من الدعم النووي إلى مقترح وقف التسليح... ماذا يحدث بين فرنسا وإسرائيل؟

خلافات ماكرون ونتنياهو تتصاعد... واستدعاء لذكريات التأسيس و«المحرقة»

جانب من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب إسرائيل (غيتي)
جانب من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب إسرائيل (غيتي)
TT

من الدعم النووي إلى مقترح وقف التسليح... ماذا يحدث بين فرنسا وإسرائيل؟

جانب من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب إسرائيل (غيتي)
جانب من مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي في صحراء النقب جنوب إسرائيل (غيتي)

بكّر قصر الإليزيه، صباح الأربعاء، بنشر بيان عن الاتصال الهاتفي الذي حصل الثلاثاء، وهو الثالث من نوعه في فترة قصيرة، بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما العلاقات بين الطرفين تذهب إلى مزيد من التصعيد.

وبعكس البيان الذي صدر عن مكتب نتنياهو، الذي تميز بحدة بالغة، فإن بيان الإليزيه بقي في إطار اللغة الدبلوماسية المتعارف عليها، لكن من غير وهن، ومع التركيز على نقاط رئيسية تتمسك بها فرنسا وماكرون تحديداً.

وشهدت الفترة الأخيرة توتراً علنياً بين نتنياهو وماكرون إلى حد مطالبة الأخير، الأسبوع الماضي، بوقف تزويد إسرائيل بالسلاح. وقال مصدر دبلوماسي في باريس إن «التوتر يمثل الصفة الغالبة على علاقة الرجلين، حيث يبرز ماكرون على أنه المسؤول الأوروبي الأكثر تشدداً في التعاطي مع نتنياهو».

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما في القدس أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

وكان من بين لحظات الذروة في الخلاف بين الجانبين، دعوة ماكرون المتكررة لوقف تزويد إسرائيل بالسلاح الذي تستخدمه في حربها على غزة وعلى لبنان، وقد وجد ذلك أصداء إيجابية لدى دول أوروبية أخرى، مثل إسبانيا وآيرلندا... ويرى الرئيس الفرنسي أن ملف السلاح يعد «الرافعة الوحيدة» للضغط على إسرائيل لوقف حربها المدمرة.

فتّش عن لبنان و«اليونيفيل»

وعلى الرغم من أن ماكرون كان في مقدمة قافلة القادة الغربيين الذين زاروا إسرائيل للتعبير عن دعمهم إياها منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بعد هجوم، فإن ذلك لم يمنع باريس من التنديد القوي باستهداف القوات الإسرائيلية لقوة السلام الدولية (اليونيفيل) المرابطة جنوب لبنان منذ عام 1978، وتشارك فيها فرنسا بـ700 جندي.

وسارعت باريس، إزاء ضغوط نتنياهو الرامية لتخلي القوات عن مواقعها، إلى التأكيد على بقاء القوة الدولية في مكانها، وطمأنة الدول المشاركة في أن جنودها باقون في جنوب لبنان، فضلاً عن استدعاء سفير إسرائيل لدى فرنسا؛ للاحتجاج على ما وصفته بـ«الاستهداف المتعمد» للقوات.

جنود من «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وما فاقم غيظ إسرائيل مسارعة ماكرون إلى الدعوة إلى مؤتمر دولي سيلتئم الخميس المقبل على المستوى الوزاري. ورغم أن المؤتمر، وفق تقديم الإليزيه، يستهدف توفير المساعدات الإنسانية للبنان، فإن إسرائيل ترى في المؤتمر عامل ضغط عليها من أجل القبول بوقف لإطلاق النار، وإعادة طرح المبادرة الفرنسية - الأميركية التي تستهدف وقف إطلاق النار في لبنان لثلاثة أسابيع.

وبشكل عام، ترى إسرائيل أن حراك الرئيس الفرنسي يعارض خططها، وقد كثّف ماكرون في الأسابيع الأخيرة اتصالاته لبنانياً وعربياً ودولياً، وستكون القمة الأوروبية يومي الأربعاء والخميس في بروكسل فرصة لمتابعتها.

العودة للدبلوماسية

تعد الفقرة الثانية من بيان الإليزيه، الأربعاء، الأهم؛ إذ جاء في حرفيتها ما يلي: «رئيس الجمهورية أعاد التأكيد لرئيس الوزراء الإسرائيلي على الضرورة المطلقة لوقف إطلاق النار في لبنان دون مزيد من التأخير، ووضع حد لعملياته العسكرية».

وذكّر البيان بأن فرنسا كانت قد اقترحت مع الولايات المتحدة وقفاً لإطلاق النار لمدة 21 يوماً، من شأنه أن يفتح الطريق أمام تسوية نهائية على الخط الأزرق.

ووفق ماكرون، فإنه «من الضروري العودة إلى هذا المسار الدبلوماسي الوحيد، الذي من شأنه تلبية متطلبات إسرائيل الأمنية».

أما بخصوص «اليونيفيل»، فقد أشار بيان الإليزيه إلى أن ماكرون «أعرب عن سخطه لإصابة عدد من جنود حفظ السلام بجروح على يد القوات الإسرائيلية في الناقورة، وحث إسرائيل على وضع حد لهذه الاستهدافات غير المبررة». وبنظره، فإن «اليونيفيل»، «عنصر أساسي من عناصر المصداقية لحل الأزمة في جنوب لبنان، وإن بقاءها لصالح أمن إسرائيل ولبنان على حد سواء».

نتنياهو يعارض

لم يتأخر رد فعل نتنياهو، إذ صدر عن مكتبه بيان، جاء فيه أنه أبلغ معارضته «بوقف إطلاق النار من جانب واحد» مع «حزب الله» في لبنان، عادّاً أن أمراً مثل هذا «لا يؤدي إلى تغيير الوضع الأمني في لبنان، ويعيده فقط إلى ما كان عليه».

وتسعى إسرائيل، كما يقول قادتها وعلى رأسهم نتنياهو، إلى إبعاد مقاتلي «حزب الله» عن حدودها الشمالية، وتفكيك بنيته التحتية العسكرية في جنوب لبنان، وحجتها أن ذلك يشكل العامل الوحيد الذي سيسمح لعشرات الآلاف من سكان المستوطنات بالعودة إلى مناطقهم التي أخلوها منها قبل أكثر من عام.

ووفق البيان الإسرائيلي، فإن تل أبيب «لن توافق على أي ترتيبات لا تفضي لذلك، ولا تمنع (حزب الله) من إعادة التسلّح وإعادة رص صفوفه».

استدعاء التاريخ

يرى ماكرون أن تل أبيب لا تلتزم بقرارات الأمم المتحدة، وأمام ذلك لجأ إلى استدعاء تاريخ نشوء إسرائيل نفسها، ووفق ما نُسب للرئيس الفرنسي خلال اجتماع مجلس الوزراء الفرنسي الثلاثاء، فإنه قال: «يتعين على نتنياهو ألا ينسى أن بلاده أنشئت بقرار من الأمم المتحدة»، في إشارة إلى القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1947، الذي قضى بتقسيم فلسطين إلى قسمين: دولة لليهود (إسرائيل) ودولة للفلسطينيين.

ويُمكن فهم ما قاله ماكرون من زاويتين: الأولى تتناول تعاطي إسرائيل مع «اليونيفيل» بوصفها أنشئت بقرار دولي، وبالتالي يتعين على إسرائيل احترام وجودها، والامتناع عن الضغط عليها أو المطالبة برحيلها.

والثانية: دفاع فرنسا الدائم عن حل الدولتين الذي ترى فيه الطريق الوحيدة لوضع حل للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وضرورة أن تمتثل إسرائيل للقرارات الدولية.

فلسطينيون في مسيرة بمناسبة يوم النكبة بمدينة رام الله بالضفة الغربية مايو 2023 (أرشيفية)

لكن فرنسا رغم مواقفها المبدئية، ما زالت حتى اليوم تتمنع عن اجتياز خطوة الاعتراف بالدولة الفلسطينية على غرار ما قامت به مؤخراً أربع دول أوروبية «إسبانيا، وفنلندا، وآيرلندا، وسلوفينيا»، وحجتها أن الاعتراف «يجب أن يكون مفيداً»، وأن «يحصل في الوقت المناسب».

مرة أخرى، سارع نتنياهو للرد على ماكرون عن طريق بيان لمكتبه جاء فيه: «تذكير لرئيس فرنسا: لم تنشأ دولة إسرائيل بقرار من الأمم المتحدة، بل بموجب الانتصار في حرب الاستقلال، الذي تحقق بدماء المقاتلين الأبطال، وبينهم كثير من الناجين من المحرقة، خصوصاً من نظام فيشي في فرنسا».

ولم يتوقف رد الفعل السلبي على إسرائيل، إذ إن ممثلي الجالية اليهودية في فرنسا عبّروا عن سخطهم، وكتب جوناتان عارفي، رئيس «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية» في فرنسا على منصة «إكس» إنّ «التصريحات المنسوبة لرئيس الجمهورية، إذا تأكّدت صحّتها، فهي تمثّل خطأً تاريخياً وسياسياً».

من النووي إلى 1967

ولقد مكّنت سياسات باريس في حقبة الجمهورية الرابعة إسرائيل من إنشاء مفاعل ديمونا، والحصول على السلاح النووي، كما أنها شاركتها في العدوان الثلاثي (إلى جانب بريطانيا) على مصر في عام 1956.

لكنّ السنوات اللاحقة في حقبة الجنرال شارل ديغول، شهدت فرض حظر على السلاح الفرنسي لإسرائيل في عام 1967 تنديداً بعدوانها، كما رفض، مباشرة بعد الحرب، الاعتراف بالتغيرات التي حصلت (احتلالها الضفة الغربية وغزة، والجولان، وسيناء).

وعملت الجمعيات والمؤسسات اليهودية على إسقاط ديغول في العام التالي بمناسبة استفتاء طلبَ إجراءه بشأن إصلاحات داخلية، وكذلك حاربت هذه المؤسسات خليفته جورج بومبيدو بسبب «سياسته العربية»، ما شكّل تغيراً جذرياً مع حقب سابقة.

الجنرال شارل ديغول وابنه فيليب على متن مركب خلال زيارة لألمانيا عام 1962 (أ.ف.ب)

كذلك برز التوتر مع الرئيس جاك شيراك في شوارع القدس عام 1996 بمناسبة جولة له في أسواقها القديمة، حيث هدد الأمن الإسرائيلي بقطع زيارته والعودة إلى فرنسا.

ومن الأمور التي لا تنسى تسريب خرائط تصنيع طائرة «الميراج» الفرنسية إلى إسرائيل في الستينات، التي استخدمتها لتصنيع طائرة «الكفير»، وتواطؤ بعض الأجهزة الفرنسية مع إسرائيل لتهريب قطع بحرية من مرفأ شيربورغ «شمال غربي فرنسا».

لكنّ الثابت اليوم أن قدرة باريس على التأثير على إسرائيل ضعيفة للغاية، وأن نتنياهو لا يأخذ أبداً بعين الاعتبار ما تطلبه فرنسا، متسلحاً بالدعم الأميركي وحماية واشنطن.


مقالات ذات صلة

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في قصر الإليزيه (رويترز)

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجتمع بالرئيسين الأميركي والإيراني في نيويورك لبحث مقترح فرنسي لتحرير الملاحة في مضيق هرمز لفترة 6 أشهر.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك بكييف يوم 6 سبتمبر الحالي (أ.ب) p-circle

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية... وماكرون يهدد بالرد على «الهجمات الهجينة»

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية، وماكرون يهدد بالرد على الهجمات الهجينة، وروسيا تتعرض لهجوم بمئات المسيّرات مع بدء الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (كييف - لندن)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الشرق الأوسط)

محمد بن سلمان وماكرون يبحثان جهود تعزيز أمن المنطقة

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصالٍ هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز شراكة البلدين الاستراتيجية، وباريس تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين عراقيين رئيسيين هما: الطاقة والدفاع.

ميشال أبونجم (باريس)

واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تكثف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطها الاقتصادية على إيران، بالتزامن مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز وتعثر المسار السياسي بين واشنطن وطهران. وفي أحدث خطوات التصعيد، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه عزلة دولية اعتباراً من 23 سبتمبر (أيلول)، محذراً الشركات والمطارات التي تقدم لها خدمات من التعرض لعقوبات ثانوية.

وقال بيسنت، الاثنين، إن الولايات المتحدة ترى أن مسؤولين ماليين صينيين «منخرطون بشكل كبير» في حملة الضغوط الاقتصادية الأميركية على إيران، في مؤشر إلى اتساع نطاق المساعي الأميركية لتقييد قنوات تعامل طهران مع النظام المالي العالمي.

واشنطن تستهدف الطيران الإيراني

وأوضح بيسنت، في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي»، أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه صعوبة في مواصلة عملياتها الدولية اعتباراً من الأربعاء، بسبب التهديد بمعاقبة مقدمي الخدمات الجوية لها.

وقال إن الطائرات الإيرانية، إذا هبطت في مطارات أجنبية، لن يكون من الممكن تزويدها بالوقود أو تقديم خدمات الهبوط أو بيع تذاكرها، من دون أن يواجه مقدمو هذه الخدمات خطر الاستبعاد من النظام المالي القائم على الدولار.

وجاءت تصريحات بيسنت بعد محادثات أجراها الأحد مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ. وقال الوزير الأميركي إن واشنطن تجري «مناقشات إيجابية» مع السلطات المالية الصينية، بما في ذلك محافظ بنك الشعب الصيني بان قونغ شنغ، بشأن الالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. ويأتي الضغط على قطاع الطيران ضمن حملة أوسع تستهدف تقليص قدرة إيران على الوصول إلى الخدمات والموارد المرتبطة بالنظام المالي الدولي.

الصين في مرمى الضغوط الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخلفه إلى يسار الصورة نائبه جي دي فانس (رويترز)

وتكتسب الإشارة الأميركية إلى الدور الصيني أهمية خاصة في ظل مساعي واشنطن إلى تضييق القنوات التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات.

وقال بيسنت إن المسؤولين الصينيين «منخرطون بشكل كبير» في حملة الضغوط الاقتصادية على إيران، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى دفع مزيد من الجهات الدولية إلى الالتزام بالعقوبات الأميركية.

وتزامنت هذه التصريحات مع استمرار الاتصالات المالية الأميركية - الصينية، في إطار محادثات أوسع بين البلدين، بينما يبقى ملف علاقة الصين بإيران أحد الملفات المطروحة في النقاش بين واشنطن وبكين. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت في وقت سابق أن بيسنت سيبحث مع نظيره الصيني العلاقات المالية بين بكين وطهران.

فانس: النفط لا يزال يعبر هرمز

وفي ملف الملاحة والطاقة، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن كميات كبيرة من النفط والغاز لا تزال تمر عبر مضيق هرمز، رغم استمرار التوترات التي تصفها واشنطن بأنها تهديد للملاحة الدولية.

وقال فانس، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن إدارة ترمب ستواصل مواجهة ما وصفه بالتحركات الإيرانية التي تستهدف حركة السفن التجارية.

وتأتي تصريحاته في وقت تشهد فيه حركة الملاحة عبر المضيق اضطراباً واضحاً. وأظهرت بيانات نقلتها «رويترز» الاثنين عبور 17 سفينة للسلع الأساسية المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بـ37 سفينة في الأسبوع السابق، وأقل بكثير من المتوسط اليومي قبل الحرب البالغ نحو 125 سفينة.

وفي المقابل، أشار تقرير منفصل إلى أن صادرات النفط من بعض دول المنطقة لا تزال مستمرة، مع استخدام ناقلات ومسارات بديلة وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى لتجاوز القيود الناجمة عن الأزمة. وكان قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر قد أشار إلى ارتفاع حركة النفط عبر هرمز إلى أعلى مستوياتها في ستة أشهر، في وقت تراجعت فيه أسعار الخام.

الملف النووي في صلب المواجهة

محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)

وربط فانس بين التوتر في مضيق هرمز والملف النووي الإيراني، قائلاً إن موقف ترمب واضح في أن إيران «لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً»، وإن الإدارة الأميركية اتخذت إجراءات لمنع ذلك.

وبحسب الرواية الأميركية، جاء استهداف الملاحة الدولية رداً إيرانياً على الضغوط العسكرية والسياسية. وكانت واشنطن قد اتهمت طهران مراراً باستهداف سفن تجارية في منطقة الخليج، بينما قال فانس سابقاً إن الولايات المتحدة لن تضع جدولاً زمنياً لإنهاء المواجهة طالما استمرت الهجمات على السفن.

وربط نائب الرئيس الأميركي كذلك بين اضطراب حركة الملاحة وارتفاع تكاليف الطاقة داخل الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن استمرار المخاطر في هرمز ينعكس على أسعار الوقود.

وتواجه سوق نقل الطاقة بدورها ارتفاعاً في تكاليف الشحن ونقصاً في ناقلات النفط، مع بلوغ تكلفة استئجار بعض الناقلات العملاقة أكثر من مليون دولار يومياً، وفق تقارير اقتصادية.

ويأتي التصعيد الاقتصادي والعسكري بينما تبرز إشارات إلى تحرك دبلوماسي محتمل في نيويورك، مع مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال حبيب الله عباسي، المدير العام للعلاقات العامة في مكتب الرئيس الإيراني، إن بزشكيان سيتوجه جواً إلى نيويورك الثلاثاء للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وفق وكالة «إرنا».

وكان ترمب قد أعلن أنه منفتح على لقاء بزشكيان في نيويورك، ما يفتح الباب أمام احتمال إجراء اتصالات مباشرة أو غير مباشرة بين الجانبين على هامش الاجتماعات الدولية، رغم استمرار الخلافات بشأن الملف النووي والعقوبات والملاحة في مضيق هرمز.


ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
TT

ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

تتجه الأنظار إلى نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يترقب المجتمع الدولي سلسلة لقاءات يجريها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش الاجتماعات، في وقت تتكثف فيه الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر مع إيران ومنع انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وتكتسب لقاءات ترمب المرتقبة أهمية خاصة مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع تحركات تقودها باكستان ودول أخرى لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر. وكان ترمب قد قال إنه منفتح على فكرة لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك.

تهديدات إيرانية برد «مختلف»

وفي مقابل التحركات الدبلوماسية، تصاعدت اللهجة الإيرانية حيال احتمال استئناف العمليات العسكرية. وقال المتحدث باسم «الحرس الثوري» الإيراني حسين محبي، الاثنين، إن بلاده ستستخدم أسلحة جديدة، وستستهدف مواقع لم تتعرض لهجمات من قبل إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً جديداً.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محبي قوله إن طهران ستغيّر، في حال وقوع «عدوان جديد»، طبيعة تسليحها للحرب وجغرافيتها، مؤكداً استعداد إيران لخوض صراع طويل الأمد.

وجاء ذلك بعد إعلان القيادة القتالية الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية، الأحد، أنها تلقت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف العمليات القتالية.

وتعكس هذه التصريحات ارتفاع منسوب التوتر، في وقت لم تنجح فيه الاتصالات الدبلوماسية حتى الآن في إزالة الخلافات التي حالت دون استئناف المفاوضات.

باكستان تكثف جهود الوساطة

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي (الرئاسة الإيرانية - أرشيفية)

وفي موازاة التصعيد، أكدت باكستان تمسكها بمواصلة وساطتها بين واشنطن وطهران، داعية إلى معالجة القضايا العالقة عبر الحوار والدبلوماسية.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية، الاثنين، إن إسلام آباد ملتزمة بدورها في الوساطة والعمل من أجل التوصل إلى حل سلمي للصراع بين إيران والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن علاقاتها الجيدة مع الأطراف المعنية تتيح لها مواصلة هذا الدور.

وتزامن الموقف الباكستاني مع زيارة وزير الداخلية محسن نقوي إلى طهران، حيث التقى نظيره الإيراني إسكندر مؤمني. وأفادت مصادر حكومية باكستانية بأن المحادثات تناولت التطورات الإقليمية والعلاقات الثنائية، إلى جانب الجهود الرامية إلى إحياء المفاوضات المتعثرة بين طهران وواشنطن.

وفي المقابل، قالت مصادر إيرانية إن زيارة نقوي تركز على العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين، وإن الوزير الباكستاني لا يحمل رسالة أميركية إلى طهران، ولن ينقل رسالة إيرانية إلى واشنطن، وفق وكالة «تسنيم».

وبرزت باكستان خلال الأشهر الماضية بوصفها أحد الوسطاء الرئيسيين بين الطرفين. وأجرى نقوي عدة زيارات إلى طهران منذ مايو (أيار) الماضي، كان آخرها في أغسطس (آب)، لبحث سبل احتواء التوتر ودفع الحلول الدبلوماسية.

وتأتي هذه التحركات في ظل تعثر اتفاق أولي بين واشنطن وطهران تم التوصل إليه في يونيو (حزيران)، قبل أن ينهار بسبب خلافات حول عدد من الملفات، من بينها مسألة مضيق هرمز وإدارته.

ومنذ ذلك الحين، استؤنفت الضربات الأميركية على مواقع وسفن إيرانية، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري للموانئ الإيرانية وتشديد العقوبات الأميركية.

وبعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط)، عاد التصعيد العسكري مع تبادل الضربات، بينما بقي المسار الدبلوماسي عالقاً.

مسيّرة أميركية ومخاطر الملاحة

سفن في مضيق هرمز (رويترز)

ميدانياً، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الاثنين، اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة أميركية من طراز «إم كيو-1» في أجواء مضيق هرمز، وقال إن إسقاطها تم بواسطة منظومة دفاع جوي حديثة ضمن شبكة الدفاع الجوي الموحدة.

وقال «الحرس الثوري» إن الطائرة، التي وصفها بأنها من الطائرات القديمة نسبياً في الترسانة الأميركية، عادت إلى الاستخدام بعد إخراجها سابقاً من التنظيم القتالي للقوات البحرية والجوية الأميركية وإحلال طائرات «إم كيو-9» محلها.

ويأتي الإعلان الإيراني في وقت تظل فيه حركة الملاحة في مضيق هرمز عرضة لمخاطر كبيرة، في ظل التوتر العسكري بين الطرفين.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إصابة ناقلة بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها المضيق، ما أدى إلى إصابة اثنين من أفراد طاقمها بجروح طفيفة. وأفادت الهيئة بأن السفينة واصلت إبحارها إلى ميناء التوقف التالي.

وقالت شركة الأمن البحري البريطانية «فانغارد» إن الناقلة «لا ستيفاني»، التي ترفع العلم البريطاني، تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء عبورها المضيق، مؤكدة إصابة اثنين من أفراد الطاقم بجروح طفيفة.

وفي حادث منفصل، أفادت الهيئة البريطانية بتعرض ناقلة غاز نفطي مسال لشظايا مقذوفات مجهولة المصدر أثناء مغادرتها مضيق هرمز، من دون إصابات بين أفراد الطاقم أو تسجيل آثار بيئية.

هرمز في قلب المواجهة

وتشكل التطورات في مضيق هرمز أحد أبرز مصادر القلق في ظل أهميته لحركة إمدادات الطاقة العالمية. وكانت إيران قد أعلنت في وقت سابق من هذا الشهر توسيع «المنطقة المحظورة» التي فرضتها إلى خارج الممر المائي الاستراتيجي، لتشمل أجزاء من خليج عمان وبحر العرب.

وبينما تتواصل التحركات الباكستانية وغيرها لإعادة فتح قنوات الحوار، يضع التصعيد الميداني والتهديدات المتبادلة المساعي الدبلوماسية أمام اختبار صعب.

وفي هذا السياق، تكتسب لقاءات ترمب في نيويورك أهمية إضافية، إذ يمكن أن توفر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مساحة لاتصالات مباشرة وغير مباشرة بشأن الأزمة، في وقت يسعى فيه الوسطاء إلى كسر الجمود ومنع عودة المواجهة العسكرية على نطاق واسع.


إصابة ناقلتين بـ«مقذوفات مجهولة المصدر» في مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إصابة ناقلتين بـ«مقذوفات مجهولة المصدر» في مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز (رويترز)
سفن في مضيق هرمز (رويترز)

أصيبت ناقلة للغاز النفطي المسال بشظايا «مقذوفات مجهولة المصدر» أثناء خروجها من مضيق هرمز، وفق ما أفادت هيئة بحرية بريطانية، في ثاني حادثة تتعرض لها ناقلة في الممر المائي، الاثنين.

وتغلق إيران عملياً مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة في العالم، منذ اندلاع الحرب مع أولى الضربات الأميركية - الإسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، وردت الولايات المتحدة بفرض حصار على الموانئ الإيرانية.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) إنها تلقّت «بلاغاً متأخراً» عن حادث تعرضت له ناقلة غاز نفطي مسال أثناء عبورها خارجة من مضيق هرمز.

وأفاد ربان الناقلة بأنها أصيبت بشظايا مقذوفات مجهولة المصدر، مؤكداً سلامة أفراد الطاقم وعدم وجود أي تأثير بيئي، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي وقت سابق اليوم، أُصيب اثنان من أفراد طاقم ناقلة بجروح طفيفة بعدما أصابها «مقذوف مجهول المصدر» أثناء عبورها مضيق هرمز.

وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن «السلطات العسكرية أبلغتنا بأن ناقلة أصيبت بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها مضيق هرمز باتجاه الدخول».

وأضافت: «أصيب اثنان من أفراد الطاقم بجروح طفيفة، وأفادت التقارير بأن السفينة تواصل إبحارها إلى ميناء التوقف التالي».