متتالية في الأشهر الماضية، مواقع عسكرية، ومنشآت مدنية في الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما أدّى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى وسط العسكريين والمدنيين.

وتُعد الأُبيّض حالياً المركز الرئيسي لغرفة القيادة والسيطرة للعمليات العسكرية، التي يخوضها الجيش في إقليم كردفان.

وتصاعدت حدة الهجمات بالطائرات المسيّرة التي يشنّها الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أنحاء البلاد خلال الأشهر الأخيرة، وأسفر بعضها عن مقتل وجرح عشرات الأشخاص في ضربة واحدة.


الحكومة المصرية تُمهّد لاعتماد «الدعم النقدي» بتنقيح «بطاقات التموين»

رئيس الوزراء المصري خلال ترؤس اجتماع «المجموعة الوزارية الاقتصادية» الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء المصري خلال ترؤس اجتماع «المجموعة الوزارية الاقتصادية» الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

الحكومة المصرية تُمهّد لاعتماد «الدعم النقدي» بتنقيح «بطاقات التموين»

رئيس الوزراء المصري خلال ترؤس اجتماع «المجموعة الوزارية الاقتصادية» الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء المصري خلال ترؤس اجتماع «المجموعة الوزارية الاقتصادية» الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

تُمهّد الحكومة المصرية لاعتماد «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني» المخصّص للسلع التموينية، عبر تنقيح قوائم المستحقين، في خطوة أثارت مخاوف لدى بعض المواطنين من استبعادهم من الحصول على الدعم السلعي.

وأفادت وزارة التموين، هذا الأسبوع، بأن إيقاف بعض البطاقات التموينية يجري وفق «محددات العدالة الاجتماعية».

وحسب تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مطلع الشهر الحالي، فإن «منظومة الدعم النقدي سيبدأ تطبيقها مع أول العام المالي المقبل، الذي يبدأ في يوليو (تموز) من العام الحالي». وأضاف أن النظام المقترح «يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

وتُطبق الحكومة، منذ عقود، منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية، بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأولى بالرعاية».

ويتخوف الخمسيني طارق أحمد، المقيم في منطقة حلمية الزيتون شرق القاهرة، من استبعاده من قوائم المستفيدين لأي سبب، ويشكو من أن المعايير المعتمدة للاستبعاد غير واضحة.

في المقابل، ترى الأربعينية فاطمة قاسم، المقيمة في منطقة غمرة بوسط القاهرة، أن «تنقية قوائم المستفيدين من الدعم أمر مهم جداً». وتوضح: «هناك كثيرون يحصلون على سلع تموينية من دون وجه حق، وبعضهم يُقيم خارج مصر». لكنها طالبت بـ«وضع معايير واضحة لأي عملية استبعاد».

قوائم المستحقين

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة قال إن «فلسفة الدولة من هذا التوجه تتمثل في إعادة تنظيم منظومة الحماية الاجتماعية؛ إذ انتهت من إعداد المنصات الخاصة بحصر المستحقين، بالتنسيق بين وزارات التضامن الاجتماعي والتموين والاتصالات، إلى جانب عدد من الجهات المعنية بالأفراد والأسر الأكثر احتياجاً للدعم، سواء أكان نقدياً أم عينياً».

مواطن يتطلع إلى أسعار السلع من أحد المنافذ الحكومية الشهر الماضي (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وعن استبعاد غير المستحقين تمهيداً لاعتماد «الدعم النقدي»، قال بدرة لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة وجَّهت بتنقيح قوائم المستفيدين من الدعم، وأجرت عملية حصر وفق معايير محددة، تشمل مَن يُسدد فاتورة هاتف جوال مرتفعة، أو يملك سيارة فارهة، أو لديه أبناء ملتحقون بمدارس أجنبية، أو يستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، وهؤلاء سيُستبعدون من منظومة الدعم».

وتداولت مواقع إخبارية محلية، الأربعاء، عن مصادر في وزارة التموين قولها إن «عدداً كبيراً من المواطنين سيتم حذفهم من منظومة الدعم التمويني وفق محددات العدالة الاجتماعية ومعايير استحقاق الدعم».

وسبق أن قال الإعلامي وعضو مجلس النواب، مصطفى بكري، نقلاً عن مصدر بوزارة التموين إنه تم التوجه نحو مراجعة شاملة لملفات الدعم التمويني، تضمنت استبعاد بعض الفئات من منظومة البطاقات التموينية.

وأضاف خلال برنامجه التلفزيوني قبل أيام: «من بين الحالات التي جرى الحديث عن استبعادها المقيمون في كومباوندات (مجمعات) سكنية، أو مَن يتجاوز دخلهم الشهري 24 ألف جنيه». (الدولار يُساوي 52 جنيهاً).

وأضاف: «جرى أيضاً منع بعض الفئات، وفق ما نُقل، مثل مَن يثبت ضدهم محاضر سرقة كهرباء، وكذلك مَن يمتلكون مساحات زراعية كبيرة تصل إلى 10 أفدنة».

الحكومة تعرض للبيع سلعاً مدعمة بسبب غلاء الأسعار (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وتزامن هذا الحديث مع منشور عمّمته وزارة التموين، يتضمن الضوابط المنظمة للتعامل مع تظلمات المواطنين المتضررين من قرارات إيقاف الدعم التمويني.

وحسب المنشور، يتعيّن على المواطن المستبعد من منظومة الدعم تحديث بياناته المتعلقة بالدخل والإنفاق والأملاك والحيازات من خلال «منصة مصر الرقمية»، بدايةً من 14 يونيو (حزيران) الحالي قبل التقدم بطلب التظلم.

فئات وشرائح

وقال مدبولي، الأسبوع الماضي، إن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي «سيعتمد على تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، مضيفاً أن «الفئات الأكثر احتياجاً ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح الأقل احتياجاً على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يُحقق العدالة في التوزيع».

ويرى بدرة أن مخاوف بعض المواطنين من الاستبعاد من بطاقات التموين مبررة، لكنه يتوقع أن تتيح الدولة إعادة التظلم لمن يتم استبعاده. ووجه نصيحة للقائمين على الأمر بوضع سبب الاستبعاد بجوار مَن يتقرر استبعادهم، من أجل الشفافية وتيسير عملية التظلم ثم البت فيها.

وأشار إلى أن النظام الذي يضم مَن يحصلون على الدعم، سواء الخبز أو السلع التموينية، يشمل ما يقرب من 65 مليون شخص، وأن العدد قد يزيد خلال الأيام المقبلة، «لذا لا بد من توضيح أسباب الاستبعاد».

وسبق أن تحدثت وزارة التموين عن بعض أسباب وقف بطاقة التموين والاستبعاد من الدعم، ومن بينها «عدم حذف المتوفين المقيدين على البطاقة التموينية، وسفر أحد المستفيدين للخارج لفترات طويلة، وعدم استخدام البطاقة التموينية في صرف السلع لمدة تتجاوز 6 أشهر متتالية، ووجود بيانات غير دقيقة أو متضاربة داخل منظومة الدعم، وامتلاك أصول أو مؤشرات اقتصادية مرتفعة، مثل سيارات حديثة أو وحدات سكنية فاخرة، أو حصص في شركات تجارية».

وأكدت أن تعديل النظام يجيء «ضمن خطة الدولة لإعادة توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز كفاءة منظومة الحماية الاجتماعية».


القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
TT

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الاستقرار الإقليمي.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي، الأربعاء، مع نظيره الإريتري عثمان صالح، وأكد فيه أن المرحلة الحالية تتطلب وضع آليات واضحة للأمن الجماعي، وفي مقدمتها تفعيل «مجلس البحر الأحمر» في أسرع وقت ممكن، بما يُسهم في مواجهة التحديات المشتركة، ويُعزز التعاون بين دول المنطقة.

ومجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن هو تكتل إقليمي تأسس في يناير (كانون الثاني) عام 2020، ويهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي، وتأمين الملاحة الدولية، وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي بين الدول المشاطئة لأحد أهم الممرات المائية في العالم.

ويتشكل المجلس من دول عربية وأفريقية، هي السعودية ومصر والأردن واليمن والسودان وإريتريا والصومال وجيبوتي.

وقال عبد العاطي إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإريتري أسياس أفورقي اتفقا على الأهمية القصوى للالتزام بالمبادئ الراسخة للقانون الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها.

والتقى السيسي رئيس إريتريا، الاثنين؛ حيث بحثا الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، والتعاون القائم بين البلدين من أجل ضمان أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة البحرية به.

ووفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية، التقى عبد العاطي نظيره الإريتري، الأربعاء، وناقشا سُبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتنسيق المواقف إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن عبد العاطي شدد «على دعم مصر الكامل لدولة إريتريا من أجل الحفاظ على سيادتها ووحدة وسلامة أراضيها»، وجدد تأكيد حرصها على مواصلة البناء على الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يُحقق مصالح الشعبين.

وفيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، شدد الوزيران، وفق بيان «الخارجية»، على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وجددا رفضهما الكامل لأي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق، أو لفرض نفاذها البحري بالمخالفة لأحكام القانون الدولي، مع دعم رؤية إريتريا بشأن إدارة البحر الأحمر، لا سيما تأكيد وحدة وسيادة الدول المطلة على البحر الأحمر».

وأضاف المتحدث الرسمي أن الوزيرين تبادلا الرؤى حول تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي؛ حيث استعرض عبد العاطي رؤية مصر تجاه تطورات الأوضاع في السودان والصومال، مؤكداً موقفها الثابت تجاه الحفاظ على أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي، باعتبارها امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري ونظيره الإريتري في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

وازداد التنسيق بين القاهرة وأسمرة خلال السنوات الأخيرة، في ظل خلافات تجمع البلدين ضد إثيوبيا التي ترفض طلب مصر إبرام اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل «سد النهضة»، إضافة إلى التوتر القائم بين إريتريا وإثيوبيا، والتلويح بتصعيد عسكري.

وزار السيسي العاصمة الإريترية أسمرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وسط تفعيل آلية التنسيق الثلاثي بين مصر وإريتريا والصومال.

وفي مارس (آذار) الماضي، نقل عبد العاطي رسالة شفهية من السيسي إلى نظيره الإريتري بشأن «تعزيز العلاقات وتطويرها في مختلف المجالات». وفي مايو (أيار) الماضي، التقى عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير مع أفورقي في أسمرة لبحث تعزيز التعاون وتطورات البحر الأحمر. وشدد وزير الخارجية المصري حينها على أنه لا يجوز لأي أطراف غير مشاطئة الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخص البحر الأحمر.

وبعد نحو أسبوع من الزيارة، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر.