تطوير أول مركبة مشاة قتالية أميركية مصممة رقمياً بالكامل

تنفيذ الأعمال الهندسية في السحابة الإلكترونية

مركبة المشاة القتالية «إم 2 برادلي» الحالية ستحل محلها دبابات «إكس إم-30» عند إنتاجها قريباً
مركبة المشاة القتالية «إم 2 برادلي» الحالية ستحل محلها دبابات «إكس إم-30» عند إنتاجها قريباً
TT

تطوير أول مركبة مشاة قتالية أميركية مصممة رقمياً بالكامل

مركبة المشاة القتالية «إم 2 برادلي» الحالية ستحل محلها دبابات «إكس إم-30» عند إنتاجها قريباً
مركبة المشاة القتالية «إم 2 برادلي» الحالية ستحل محلها دبابات «إكس إم-30» عند إنتاجها قريباً

يراهن الجيش الأميركي على الهندسة الرقمية لتوفير الوقت والمال في عمليات تطويره لمركبات مشاة قتالية جديدة.

مركبات قتال حديثة

وقال اللواء غلين دين، المسؤول التنفيذي لبرنامج أنظمة القتال الأرضي، في مقابلة مع لورين سي ويليامز(*) من «ديفينس وان»، متحدثاً عن أحدث مركبة قتالية: «يتم بناء مركبة (إكس إم-30) XM-30 من خلال معيار مفتوح معياري يسمح لنا، من الناحية النظرية، باستبدال المكونات بشكل أسرع، مما يتيح لنا التحديث بشكل أسرع».

وأضاف دين أن الجيش ينشر تقليدياً مركبة قتالية محدثة «كل 10 سنوات تقريباً... وبعض ذلك يرتبط بالجداول الزمنية الصناعية لما يتطلبه الأمر لإنشاء سلسلة التوريد في المصنع وبناء المركبة، ولكن البعض الآخر يرجع إلى أن الطريقة التي صممنا بها البرامج في الماضي ليست مرنة بنفس القدر».

هندسة رقمية للتصاميم

من خلال الاعتماد على الهندسة الرقمية - وهي ممارسة تبناها الجيش على نطاق أوسع - يمكن للجيش اكتشاف أوجه القصور في تصميمات المركبات في وقت أقرب.

وتعد «إكس إم-30» أحدث جهود الخدمة لاستبدال مركبة القتال المشاة «إم 2 برادلي» M2 Bradley. وقد اختار الجيش عام 2023 اثنتين من الشركات المتخصصة لإنتاج نماذج أولية لـ«إكس إم-30»، بعقود بلغت قيمتها نحو 1.6 مليار دولار.

فيديو يشرح مفاهيم التصميم الرقمي لدبابة «إكس إم-30»

أول مركبة قتالية برية رقمية

وقال دين إن برنامج «إكس إم-30»، الذي كان يسمى سابقاً مركبة القتال المأهولة اختيارياً Optionally Manned Fighting Vehicle، خصص لأول مركبة قتالية برية للجيش مصممة رقمياً بالكامل. وباستخدام بنية النظام المفتوح المعياري، يمكن تجميع أنظمة مختلفة من شركات مختلفة - والعمل بسلاسة - على المنصة نفسها.

وأضاف دين: «نحن في الواقع نبني القدرة البديلة. لذا فهي ليست (إكس إم-30) النهائية، لكنها بديل لها سيسمح لنا باختبار ذلك. وسوف تسمح منصة العرض التوضيحي هذه لكل مقاول بتثبيت أنظمته وتغييرها لمعرفة مدى سرعة إنجاز ذلك».

ويتم تنفيذ جميع أعمال التصميم الخاصة به بشكل أساسي في السحابة، ومرتبطاً بالتقييم القائم على النموذج، كما قال دين: «لدينا نظرة ثاقبة غير مسبوقة في مستوى التصميم ومستوى التفاصيل ومستوى التفاعل بين المكونات والتصميم، بدءاً من التصميم الأولي وحتى كيفية التحقق من صحة واختبار ما إذا كانت جميع معايير الأداء التي نحددها سنحققها بالفعل».

ولكن قبل أن يتمكن المقاولون من بناء نماذج أولية مادية من «إكس إم-30» للاختبار، يحتاج الجيش إلى الانتهاء من تصميم المركبة من خلال مراجعة تصميمية حاسمة في السنة المالية 2025.

مراجعة التصميم

«هذه هي المرة الأولى التي نمر فيها بنظام كامل من خلال هذا المستوى من التصميم في مساحة رقمية بحتة»، كما قال دين. وتابع: «قبل أن نقوم بمراجعة التصميم هذه، كان الجميع يدخلون الغرفة لمدة أسبوع، ونقوم بمراجعة عرض تقديمي مكون من 500 شريحة (باور بوينت) حول كل نظام على المنصة... هناك الكثير من الثغرات في معرفتنا والتي يمكننا الآن رؤيتها فعلياً في الوقت الفعلي. ولهذا نعتقد أننا نصل إلى المنتج النهائي، وهو منتج نهائي أفضل في وقت أقرب مما كنا عليه من قبل».

وقال دين: «نحن نبني أدوات جديدة. نحن نبني علاقات جديدة. و(إكس إم-30) فريدة من نوعها من حيث أنها من بعض النواحي، إذ إن برنامجها يتشارك مع جهات أخرى - فهو يستخدم أدوات تطوير برامج القوات الجوية في سحابة القوات الفضائية، إضافة إلى استخدام مجموعة من أفضل الممارسات التي تبنيناها من بعض برامج التطوير التابعة للبحرية»

وأضاف: «نحن ندرب الناس الآن على العمل في بيئة رقمية، وأعتقد أن هذا سيعود علينا بالنفع لأجيال مقبلة».

* مجلة «ديفينس وان»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«ميتا» تدخل سباق وكلاء البرمجة بإطلاق «Muse Code»

تكنولوجيا تعتمد الأداة على نموذج «Muse Spark 1.2» الذي طوّرته «Meta Superintelligence Labs» (أدوبي)

«ميتا» تدخل سباق وكلاء البرمجة بإطلاق «Muse Code»

أطلقت «ميتا» وكيل «Muse Code» لتنفيذ مهام برمجية معقدة، وتشغيل وكلاء متوازيين واستئناف العمل ومنافسة أدوات «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «جيمناي» يلخص أبرز المعلومات والنصائح قبل الزيارة (غوغل)

«خرائط غوغل» توسّع ميزة «نصائح قبل الزيارة» المدعومة بـ«جيمناي»

الذكاء الاصطناعي يلخص تجارب الزوار ويخبر المستخدم بما يحتاج إلى معرفته قبل الذهاب إلى المكان.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص معظم المؤسسات لا تستطيع إعادة بناء حادث الذكاء الاصطناعي كاملاً بسبب تشتت الأدلة بين الشبكات والسحابة والتطبيقات والنماذج (أدوبي)

خاص التحقيق في حوادث الذكاء الاصطناعي... كيف تميّز المؤسسات بين الهجوم وخلل النموذج؟

تحتاج المؤسسات إلى أدلة مترابطة لتمييز الهجمات من أخطاء نماذج الذكاء الاصطناعي وإعادة بناء الحوادث وتسريع التحقيق والتعافي وتحديد المسؤولية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا وصلت الميزة إلى عدد محدود من المستخدمين ضمن المرحلة التجريبية «تيك توك»

«تيك توك» يختبر المكالمات الصوتية داخل الرسائل الخاصة

لم يعلن «تيك توك» رسمياً عن موعد الإطلاق عالمياً، كما لم يؤكد ما إذا كانت ستتوفر لجميع الحسابات عند الإطلاق أو ستبدأ في أسواق محددة قبل تعميمها.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)

خاص المؤسسات المتوسطة أكثر انكشافاً أمام مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي الأمنية

تحذّر «كاسبرسكي» من سلاسل هجوم تستغل مهارات الوكلاء وصلاحياتهم داعية إلى المراقبة والعزل وتقليل الوصول قبل التوسع المؤسسي الواسع.

نسيم رمضان (تبليسي - جورجيا)

هل اكتشف العلماء «غرفة التفكير» داخل الذكاء الاصطناعي؟

 لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل اكتشف العلماء «غرفة التفكير» داخل الذكاء الاصطناعي؟

 لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟
لماذا يحتاج الطبيب إلى تفسير الذكاء الاصطناعي؟

ماذا يحدث داخل الذكاء الاصطناعي في الثواني القليلة التي تسبق كتابة أول كلمة؟ لطالما شُبّهت النماذج اللغوية الكبيرة بـ«الصندوق الأسود»؛ فنحن نطرح سؤالاً، وبعد ثوانٍ نحصل على إجابة تبدو منطقية ومترابطة، لكننا لا نعرف بدقة ما الذي جرى داخل النموذج بين لحظة تلقي السؤال ولحظة ظهور الإجابة.

ولم يعد هذا الغموض مجرد فضول علمي؛ إذ يمثل واحداً من أكبر التحديات أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب والقضاء والقطاعات الحساسة، حيث لا تكفي دقة النتيجة وحدها، بل يجب أيضاً فهم الأساس الذي بُني عليه القرار، وإمكان مراجعته ومساءلة المسؤولين عنه.

وفي دراسة نُشرت في 6 يوليو (تموز) 2026 بعنوان «التمثيلات القابلة للتعبير تكوّن مساحة عمل عالمية داخل النماذج اللغوية»، قدّم باحثون من شركة «أنثروبيك» (Anthropic) أدلة على وجود بنية داخلية جديدة في نموذج «كلود» (Claude)، قد تساعد في تفسير الكيفية التي ينظم بها النموذج المعلومات ويصل إلى استجاباته. ويرى الباحثون أن هذه البنية تؤدي وظائف تشبه ما يُعرف في علوم الأعصاب بـ«مساحة العمل العالمية» (Global Workspace)، وهي النظرية التي تفسر كيفية تنظيم الدماغ للمعلومات قبل اتخاذ القرار.

من الدماغ إلى الذكاء الاصطناعي

فكرة جاءت من علم الأعصاب

تستند هذه الفكرة إلى نظرية في علم الإدراك طرحها عالم الإدراك البريطاني برنارد بارس في ثمانينات القرن الماضي، ثم طوّرها لاحقاً باحثون في علوم الأعصاب. وتفترض هذه النظرية أن الدماغ يعالج المعلومات عبر شبكات عصبية متخصصة تعمل بالتوازي، قبل أن تنتقل المعلومات الأكثر أهمية إلى «مساحة عمل» مركزية، حيث تصبح متاحة لبقية مناطق الدماغ لاتخاذ القرار أو صياغة الاستجابة.

والمثير في الدراسة أن تحليلات باحثي شركة «أنثروبيك» تشير إلى أن نموذج «كلود» لم يُبرمج وفق هذه النظرية، لكنه طوّر أثناء التدريب بنية داخلية تؤدي وظائف متشابهة، من خلال تنظيم المعلومات وإتاحتها لأجزاء مختلفة من النموذج خلال عملية الاستدلال.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذا التشابه لا يعني امتلاك الذكاء الاصطناعي وعياً أو إدراكاً ذاتياً، بل يصف آلية حسابية لتنظيم المعلومات قد تساعد في تفسير كيفية وصول النموذج إلى بعض استجاباته.

> ما هي «مساحة جيه»؟ لا يستطيع الباحثون رؤية «الأفكار» داخل النموذج اللغوي بصورة مباشرة، لكنهم طوروا أداة تحليل جديدة أطلقوا عليها اسم «عدسة جاكوبيان» (Jacobian Lens)، تتيح تتبع بعض التمثيلات الداخلية التي يستخدمها النموذج أثناء معالجة المعلومات.

وباستخدام هذه الأداة، رصد الباحثون فضاءً تمثيلياً أطلقوا عليه اسم «مساحة جيه» (J-Space)، وهو مجموعة من التمثيلات الداخلية القابلة للتعبير، يبدو أنها تؤدي دوراً محورياً في تنظيم المعلومات أثناء عملية الاستدلال، قبل أن تتحول إلى كلمات يراها المستخدم.

ويشبّه الباحثون هذه العملية باجتماع يعقده فريق من الخبراء داخل مؤسسة كبيرة؛ إذ يقدّم كل عضو ما لديه من معلومات، ثم تُدمج الأفكار الأكثر أهمية قبل إصدار القرار النهائي. وما يراه المستخدم في النهاية ليس ذلك النقاش الداخلي، بل النتيجة التي خرج بها. ولم تقتصر أهمية «عدسة جاكوبيان» على كشف وجود هذه البنية، بل أتاحت أيضاً للباحثين تتبع بعض المفاهيم التي يحتفظ بها النموذج أثناء الاستدلال، وهو ما لم يكن ممكناً في النماذج اللغوية السابقة.

قبل أن يكتب الذكاء الاصطناعي إجابته

> الاستدلال قبل الكلمات. تشير نتائج الدراسة إلى أن النموذج لا يبدأ بتوليد الكلمات فور تلقي السؤال، بل يمر أولاً بمرحلة داخلية تتشكل فيها مجموعة محدودة من التمثيلات المرتبطة بالمفاهيم ذات الصلة، وتُستخدم لتوجيه عملية الاستدلال قبل ظهور أول كلمة للمستخدم.

ولعل أكثر ما يثير الاهتمام أن بعض هذه التمثيلات قد لا يظهر إطلاقاً في الإجابة النهائية، وهو ما يشبه - من الناحية الوظيفية - تفكير الإنسان بصمت قبل أن يتحدث، مع اختلاف جوهري بين الحالتين.

ويؤكد الباحثون أن هذا التشابه لا ينبغي تفسيره على أنه دليل على وجود وعي أو مشاعر أو إدراك ذاتي لدى النموذج، بل هو وصف لآلية حسابية تنظم تدفق المعلومات أثناء الاستدلال، ولا تحمل أي دلالة على وجود تجربة ذهنية شبيهة بالإنسان.

> ماذا يحدث إذا تعطلت «مساحة جيه»؟ لاختبار أهمية هذه البنية الداخلية، أجرى الباحثون سلسلة من التجارب عطّلوا فيها تأثير التمثيلات الموجودة داخل «مساحة جيه»، مع الإبقاء على بقية مكونات النموذج دون تغيير.

وأظهرت النتائج أن النموذج ظل قادراً على إنتاج لغة سليمة والإجابة عن الأسئلة البسيطة، إلا أن أداءه تراجع بصورة ملحوظة في المهام التي تتطلب استدلالاً متعدد الخطوات، أو تلخيص النصوص، أو الربط بين معلومات متباعدة، أو معالجة المشكلات المعقدة.

وتشير هذه النتائج إلى أن هذه البنية تؤدي دوراً أساسياً في دعم عمليات الاستدلال داخل النموذج. قطاع الطب والرعاية الصحية

> لماذا يهم هذا الأطباء؟ قد يبدو هذا الاكتشاف نظرياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل دلالات مهمة لمستقبل الرعاية الصحية؛ فالطبيب لا يريد فقط أن يعرف أن نظام الذكاء الاصطناعي أوصى بتشخيص معين أو اقترح خطة علاج، بل يحتاج أيضاً إلى فهم الأساس الذي استند إليه ذلك القرار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحالة قد يترتب عليها تدخل علاجي أو جراحي.

داخل عقل الذكاء الاصطناعي

ولا تدّعي هذه الدراسة أنها جعلت قرارات النماذج اللغوية قابلة للتفسير الكامل، لكنها تفتح الباب أمام تطوير أدوات قد تساعد مستقبلاً في فهم الكيفية التي تنظم بها هذه النماذج معلوماتها قبل الوصول إلى الاستنتاج النهائي.

وإذا أكدت الدراسات اللاحقة إمكانات هذه المقاربة، فقد تسهم في تطوير معايير جديدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها في التطبيقات الطبية، بحيث لا يقتصر الحكم على دقة النتائج، بل يشمل أيضاً شفافية عملية الاستدلال وإمكان مراجعتها.

> نافذة جديدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي. لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على فهم كيفية عمل النماذج اللغوية، بل قد تفتح أيضاً آفاقاً جديدة أمام حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا سيما في التطبيقات عالية الخطورة مثل الرعاية الصحية.

فبدلاً من الاكتفاء بتقييم الإجابة النهائية، قد تتيح هذه الأدوات مستقبلاً فحص بعض التمثيلات الداخلية التي يعتمد عليها النموذج أثناء الاستدلال، بما يساعد الباحثين في رصد مؤشرات ترتبط بدرجة عدم اليقين، أو بمحاولات تضليل النموذج، أو بالاعتماد على معلومات غير كافية قبل الوصول إلى النتيجة النهائية.

وإذا أكدت الدراسات اللاحقة إمكانات هذه المقاربة، فقد تسهم في تطوير معايير جديدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها في التطبيقات الطبية، بحيث لا يقتصر الحكم على دقة النتائج، بل يشمل أيضاً شفافية عملية الاستدلال وإمكان مراجعتها.

وقد يمثل ذلك تحولاً مهماً في فلسفة الحوكمة؛ إذ لن يقتصر السؤال مستقبلاً على: هل كانت الإجابة صحيحة؟ بل سيمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف وصل النظام إلى هذه الإجابة؟ وهل يمكن الوثوق في الطريقة التي استدل بها؟

> من الصندوق الأسود إلى الصندوق الزجاجي. قد لا تكمن القيمة الأهم لهذه الدراسة في أنها كشفت ما يدور داخل النماذج اللغوية، بل في أنها أثبتت أن فهم بعض آلياتها الداخلية لم يعد أمراً مستحيلاً؛ فعلى مدى سنوات، انصب اهتمام الباحثين على تقييم جودة الإجابات التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي، أما اليوم فقد بدأ الاهتمام ينتقل تدريجياً إلى فهم الكيفية التي تتشكل بها تلك الإجابات قبل أن تظهر للمستخدم.

ولا يزال الطريق طويلاً قبل الوصول إلى نماذج قابلة للتفسير الكامل، لكن هذه الدراسة قد تمثل بداية الانتقال من عصر «الصندوق الأسود»، الذي نحكم فيه على الذكاء الاصطناعي من خلال نتائجه فقط، إلى عصر «الصندوق الزجاجي»، الذي نحاول فيه فهم المنطق الذي قاد إلى تلك النتائج.

وقد يكون هذا التحول هو الخطوة الأهم نحو بناء جيل جديد من الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة. ففي الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها، بل يجب أيضاً أن تكون طريقة الوصول إليها مفهومة، وقابلة للمراجعة، وجديرة بثقة الطبيب والمريض.

وربما لم يعد السؤال الأهم: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم الإجابة الصحيحة؟ بل أصبح: هل يمكن للطبيب أن يثق بإجابة لا يستطيع أحد تفسيرها؟


الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي
TT

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

الجذور الجينية المشتركة للاضطرابات النفسية... طفرة علمية في الطب النفسي

في تقدُّم مهم لبحوث الصحة النفسية، كشف العلماء عن روابط جينية قد تفسر لماذا يحدث الاكتئاب والقلق وغيرهما من الاضطرابات النفسية معاً في كثير من الأحيان. وقد حددت دراستان مكملتان نُشرتا هذا العام جينات ومناطق جينية رئيسية يمكن أن تُحدث ثورة في طريقة فهمنا لهذه الحالات وعلاجنا لها.

«قائد أوركسترا» داخل الدماغ

• جين تنظيمي مركزي: حدد باحثون من جامعة برشلونة الإسبانية ما يقارب 20 جيناً قد تزيد من القابلية للإصابة بالاكتئاب والقلق والحساسية العاطفية. ويقع في صميم هذا الاكتشاف جين تنظيمي رئيسي يُعرف باسم «RBFOX1» يبدو أنه يعمل بمثابة «قائد أوركسترا» داخل الدماغ.

ويوضح فريق البحث أن جين «RBFOX1» لا يعمل بمفرده؛ بل يساعد في تنسيق توقيت وطريقة عمل جينات أخرى مرتبطة بوظائف الدماغ. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأن الاضطرابات النفسية نادراً ما تنتج عن جين واحد؛ بل عن التأثير التراكمي لمئات أو حتى آلاف الاختلافات الجينية إلى جانب العوامل البيئية.

وعندما يتأثر جين تنظيمي مركزي مثل جين «RBFOX1» فقد يؤدي ذلك إلى سلسلة من التغيرات التي تمس عمليات متعددة في الدماغ تشمل تطور الخلايا العصبية والتواصل بينها وتنظيم الناقلات العصبية. وقد يفسر هذا السبب وراء ارتباط الاكتئاب غالباً بالقلق واضطرابات النوم والسمات الشخصية المرتبطة بالحساسية العاطفية.

وسلطت الدراسة المنشورة في دورية «Progress in Neuro-Psychopharmacology and Biological Psychiatry» في 20 يونيو (حزيران) 2026، وشارك فيها باحثون من جامعة برشلونة ومعهد «سانت جوان دي ديو» للبحوث، ومركز بحوث الأمراض النادرة في إسبانيا، إضافة إلى باحثين من جامعة غوته في فرانكفورت بألمانيا، الضوء على عدد من الجينات البارزة، منها: «SP4» و«TCF4» و«PAX6» و«CADM2» إلى جانب «RBFOX1» نفسه. وكان بعض هذه الجينات قد رُبط سابقاً بالفصام والإدمان واضطرابات عصبية أخرى، مما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين مختلف الاضطرابات.

• روابط وراثية عبر الثقافات: ودعَّمت هذه النتائج دراسة دولية أخرى قادها باحثون من جامعة تشجيانغ في الصين؛ حيث حللوا بيانات وراثية لمجموعات من أوروبا وشرق آسيا. وبفحص أكثر من 400 منطقة جينية مرتبطة بالاضطرابات النفسية، تشمل: الاضطراب ثنائي القطب، والاكتئاب الشديد، والفصام، واضطرابات القلق، اكتشف الفريق 88 منطقة جينية جديدة لم تكن معروفة سابقاً.

وباستخدام بيانات من البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank) وقواعد بيانات صحية من شرق آسيا، وجد الباحثون أن كثيراً من هذه الاختلافات الجينية ترتبط بتغيرات في مناطق الدماغ المسؤولة عن العواطف والتفكير واتخاذ القرار.

وتعزز هذه النتائج المنشورة في دورية «Molecular Psychiatry» في 17 مارس (آذار) 2026، الأدلة على وجود أسس جينية مشتركة بين مختلف المجموعات العِرقية.

جذور بيولوجية مشتركة

• نحو طب نفسي مخصص: ترسم هذه الدراسات معاً صورة مقنِعة، هي أن الاضطرابات النفسية تشترك في جذور بيولوجية تتجاوز الحدود التشخيصية التقليدية. وقد يؤدي هذا الفهم إلى التعريف المبكر بالأفراد الأكثر عرضة للخطر، من خلال الفحوصات الجينية ثم علاجات شخصية تستهدف آليات بيولوجية محددة، وكذلك تشخيص أكثر دقة يعتمد على مؤشرات بيولوجية بدلاً من الأعراض وحدها، وأخيراً إدارة أفضل للحالات المتداخلة من خلال مسارات علاجية مشتركة.

ومع ذلك يؤكد الباحثون أن الجينات ليست سوى جزء من اللغز. فلا بد من أخذ العوامل البيئية ونمط الحياة والفروق بين الجنسين، ولا سيما ارتفاع معدلات الاكتئاب بين النساء، في الاعتبار. كما أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات على مجموعات أكبر وأكثر تنوعاً، قبل أن تصبح الاختبارات الجينية روتينية في الرعاية النفسية.

• آفاق جديدة: ورغم أن الجينات لا تحدد المصير، فإن هذه الاكتشافات تمثل نقلة نوعية في فهمنا للأمراض النفسية. فبدلاً من النظر إلى الاكتئاب والقلق واضطرابات أخرى كحالات منفصلة، يدرك العلماء بشكل متزايد أنها مظاهر مترابطة لمواطن ضعف بيولوجية مشتركة.

كما يشير الباحث الرئيسي للدراسة، الدكتور شاوهوا هو، من قسم الطب النفسي بالمستشفى الأول التابع لكلية الطب بجامعة تشجيانغ الصين، وزملاؤه، إلى أن فهم هذه المسارات الجينية المشتركة قد يساعدنا في تطوير أدوات لتقدير المخاطر، واكتشاف الاضطرابات مبكراً، وتصميم علاجات تستهدف الآليات البيولوجية الخاصة بكل مريض.

ويمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو مستقبل تكون فيه الرعاية الصحية النفسية شخصية ودقيقة، مثل علاجات الحالات العضوية، مما يمنح أملاً جديداً لملايين المصابين بهذه الاضطرابات في جميع أنحاء العالم.


هل «تتآمر» علينا أنظمة الذكاء الاصطناعي؟

هل «تتآمر» علينا أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل «تتآمر» علينا أنظمة الذكاء الاصطناعي؟

هل «تتآمر» علينا أنظمة الذكاء الاصطناعي؟

يجري تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي على محاكاة كل ما يفعله الإنسان تقريباً، لذا قد لا يكون مفاجئاً أن تبدأ هذه الآلات في تقليد النقائص البشرية أيضاً، مثل الكذب والغش، كما كتبت لورا كيلي(*).

«تآمر» الذكاء الاصطناعي

وقد رُصد أخيراً جانب من تقنيات الذكاء الاصطناعي وهي تخالف التعليمات البشرية (بل وتخفي حقيقة قيامها بذلك). وهي ظاهرة يطلق عليها بعض الباحثين اسم «التآمر» (scheming). وبدأ هذا المصطلح يتردد في أوساط قطاع التكنولوجيا بعد ظهوره في ورقة بحثية عام 2023 للباحث جو كارلسميث، الذي أشار إلى أن المفهوم يُعرف أيضاً باسم «المواءمة الخادعة» (deceptive alignment).

وفي عام 2025، صرح فريق من مؤسستي «أبولو ريسيرش» و«أوبن إيه آي» بأن «تآمر الذكاء الاصطناعي» - أي التظاهر بالمواءمة مع الأهداف المطلوبة بينما يسعى النظام سراً لتحقيق أهداف ومخططات أخرى - يمثل «خطراً كبيراً نعكف على دراسته». يقول برونسون شون، كبير علماء الأبحاث في «أبولو ريسيرش» ومشارك في تأليف مقالات حول ظاهرة التآمر، إن نماذج الذكاء الاصطناعي تتفوق في مجالات عديدة، لكن تنفيذ الأوامر بدقة ليس دائماً أحد تلك المجالات. ويضيف: «مع تزايد اهتمام النماذج بتحقيق نتائج جيدة في الاختبارات، يبدو أن بعضها يولي اهتماماً أقل لما يريده الشخص المختبر أو المستخدم»، مشيراً إلى أن النماذج تحاول أحياناً «الاختباء منك وتجنب الانكشاف».

تصرف «مارق»

أما كريس باينتر، رئيس منظمة METR (وهي منظمة غير ربحية تعنى بسلامة الذكاء الاصطناعي)، فيصف هذا السلوك الماكر للنماذج بأنه «تصرف مارق» (rogue action)، معتبراً إياه «نتيجة حتمية لطريقة تدريب هذه النماذج». إذ تُدرَّب العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية «التعلم بالتعزيز» (reinforcement learning). ويوضح باينتر الأمر قائلاً: «عندما يؤدي الذكاء الاصطناعي مهمة ما بشكل صحيح، فإنه يتلقى ما يمكن اعتباره (إشارة استحسان وتربيتة تشجيعية)، أما عندما يخطئ، فإنه (يتلقى ضربة على الرأس)».

هوس الآلة يدفعها للاختراق

تسعى النماذج للحصول على تلك «التربيتة» وتجنب الضربة. وأحياناً، تصبح الآلة مهووسة بالسعي وراء المكافأة لدرجة أنها تكسر القواعد من أجل تحقيقها. وقد شهد العالم نموذجاً لهذا السلوك الخاطئ الشهر الماضي؛ ففي أثناء البحث عن إجابات خلال اختبار لقدرات أنظمتها، قامت نماذج «أوبن إيه آي» باختراق منصة «هاغينغ فيس»، وهي مكتبة تضم مجموعة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وكتبت شركة «أوبن إيه آي» في تدوينة لها: «تشير كل الأدلة إلى أن النماذج كانت تركز بشكل مفرط على إيجاد حل، وبذلت جهوداً هائلة لتحقيق هدف اختبار محدود للغاية». ووصف باينتر تلك الحادثة بأنها حالة واسعة النطاق لما يُعرف بـ«اختراق نظام المكافأة» (reward hacking)؛ إذ أُعطي النموذج مسألة صعبة، فقام بتنفيذ سلسلة من الهجمات السيبرانية بدلاً من الاستسلام.

وفي أعقاب هذا الكشف صرحت شركة «أنثروبيك» يوم الخميس الماضي بأن مراجعة لأنظمتها أظهرت أن العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها قد اخترقت أخيراً أنظمة ثلاث مؤسسات خارجية.

أخطاء أم عصيان؟

بالنسبة للكثيرين، يُنظر إلى هذا السلوك على أنه مجرد أخطاء ترتكبها النماذج، وليس «عصياناً» متعمداً للبشر. إلا أن أناستاسيوس ن. أنجيلوبولوس، الرئيس التنفيذي والمؤسس لمنصة تقييم الذكاء الاصطناعي «Arena» يقول: «من ناحية، هناك أشخاص يضفون طابعاً بشرياً كاملاً على هذه النماذج ويعتبرونها كيانات مستقلة. ومن ناحية أخرى، هناك من ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد برمجيات». وأشار إلى أنه حتى لو خرجت الآلة عن السيطرة، يمكن للبشر إيقاف العملية في أي وقت، لأننا لا نملك ذكاءً اصطناعياً يتمتع باستقلالية تامة (على الأقل ليس بعد).

الخشية من تفاقم المشكلات

إن الانتشار السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي وفائدتها لعدد كبير من الناس يضع الشركات الكبرى تحت ضغط تنافسي للاستمرار في السباق نحو الأمام، وذلك في ظل تزايد المخاوف بشأن المشكلات التي قد تسببها النماذج غير المثالية. ورغم أن هذه المشكلة لا تزال محدودة النطاق نسبياً، فإن الباحثين يخشون تفاقمها مع تزايد المسؤوليات الموكلة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي. ويقول شون: «نظراً لأن القرارات التي يتخذها البشر حالياً بدأت تُنقل تدريجياً إلى النماذج، فإنك بالتأكيد ترغب في التأكد تماماً من أن هذه النماذج تتخذ القرارات نفسها التي تود أنت، أن تتخذها».

* خدمة «نيويورك تايمز».