باحثون أميركيون يحذّرون من توظيف نظم الذكاء الاصطناعي المدنية في المجالات العسكرية

دراسة جديدة تدق ناقوس الخطر بسبب سوء استخدام البيانات الشخصية للأفراد

باحثون أميركيون يحذّرون من توظيف نظم الذكاء الاصطناعي المدنية في المجالات العسكرية
TT

باحثون أميركيون يحذّرون من توظيف نظم الذكاء الاصطناعي المدنية في المجالات العسكرية

باحثون أميركيون يحذّرون من توظيف نظم الذكاء الاصطناعي المدنية في المجالات العسكرية

يرغب عدد متزايد من شركات الذكاء الاصطناعي بوادي السيليكون في ممارسة الأعمال التجارية مع الجيش، مدعين أن الوقت والجهد اللذين بذلوهما في تدريب الشبكات العصبية الكبيرة على كميات هائلة من البيانات، يمكن أن يوفّرا للجيش قدرات جديدة.

ثنائية الاستخدام تهدّد حياة الأبرياء

إلا أن دراسة صدرت الثلاثاء من مجموعة من علماء الذكاء الاصطناعي البارزين تزعم أن أدوات الذكاء الاصطناعي ثنائية الاستخدام من شأنها أن تزيد من احتمالات أن يصبح المدنيون الأبرياء أهدافاً بسبب البيانات السيئة – كما أن هذه الأدوات يمكن أن يستغلها الخصوم بسهولة: كما كتب باتريك تاكر(*).

وفي الدراسة التي نشرها معهد «إيه آي ناو» AI Now، يشير مؤلفوها :هايدي خلف وسارة مايرز ويست وميريديث ويتاكر، إلى الاهتمام المتزايد بنماذج الذكاء الاصطناعي التجارية - التي تسمى أحياناً نماذج الأساس - للأغراض العسكرية، وخصوصاً للاستخبارات والمراقبة ورصد الأهداف والاستطلاع.

مخاطر لا يمكن تقديرها

ويقول الباحثون إنه في حين تهيمن المخاوف بشأن إمكانات الذكاء الاصطناعي في الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية على المحادثة، فإن نماذج الأساس التجارية الكبيرة تشكّل بالفعل مخاطر «لا يمكن تقديرها» على المدنيين.

إن بعض الشركات التي تقترح نظم الذكاء الاصطناعي القائم على نموذج الأساس للجيش «تقترح نماذج تجارية تم تدريبها مسبقاً على مجموعة من البيانات التجارية... إنها ليست نماذج تجارية حصرية للجيش تم تدريبها بشكل بحت على البيانات العسكرية»، كما قالت خلف لمجلة «ديفنس وان».

تكمن المشكلة في كيفية تدريب نماذج الأساس هذه: على كميات كبيرة من البيانات المتاحة للجمهور، وغالباً ما تتضمن البيانات الشخصية التي شقت طريقها إلى الويب عبر وسطاء البيانات أو مواقع الويب والخدمات العادية.

أما ويتاكر، التي تشغل حالياً منصب رئيس مؤسسة Signal Foundation، فقالت إن «البيانات هي القضية الأساسية هنا. إنها تسبب قدراً هائلاً من المخاوف والثغرات الأمنية، ولا يتم وضعها في الحسبان عندما نتحدث عن أشياء مثل إمكانية التتبع على نطاق واسع».

أنماط واستقراءات غير مضبوطة

لا تستخدم هذه الشبكات العصبية المنطق كما يفعل الإنسان. وقد أظهرت أبحاث أخرى أنها تقوم بشكل أساسي بمطابقة الأنماط على نطاق واسع، وإيجاد مجموعات من الكلمات لإنشاء استقراءات سليمة إحصائياً لما قد يأتي بعد ذلك، أو أخذ نقاط البيانات لملايين الأفراد ورسم روابط الارتباط بين تلك النقاط (على عكس الروابط السببية).

وتعمل نماذج الأساس بشكل جيد في السيناريوهات، حيث تكون تكلفة النتائج الإيجابية الكاذبة false positives، منخفضة، مثل محاولة التوصل إلى نقاط مثيرة للاهتمام لورقة بحثية أو قائمة بالأشخاص لتسويق منتج لهم.

لكن، وعند تطبيقها على السياقات العسكرية - على وجه التحديد مهمة مراقبة السكان بحثاً عن أهداف محتملة - يمكن أن تكون تكلفة النتائج الإيجابية الكاذبة، حياة بريئة.

جيش إسرائيل والذكاء الاصطناعي

بعض الجيوش، مثل جيش إسرائيل، يستخدم بالفعل من خلال برامجه Where's Daddy وLavender، نماذج الأساس التي تستخلص الأنماط لتجميع قوائم الأهداف. ويقول واضعو الدراسة إن هذا يساهم في تطبيع هذه الأدوات للاستهداف في الحرب. ووجد تقرير من المصدر الإعلامي +972 ومقرّه إسرائيل أن معدل الخطأ في Lavender وحده كان قريباً من 10 في المائة.

في حديثها عن استخدام إسرائيل الذكاء الاصطناعي في عملياتها في غزة (وخارجها)، قالت خلف: «نحن نرى... بيانات تُسحب من تطبيق (واتساب)، بيانات وصفية، أليس كذلك؟ نحن نرى بيانات تُسحب من (صور غوغل) ومصادر أخرى، بالطبع، والتي لا نعرف عنها شيئاً ولم نعطها حقاً. لذا؛ فإن البيانات غير دقيقة و(النماذج) تحاول نوعاً ما العثور على أنماط قد لا تكون موجودة، مثل أن تكون في مجموعة (واتساب) مع... عضو في (حماس)... وهذا لا ينبغي أن يؤهلك لعقوبة (الإعدام). لكن في هذه الحالة، هذا ما نلاحظه (يحدث)».

مراقبة مجموعات سكانية

وقالت ويتاكر إن هذه الأدوات الإسرائيلية تعمل على أساس «مراقبة مجموعة سكانية معينة، أليس كذلك؟ أحد الأسباب التي تجعل أوكرانيا غير قادرة على تنفيذ أنظمة بخصائص (لافندر) و(أين دادي) هو أنها لا تمتلك بيانات مراقبة دقيقة للغاية على مستوى السكان، أي على سبيل المثال، كل سكان روسيا. لذا؛ يتجسد هنا دور المعلومات الشخصية في إعلام الأنظمة التي تستخدم نماذج البيانات هذه».

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وهذه المشكلة هي أحد الأسباب التي تجعل وزارة الدفاع تؤكد على «إمكانية تتبع البيانات» في مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

وكما ذكرت مجلة «ديفينس ون» سابقاً، فإن قائمة مبادئ الذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع أكثر تفصيلاً وتحديداً من المبادئ التوجيهية الأخلاقية المماثلة للذكاء الاصطناعي من شركات وادي السليكون. لكنها أيضاً إطار تطوعي، وقد أعطت وزارة الدفاع نفسها حلولاً بديلة.

يزعم مؤلفو الدراسة أن الإطار الأخلاقي الذي تبناه المرء بنفسه لا يحمي المدنيين من نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية التي يتم تدريبها على البيانات الشخصية، خصوصاً عندما تبدو الحكومة على استعداد لمنح استثناءات لأدوات الذكاء الاصطناعي التجارية.

وقالت ويست: «لقد رأينا هذا الميل، كما تعلمون، حتى مثل تقديم برنامج RAMP السريع التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي من أجل تعزيز التبني السريع لحالات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإنشاء هذه الاستثناءات، وهذا هو السبب في أن هذه الأطر الطوعية والمبادئ من الدرجة الأعلى غير كافية، وخصوصاً عندما نتعامل مع استخدامات تشكل مخاطر حياة أو موت، وحيث تكون العواقب على المدنيين كبيرة جداً».

حتى كبير مسؤولي المعلومات في البحرية الأميركية، جين راثبون، كان قد قال إن نماذج الأساس التجارية «غير موصى بها لحالات الاستخدام التشغيلية» لنظم الذكاء الاصطناعي.

التلاعب بالبيانات والهجمات المسمومة

كما يزعم واضعو الدراسة أن اعتماد هذه النماذج من قِبل وزارة الدفاع من شأنه أيضاً أن يُدخل نقاط ضعف في العمليات، حيث يمكن التلاعب بالبيانات المتاحة للجمهور أو التلاعب بها من قبل الخصوم.

«إن الاستخدام الشامل وغير المقيد لمجموعات البيانات على نطاق الويب لتدريب نماذج الأساس التجارية أدى إلى استغلال واستخدام الكثير من السبل التي تسمح للجهات الفاعلة المعادية بتنفيذ هجمات التسميم (التي تضمن ظهور نماذج خبيثة في مجموعات البيانات على نطاق الويب)»، كما يشير البحث.

وهذا يوسع من تداعيات نتائج البحث إلى ما هو أبعد من مسألة الأدوات التي قد تتبناها وزارة الدفاع أو لا تتبناها. في عصر أصبحت فيه مثل هذه الأدوات شائعة بشكل متزايد، أصبحت البيانات الشخصية للمدنيين الأميركيين نقطة ضعف استراتيجية وطنية.

وقال المؤلفون إن الأوامر التنفيذية للبيت الأبيض في عهد بايدن بشأن جمع البيانات الوصفية بالجملة والذكاء الاصطناعي الآمن لا تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك لإبعاد بيانات الأميركيين عن أيدي الخصوم المسلحين بنماذج مماثلة.

ومع ذلك، قالت ويتاكر إن توسيع نطاق قوانين الخصوصية الأميركية لتغطية البيانات الشخصية بشكل أكثر فاعلية «قد يكون مفيداً للغاية في الحد من الوصول المعادي إلى نوع البيانات الشخصية التي، أولاً، تُستخدم لتدريب (نماذج اللغة الكبيرة) وثانياً، يمكن استخراجها من خلال أنواع الهجمات، التي لا توجد لها علاجات حالية».

* مجلة «ديفنس وان» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

تكنولوجيا أطلقت «مايكروسوفت» 3 نماذج «MAI» جديدة تشمل تحويل الصوت إلى نص وتوليد الصوت وإنشاء الصور (مايكروسوفت)

3 نماذج ذكاء اصطناعي جديدة من «مايكروسوفت» للصوت والصورة والنص

«مايكروسوفت» تطلق نماذج «MAI » للصوت والصورة والنص؛ لتعزيز التطبيقات متعددة الوسائط مع تركيز على الأداء والتكلفة والتكامل داخل «فاوندري».

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد نائب رئيس مجلس إدارة «مايكروسوفت» ورئيسها براد سميث ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي قبل اجتماع في طوكيو (أ.ب)

«مايكروسوفت» تستثمر 10 مليارات دولار في اليابان لتعزيز الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني

أعلنت «مايكروسوفت» يوم الجمعة عن خطة لاستثمار 1.6 تريليون ين (10 مليارات دولار) في اليابان خلال الفترة من 2026 إلى 2029 لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار شركة «سامسونغ إلكترونيكس» ولوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بدعم من طلب الرقائق… «سامسونغ» تتجه للإعلان عن أرباح فصلية قياسية

من المتوقع أن تحقق شركة «سامسونغ إلكترونيكس» قفزة هائلة في أرباحها التشغيلية خلال الربع الأول من العام، مستفيدة من ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة.

«الشرق الأوسط» (سيول )
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟