«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
TT

«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)

مع تسارع التحوُّل الرقمي في السعودية، لم يعد الأمن السيبراني مرتبطاً فقط بحماية الأنظمة من الاختراقات، بل أصبح جزءاً من قدرة المؤسسات على الاستمرار، واتخاذ القرار، والتعامل مع المخاطر قبل تحوُّلها إلى أزمات تشغيلية. هذا التحوُّل يبدو واضحاً في القطاع المالي، حيث تتداخل الخدمات الرقمية والمدفوعات والبيانات والأطراف الثالثة، ضمن منظومة تتطلَّب مراقبةً مستمرةً واستجابةً أسرع.

بعد عام على إطلاق «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» في السعودية، يرى آدم جونز، نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»، أنَّ القطاع شهد تغيُّراً واضحاً في طريقة النظر إلى المخاطر الرقمية. ويقول: «القطاع الرقمي في السعودية يشهد نمواً متسارعاً»، وهو ما تَرافَقَ مع ارتفاع مستوى التهديدات السيبرانية، وزيادة اهتمام المؤسسات بعمليات الرصد والمراقبة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع الشركاء التقنيِّين والجهات الخارجية.

هذا التغيُّر لا يرتبط فقط بزيادة عدد الهجمات، بل بطبيعة البيئة الرقمية نفسها. فالأنظمة أصبحت أكثر ترابطاً، والخدمات تعتمد على تبادل البيانات بين أطراف عدة، ما يجعل فهم التهديدات وتحليلها جزءاً أساسياً من حماية الأعمال.

آدم جونز نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»

بيانات التهديدات

في البيئة السيبرانية الجديدة، لا تكفي معرفة أنَّ هناك تهديداً محتملاً، فالأهم هو فهم مصدره وطريقته وأهدافه والقطاعات الأكثر عرضة له. لذلك تزداد أهمية بيانات التهديدات السيبرانية، التي تمنح المؤسسات قدرةً على الانتقال من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق.

يوضح جونز أنَّ هذه البيانات تساعد المؤسسات على فهم أساليب الهجمات والجهات التي قد تقف خلفها، إلى جانب الأهداف المحتملة منها. ويقول إن هذا يمنح المؤسسات «قدرة أكبر على تقييم المخاطر والاستعداد لها مبكراً».

في هذا السياق، عزَّزت «ماستركارد» قدراتها بعد الاستحواذ على شركة «ريكوردد فيوتشر» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهي خطوة تهدف إلى تطوير حلول بيانات التهديدات السيبرانية، والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنع الاحتيال، وإدارة الهوية، والمرونة التشغيلية.

تظهر أهمية هذه القدرات في أكثر من مستوى. فعلى المستوى التنفيذي، تساعد الإدارات العليا على استشراف المخاطر المستقبلية وفهم أثرها المحتمل على الأعمال. وتقنياً، تساعد فرق الأمن على رصد تسريب بيانات الدخول، والنشاطات المشبوهة على الإنترنت، ومخاطر الأطراف الثالثة، وتحديد أولويات الاستجابة.

استباق الهجمات

لا تقف قيمة بيانات التهديدات عند التحليل النظري. وفقاً لجونز، أظهرت بعض السيناريوهات المبنية على بيانات تهديدات حقيقية قدرة المؤسسات على رصد مؤشرات مبكرة، مثل إساءة استخدام الهويات الرقمية أو محاولات الدخول غير المعتادة عبر أنظمة مرتبطة بجهات خارجية.

في الحالات التي جرى التعامل معها بسرعة، أمكن احتواء الهجمات قبل وصولها إلى الأنظمة الحساسة. كما ساعدت بيانات التهديدات المقدمة عبر «ريكوردد فيوتشر» على الكشف المبكر عن حملات تصيد إلكتروني استهدفت مؤسسات مختلفة، من خلال رصد مواقع مزيفة ونشاطات مشبوهة قبل توسُّع نطاق الهجمات.

هذا النوع من الرصد يتيح إجراءات عملية، مثل إغلاق النطاقات المشبوهة، وتحذير العملاء، وتحديث أدوات المراقبة. وهنا تصبح البيانات السيبرانية أداةً تشغيليةً، لا مجرد تقرير يُقرَأ بعد وقوع الحادث.

كما تلعب تدريبات محاكاة الأزمات السيبرانية دوراً في اختبار قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار تحت الضغط؛ فالهدف ليس فقط معرفة ما إذا كانت الأنظمة التقنية قادرة على كشف الخطر، بل معرفة ما إذا كانت الفرق المختلفة داخل المؤسسة قادرة على التحرُّك بسرعة وبطريقة منسقة.

بيانات التهديدات تساعد المؤسسات على الاستجابة قبل توسُّع الهجمات (رويترز)

فجوة القرار

تظهر إحدى أهم النقاط في حديث جونز عند التمييز بين الجانب التقني والجانب المؤسسي في إدارة الحوادث. فالتحديات الكبرى لا تكون دائماً في اكتشاف الهجوم، بل في اتخاذ القرار المناسب بعد اكتشافه.

يصرِّح جونز بأنَّ التحديات تظهر غالباً «في جانب اتخاذ القرار، والتنسيق بين الجهات المختلفة أكثر من الجوانب التقنية نفسها». ففي تدريبات محاكاة الأزمات داخل المملكة، برزت قدرة الفرق التقنية على رصد المؤشرات المبكرة، لكن التحدي الأوسع كان في سرعة تنسيق الجهات المعنية لاتخاذ قرارات تتعلق بالاحتواء، والتواصل، والإجراءات التنظيمية، وتأثير الحادث على الأعمال.

هذا يفسِّر لماذا أصبحت المرونة السيبرانية مفهوماً يتجاوز أدوات الحماية. فالمؤسسة قد تمتلك أنظمةً متقدمةً للرصد، لكنها تحتاج أيضاً إلى حوكمة واضحة، وصلاحيات محددة، ومسارات تصعيد معروفة، وتنسيق مبكر بين فرق الأمن السيبراني وتقنية المعلومات وإدارة المخاطر والشؤون القانونية والامتثال والإدارة التنفيذية.

سرعة الاحتواء

من أبرز التحسينات التي شهدها العام الماضي، بحسب جونز، تسريع الانتقال من مرحلة اكتشاف التهديد إلى اتخاذ القرار. ويصف هذه النقطة بأنها «حاسمة خلال الهجمات السيبرانية»؛ لأنَّ أي تأخير يمنح المهاجمين وقتاً إضافياً للتحرُّك داخل الأنظمة، والوصول إلى بيانات أو صلاحيات أوسع.

وقد لوحظ تحسُّن في سرعة التنسيق بين الفرق التقنية والإدارية، إلى جانب إشراك فرق الشؤون القانونية والامتثال في مراحل مبكرة عند الحاجة. هذا التطوُّر يسهم في تقليل فترة التعرُّض للمخاطر، وتحسين عمليات الاحتواء، ومنع تحوُّل الحوادث المحدودة إلى أزمات واسعة.

في القطاع المالي، يكتسب هذا الأمر أهميةً إضافيةً؛ بسبب حساسية البيانات، وتعدُّد الأطراف المتصلة بالمنظومة، وارتباط الخدمات الرقمية بثقة المستخدمين واستمرارية العمليات. لذلك لا يمكن التعامل مع الاستجابة للحوادث بوصفها مسؤولية فريق واحد، بل بوصفها اختباراً لقدرة المؤسسة كلها على العمل تحت الضغط.

الأطراف الثالثة

مع توسُّع الخدمات الرقمية، أصبحت مخاطر الأطراف الثالثة جزءاً رئيسياً من المشهد السيبراني. فالمؤسسات لا تعمل داخل حدودها التقنية فقط، بل تعتمد على مزوِّدين وشركاء وخدمات خارجية ومنصات متصلة. وكل نقطة اتصال يمكن أن تتحوَّل إلى مصدر خطر إذا لم تُراقب جيداً.

يركز «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» على تقليص الفجوة بين معرفة التهديد واتخاذ الإجراء المناسب حياله. ولا يقتصر دوره، كما يوضِّح جونز، على إصدار التقارير، بل يشمل تحليلات مستقبلية للتهديدات، وبرامج توعية وتدريبات لمحاكاة الأزمات وتقييمات للمخاطر ومراقبة للأطراف الثالثة.

هذا التكامل بين التحليل والتدريب والتقييم يعكس طبيعة الأمن السيبراني الحديثة؛ فالمخاطر لا تُدار فقط داخل مركز العمليات الأمنية، بل عبر منظومة أوسع تشمل الإدارات التنفيذية والمخاطر والقانون والامتثال والفرق التشغيلية.

التعاون بين الجهات التنظيمية والمؤسسات يحسِّن المرونة السيبرانية العملية

تعاون منظم

يعد جونز أنَّ التعاون بين القطاعَين العام والخاص في السعودية متقدم نسبياً مقارنة بعدد من الأسواق الإقليمية، خصوصاً في القطاع المالي، حيث توجد أطر تنظيمية واضحة ومتطلبات محددة تتعلق بالمرونة السيبرانية.

لكن التحدي الحالي لا يرتبط فقط بوجود الأطر، بل بتحويلها إلى ممارسة عملية. ويشير إلى أهمية تسريع تبادل المعلومات المهمة، وتحويل بيانات التهديدات السيبرانية إلى إجراءات فعلية، وتحسين التنسيق بين الجهات التنظيمية والمؤسسات ومقدمي الخدمات والأطراف الثالثة.

فيما يتعلق بالإبلاغ عن الحوادث، يؤكد جونز أنَّ البنوك في السعودية تلتزم بالأطر والتعليمات التنظيمية المعتمدة، بما يشمل الإبلاغ الفوري عن بعض الحوادث الحساسة. كما أظهرت تدريبات المحاكاة وعياً واضحاً لدى المؤسسات بأهمية إشراك الفرق القانونية والامتثال عند الحاجة.

لكن التحدي الأكبر يبقى في سرعة تقييم المعلومات، والتحقُّق منها داخلياً، ورفعها إلى الجهات المعنية في الوقت المناسب. فالاستجابة لا تعتمد فقط على الإبلاغ، بل على دقة المعلومة، وسرعة تداولها بين الجهات ذات الصلة.

الهجمات... والذكاء الاصطناعي

يتغيَّر مشهد التهديدات مع دخول الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع في الهجمات. ويفيد جونز بأنَّ استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب المهاجمين يشهد تطوراً سريعاً، خصوصاً في التصيد الإلكتروني، والهندسة الاجتماعية، وإنتاج المحتوى المزيف.

وقد أصبحت الهجمات أكثر إقناعاً وانتشاراً مع الاعتماد على تقنيات مثل استنساخ الأصوات، والتزييف العميق، والاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي. كما تشير أبحاث «ريكوردد فيوتشر» إلى تصاعد استخدام برمجيات سرقة المعلومات، واختراق الهويات الرقمية، وظهور مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض البرمجيات الخبيثة بعد تنفيذ الاختراقات.

هذا التحوُّل يضع المؤسسات أمام تحديين متوازيين، الأول أنَّ الهجمات أصبحت أسرع وأكثر تخصيصاً. والثاني أنَّ الدفاع نفسه يحتاج إلى استخدام أدوات أكثر تقدماً في التحليل والأتمتة وتسريع الاستجابة.

ويقول جونز إن المؤسسات الدفاعية تعتمد أيضاً على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين التحليلات والأتمتة، ما يجعل الاستعداد المبكر والتكيُّف المستمر جزءاً من إدارة المخاطر.

مرونة مستمرة

رغم تطوُّر قدرات الرصد والتحليل، فإنَّ جونز لا يقدِّم صورةً مبسطةً عن إمكانية منع جميع الهجمات. فالمهاجم يحتاج إلى استغلال ثغرة واحدة، بينما يتطلب الدفاع الناجح جاهزيةً مستمرةً على مستوى الأفراد والأنظمة والإجراءات.

وقد شهدت السنوات الأخيرة، وفقاً له، تطوراً واضحاً في فهم التهديدات السيبرانية، بفضل تحسُّن قدرات الرصد، وبيانات التهديدات، وارتفاع مستوى الوعي داخل المؤسسات. كما تحسَّنت القدرة على الحدِّ من تأثير الهجمات وتقليل أضرارها، وإن كانت الوقاية الكاملة من كل الهجمات غير واقعية.

لذلك، تواصل المؤسسات المالية في السعودية الاستثمار في قدرات الحماية والكشف والاستجابة والتعافي. وفي هذا الإطار، لا تبدو المرونة السيبرانية مجرد هدف تقني، بل اصبحت شرطاً لاستمرارية منظومة رقمية تتوسَّع بسرعة، وتزداد ترابطاً، وتواجه تهديدات أكثر تعقيداً.


مقالات ذات صلة

السعودية ترفع نضج التجربة الرقمية إلى 87.06 %... وتقترب من المراكز الخمسة الأولى عالمياً

الاقتصاد حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

السعودية ترفع نضج التجربة الرقمية إلى 87.06 %... وتقترب من المراكز الخمسة الأولى عالمياً

ارتفع نضج التجربة الرقمية في السعودية إلى 87.06 % بمشاركة 805 آلاف مستفيد، لتقترب المملكة من الخمسة الأوائل عالمياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)

خاص الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يعزز الذكاء الاصطناعي التدريب الشخصي، عبر تخصيص البرامج ورصد تراجع الالتزام مبكراً، بينما يبقى القرار والعلاقة والثقة مسؤولية المدرب البشري.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

تضيف «أنثروبيك» بصمات غير مرئية وبيانات منشأ إلى مخرجات «Claude» لتسهيل تتبع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يهدف المشروع إلى تطوير روبوتات بشرية تراعي خصائص المستخدم والإجهاد البدني أثناء العمل خصوصاً في بيئات الصناعة والرعاية الصحية (الجامعة)

روبوت بشري يراقب إجهاد الإنسان ويتكيف معه خلال المهام

طوّر باحثون إيطاليون روبوت «ergoCub» للتعاون جسدياً مع البشر وتقليل الإجهاد أثناء الرفع مع تحسين الحركة والاستقرار ومراعاة احتياجات المستخدم

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)

دراسة تكشف انحيازاً ذكورياً في قصص الحيوانات المولّدة بالذكاء الاصطناعي

تكشف الدراسة انحياز نماذج الذكاء الاصطناعي للشخصيات الذكورية رغم اعتمادها المتكرر على لغة محايدة وتجنب تحديد الجنس.

نسيم رمضان (لندن)

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)

​مع توسع سوق اللياقة البدنية في السعودية، يتجه استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريب الشخصي إلى ما هو أبعد من كتابة البرامج الرياضية أو أتمتة الحجوزات. فالقيمة الأهم -حسب طارق منير، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنهانس فتنس» (Enhance Fitness)- تكمن في قدرة التقنية على قراءة السلوك مبكراً، ورصد تراجع التزام العميل قبل أن ينسحب فعلياً، ثم تنبيه المدرب للتدخل في الوقت المناسب.

ويقول منير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، إن الذكاء الاصطناعي سرَّع بالفعل تصميم البرامج وتخصيصها؛ إذ إن ما كان يستغرق ساعات من المدرب يمكن اليوم صياغة مسودته في دقائق وتعديله بشكل مستمر. ولكنه يشدد في الوقت نفسه على أن المدرب يبقى المسؤول عن فهم ما يحتاج إليه العميل فعلياً، وهو أمر يختلف كثيراً عما يطلبه أو يعتقد أنه يريده عند بداية العلاقة.

ويصف منير هذا التقسيم بوضوح: «الذكاء الاصطناعي يسرِّع إنشاء البرامج وأتمتتها، بينما يظل المدرب مسؤولاً عن العلاقة». وحسب هذا التصور، تتولى التقنية «طبقة الإنتاج»، بينما يبقى الجزء الذي يدفع العميل من أجله في جوهره إنسانياً.

طارق منير المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Enhance Fitness» (الشركة)

بيانات سلوكية أكثر من كونها طبية

لا تعتمد «Enhance Fitness» في رؤيتها الحالية على جمع كميات واسعة من البيانات الصحية الحساسة؛ بل تركز بدرجة أكبر على السلوك الفعلي للعميل داخل رحلة التدريب.

ويقول منير إن الشركة تتابع مؤشرات، مثل: الحضور، وتكرار الجلسات، والإلغاءات، وتقييمات العملاء للمدربين، وكيف يتغير إيقاع التدريب مع مرور الوقت. أما بيانات تركيب الجسم والتفاصيل الصحية ومعلومات الأجهزة القابلة للارتداء، فلا يتم جمعها ولا مشاركتها افتراضياً.

ويرى أن هذه المؤشرات السلوكية أكثر فائدة للتخصيص في كثير من الحالات؛ لأنها تكشف جودة العلاقة بين العميل والمدرب ومدى احتمالية استمرارها، وهو العامل الذي يؤثر مباشرة في طول فترة الالتزام، ومن ثم في فرص تحقيق النتائج.

الانسحاب يبدأ كتراجع تدريجي

من أبرز الأنماط التي تكشفها البيانات واسعة النطاق -حسب منير- أن انسحاب العميل من التدريب لا يحدث عادة كقرار مفاجئ؛ بل يبدأ على شكل تراجع تدريجي في السلوك.

ويشرح بأن العميل يبدأ في الحضور بشكل أقل قليلاً، ثم تظهر بعض الإلغاءات، وتتكرر الأعذار أو الفجوات بين الجلسات. وعندما يصل الأمر إلى الإلغاء الرسمي أو التوقف الكامل، تكون الإشارات قد بدأت قبل ذلك بأسابيع. ويرى أن فهم هذا «التلاشي» هو ربما أهم ما تكشفه معالجة أعداد كبيرة من الجلسات؛ لأن البيانات تسمح برؤية كيف يبدأ التراجع، وكيف يتسارع، وما الأنماط التي تسبقه.

تنبيه المدرب لا مخاطبة العميل

في هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف إشارات فقدان الاهتمام في وقت مبكر، وربطها باحتمالية الانسحاب. ولكن منير يضع حداً واضحاً لدور النظام. ويصرح: «نستخدم التنبؤ لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق، ولا شيء أكثر من ذلك. الذكاء الاصطناعي لا يتصل بالعميل ولا يؤَتمت العلاقة».

ويضيف أن الهدف من الإشارة هو التأكد من أن شخصاً حقيقياً يتدخل في اللحظة المناسبة، وباهتمام فعلي وليس من خلال محادثة بيعية. وحسب منير، فإن تراجع الالتزام هو في جوهره ضعف في العلاقة، ولذلك فإن إصلاحه يتطلب تدخلاً بشرياً.

تُستخدم تنبيهات الذكاء الاصطناعي لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق بينما تبقى العلاقة والتواصل مع العميل مسؤولية بشرية بالكامل (أدوبي)

ما الذي يبقى للإنسان؟

يرى منير أن الذكاء الاصطناعي مناسب للجانب الهيكلي من العمل، مثل: اقتراح البرامج، وإدارة منطق التقدم، واستخراج الأنماط من البيانات، وتقليل الأعمال الإدارية التي تستهلك وقت المدرب.

لكن القرارات التي تمس تجربة العميل مباشرة تبقى بشرية. ويقول: «عندما يدفع شخص مقابل تدريب شخصي في عصر الذكاء الاصطناعي، فهو لا يشتري برنامجاً فعلياً، فالبرامج أصبحت متاحة مجاناً. ما يشتريه هو المساءلة والموثوقية والسلامة والثقة والعلاقة مع شخص يعرفه ويقف إلى جانبه». ولهذا تعتمد المنصة على مبدأ واضح: الذكاء الاصطناعي يوصي، والمدرب يقرر وينفذ.

الأمان عبر «بوابة بشرية»

يؤكد منير أن الشركة لا تعتمد بالكامل على توصيات يولدها الذكاء الاصطناعي، ليس بسبب قصور تقني مؤقت؛ بل لأنه يعتبر أن وجود الإنسان جزء من التصميم نفسه. ويشير إلى أن النماذج تحسنت كثيراً خلال عام أو عامين، ولكن الدقة وحدها ليست العامل الحاسم. فالمدرب يستطيع قراءة أشياء لا تظهر بالضرورة في البيانات، مثل: التعب، وانخفاض الدافعية، ومحاولة العميل التقليل من شأن ألم يشعر به.

ويقول إن هذه «البوابة البشرية» هي آلية الأمان الأساسية في النظام، ولا يتوقع إزالتها.

ويظهر المنطق نفسه عند التعامل مع البيانات الناقصة أو الرديئة. فإذا كانت البيانات محدودة، يمكن للنظام أن ينتج اقتراحاً غير مناسب، ولكن الاقتراح لا يصل مباشرة إلى العميل؛ لأن مدرباً مؤهلاً يقف بين النموذج والجلسة.

الأجهزة القابلة للارتداء والخصوصية

من الناحية التقنية، يمكن دمج بيانات أجهزة تتبُّع النوم والساعات الرياضية ومؤشرات تركيب الجسم، ولكن «Enhance Fitness» تتعامل مع هذا الجانب بتحفُّظ.

ويفيد منير بأن هذه البيانات لا تُجمع مباشرة إلا إذا اختار العميل صراحة مشاركتها مع مدربه. وعندما توجد بيانات على مستوى المنصة، يتم التعامل معها بصورة مجمَّعة ومجهولة الهوية.

ويتابع: «هناك قيمة حقيقية في السياق الذي توفره هذه البيانات، ولكن هذه القيمة لا تبرر أبداً المساس بسيطرة العميل على معلوماته. الاختيار المسبق والموافقة أولاً، أو لا يتم الأمر».

ويؤكد أن موقف الشركة من ملكية البيانات واضح، رغم وجود مساحة رمادية في القطاع عموماً: «بيانات العميل تخص العميل». ويضيف أن الشركة لا تستخدم المعلومات الصحية الشخصية للعملاء، ولا تقدمها إلى أصحاب العمل ولا لشركات التأمين ولا لأي طرف ثالث.

تكشف البيانات أن انسحاب العميل يحدث غالباً تدريجياً ويمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف مؤشرات التراجع قبل التوقف الفعلي بأسابيع (أدوبي)

توحيد الأساس لا العلاقة

يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يساعد على رفع مستوى الجودة، عبر مدن أو نوادٍ ومشغلين مختلفين، ولكن منير يتحفظ على كلمة «التوحيد» عندما يتعلق الأمر بالتدريب الشخصي. ويرى أن من الممكن تطبيق قوالب مشتركة، ومنطق موحد لتصميم البرامج، وأسس جودة ثابتة، وهو ما يساعد الذكاء الاصطناعي على رفع الحد الأدنى من الجودة عبر أماكن متعددة في وقت واحد. ولكن العلاقة نفسها لا ينبغي توحيدها. ويختصر الفكرة بقوله: «وحِّد الأساس، ولا توحِّد العلاقة».

ما الذي يمكن إثباته اليوم؟

فيما يتعلق بقياس أثر الذكاء الاصطناعي، يميز منير بين ما يمكن إثباته اليوم وبين ما قد يصبح ممكناً لاحقاً. ويشير إلى أن الأدلة الحالية ذات طبيعة سلوكية في المقام الأول، مثل استمرار الالتزام، وطول العلاقة مع العميل، وقدرته على الاستمرار في التدريب بمرور الوقت.

أما استخدام الذكاء الاصطناعي لقراءة مؤشرات صحية والتوصية بناءً عليها، فيعتبره مجالاً يحتاج إلى معالجة قانونية وأخلاقية أكثر وضوحاً قبل التوسع فيه. ويقول: «خريطة الطريق ستتجه في النهاية إلى نماذج تستطيع قراءة المؤشرات الصحية والوصف بشكل أفضل، ولكن ما إذا كان ذلك ممكناً قانونياً وأخلاقياً، فلا يزال منطقة رمادية، والموضوع شديد الحساسية بحيث لا يمكن ببساطة تسليمه إلى الذكاء الاصطناعي».

تجربة ممكنة في السعودية لمدة 12 شهراً

يقترح منير تجربة عملية في السعودية لا تختبر ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج برنامج أفضل؛ بل ما إذا كان يستطيع مساعدة المدرب على إبقاء العلاقة مع العميل لفترة أطول.

وتقوم الفكرة على اختيار مجموعة من العملاء الجدد في مدينتين أو 3 مدن سعودية، مع الحفاظ على النوادي والمدربين أنفسهم قدر الإمكان، ثم تقسيم التجربة إلى مجموعتين: تعمل الأولى بالطريقة التقليدية، بينما تستخدم الثانية دعماً من الذكاء الاصطناعي في إعداد البرامج، ورصد العلامات المبكرة لتراجع الالتزام، وتزويد المدرب بمعلومات تساعده في الجانب البشري من عمله.

ويُقاس الأثر على مدى 12 شهراً من خلال مؤشرات، مثل: مدة بقاء العميل، وانتظامه في الحضور، واستمراره في التدريب بعد انتهاء الباقة الرسمية، إلى جانب عدد محدود من المؤشرات الصحية الأساسية في بداية التجربة ونهايتها. ويتوقع طارق منير أن تتفوق المجموعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ ليس لأن برامجها ستكون أكثر ذكاءً بالضرورة؛ بل لأن المدربين سيتمكنون من اكتشاف تراجع الالتزام بشكل أبكر، والحفاظ على العلاقة لفترة أطول. ويرى أن السعودية بيئة مناسبة لمثل هذه الدراسة، بسبب سرعة توسع السوق، ووجود اهتمام متزايد بقياس النتائج بصورة أكثر مصداقية.


كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

هل رأيت يوماً أحد المشاهير البارزين يروج لحبوب جديدة لإنقاص الوزن تحمل اسماً غريباً؟ أو ربما شركة تعرض منتجاً جديداً لم تسمع به من قبل؟

إن الإعلانات الزائفة منتشرة في كل مكان على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سهّل الذكاء الاصطناعي عملية إنشاء موافقات زائفة، وسرقة ملامحك، أو هويتك البصرية، إذ يمكنه التلاعب بصورة الرئيس التنفيذي لشركتك ليظهر وكأنه يروج لعملية احتيال استثماري، أو قد يَظهر رياضي شهير وهو يُروج لمكمل غذائي زائف، أو يبدو أحد المؤثرين وكأنه يُروج لعملة مشفرة لم يسمع بها أحد قط. وبالنسبة لأصحاب الأعمال والقادة، لا يقتصر الأمر على كونه مسألة قانونية فحسب، بل يُشكل خطراً على العلامة التجارية، كما كتب كين ستيرلينغ (*).

حماية الثقة في العلامة التجارية في عصر الذكاء الاصطناعي

تُعد الثقة أهم أصولك؛ فإذا بدأ المستخدمون في افتراض أن كل ما يرونه عبر الإنترنت زائف، فإن الثقة في علامتك التجارية ستتراجع. ولسوء الحظ، فإن محاولة إيقاف المحتوى الزائف تشبه لعبة من دون جدوى؛ فحتى عندما ترسل أنت أو فريقك القانوني إشعاراً للمنصة لإزالة المحتوى، قد تظهر نسخة أخرى من المحتوى نفسه في غضون ساعات.

إجراءات لمواجهة المحتوى الزائف

ولهذا السبب، وبصفتي محامياً متخصصاً في مجالات الإعلام والأعمال والتكنولوجيا في منطقة «سنشري سيتي» Century City) -مع التركيز على التقاطع بين القانون والإعلام والتكنولوجيا - فإنني أقدم المشورة للعلامات التجارية حول كيفية البقاء في الصدارة ومواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي.

وفيما يلي ثلاثة إجراءات يمكنك اتخاذها للاستعداد لمواجهة المحتوى الإعلامي الزائف:

الحد من انكشافك بتقليل المواد المتاحة

* اجعل من الصعب على المحتالين تزييف المحتوى الخاص بك. تتطلب تقنية التزييف العميق بيانات تدريب، وتحديداً تسجيلات صوتية نقية ومقاطع فيديو عالية الدقة للمسؤولين التنفيذيين أو المتحدثين الرسميين باسمك. يمكنك الحد من هذا الانكشاف من خلال تدقيق المحتوى الخاص بك.

* دقق البصمة الرقمية للمسؤولين التنفيذيين: راجع جميع التسجيلات العامة لك ولأعضاء فريقك للحد من انكشاف المعلومات. ويشمل ذلك الكلمات الرئيسية في المؤتمرات، ومكالمات إعلان الأرباح، والمشاركات في البودكاست. وعند الإمكان، قيّد إمكانية الوصول العام إلى أرشيفات الفيديو والصوت.

* استخدم أدوات المراقبة المستمرة للهوية عبر الذكاء الاصطناعي: استخدم أدوات آلية للزحف عبر الويب (web-crawling) مثل BrandShield أو ZeroFox أو Ceartas. إذ تقوم هذه الأدوات بمسح منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإعلانات وسجلات النطاقات بحثاً عن أي استخدام غير مصرح به لوجوه وأصوات المسؤولين التنفيذيين أو العلامات التجارية للشركة. كلما أدركت الأمر مبكراً، قلّ حجم الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية.

حدِّث عقودك للحد من المخاطر القانونية

اطلب من فرق التسويق والشؤون القانونية تحديث جميع العقود المبرمة مع المواهب والوكالات والشخصيات المتعاونة، وذلك لضمان القدرة على التصدي لعمليات الاحتيال الإعلامي القائمة على الذكاء الاصطناعي فور وقوعها.

*أضف بنوداً صريحة تتعلق باستخدام «المحتوى المُولَّد اصطناعياً» (synthetic media). حدِّد بوضوح الجهة التي تمتلك حقوق إنشاء أو تدريب أو توزيع الصوت والصورة (أو الملامح) الخاصة بالمتحدث الرسمي أو المسؤول التنفيذي.

*أدرج التزاماً بالإبلاغ. ألزم شركاء العلامة التجارية والمؤثرين بإخطار شركتك فوراً في حال وجود أدلة على قيام أي طرف بإساءة استخدام صورهم أو ملامحهم فيما يتعلق بعلامتك التجارية.

أعِدَّ خطة استجابة سريعة

كن مستعداً للتحرك بسرعة عند استهداف علامتك التجارية بمحتوى زائف؛ فكلما كانت استجابتك أسرع، قلّ الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية جراء هذا المحتوى.

*جهِّز مسودات بيانات للتعامل مع الحوادث مسبقاً. أعدَّ نماذج لاتصالات الطوارئ لاستخدامها من قبلك أو من قبل فرق العلاقات العامة لدحض المحتوى الزائف قبل انتشار حالة من الذعر في السوق أو بين المستهلكين.

*حدِّد جهات اتصال مباشرة. أنشئ قوائم اتصال بفرق الشؤون القانونية في منصات التواصل الاجتماعي لتتمكن من إزالة المحتوى الزائف فور علمك بوجوده.

إن المحتوى الزائف ينتشر في كل مكان، ولكن يمكنك الحد من تأثيره على ثقة المستهلكين وقيمة علامتك التجارية. فالشركات التي تستعد الآن ستكون في وضع أفضل لحماية علامتها التجارية.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
TT

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

وضعت شركة «أنثروبيك» نظاماً جديداً لتمييز المحتوى الذي تنتجه نماذج «كلود» «Claude» بعلامات قابلة للقراءة آلياً، بحيث تحمل النصوص بصمة مائية غير محسوسة، فيما تحصل الملفات المدعومة على بيانات رقمية موقعة توضح مصدرها. وتقول الشركة إن نماذج «Claude» التي تُطلق ابتداء من 2 أغسطس (آب) 2026 تدعم هذه العلامات منذ إطلاقها، بينما تعمل على إضافة الخاصية إلى النماذج الأقدم خلال الفترة الانتقالية.

وتأتي الخطوة بعد توقيع «أنثروبيك» على مدونة الممارسات المرتبطة بالمادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، التي تركز على شفافية المحتوى المولد أو المعدل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من ارتباط النظام بالمتطلبات الأوروبية، تقول الشركة إن العلامات ستطبق على مخرجات النماذج المدعومة في جميع المناطق التي يتوافر فيها «كلود» «Claude»، وليس داخل أوروبا فقط.

بصمة داخل النص نفسه

تختلف الآلية التي تعتمدها «أنثروبيك» للنصوص عن الملصقات المرئية التي قد تظهر بجانب الصور أو المنشورات. فعندما يولد نموذج مدعوم نصاً، يدمج داخله علامة مائية تقول الشركة إنها غير محسوسة ولا تغير المعنى أو جودة الكتابة أو قابلية القراءة.

وبما أن العلامة تصبح جزءاً من النص نفسه، فإنها تنتقل معه عند النسخ واللصق إلى تطبيق أو موقع آخر، وقد تبقى موجودة بعد بعض عمليات التحرير. كما يجري تطبيقها على مستوى النموذج، ما يعني أنها لا ترتبط بواجهة واحدة.

وتشمل الخطة مخرجات النماذج المدعومة عبر «Claude» و«Claude Code» و«Claude Cowork» و«Claude Tag» وواجهة «Claude Platform» البرمجية، كما تنطبق العلامة النصية عند الوصول إلى النماذج المدعومة من خلال «AWS» و«Google Cloud» و«Microsoft Foundry».

غياب العلامة لا يثبت أن المحتوى بشري لأن إعادة الصياغة الواسعة أو تحويل الملفات قد تؤدي إلى إضعاف العلامة أو فقدانها (رويترز)

معيار مختلف للملفات

بالنسبة إلى الملفات المدعومة، ومنها صيغ مثل «PNG » و«JPEG» و«SVG»، تستخدم «أنثروبيك» بيانات منشأ رقمية موقعة تعتمد معيار «C2PA»، وهو معيار مفتوح يستخدم لتسجيل معلومات عن مصدر المحتوى وما طرأ عليه من معالجة.

وعند وجود هذه البيانات، يمكن الإشارة إلى أن الملف عولج باستخدام «Claude» والمساعدة في التحقق مما إذا كان قد تعرض لاحقاً للتغيير. إلا أن دعم بيانات المنشأ قد يختلف من منصة إلى أخرى، بحسب أنواع الملفات والخصائص التي توفرها كل خدمة.

العلامة لا تثبت من كتب النص

تؤكد «أنثروبيك» أن اكتشاف بصمة «Claude» لا يمثل دليلاً قاطعاً على أن النموذج أنشأ النص أو الفكرة من البداية. فقد يكتب المستخدم مادة كاملة بنفسه، ثم يستخدم «Claude» للتدقيق أو الترجمة أو التلخيص أو إعادة التنسيق، وعندها يمكن أن يحتوي الناتج على العلامة رغم أن المادة الأصلية جاءت من مصدر بشري. ولهذا تشير العلامة إلى احتمال أن المحتوى عولج بواسطة Claude، وليس بالضرورة إلى أن النموذج هو مؤلفه الأصلي. وفي الاتجاه المقابل، لا يعني غياب علامة قابلة للكشف أن النص بشري. فقد تختفي الإشارة بعد إعادة صياغة واسعة أو ترجمة أو دمج المحتوى مع نصوص أخرى، كما أن المقاطع القصيرة قد لا تحتوي مادة كافية لإنتاج إشارة موثوقة. أما في الملفات، فيمكن أن تضيع بيانات المنشأ بسبب تحويل الصيغة أو إعادة الحفظ أو أخذ لقطة شاشة أو عمليات معالجة أخرى.

تُضاف العلامة في أثناء عملية التوليد نفسها وهو ما يختلف عن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي التي تحلل النص بعد كتابته وتحاول تخمين مصدره (أدوبي)

طرح أدوات الكشف

تعمل «أنثروبيك» أيضاً على توفير وسائل للمستخدمين والأطراف الثالثة لاكتشاف العلامات النصية وبيانات المنشأ، وقالت إنها ستنشر تفاصيل تقنية إضافية حول آليات الكشف لاحقاً. وحتى 12 أغسطس 2026، لم تكشف الشركة علناً عن التفاصيل التقنية الكاملة للطريقة المستخدمة في إنشاء البصمة النصية أو فحصها. ويختلف هذا النهج عن أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تحلل الأسلوب بعد إنتاجه وتحاول تقدير احتمالية أن يكون قد كُتب بواسطة نموذج. ففي حالة «Claude»، تُضاف الإشارة في أثناء عملية التوليد نفسها، ثم يجري البحث عن وجودها لاحقاً.

فترة انتقالية للنماذج السابقة

لا تشمل العلامات جميع إصدارات «Claude» القديمة تلقائياً في الوقت الحالي. وتوضح الشركة أن النماذج التي سبقت 2 أغسطس 2026 تدخل ضمن فترة انتقالية، وأن العمل جارٍ لإضافة دعم العلامات إليها. وتشير قواعد الاتحاد الأوروبي إلى مهلة انتقالية تمتد أربعة أشهر للنماذج والأنظمة السابقة، وهو ما يضع 2 ديسمبر (كانون الأول) 2026 محطة مهمة في تطبيق المتطلبات على المنتجات القديمة.

وبذلك يجمع نظام «أنثروبيك» بين بصمة مدمجة في النص وبيانات منشأ موقعة للملفات، مع تطبيق عالمي على النماذج المدعومة، لكنه يبقى أداة لتقديم إشارة إلى مسار معالجة المحتوى، وليس وسيلة نهائية لإثبات ما إذا كان النص بشرياً أو مولداً بالكامل بالذكاء الاصطناعي.