تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

حديث عن اتجاه واشنطن لرفع بعض العقوبات المفروضة على أسمرة

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


مقالات ذات صلة

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية في مدينة ميكيلي في 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

توترات إثيوبيا وإريتريا... اختبار جديد للدور الأميركي في التهدئة

تحرك أميركي جديد تجاه التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، مع تصاعد التحشيد على حدود كل منهما.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصومالي حسن شيخ محمود في لقاء سابق بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

مصر تؤكد استمرارها في تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته

أكدت مصر استمرارها في دعم جهود تعزيز قدرات الصومال وبناء مؤسساته، وشددت على رفض «أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بسيادة الصومال ووحدة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

تبادل البلدان الاتهامات بعدما أثارت تقارير عن توغل قوات إريترية - نفتها إريتريا ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق منها بشكل مستقل.

«الشرق الأوسط» (أسمرة - أديس أبابا)
أفريقيا عناصر من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

ما التحركات الإثيوبية المحتملة إثر تزايد التوتر مع إريتريا؟

تبادلت إثيوبيا وإريتريا، الجمعة، الاتهامات بشنّ «حرب عدوانية»، في وقت يهدّد النزاع المتصاعد بين الجيش الإثيوبي ومتمرّدي تيغراي بالتحوّل إلى حرب إقليمية.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)

مصر لتقديم «كافة أشكال الدعم» للدفاع عن أمن السعودية واستقرارها

 «مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)
«مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)
TT

مصر لتقديم «كافة أشكال الدعم» للدفاع عن أمن السعودية واستقرارها

 «مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)
«مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)

يواصل مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين، الانعقاد لليوم التالي على التوالي لبحث تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي في إرسال دعم عسكري للمملكة العربية السعودية عقب موافقة «مجلس الدفاع الوطني» بـ«تقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن أمن المملكة واستقرارها».

وكان الرئيس المصري قد طلب من البرلمان قد عقد جلسة طارئة للتفويض في الدفاع عن دول الخليج «إذا طُلب من القاهرة ذلك»، مؤكداً على هامش حفل تخرُّج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، الأحد، أن «بلاده مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية لحماية أمنها»، ليعلن مجلس النواب عقد جلسة طارئة لمناقشة الأمر، ظهر الأحد.

وبحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، ترأس الرئيس السيسي، الأحد، بقصر الاتحادية الرئاسي اجتماع «مجلس الدفاع الوطني»، والذي «استعرض مجمل التطورات الإقليمية الراهنة، وما تشهده المنطقة من تطورات خطيرة، ولا سيما في ظل تصاعد الاعتداءات المرفوضة التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية الشقيقة».

وأوضح المتحدث الرئاسي أن «مجلس الدفاع الوطني قرر الوقوف التام والتضامن الكامل مع السعودية، انطلاقاً من العلاقات التاريخية والوشائج المتينة التي تربط بين شعبي البلدين الشقيقين باعتبارهما قلب الأمة العربية، وإيماناً بارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي».

كما قرر «مجلس الدفاع» أيضاً «تقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية». وأكد بحسب الإفادة «مواصلة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، بما يسهم في خفض التصعيد في الإقليم برمته وتسوية الأزمات التي تشهدها المنطقة سلمياً».

وضم اجتماع مجلس الدفاع الوطني كلاً من «رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، والقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، ووزراء الداخلية والمالية والخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ورئيس المخابرات العامة، وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ورئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، إلى جانب أمين عام مجلس الدفاع الوطني».

جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

وعقب موافقة «مجلس الدفاع الوطني» عقد مجلس النواب المصري جلسة طارئة، ظهر الأحد، لبحث تفويض الرئيس السيسي بشأن السعودية.

وقالت مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط» إن الجلسة شهدت «إلقاء كلمات من عدد من النواب واستفسارات بشأن طبيعة الدعم الذي سيقدم للمملكة»، وأشارت إلى أن «رئيس مجلس النواب قرر استكمال المناقشات في جلسات لاحقة، لإتاحة الفرصة لمزيد من المناقشات لطبيعة التحرك المصري المتحمل وفقا للدستور».

وبحسب عضو مجلس النواب المصري، الإعلامي مصطفى بكري، فإن ‏«سبب استمرار جلسات مجلس النواب ليومين آخرين، هو وجود عدد كبير من طالبي الكلمة»، وتوقع في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، الأحد، أن «يتم التصويت على تفويض رئيس الجمهورية بإرسال قوات عسكريه إلى السعودية، الثلاثاء المقبل».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء». وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

مقر مجلس النواب في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الدكتور عبد المنعم سعيد أكد أن «استمرار المناقشات البرلمانية أمر طبيعي لا سيما في ظل تعقد الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مد المناقشات يستهدف الحصول على مزيد من الإيضاحات بشأن طبيعة الدعم».

وشدد على أن «قرار القاهرة دعم المملكة يأتي في مرحلة حرجة تشهد فيها المنطقة تصعيداً غير مسبوق يلقي بظلاله على دول المنطقة كلها بما فيها مصر». وقال إن «مصر بموقعها الاستراتيجي لا بد أن تشارك في دعم المملكة، وفي هذا السياق من المهم وضع استراتيجيات للتعامل مع الأوضاع في اليمن».

وعدّ التحرك المصري الآن «خطوة جيدة تجمع بين الدبلوماسية والتأييد الشعبي والسلوك العسكري، ولا بد أن تترافق مع خطط استراتيجية واضحة، فما يحدث في المملكة يؤثر في المنطقة كلها».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة، أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، وسبق أن أكد الرئيس المصري مراراً التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».


المفقودون والمختفون قسراً في ليبيا... جرح يرهق السلم الاجتماعي

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
TT

المفقودون والمختفون قسراً في ليبيا... جرح يرهق السلم الاجتماعي

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

«كيف يمكن للدعم النفسي والاجتماعي أن يوقف بكائي كل ليلة، وابني لم يعد إلى المنزل منذ سبع سنوات؟!»... بهذا التساؤل رد أحد آباء الضحايا من مدينة ترهونة على جهود الدعم القانوني والنفسي الذي تقدمه الأمم المتحدة لعائلات المفقودين في ليبيا.

ونظمت البعثة الأممية لدى ليبيا و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» جلسات توعوية لعائلات في مدينتَي ترهونة وتاجوراء، كشفت فحواها مساء السبت، ممن أمضت سنوات في البحث عن إجابات حول مصير أبنائها المفقودين.

ويُشكل ملف المفقودين والمختفين قسراً في ليبيا جرحاً غائراً وقضية معقدة منذ تفاقم الانفلات الأمني في البلاد، وهو الملف الذي تصاعدت حدته بفعل الانقسام السياسي والعسكري المستمر.

نموذج من سجون ميليشيا «الكانيات» في ترهونة (المجلس الرئاسي الليبي)

وفي ترهونة، الواقعة جنوب شرقي العاصمة طرابلس، تكشفت مأساة «المقابر الجماعية» وما رافقها من عمليات قتل وتصفية واسعة النطاق نُسبت إلى ميليشيا «الكانيات»، وذلك في أعقاب تعثر الهجوم العسكري الذي قاده «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس عام 2019.

بطء العدالة...

ومنذ ذلك التاريخ تشتكي أسر الضحايا من «بطء العدالة في محاسبة الجناة»، معبرة عن استيائها من «استمرار حالة الإفلات من العقاب»، وتطالب بـ«الثأر من قتلة أبنائها»، ومحذرة من أن هذه الجرائم «تعوق أي اتجاه للمصالحة الوطنية وتقوّض السلم الاجتماعي».

ونقلت البعثة الأممية عن عائلات في ترهونة أنها «لا تزال تبحث عن إجابات حول أقارب اختفوا خلال سنوات العنف التي وُثقت في تقرير مشترك صدر عام 2024 عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان»، وقالت: «على الرغم من الجهود المستمرة منذ عام 2020 للكشف عن (المقابر الجماعية)، لا يزال أكثر من 60 شخصاً في عداد المفقودين».

ويُشار إلى أنه في الفترة ما بين عامَي 2013 و2020، اختفى أو اختُطف مئات الأشخاص في ترهونة عندما كانت المدينة تحت سيطرة ميليشيا «الكانيات»، وفقاً لتحقيقات البعثة الأممية و«مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان».

وأفاد التقرير المشترك بأن «المزيد قُتل دون محاكمة، أو احتُجز ظلماً وتعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما تم اكتشاف أكثر من 20 مقبرة جماعية».

وكان سكان ترهونة قد عثروا على «مقابر جماعية» عقب انتهاء الحرب على طرابلس مطلع يونيو (حزيران) 2020، ضمّت مئات الجثث من مختلف الأعمار. كما تم انتشال عشرات الجثث لأشخاص بعضهم مكبّل اليدين، من مواقع بصحراء ترهونة وبحاوية حديدية وبئر معطلة بالقرب منها، بينهم أطفال.

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية 6 مذكرات توقيف تتعلق بالجرائم التي حدثت في ترهونة، ومنذ ذلك الحين أُلقي القبض على اثنين من المشتبه بهم، لكن لم تتم إحالة أي منهما بعد للمحكمة في لاهاي.

وخلال الجلسات التي رعتها البعثة الأممية، وحضرها 50 فرداً من عائلات المفقودين، قالت البعثة إن «المحامين قدموا شروحات حول كيفية الإبلاغ عن حالات الاختفاء ومتابعة الإجراءات مع السلطات القضائية».

كما أوضحوا كيفية التواصل مع «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين»، بشأن أخذ عينات الحمض النووي والتعرف على الضحايا، بالإضافة إلى كيفية استخراج الوثائق المدنية الرسمية مثل: شهادات الوفاة، والمطالبة بالتعويضات، وطلب استعادة رفات المفقودين.

«الفقدان الغامض»

واستعرض اختصاصيون في الدعم النفسي والاجتماعي أشكال الدعم المتاحة - سواء على المستوى الفردي أو الجماعي - ودعوا العائلات لمناقشة احتياجاتها... ونقلت البعثة عن الاختصاصيين أن «عائلات المفقودين تعاني من نوع خاص من الألم، يُعرف بـ(الفقدان الغامض) الذي يعوق عملية الحزن الطبيعية».

ووثّقت «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين» 7169 مفقوداً في ليبيا، في حين رصدت «اللجنة الدولية للمفقودين» أكثر من 2500 حالة بين عامَي 2012 و2014 في عدة مدن ليبية. وتواصلت الأزمة مع اكتشاف «المقابر الجماعية» في ترهونة، فضلاً عن الحالات المرتبطة بالهجرة غير النظامية وتداعيات «إعصار درنة».

وفي تاجوراء حيث لا تزال العائلات تبحث عن أقارب لها فُقدوا منذ عام 2011، نقلت البعثة الأممية عن إحدى الأمهات تعبيرها عن فقدانها الأمل في منظومة العدالة، وأنها منذ اختفاء ابنها لم تعد تنتظر سوى شيء واحد فقط؛ إذ تقول الأم: «كل ما أريده هو جزءٌ من رفات ابني؛ لأتمكن من دفنه، وأجد أخيراً بعض السكينة».

خلال الكشف عن المقابر الجماعية جنوب شرقي ليبيا في فبراير 2025 (مديرية أمن الواحات)

فضلاً عن ذلك، تعاني ليبيا من عمليات الخطف القسري لمواطنين ونشطاء، وقد أحصت جمعيات ومراكز حقوقية محلية ودولية عشرات الحالات من الخطف القسري، في حين تقول النيابة العامة إنها تعمل على التحقيق في بعض هذه الجرائم.

وقالت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إنها أحصت 13 شكوى و9 بلاغات خلال الفترة الماضية من عام 2026 من أسر وذوي معتقلين تعسفياً ومختفين قسراً.

وأوضحت المؤسسة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الشكاوى تتضمن «تعرض أبنائهم لوقائع اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري من قبل عناصر (اللواء 111) التابع لحرس الحدود برئاسة الأركان العامة للجيش بغرب ليبيا».

وتعتبر المؤسسة «هذه الواقعة وغيرها انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، وتقويضاً لسيادة القانون والعدالة، يُعاقب عليها قانون العقوبات الليبي».


إضراب المعلمين يهدد بتمديد تعطّل الدراسة في ليبيا

جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
TT

إضراب المعلمين يهدد بتمديد تعطّل الدراسة في ليبيا

جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)

تصاعدت حدة التضارب في المواقف بشأن أزمة إضراب المعلمين في ليبيا، بين دعوات حكومية ومحلية لاستئناف الدراسة، وتحركات احتجاجية تتمسك بمواصلة الإضراب حتى تنفيذ المطالب المالية والمهنية، في وقت لم تنجح الاتفاقات فيه المعلنة في إنهاء الأزمة، التي دخلت شهرها الثاني، وتهدد بمزيد من التعطيل للعملية التعليمية.

ويأتي أحدث مظاهر هذا التضارب، مع مطالبة «اتحاد بلديات الجبل الغربي»، حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة الدراسة، بالتزامن مع إعلان «حراك معلمي ومعلمات تاجوراء» تنظيم وقفة احتجاجية جديدة الاثنين، تأكيداً لاستمرار التحركات المطالبة بالحقوق.

اجتماع «اتحاد بلديات الجبل الغربي» 17 أكتوبر (مجلس غدامس البلدي)

وطالب بيان للاتحاد، عقب اجتماع، مساء السبت، في بلدية نسمة (جنوب غربي طرابلس)، النائب العام، «بالتحقيق في الوقائع التي تستوجب المساءلة، حفاظاً على حقوق الطلاب، وضمان استمرار العملية التعليمية»، محذراً من «استمرار تعطيل المدارس وما يترتب عليه من تراكم الدروس وزيادة الأعباء على الأسر».

وأكد البيان «أن المطالبة بالحقوق الوظيفية، لا تبرر حرمان الطلاب من التعليم أو تعطيل مؤسسات الدولة خارج الأطر القانونية»، محذراً من «استغلال التحركات المهنية لتحقيق أهداف لا تخدم العملية التعليمية والمصلحة العامة».

وفي تطور يعكس استمرار الخلاف، أعلنت «نقابة معلمي طرابلس المركز»، في بيان عقب اجتماع عقدته، مساء السبت، وضم مديري ومندوبي المدارس، مواصلة الإضراب والاعتصام السلمي «حتى تحقيق كامل مطالب المعلمين وحقوقهم المشروعة»، داعية الجميع إلى «الالتزام بالقرارات النقابية ووحدة الصف».

كما أعلن «حراك معلمي ومعلمات تاجوراء»، تنظيم وقفة احتجاجية، يوم الاثنين، أمام مراقبة التربية والتعليم بالبلدية، تأكيداً لمواصلة التحركات المطالبة بحقوق المعلمين، وتحسين أوضاعهم الوظيفية.

وكانت مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء قد أعلنت استئناف الدراسة بداية من الأحد، استناداً إلى توجيهات الوزارة وما أُعلن عن التوصل إليه من اتفاق مع النقابة العامة للمعلمين، لكن حراكات المعلمين أكدت استمرار الإضراب والاعتصام إلى حين تنفيذ المطالب، رافضة اعتبار الاتفاقات المعلنة، تسوية نهائية ما لم تتضمن معالجة شاملة وملزمة للمستحقات المالية والمهنية.

وكان الدبيبة قد أعلن «التوصل إلى اتفاق مع النقابة العامة للمعلمين»، بحضور وزير المالية راشد أبو غفة، تضمن اعتماد جدول موحد للمرتبات في القطاعات الحكومية، على أن يبدأ العمل به خلال الشهر الحالي، وصرف علاوة الحصة للمعلمين عن العام الحالي بعد إحالتها من وزارة التربية والتعليم.

وشملت التفاهمات الحكومية المعلنة، صرف علاوات مديري المدارس ومساعديهم مع مرتبات هذا الشهر، والعمل على توفير التأمين الصحي للمعلمين، وإصدار لوائح لحماية حقوقهم، وتسوية الفروقات المالية المستحقة، وفق التشريعات ذات الصلة.

اجتماع نقابة معلمي طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

وأعلنت «النقابة العامة للمعلمين» رفع الاعتصام، بينما دعت الحكومة إلى استئناف الدراسة، غير أن حراكات أخرى واصلت الاحتجاج، مؤكدة أن «إنهاء الإضراب يتطلب ضمان تنفيذ الالتزامات المعلنة بصورة واضحة وملزمة».

ورفض حراك المعلمين دعوات إلى إعادة فتح المدارس قبل تسوية المطالب، بينما أصدرت جهات تعليمية تعليمات باستئناف الدراسة، وطلبت من مراقبات التعليم تقديم تقارير عن الحضور وانتظام العملية التعليمية.

وبدأت احتجاجات المعلمين في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، بالتزامن مع الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي، عبر اعتصامات أمام المدارس والمباني الحكومية في طرابلس ومناطق أخرى، قبل أن تتحول إلى إضراب مفتوح شمل مدارس حكومية في عدد من المدن والبلديات، بينها تاجوراء ومناطق من الجبل الغربي.

وتضع التطورات حكومة «الوحدة» أمام اختبار مزدوج: ضمان انتظام الدراسة من جهة، وتنفيذ الالتزامات المالية والمهنية التي أعلنتها من جهة أخرى، بينما يظل احتواء الأزمة مرهوناً بمدى تنفيذ الاتفاقات المعلنة.