«اجتثاث البعث» يلاحق زعيم حزب سُنّي في العراق

الخنجر استُدعي للتحقيق فاستقال من رئاسة «السيادة»

رئيس حزب السيادة العراقي خميس الخنجر (إكس)
رئيس حزب السيادة العراقي خميس الخنجر (إكس)
TT

«اجتثاث البعث» يلاحق زعيم حزب سُنّي في العراق

رئيس حزب السيادة العراقي خميس الخنجر (إكس)
رئيس حزب السيادة العراقي خميس الخنجر (إكس)

عاد ملف «اجتثاث البعث» إلى الواجهة، بعد استدعاء زعيم سُنّي للتحقيق حول صِلاته بالحزب المحظور في العراق، الأمر الذي دفعه إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب الذي يقوده منذ سنوات.

وأُثيرت أسئلة في مكاتب الأحزاب السُّنية حول قدرة القيادات السُّنية على الصمود أمام مراكز القوة والنفوذ الآخِذة في التصاعد من قِبل أحزاب «الإطار التنسيقي» الشيعي.

وأظهر كتاب رسمي مُرسَل من «مفوضية الانتخابات المستقلة» إلى «الهيئة الوطنية للمساءلة والعدالة»، الاثنين الماضي، أنه «تم تأشير استقالة الأمين العام لحزب السيادة، خميس فرحان علي الخنجر، من الحزب».

من هو الخنجر؟

والخنجر هو رجل أعمال بارز، ظل سنوات طويلة خارج البلاد ومراكز التأثير السياسي المحلية، وكان متهماً على الدوام من قِبل القوى الشيعية بدعم «الجماعات المتطرفة» بمختلف أشكالها، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى بغداد منذ سنوات قريبة، ليصبح من بين شخصيات مؤثرة في المشهد السياسي السُّني، والعراقي بشكل عام.

وعمد الخنجر إلى تأسيس حزب السيادة عام 2021، بعد أن زادت الخلافات مع نائبه في تحالف «العزم»، مثنى السامرائي، بعد الانتخابات العامة التي جرت في السنة نفسها، وحصل تحالفه «السيادة» مع رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي على نحو 63 مقعداً في البرلمان الاتحادي، ليصبح أكبر كتلة سُنّية داخل البرلمان، قبل أن تمزّقه الانقسامات السياسية، وتطيح بهذا التحالف.

وتُعدّ «الانقسامات الحادة بين الشخصيات والكتل أبرز ملامح العمل السياسي السُّني خلال السنوات الماضية، ومن نتائج ذلك خسارة المكون لأرفع منصب سيادي والذي يتمثل في رئاسة البرلمان»، حسب مصدر سياسي سُنّي.

لقاء سابق بين الحلبوسي والخنجر في بغداد (أرشيفية)

وتعليقاً على استقالة الخنجر من حزب السيادة، يقول المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعرف ما الذي حدث بالضبط، ومسألة استدعاء رؤساء الأحزاب والمسؤولين من قِبل هيئة المساءلة إجراء شبه روتيني، ولا يستدعي استقالة الخنجر من الحزب، وهو المعروف بميوله الإسلامية».

ويميل المصدر إلى الاعتقاد أن «أسباباً خاصة دفعت الخنجر إلى مغادرة منصبه، ومن ضمنها ربما صلته بالحزب الإسلامي».

لكن مصدراً مطلعاً على كواليس حزب السيادة يعتقد أن «3 عوامل أساسية» دفعت إلى تحريك ملف المساءلة والعدالة ضد الخنجر، وتتعلق بـ«مطالباته المُلِحّة بإعادة النازحين إلى منطقة جرف الصخر، وأيضاً مطالباته بحل هيئة المساءلة والعدالة التي يُفترض أن تكون ضمن هيئات العدالة الانتقالية، وينتهي مفعولها بعد عشرين عاماً، وكذلك إصراره على شمول آلاف المُدانين بتُهَم إرهاب بالعفو العام المُزمع إقراره في البرلمان».

وعقب استقالة الخنجر من الحزب بيوم واحد قال في تدوينة عبر منصة «إكس»: «سنبقى مُطالِبين بحقوق أهلنا في العودة إلى مدنهم المنزوعة السكان، ومعرفة مصير المختفين قسراً، وتعويض المنازل المدمَّرة في مدننا، وتعديل قانون العفو العام، وخاصة إعادة التحقيق، وإعادة تعريف الانتماء للتنظيمات الإرهابية، وحل هيئة المساءلة والعدالة».

حرمان الخنجر من المناصب

لا يستبعد المصدر أن يكون «للمنصات الإعلامية، وخصوصاً قناة تلفزيونية عائدة له، دخل في تحريك ملف المساءلة، بعد أن سبّبت بعض برامج القناة إزعاجاً لفصائل وقوى شيعية».

ويتوقع المصدر أن «تُسارع القوى السياسية السُّنية والشيعية في ضرب نفوذ حزب السيادة بعد انسحاب الخنجر، ومن مظاهر هذه المسارعة إمكانية حرمانه من النفوذ في معظم مجالس المحافظات، وقد بدأ ذلك في محافظة ديالى، والمؤكد حرمانه من أي حصة في منصب رئيس البرلمان».

وقرّر حزب السيادة، الثلاثاء، طرد عضو مجلس ديالى، فراس مزاحم الجبوري، واتهمه بالخيانة.

وجاء الإجراء بعد ساعات من تصويت مجلس محافظة ديالى على إقالة رئيسه عمر الكروي عضو حزب السيادة، وذلك عقب جلسة استجواب طارئة.

وقال الحزب في بيان، إن ذلك «نظراً لعدم التزام الجبوري بمبادئ الحزب في ديالى، ومخالفته لتوجيهات القيادة وسياساتها، وخيانة المواثيق، عبر عقد صفقات مشبوهة تضرّ بمصالح المحافظة وأبنائها».

معضلة «المساءلة والعدالة»

وتشتكي معظم القوى السُّنية من «الاستثمار السياسي» الذي تمارسه القوى الشيعية لهيئة المساءلة والعدالة، و«الانتقائية» التي تمارسها في إبعاد المختلفين والمعارضين، واستثناء المقرَّبين من قوانينها.

وقال نائب رئيس الوزراء الأسبق، صالح المطلك، في مقابلة تلفزيونية، إن «خميس الخنجر لم يكن بعثياً في حياته، وشموله بإجراءات المساءلة والعدالة أمر غريب، لكن من حيث المبدأ يجب أن تكون هناك وقفة حول هذا القانون، وما إذا كان يوفر العدالة للناس، فهو بات منذ زمن طويل أداةً للاستهداف السياسي، ومجرد عصا لضرب الخصوم من مكوّن باتجاه مكوّن آخر».

وأضاف أن «إجراءات المساءلة والعدالة تصبح أداة استهداف داخلية بين أطراف المكوّن نفسه، لأغراض سياسية وانتخابية، ولا يمكن الاستمرار بهذا النهج، فمَن يجد في نفسه القدرة على العمل السياسي يجب أن يُتاح له المجال لممارسته».

وتابع المطلك، أن «مَن سَنّ قانون المساءلة والعدالة كان يستهدف إفراغ العراق من الكفاءات التي اكتسبت خبراتها عبر الدراسة خارج البلاد، فالوزارات العراقية صارت خاويةً بعد تطبيق إجراءات القانون».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

بعثة «الناتو» تنسحب «مؤقتاً» من العراق مع استمرار حرب إيران

المشرق العربي صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)

بعثة «الناتو» تنسحب «مؤقتاً» من العراق مع استمرار حرب إيران

سحب حلف شمال الأطلسي (ناتو) بعثته بشكل «مؤقت» من العراق، وذلك على وقع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)

ضغوط توقف هجمات فصائل عراقية على سفارة واشنطن

تراجع ملحوظ في وتيرة الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد خلال اليومين الماضيين، في خطوة تعكس مزيجاً من الضغوط السياسية والقضائية على الفصائل المسلحة.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي مقر السفارة الأميركية بالعراق داخل «المنطقة الخضراء» في بغداد (أ.ف.ب)

اتصالات في بغداد لوقف استهداف السفارة الأميركية

أفضت اتصالات حكومية - سياسية في العراق إلى «عرض صيغة اتفاق» بشأن إيقاف الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي حريق يتصاعد خارج مقر السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد (أ.ف.ب)

استهداف منشأة دبلوماسية أميركية بالقرب من مطار بغداد

كشفت مصادر أمنية اليوم الأربعاء عن استهداف منشأة دبلوماسية أميركية بالقرب من مطار بغداد بصواريخ كاتيوشا وسماع صفارات الإنذار من المنشأة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

قفزت أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية في جلسة دراماتيكية واحدة يوم الأربعاء، مدفوعة باستهداف قلب البنية التحتية للغاز في إيران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
TT

«الناتو» يغادر بغداد... «مؤقتاً»

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي بجوار سيارة إسعاف مُغطاة بصورة عنصر منهم قُتل في غارة جوية على صلاح الدين (أ.ف.ب)

أعلن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» أنه يعمل على «تعديل» وضع مهمته في العراق، في خطوة تعكس انسحاباً مؤقتاً لبعض قواته مع تصاعد التوتر الإقليمي.

وأكدت المتحدثة باسمه، أليسون هارت، الجمعة، أن الحلف «يعدّل وضعه في العراق... ويعمل بالتنسيق الوثيق مع الحلفاء»، مؤكدة أن «سلامة وأمن أفراد الحلف أمر بالغ الأهمية».

في السياق ذاته، أعلن ​وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، إجلاء ‌قوات ​بلاده ‌من ⁠العراق «بعد تحليل الظروف ‌العملياتية، والتهديدات المحتملة».

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع ضغوط سياسية مكثفة داخل بغداد لوقف هجمات الفصائل، عبر رسائل حكومية وتحذيرات قضائية وتهديدات أميركية «حازمة».

وتحدثت مصادر عن تفاهمات أولية لخفض التصعيد، ترافقت مع هدنة كانت أعلنتها «كتائب حزب الله» لخمسة أيام، وسط هدوء نسبي ميدانياً، غير أن مصادر أشارت إلى أن الجانب الأميركي لم يقدّم حتى الآن رداً واضحاً عليها؛ مما يبقي الهدنة في إطار هش وقابل للانهيار، مع استمرار الضربات الجوية التي استهدفت مقار تابعة لـ«الحشد الشعبي».


اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
TT

اندفاعة ميدانية إسرائيلية تسابق الوساطات في لبنان

مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)
مدفعية إسرائيلية تطلق نيرانها باتجاه الأراضي اللبنانية بالتزامن مع محاولات التوغل بالعمق اللبناني (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوساطات لوقف إطلاق النار مع لبنان، باندفاعة في الميدان، تمثلت في هجمات برية متزامنة على أربعة محاور، في محاولة لتشتيت القوة المدافعة التي تتصدى للتوغلات من خلال توسعة رقعة الهجوم، والضغط بالنار على لبنان قبل أي محادثات.

وعلى وقع تعزيزات إسرائيلية تتدفق إلى الحدود مع لبنان، جدد الجيش الإسرائيلي الهجمات على محوري الخيام والطيبة، واستأنف تحركاته على محور مارون الراس وعيترون في محيط مدينة بنت جبيل، فيما افتتح محوراً جديداً في القطاع الغربي باتجاه بلدة الناقورة.

وترافق التوغل مع قصف جوي ومدفعي عنيف استهدف عشرات البلدات في العمق اللبناني، وأصابت إحدى الهجمات مركزاً للدفاع المدني.

وبينما لم تثمر زيارة وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو إلى تل أبيب أي ليونة إسرائيلية تجاه الوساطة الفرنسية، تنشر «الشرق الأوسط» مضمون الورقة الفرنسية التي تتحدث عن ثلاث مراحل، ولا تشير صراحة إلى اعتراف لبناني بإسرائيل. وينص البند الأول على تأكيد «دولة لبنان التزامها احترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل»، في حين ينص البند الثاني على «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل»، لكن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما».


الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
TT

الورقة الفرنسية لا تتحدث صراحة عن اعتراف لبناني بإسرائيل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته السريعة إلى إسرائيل الجمعة وإلى جانبه نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

لا يبدو من تصريحات وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو بعد الزيارة السريعة التي قادته الخميس والجمعة إلى لبنان وإسرائيل أنه نجح في دفع الجانب الإسرائيلي إلى تليين موقفه، والقبول بالوساطة الفرنسية لخفض التصعيد بين لبنان و«حزب الله»، توصلاً إلى اتفاقية تتخطى القرار الدولي 1701، واتفاقية وقف الأعمال العدائية لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

فالوزير الفرنسي لم يخف الهدف من جولته إذ أعلن، عقب لقائه نظيره الإسرائيلي الجمعة، أنه جاء إلى المنطقة «للبحث مع شركائنا في سبل التوصل إلى حل سياسي يتيح توفير رد مستدام للتحديات الأمنية الجماعية التي تسببت بتصعيد غير مسبوق» في إشارة للحرب القائمة بين إسرائيل و«حزب الله». وبكلام أوضح، فإن بارو كان يسعى للترويج لـ«الخطة» التي اقترحتها باريس لإيجاد حل نهائي بين بيروت وتل أبيب. وبطبيعة الحال، كرر بارو الموقف الفرنسي من الحرب الدائرة، والتي دفع إليها «القرار غير المسؤول وغير المقبول لـ(حزب الله) في الانضمام إلى الاعتداءات الإيرانية على إسرائيل بحيث فضل دعم النظام الإيراني على استقرار وأمن لبنان ما جره إلى حرب لا تريدها السلطات (اللبنانية)، ولا الشعب اللبناني».

الوزير جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة بعد انتهاء زيارته لإسرائيل (أ.ب)

حتى اليوم، ما زالت باريس تنفي أنها قدمت «خطة» للحل في لبنان، وهو ما أكده الرئيس إيمانويل ماكرون ليل الخميس-الجمعة، من بروكسل، بعد اجتماع لقادة دول الاتحاد الأوروبي بقوله: «إنه «لا يوجد أي مقترح فرنسي على الإطلاق يتضمن» اعتراف لبنان بإسرائيل، مضيفاً: «هذا غير موجود». وبصراحة متناهية، اعتبر الرئيس الفرنسي أن «موضوع المفاوضات المباشرة يتطلب جاهزية الوفود وإعراب الجانب الإسرائيلي عن موافقته (بعد) أن أعلن الرئيس عون بوضوح عن جاهزيته، واستعداده للقيام بذلك». وانتقد ماكرون العملية العسكرية الإسرائيلية «غير مقبولة بموجب القانون الدولي».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الخميس في بروكسل على هامش القمة الأوروبية (رويترز)

حقيقة الأمر أن ماكرون نفى وجود «خطة» فرنسية تتضمن «اعتراف» لبنان بإسرائيل. وبنفيه هذا، لا يجانب الرئيس الفرنسي الحقيقة لأن تعبير «الاعتراف» بإسرائيل غير وارد فيها. لكن هناك بالفعل خطة فرنسية نقلت إلى الأطراف المعنية «لبنان، إسرائيل، الولايات المتحدة» وحصلت عليها «الشرق الأوسط» وهي موجودة بالإنجليزية تحت مسمى «معايير لاتفاق بين لبنان وإسرائيل-ورقة فرنسية غير رسمية». وهذه «الورقة» أشير إليه بـ«Non Paper»، وهو المفهوم المستخدم في الأمم المتحدة بشكل خاص، والذي يعني مقترحاً قابلاً للتعديل.

إشكالية الاعتراف اللبناني بإسرائيل

تتحدث «الخطة» الفرنسية عن ثلاث مراحل لا تشير صراحة إلى «الاعتراف». ذلك أن البند الأول من المرحلة الأولى الممتدة لشهر واحد من الخطة ينص على «بند الاعتراف الأول» وفيه ما حرفيته: «تؤكد دولة لبنان التزامها باحترام سيادة وسلامة أراضي إسرائيل». وبعده وردت فقرة ثانية تتحدث عن «تأكيد لبنان استعداده للعمل نحو توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل». بيد أن الفقرة الأهم تنص على «توقيع اتفاق شامل ودائم لعدم الاعتداء، بحيث يقوم كل من لبنان وإسرائيل بإعلان انتهاء حالة الحرب بينهما، والالتزام بالامتناع عن استخدام أي شكل من أشكال القوة ضد بعضهما البعض». وإعلان «انتهاء حالة الحرب» و«اتفاق عدم الاعتداء» لا يعنيان، قانونياً، «الاعتراف» بدولة إسرائيل، إذ لا حديث عن تبادل السفراء مثلاً... ولا شك أن باريس تعي الصعوبات التي تحول دون ذلك. والإشكال واقع في «عنوان» البند الأول، وليس في مضمونه. ويرجح أن صياغته الغامضة بهذا الشكل يراد منها «إغراء» إسرائيل بقبول المقترح الفرنسي، والسير في المفاوضات السياسية المباشرة التي تطالب بها منذ أشهر، والتي كانت تريدها بديلاً عن آلية مراقبة وقف إطلاق النار «الميكانيزم» التي أطلقت في نوفمبر عام 2024. ولا شك أن ما نشره موقع «أكسيوس» قبل أسبوع، وفيه الحديث صراحة عن «الاعتراف» أثار الإشكالية المشار إليها.

رفض أميركي

اللافت في الورقة الفرنسية أنها توحي بدعم أميركي للخطة، إذ نصت على أن «لبنان وإسرائيل يجتمعان على مستوى كبار المسؤولين، ثم على المستوى السياسي في باريس، للاتفاق على إعلان سياسي مشترك، بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا». والحال أن مصدراً فرنسياً أكد الخميس أن مجلس الأمن الذي اجتمع قبل يومين في جلسة لمناقشة الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل لم يفضِ إلى أي نتيجة، لأن واشنطن ترفض أن يعمد إلى التصويت على قرار، أو حتى إصدار بيان، وأن ما تريده راهناً «توفير الوقت» لإسرائيل من أجل «إتمام المهمة» التي تقوم بها، أي القضاء على «حزب الله».

وبحسب هذا المصدر، فإن واشنطن تترك لإسرائيل حرية التصرف، مع استثناء يتناول البنى التحتية الرئيسة، مثل المطار، والمرفأ. وأكدت مصادر أخرى أن إسرائيل ما زالت حتى اليوم ترفض حتى مشاركة باريس في رعاية المفاوضات السياسية المباشرة مع الولايات المتحدة، وبالتالي مقترحها. ولم يعرف ما إذا كان بارو قد نجح في اجتماع الساعتين الذي عقده مع نظيره جدعون ساعر في دفع تل أبيب إلى تليين موقفها الرافض حتى اليوم.

خيام النازحين اللبنانيين على شاطئ مدينة بيروت (أ.ف.ب)

خطة واضحة وشاملة ولكن...

لا تكتفي الخطة الفرنسية بالمسائل الأمنية، بل تريد أن تكون شاملة لكل جوانب الوضع اللبناني، إذ تشير في مرحلتها الثالثة إلى «استكمال ترسيم الحدود البرية بحلول نهاية عام 2026 بين لبنان وإسرائيل، وكذلك بين لبنان وسوريا، وذلك بمساعدة فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، والأمم المتحدة» و«تقديم دعم دولي لتعزيز أمن وسلامة الحدود اللبنانية-السورية». أما انسحاب إسرائيل «التدريجي» من الأراضي الجديدة التي احتلتها منذ معاودة الحرب في مارس (آذار) 2026 فسيتم بعد شهر، وبالتوازي بين تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء نزع سلاح «حزب الله». أما الانسحاب من المواقع الخمسة التي تحتلها منذ العام 2024 فسيحصل خلال المرحلة الثانية، أي بعد توقيع إعلان انتهاء حالة الحرب بين البلدين، مع نشر قوات من «تحالف المتطوعين» على الحدود للإشراف على ذلك. وتتضمن الخطة العديد من الالتزامات اللبنانية، ومنها التنفيذ الكامل لكافة مندرجات القرار 1701، ومنع استخدام أراضيه لمهاجمة إسرائيل، ونزع سلاح «حزب الله»، وتكليف «اليونيفيل» بالتأكد من ذلك جنوب الليطاني، فيما تتولى قوة من «تحالف المتطوعين» التأكد من نزع السلاح في المناطق اللبنانية الأخرى شرط حصوله على انتداب دولي.

ولا تشير الخطة إلى الدول التي يمكن أن تنضم إلى «تحالف المتطوعين» الذي يتعين عليه التحضير لما بعد مرحلة رحيل «اليونيفيل» عن لبنان مع بداية العام 2027، وتتحدث الخطة الفرنسية عن مؤتمر لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، وآخر لإعادة الإعمار للمناطق المعنية «بعد إعادة سيطرة الدولة عليها». واللافت أن الخطة تشير أيضاً إلى «التزامات لبنان باستكمال الإصلاحات المالية المطلوبة» بما في ذلك «قانون الفجوة المالية»، وتقديم مساعدات للنازحين.