غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

تَعِد بثورة في عمليات الاستخراج والتعدين البحري قد تهدد البيئة

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات
TT

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

تشارك سفينة «رينيير» البحثية، التابعة للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في الوقت الراهن، في بعثة طموحة لرسم خرائط لأكثر من 8000 ميل بحري مربع، من قاع المحيط الهادي بين أستراليا وأميركا الجنوبية، بحثاً عن رواسب معدنية حيوية. ويتمثل عنصر محوري في المهمة في غواصتين صغيرتين زاهيتي اللون من إنتاج «أورفيوس أوشن»، شركة ناشئة انبثقت عن «معهد وودز هول لعلوم المحيطات»، عام 2024.

مركبات الأعماق البحرية

جرى تصميم هذه المركبات للعمل في أعماق بعيدة للغاية وبكفاءة عالية؛ إذ يمكنها الغوص إلى عمق يقارب 6000 متر، و«التنقل قفزاً» على طول قاع البحر، مع جمع عينات من الرواسب والكائنات الحية، بما في ذلك الميكروبات والديدان والقواقع والعُقيدات المعدنية بحجم البيض، التي تحتوي على معادن، مثل النحاس والكوبالت والنيكل والمنغنيز، العناصر الضرورية للتكنولوجيا الحديثة.

وتهدف شركة «أورفيوس أوشن» إلى جعل استكشاف أعماق البحار أقل تكلفة؛ فعلى عكس الغواصات التقليدية، التي تتراوح تكلفتها بين خمسة وعشرة ملايين دولار، يجري تصنيع غواصات الشركة مقابل بضع مئات الآلاف من الدولارات فقط لكل واحدة.

في هذا الصدد، أوجز الرئيس التنفيذي للشركة، جيك راسل، في حديث نشرته مجلة «تكنولوجي ريفيو» فلسفة الشركة في عبارة: «أعماق كبيرة بتكلفة زهيدة». وقد يساهم هذا النهج، إلى جانب قدرة الغواصات على جمع عينات الرواسب والكائنات الحية معاً، في إتاحة أبحاث أعماق المحيطات لشريحة أوسع من الباحثين، من خلال تقليل الاعتماد على الأساطيل المحدودة والمكلفة، التابعة للحكومات والمؤسسات العلمية.

ويعكس تصميم غواصات «أورفيوس أوشن» سنوات من التجارب المكثفة، داخل مؤسسة «معهد وودز هول لعلوم المحيطات»، بالتعاون مع الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، ووكالة «ناسا». وكان باستطاعة النماذج الأولية المبكرة، نظرياً، الوصول إلى العمق الكامل لـ«خندق ماريانا» Mariana Trench (أعمق نقطة على سطح الأرض)، البالغ نحو أحد عشر ألف متر.

ورغم مشاركة الغواصات في عمليتي تشغيل تجاريتين من قبل، تشكل الرحلة الحالية الاختبار الأصعب لها حتى الآن؛ إذ تعمل عبر مسافات واسعة، ولمدة أسابيع متعددة، باستخدام عدة أدوات علمية في الوقت ذاته.

ومن على سطح السفينة الحاملة لها، تستطيع كل غواصة التحرك لمسافة تقارب 10 كيلومترات في كل مهمة، مع التقاط صور عالية الدقة كل ثانية، وجمع ما يصل إلى 8 عينات مادية في كل غوصة. وإذا نجحت المهمة، فسيجري اعتماد هذه الغواصات باعتبارها أدوات عملية للعلماء والوكالات الحكومية والشركات، التي تستكشف أعماق المحيطات، والتي لا يزال الجزء الأكبر منها مجهولاً حتى اليوم.

وفي الوقت الراهن، تعتمد أبحاث أعماق البحار بشكل كبير على عدد محدود من الغواصات باهظة الثمن تملكها الحكومات. ويحد هذا الوضع من الدراسات، لتصبح مجرد «لقطات سريعة» لقاع المحيط، بدلاً من إجراء دراسات طويلة الأمد للأنظمة البيئية والكيميائية الحيوية هناك.

من جهته، أكد جيك راسل أن جزءاً كبيراً من المنطقة، التي تستكشفها سفينة «رينيير (Rainier)» لا يزال مجهولاً بالكامل تقريباً، وأن أي شيء يجري اكتشافه هناك سيكون على الأرجح جديداً على «الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي»، وعلى المجتمع العلمي بأسره.

عمل ذاتي وبرامج متكيّفة

تُصنَّف مركبات «أورفيوس أوشن» ضمن فئة المركبات ذاتية العمل تحت الماء، ولديها القدرة على الحركة وفق برامج مسبقة أو بصورة تكيفية، من دون الحاجة إلى كابل يربطها بالسفينة. وعلى عكس المركبات التقليدية المصممة للانزلاق لمسافات طويلة، تتميز هذه الغواصات بصغر حجمها وبنيتها المتينة وامتلاكها أرجلاً صغيرة؛ ما يسمح لها بالهبوط بسلاسة على قاع البحر، واستخراج عينات من الرواسب. كما تتيح لها حركة «القفز» الارتفاع لفترات قصيرة عن القاع قبل الهبوط مجدداً، ما يحسن قدرتها على التنقل فوق التضاريس الرخوة أو غير المستوية.

ويجري تصنيع الغواصات بشكل أساسي من مادة رغوية صناعية تحتوي على كرات زجاجية مجوفة دقيقة تساعدها على تحمل الضغوط الهائلة في الأعماق السحيقة، بينما تُحمى أجهزتها الإلكترونية داخل كرات زجاجية سميكة.

وقد استخدمت هذه المادة الرغوية في بعثات شهيرة لاستكشاف أعماق البحار، من بينها رحلة المخرج جيمس كاميرون إلى خندق ماريانا عام 2012؛ حيث جرى التبرع ببقايا من تلك المادة لاستخدامها في النماذج الأولية المبكرة لغواصات «أورفيوس».

ويبلغ طول هذه الغواصات أقل من مترين، ويقل وزنها عن مئتين وسبعين كيلوغراماً؛ ما يجعلها أصغر مركبات غوص عميق قادرة على الوصول إلى عمق 6000 متر، كما يجعلها منخفضة التكلفة ومن السهل زيادة حجمها من أجل استخدامها ضمن أساطيل.

في هذا الصدد، أوضحت فيكتوريا أورفان، عالمة مختصة بعلمي الأحياء والجيولوجيا، من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتيك)، أن أحد أكبر التحديات في استكشاف أعماق البحار، يكمن في خطر فقدان المركبات. وتجعل الغواصات الكبيرة باهظة الثمن، التي تديرها الهيئات الحكومية والمؤسسات العلمية خسارة أي معدات أمراً بالغ الخطورة، خاصة مع محدودية عدد هذه المركبات.

وقد اختبرت أورفان إحدى غواصات «أورفيوس» في ربيع 2024. قرب جزر ألوشيان التابعة لألاسكا، بهدف رسم خرائط لتسربات غاز الميثان، قبل إرسال غواصة مأهولة لإجراء دراسة تفصيلية.

ومع أن التجربة الأولى جابهت صعوبات ناجمة عن البرودة الشديدة وطبيعة التضاريس الوعرة، نجحت الغواصة خلال ثلاثة أسابيع في التقاط صور عالية الدقة؛ ما عزز الثقة بإمكاناتها العلمية.

من جهته، يتطلع جيك راسل إلى تزويد غواصات «أورفيوس» بحمولات متخصصة قادرة على اكتشاف التسربات الكيميائية، وسحب الرواسب، وآثار الحمض النووي للكائنات البحرية، أو الإشارات المغناطيسية للكابلات المدفونة تحت قاع البحر.

أما أندرو سويتمان، عالم مختص بالبيئة البحرية في اسكوتلندا، فأكد أن هذه المركبات تجمع بين قدرة المركبات الذاتية على الاستكشاف لمسافات طويلة، ودقة المركبات الموجهة عن بُعد في جمع العينات، ما يجعلها مناسبة للمسوحات الواسعة والدراسات التفصيلية في الوقت نفسه. أضف إلى ذلك أن صغر حجمها يقلل الحاجة إلى سفن أبحاث ضخمة؛ ما قد يتيح للدول الصغيرة فرصة المشاركة في أبحاث أعماق البحار.

الاستخراج البحري

في الوقت الذي يشعر فيه العلماء بالحماس تجاه الإمكانات البحثية لهذه التكنولوجيا، جذبت تقنيات «أورفيوس» اهتماماً واسعاً من القطاع الصناعي؛ إذ تبدي شركات تعمل في مجالات التعدين والدفاع وطاقة الرياح البحرية والاتصالات والنفط والغاز، اهتماماً متكرراً بهذه الغواصات.

وأفادت شركة «أورفيوس» بأنها تعمل بمثابة مزود لخدمات جمع البيانات، وليس باعتبارها جهة تتخذ قرارات تتعلق باستخراج الموارد، مشيرة إلى أن توفير بيانات أدق، يساعد الحكومات على وضع لوائح تنظيمية ومعايير تشغيل أعلى كفاءة.

ومع ذلك، يثير التوسع في التعدين بأعماق البحار، في الوقت نفسه، مخاوف بيئية متزايدة. جدير بالذكر أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، أقرت حديثاً تسريع وتيرة عمليات استكشاف المعادن ومعالجتها داخل الولايات المتحدة، مع إنشاء هيئة خاصة لإدارة المعادن البحرية، للإشراف على هذه الأنشطة.

وحذر أندرو سويتمان من أن التعدين في أعماق البحار قد يتقدم بسرعة تفوق مستوى المعرفة العلمية الحالية، بينما تشير فيكتوريا أورفان إلى أن الأنظمة البيئية في قاع البحر تُعد من أكثر البيئات استقراراً على كوكب الأرض، وأن الكائنات التي تعيش فيها ضعيفة التكيف مع الاضطرابات، وبطيئة في التعافي.

وتعتمد بعض أساليب التعدين المقترحة على آلات ضخمة تشبه الجرافات تقوم بكشط الرواسب من قاع البحر، ما يترك آثاراً طويلة الأمد وسحباً من الرواسب المنتشرة في المياه، ما يثير القلق بشأن التأثيرات البيئية المحتملة.

ويرى بعض الخبراء، مثل بريت هوبسون، من «معهد أبحاث خليج مونتيري للأحياء البحرية»، أن التقنيات المشابهة لغواصات «أورفيوس» قد تتيح جمع عينات أكثر دقة، مقارنة بعمليات التعدين الواسعة والمدمرة. وفي الوقت نفسه، تتواصل جهود تطوير غواصات مشابهة في دول عديدة، من بينها النرويج وفرنسا واليابان والصين والمملكة المتحدة.

ويرى هوبسون أن توسيع نطاق توفر هذه الأنظمة، سيكون مفيداً لكل من الأبحاث العلمية والقطاع الصناعي.

وستحدد نتائج أداء غواصات «أورفيوس» في العمل داخل المحيط الهادي، مدى جاهزيتها لإجراء مسوحات علمية وأخرى للموارد واسعة النطاق، خاصة أن كل عملية غوص تضيف بيانات جديدة بصورة تدريجية، مقدمة لمحات صغيرة، لكن مهمة، عن جزء لا يزال مجهولاً إلى حد كبير من كوكب الأرض.

ويمنح الجمع بين انخفاض التكلفة وصغر الحجم وتعدد القدرات التشغيلية، شركة «أورفيوس أوشن» فرصة للمساهمة في جعل علوم أعماق البحار متاحة لشريحة أوسع من الباحثين والدول.

وفي المقابل، يسلط ذلك الضوء على التوتر القائم بين الاستكشاف العلمي والمصالح التجارية وجهود الحفاظ على البيئة، موضحاً الطبيعة المزدوجة لهذه التقنيات، التي يمكن أن تسهم إما في كشف أسرار بعض أكثر النظم البيئية استقراراً وغموضاً على الأرض، أو في تعريضها للاضطراب والتدمير.


مقالات ذات صلة

دراجة هوائية تميّز بين الانعطاف وفقدان التوازن بفضل التعلم الآلي

تكنولوجيا تستخدم الدراجة الذكية التعلم الآلي للتمييز بين الانعطاف المقصود والحركة غير المستقرة التي قد تسبق السقوط (الجامعة)

دراجة هوائية تميّز بين الانعطاف وفقدان التوازن بفضل التعلم الآلي

تستخدم دراجة ذكية التعلم الآلي لتمييز الانعطاف الطبيعي عن فقدان التوازن، وتتدخل تلقائياً للمساعدة فقط عند رصد عدم الاستقرار.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين على إنشاء رسائل أكثر إقناعاً وتخصيص حملات واسعة بناءً على بيانات الضحايا (رويترز)

خاص بعد البريد الإلكتروني... هجمات سيبرانية تطول دعوات الاجتماعات ومنصات العمل

يكشف تقرير انتقال التصيد المدعوم بالذكاء الاصطناعي من البريد إلى التقويمات ومنصات العمل مستغلاً الثقة والتشتت واختفاء العلامات التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تدعو الدراسة إلى تدقيق العدالة على مستوى كل وظيفة لا الاكتفاء بمتوسطات عامة قد تخفي التحيز (غيتي)

تحيّزات خفية في أنظمة الذكاء الاصطناعي لفرز طلبات التوظيف

تكشف الدراسة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لفرز طلبات العمل قد تبدو عادلة إجمالاً، في حين تخفي تحيزات داخل وظائف محددة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

تُظهر دراسة أن تدريباً بصرياً قصيراً يحسِّن قدرة البشر على كشف الوجوه الاصطناعية، عبر ملاحظة التماثل والجاذبية وتناسق الملامح.

نسيم رمضان (لندن )
تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)

علماء ينجحون في «بناء خلية من الصفر» لأول مرة

الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
TT

علماء ينجحون في «بناء خلية من الصفر» لأول مرة

الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)

أعلن علماء أنهم قاموا لأول مرة ببناء خلية من الصفر يمكنها أن تتغذى وتنمو وتتكاثر مثل الخلية الطبيعية. ويمكن لهذا التقدم في علم الأحياء التخليقي أن يبشر بعصر من «الكائنات الحية المصنعة حسب الطلب»، و«التي تعمل مثل الآلات الحية»، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقامت كيت أدامالا، عالمة الأحياء الاصطناعية والأستاذة في جامعة مينيسوتا الأميركية، وفريقها ببناء الخلية قطعة قطعة من مكونات كيميائية غير حية.

ويعد هذا الابتكار «نموذجاً أولياً محدوداً وهشاً»، ولكنه قد يساعد العلماء على فهم أصل الحياة بشكل أفضل، ومن الممكن برمجته للمساعدة في التخفيف من بعض أكبر المشكلات البيولوجية في العالم. والخلية غير محددة - ليست نباتية ولا حيوانية - ولكنها تشبه إلى حد كبير البكتيريا البسيطة.

الحدود التالية

قالت أدامالا: «أعرف قائمة المكونات الكاملة للخلية، وأعرف بالضبط ما المواد الكيميائية، وما الجزيئات، وبأي تركيزات». وأضافت: «إنها محددة بالكامل، مما يعني أنه يمكننا هندستها».

ولقد قام العلماء لعقود من الزمن بهندسة الخلايا الطبيعية بيولوجياً لحل المشاكل البشرية. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك كيفية إدخال جينات الإنسولين البشري في الخلايا البكتيرية للإشريكية القولونية لتصنيع الإنسولين وعلاج مرض السكري.

ويرى العلماء أن الخلايا الاصطناعية هي الحدود التالية؛ ومن المحتمل أن تؤدي إلى تطوير علاجات جديدة للسرطان وطرق جديدة لتصنيع المواد الكيميائية.

والخلايا هي اللبنات الأساسية للحياة، لكنها أبعد ما تكون عن البساطة. ويحتوي جسم الإنسان على 37 تريليون خلية، أي أكثر من عدد النجوم في السماء، ولا يزال العلماء لا يعرفون كيف تعمل كل أنواع الخلايا المختلفة أو ما تحتويه بالضبط.

وأطلقت أدامالا على الخلية اسم «SpudCell» لأنها لم ترغب في تسميته باسمها. وفيها أيضاً إسقاط على «Sputnik» القمر الاصطناعي الروسي الذي أطلق عصر الفضاء في الخمسينات، وفق «سي إن إن».

وقالت أدامالا: «نأمل أن نبدأ بالفعل العصر الحقيقي للاقتصاد الحيوي، وتمكين التكنولوجيا التي ستسمح للناس بهندسة علم الأحياء».

وتتكون الخلية من 150 إلى 200 جزيء، وتتغذى وتنمو وتتكاثر لمدة خمسة أجيال تقريباً، وفقاً لأدامالا. وهي أقل تعقيداً بكثير من الخلية البيولوجية التي تحتوي على الملايين، إن لم يكن المليارات، من الجزيئات.

«الاختراق الأكبر»

وقال يوفال إيلاني، الأستاذ المشارك في تقنيات الكيمياء الحيوية في «إمبريال كوليدج لندن»، الذي لم يشارك في العمل، إن الخلية الاصطناعية التي بنتها أدامالا وزملاؤها لم تكن «حياة تم إنشاؤها في المختبر» ولكنها «معلم حقيقي على الطريق نحو هذا السؤال».

وأضاف إيلاني: «بناء خلية من الصفر يعني أنك لم تعد مرتبطاً بالقيود التطورية للبيولوجيا الطبيعية. إن ذلك يفتح إمكانية تصميم أنظمة وبرمجتها للقيام بأشياء قد لا تفعلها الخلايا الحية بسهولة، أو قد لا تفعلها على الإطلاق». واستطرد: «في رأيي، يعد هذا تقدماً حقيقياً في الجهود طويلة الأمد للتساؤل عما إذا كان من الممكن تنظيم الكيمياء بشكل مقنع لدرجة أن نبدأ في تسميتها حياة».

ووصف توم إليس، أستاذ هندسة الجينوم الاصطناعي في «إمبريال كوليدج لندن»، الخلية بأنها «ربما أكبر اختراق في الآونة الأخيرة في مجال الخلايا الاصطناعية». وقال إن «صنع خلية اصطناعية يساعدنا على فهم الحد الأدنى الدقيق من متطلبات الحياة، وكيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت من الكيمياء، إنه أمر رائع أن نحاول فهمه».


«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية
TT

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

يُعرف داريو أمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» -عند مقارنته مع معظم الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي- بإطلاقه تنبؤات مذهلة ومثيرة للدهشة. ففي مقاله الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعنوان «آلات النعمة المُحِبّة» (Machines of Loving Grace)، طرح واحدة من أشهر تنبؤاته: «ستسمح لنا علوم الأحياء والطب المدعومة بالذكاء الاصطناعي بضغط كل مسار التقدم الذي كان سيحققه علماء الأحياء البشر على مدار 50 إلى 100 عام المقبلة، ليتحقق في غضون من 5 إلى 10 سنوات فقط». وقد أطلق على هذا التأثير اسم «القرن الحادي والعشرين المضغوط».

الذكاء الاصطناعي والتقدم العلمي

أمس وفي 30 يونيو (حزيران)، وخلال حدث نظمته «أنثروبيك» في سان فرانسيسكو تحت عنوان «الإيجاز: الذكاء الاصطناعي من أجل العلم» (The Briefing: AI for Science)، لم يعلن أمودي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على علم الأحياء والعلوم الأخرى قد أطلق له العنان بالفعل أو أنه على وشك تحقيقه، بل شدد على أنه لا يتوقع حدوث ذلك في العامين المقبلين، مشيراً إلى أنه «قد» يحدث بعد عقد من الآن.

خُصِّصت معظم الفترة المتبقية من الفعالية لحلقات نقاشية، بمشاركة كل من أمودي، ومخترعة عقار «جي إل بي-1» (GLP-1) لوتي كنودسن، والرئيس التنفيذي لشركة «بريستول مايرز سكويب» كريس بورنر، والرئيس التنفيذي لشركة «نوفارتس» فاس ناراسيمهان، ونائبة الرئيس التنفيذي لشركة «جينينتيك» أفيف ريغيف.

نموذج «كلود للبحث العلمي»

في عالم الذكاء الاصطناعي، يبدو عام 2036 وكأنه مستقبل بعيد للغاية. لكن الهدف من حدث «أنثروبيك» كان تأكيد أن الشركة تعمل بالفعل نحو تحقيق حالة «الضغط الزمني» التي كتب عنها أمودي. وعلى وجه الخصوص، كشفت الشركة عن «كلود ساينس» (Claude Science)، وهي نسخة جديدة من نموذج «كلود» مخصصة للبحث العلمي، التي يتم إطلاقها اليوم في مرحلة تجريبية (بيتا). وقد قدم ألكسندر تاراشانسكي، الذي قاد عملية تطوير المنتج، عرضاً توضيحياً موسعاً ومباشراً على المسرح وقد يوظّف في اكتشاف الأدوية.

ورغم أن التفاؤل بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على العلوم كان هو السائد بلا شك فإنه لم يكن تفاؤلاً مطلقاً أو غير مقيد؛ فقد اتسمت النقاشات بعمق وموضوعية لافتة، مع الإقرار بأن الذكاء الاصطناعي -رغم تطوره السريع- تظل له حدود فيما يمكنه تقديمه لدفع عجلة التقدم في مجالات مثل اكتشاف الأدوية.

أبرز نتائج المؤتمر

إليك بعض الجوانب التي وجدتها الأكثر قيمة في هذا الحدث، الذي يُعد واحداً من أفضل فعاليات شركات التكنولوجيا التي حضرتها في السنوات الأخيرة:

1. أداة «Claude Science» تبدو واعدة ومميزة. لا أتوقع أن أستخدم «كلود ساينس» شخصياً لابتكار أي أدوية ثورية؛ فبما أنني لست عالماً، قد لا أستخدمها على الإطلاق. لكنني أُعجبت بالعرض التوضيحي الذي قدمه تاراشانسكي، حيث أظهر أن المنتج يمنح المستخدم شعوراً مألوفاً يشبه روبوتات الدردشة، ولكنه يوفر أيضاً مجموعة أكثر ثراءً من الأدوات للبحث عن المعلومات ومعالجتها وفهمها.

وعلى وجه الخصوص، يمكن لـ«كلود ساينس» إنشاء رسوم بيانية توضيحية (infographics) بشكل فوري، ولا يقتصر دورها على كونها مجرد مادة للعروض، بل تساعد في استكشاف البيانات بطرق يتعذر تحقيقها بمجرد النظر إلى أرقام مجردة على الصفحة. وقد أشار إريك كاودرر-أبرامز، رئيس قسم علوم الحياة في شركة «أنثروبيك»، إلى أن «العلم مجال يعتمد بشكل كبير على الجانب البصري».

علاج السرطان

2. التركيز المفرط على «علاج السرطان» أمر غير صائب. يبدو أن كل نقاش حول الكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي تحسين حياة البشر بشكل جذري يتحول سريعاً إلى احتمالية استخدامه لعلاج السرطان. ويُستخدم هذا الأمر بوصفه اختزالاً لفكرة تحقيق اختراقات طبية كان من المستحيل الوصول إليها لولا هذه التقنية، مما قد ينقذ حياة الملايين، ورغم ذلك سأكون سعيداً بالقدر نفسه لو نجح الذكاء الاصطناعي في علاج أمراض القلب أولاً.

لكنني خرجت من فعالية «أنثروبيك» بعزمٍ على عدم حصر تفكيري في هدف طبي كبير وجريء واحد أو اثنين عند النظر إلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعلم. فإذا كان كل ما نحصل عليه هو مئات أو آلاف من الإنجازات الأصغر حجماً والأسرع تحقيقاً، فلا يوجد أي مبرر للاستنتاج بأن الوعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت مبالغاً فيها.

تقول بورنر: «تنطوي هذه التكنولوجيا على إمكانات وفرص هائلة، لكن علينا أيضاً ألا نرفع سقف التوقعات بشأن ما يمكننا تحقيقه إلى مستويات نعجز فعلياً عن الوفاء بها. فعندما نسمع عبارة (القضاء على السرطان في حياتنا)، ندرك أننا سنحرز تقدماً كبيراً في هذا المجال، لكننا لا نريد استباق الأمور والمبالغة في تقدير قدراتنا».

حدود تمنع تسريع الدراسات العلمية

3. هناك حدود لمدى إمكانية تسريع وتيرة العلم. إلى جانب المساعدة في الاكتشاف العلمي بحد ذاته، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في جوانب أخرى -أكثر روتينية- تتعلق بطرح الأدوية في الأسواق. تقول نودسن: «في بعض الأحيان، يتعين عليك استقطاب 20 ألف شخص لإجراء دراسة تستغرق خمس سنوات، وتستغرق عملية الاستقطاب وحدها عامين». وهي ترى إمكانات واعدة في الذكاء الاصطناعي لتسريع الإجراءات الإدارية المعقدة والموسعة المرتبطة بمثل هذه الاختبارات.

وفي معرض حديثها عن رؤية أمودي المتمثلة في اختزال عقود من التقدم العلمي في سنوات قليلة، حذرت نودسن من أن عناصر معينة -مثل الدراسات التي تستغرق خمس سنوات- لا يمكن تقليص مدتها بشكل جذري، مهما بلغت درجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. وتضيف قائلة: «أعتقد أننا سنشهد بالفعل تقليصاً كبيراً في المدة الزمنية، لكننا ما زلنا بحاجة إلى بيانات التجارب السريرية؛ لذا فمن الصعب تصور إمكانية تقليص المدة إلى أقل من خمس سنوات».

وحتى لو حالت العمليات البطيئة بطبيعتها -مثل التجارب السريرية- دون تحقيق هدف أمودي النظري المتمثل في تسريع العمليات بمقدار عشرة أضعاف، فإن تحقيق تقدم أقل دراماتيكية يظل تقدماً مهماً. ويقول ناراسيمهان: «يمكن تقليص المدة -منذ تحديد الدواء المرشح وحتى نهاية الرحلة- من 12 عاماً إلى ما بين 7 و8 سنوات؛ وهو أمر هائل إذا ما نظرنا إلى تأثيره التراكمي على هذا القطاع بأكمله».

ثنائية اللغة العلمية... والتقنية

4. قد يحتاج العلماء إلى أن يكونوا «ثنائيي اللغة». تواجه العديد من القطاعات حالياً مأزقاً غريباً يتمثل في حماس مفرط لدى المديرين التنفيذيين الذين لا يفهمون الذكاء الاصطناعي بما يكفي لاستخدامه بمسؤولية. وقد أكدت نودسن -التي بدت متحمسة لهذه التكنولوجيا دون أي مبالغة غير عقلانية- على ضرورة أن يزخر المجال العلمي بأشخاص تصفهم بأنهم «ثنائيو اللغة».

وتوضح قائلة: «لا أقصد الأشخاص الذين يتحدثون لغتين، بل أقصد أولئك الذين يمتلكون طلاقة تامة في مجال علمي معين، وفي الوقت نفسه يتقنون مجالات التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وحينها، يمكن لشخص واحد في كل فريق أن يحقق نتائج مذهلة».

«الهلوسة الذكية» لن تنحسر

5. لا تتوقع اختفاء ظاهرة «الهلوسة» (المعلومات الخاطئة). في مرحلة ما، أخبر المحاور ماثيو هيربر -من موقع «Stat News»- أمودي بأنه طلب من «كلود» المساعدة في صياغة أسئلة لطرحها في أثناء الجلسة الحوارية. ولم يكن رد فعل برنامج الدردشة الآلي مشجعاً له على طرح أسئلة سهلة أو بسيطة. وفقاً لما ذكره هيربر، فقد طُلب منه طرح السؤال الآتي: «لماذا ينبغي لشركات الأدوية أن تثق بتنبؤات الذكاء الاصطناعي في حين أن نماذجكم تعاني من (الهلوسة)؟».

وردّ أمودي بأن ظاهرة الهلوسة «قد تحسنت وتطورت بمرور الوقت، فلم نعد نسمع عنها كثيراً كما في السابق»، وهو أمر صحيح بالفعل. ومع ذلك، فقد أكد في النهاية أن ميل الذكاء الاصطناعي إلى «تخيل» أشياء غير موجودة هو أمر لا ينفصل عن قدرته على استخلاص رؤى جديدة مما يمتلكه من معلومات. وأشار إلى أن الأمر نفسه ينطبق على البشر، قائلاً: «لكي تكون مبدعاً، غالباً ما تجد نفسك تقف على الحد الفاصل بين اختلاق الأمور وتوليد أفكار قيّمة. ولذا، أعتقد أن (الهلوسة) لن تختفي أبداً».

لقد شهد مجال الذكاء الاصطناعي قدراً كبيراً من التصريحات الرنانة التي تفوق حاجته الفعلية، إلا أن النقاشات الأكثر هدوءاً واتزاناً تظل دائماً موضع ترحيب؛ بل ربما تكون هذه النقاشات هي السبيل الأمثل لهذا القطاع لتجاوز حالة التشكيك العام التي تلازم كل خطوة يخطوها.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة
TT

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

في كل خلية من خلايا الجسم البشري يمتد الحمض النووي بطول يقارب المترين، ومع ذلك يُحشر داخل نواة مجهرية أصغر من رأس دبوس.

أهمية موقع الجينات

ولطالما اعتقد العلماء أن طريقة طي الحمض النووي ليست مجرد وسيلة لتوفير المساحة داخل النواة، بل تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم عمل الجينات. واليوم تكشف دراسة جديدة أن موقع الجين داخل النواة قد لا يقل أهمية عن الجين نفسه، وأن أي خلل في هذا التنظيم قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة.

وتوصل باحثون من كلية بيرلمان للطب في جامعة بنسلفانيا الأميركية إلى فهم جديد للآلية التي تُحدد بها الخلية ما إذا كان الجين سيظل نشطاً أو سيُسكَت. كما أظهرت الدراسة أن هذا النظام يختل في مرض نادر يُعرف باسم «رنح فريدرايخ» (Friedreich's Ataxia)، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف تنظيم الحمض النووي (دي إن إيه) بدلاً من تعديل الجينات نفسها.

ليس كل الجينات متساوية داخل النواة

ولا تُرتب الجينات داخل نواة الخلية بشكل عشوائي، بل تشغل مواقع محددة في فضاء ثلاثي الأبعاد. وقد لاحظ العلماء منذ سنوات أن الجينات القريبة من الغلاف الداخلي للنواة تكون عادة أقل نشاطاً، في حين تميل الجينات الموجودة في مركز النواة إلى العمل بشكل أكبر.

لكن السؤال الذي حيّر الباحثين طويلاً كان: هل يتوقف نشاط الجين بسبب موقعه داخل النواة، أم يتغير موقعه نتيجة انخفاض نشاطه؟

وللإجابة عن هذا السؤال، ركز فريق بحث، برئاسة راجان جاين من قسم بيولوجيا الخلية والتطور في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا، في دراسة نُشرت بمجلة «Molecular Cell» في 21 مايو (أيار) 2026، على عمليتين أساسيتين؛ الأولى هي «النسخ الجيني» (Transcription)، وهي عملية قراءة الجين لإنتاج الحمض النووي الريبي (RNA)، والثانية تتعلق ببروتين يُعرف باسم «كوهيسين» (Cohesin)، الذي ينظم البنية المكانية للحمض النووي (DNA) عبر طيه وربط أجزاء مختلفة منه معاً.

وباستخدام أدوات تعتمد على تقنية «كريسبر»، اكتشف الباحثون أن خفض نشاط النسخ الجيني يدفع بعض الجينات نحو أطراف النواة؛ حيث تصبح أكثر عرضة للإسكات. وفي المقابل فإن النشاط الزائد لبروتين كوهيسين يؤدي أيضاً إلى دفع الجينات نحو الحافة الخارجية للنواة وإخماد نشاطها.

أما المفاجأة فكانت أن إعادة تنشيط عملية النسخ وتقليل نشاط كوهيسين سمحا للجينات بالعودة نحو مركز النواة واستعادة جزء من نشاطها الطبيعي.

ويصف العلماء هذه العلاقة بأنها تُشبه «مفتاح تعتيم الضوء»، إذ لا تعمل الجينات بنظام التشغيل أو الإيقاف الكامل، بل يجري ضبط نشاطها تدريجياً حسب موقعها، وطريقة تنظيم الحمض النووي حولها.

مرض نادر يكشف الآلية الخفية

واختار الباحثون مرض «رنح فريدرايخ» نموذجاً للدراسة؛ لأنه ينتج عن خلل معروف في جين واحد يسمى «FXN» المسؤول عن إنتاج بروتين «فراتاكسين» (frataxin).

ويؤدي انخفاض هذا البروتين إلى ظهور أعراض عصبية وقلبية خطيرة تشمل فقدان التوازن التدريجي وضعف العضلات ومشكلات في القلب، ويصيب المرض نحو شخص واحد من كل 40 ألف شخص حول العالم.

عندما فحص العلماء خلايا مأخوذة من مرضى «رنح فريدرايخ» وجدوا أن الجين «FXN» يتموضع بشكل غير طبيعي عند أطراف النواة، وهي منطقة ترتبط عادة بإسكات الجينات. وعند تقليل نشاط بروتين كوهيسين داخل هذه الخلايا تحرك الجين بعيداً عن الحافة، وعاد إلى مناطق أكثر نشاطاً داخل النواة. والأهم من ذلك أن مستويات بروتين فراتاكسين ارتفعت بشكل ملحوظ رغم أن الطفرة الوراثية الأصلية بقيت موجودة دون تغيير.

وتشير هذه النتيجة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الطفرة الجينية نفسها بل أيضاً في المكان الذي يحتله الجين داخل النواة.

نحو جيل جديد من العلاجات

ورغم أن هذه النتائج لا تُمثل علاجاً جاهزاً للمرض فإنها تقدم مفهوماً جديداً قد يغير طريقة التفكير في الأمراض الوراثية، فبدلاً من التركيز حصراً على إصلاح الجينات المعطوبة قد يصبح بالإمكان مستقبلاً إعادة تنظيم الحمض النووي داخل النواة، بحيث تستعيد الجينات نشاطها الطبيعي.

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية «هندسة الجينوم ثلاثية الأبعاد»، وهو مجال ناشئ يدرس كيفية ترتيب الحمض النووي داخل الخلايا، وتأثير ذلك في الصحة والمرض.

ومع تزايد الأدلة على أن موقع الجين قد يكون عاملاً حاسماً في عمله، يعتقد العلماء أن فهم هذه البنية الخفية قد يقود إلى استراتيجيات علاجية جديدة ليس فقط لمرض «رنح فريدرايخ» بل لمجموعة واسعة من الأمراض الوراثية والعصبية التي ما زالت تفتقر إلى علاجات فعالة. وهكذا، فأحياناً لا يكون الحل في تغيير الجين نفسه، بل في منحه المكان المناسب ليعمل من جديد.