3 علماء يفوزون بـ«نوبل الكيمياء» لأبحاثهم المذهلة حول البروتينات

إنجازهم المتفرد قد يسهم في تطوير الأدوية واللقاحات

عالم الكيمياء الحيوية الأميركي ديفيد بيكر والباحث الأميركي جون جامبر وديميس هاسابيس (أ.ب)
عالم الكيمياء الحيوية الأميركي ديفيد بيكر والباحث الأميركي جون جامبر وديميس هاسابيس (أ.ب)
TT

3 علماء يفوزون بـ«نوبل الكيمياء» لأبحاثهم المذهلة حول البروتينات

عالم الكيمياء الحيوية الأميركي ديفيد بيكر والباحث الأميركي جون جامبر وديميس هاسابيس (أ.ب)
عالم الكيمياء الحيوية الأميركي ديفيد بيكر والباحث الأميركي جون جامبر وديميس هاسابيس (أ.ب)

منحت أكاديمية نوبل السويدية، الأربعاء، جائزة الكيمياء لعام 2024 إلى الأميركي ديفيد بيكر، من جامعة واشنطن الأميركية، لأبحاثه حول «تصميم البروتينات باستخدام التقنيات الحاسوبية»، في حين تقاسم النصف الآخر من الجائزة كل من البريطانيين ديميس هاسابيس وجون إم جامبر من مختبر «غوغل ديب مايند» بالمملكة المتحدة، لنجاحهما في «فك شفرة البنى المذهلة للبروتينات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وكان بيكر قد نجح في تحقيق إنجاز يكاد يكون مستحيلاً، وهو بناء أنواع جديدة تماماً من البروتينات، كما طوَّر هاسابيس وجامبر نموذجاً للذكاء الاصطناعي نجح في حل مشكلة عمرها 50 عاماً، وهي التنبؤ بالهياكل البنائية المعقدة للبروتينات، ما يحمل في طياته إمكانات غير محدودة.

وهو ما علَّق عليه هاينر لينكه، رئيس لجنة نوبل للكيمياء، في بيان صادر عن لجنة نوبل الأربعاء: «أحد الاكتشافات التي تم الاعتراف بها هذا العام يتعلق ببناء بروتينات مذهلة. والآخر يتعلق بتحقيق حلم عمره 50 عاماً، وكلا الاكتشافين يفتح الباب لإمكانات هائلة».

ووفق محمد شعبان الباحث في مجال البيولوجيا البنيوية بكلية إمبريال كوليدج لندن ومعهد فرانسيس كريك في المملكة المتحدة، فإنه «تم منح العلماء الثلاثة جائزة الكيمياء لهذا العام، لتطبيقاتهم الرائدة في استخدام الذكاء الاصطناعي لحل إحدى أكبر التحديات في علم الأحياء، وهو التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات».

وتمكنت خوارزمية «AlphaFold2»، التي طورتها شركة «ديب مايند» بقيادة هاسابيس وجامبر، من تحقيق قفزة نوعية في فهم كيفية طي البروتينات استناداً إلى تسلسل الأحماض الأمينية.

وأضاف شعبان في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الخوارزمية تجاوزت الأساليب التقليدية التي كانت تعتمد على التجارب المعملية المكلفة والمعقدة، مثل حيود الأشعة السينية والرنين المغناطيسي النووي، والمجهر الإلكتروني فائق البرودة، ما جعلها تقنية استثنائية في قدرتها على التنبؤ بدقة تصل إلى 90 في المائة من شكل البروتينات، مما ساعد على تحديد آلاف من البنى البروتينية، بما في ذلك 98.5 في المائة من البروتينات البشرية».

وشدَّد شعبان على أن هذا الإنجاز يفتح الباب أمام تحسينات كبيرة في مجالات تطوير الأدوية، واللقاحات، والعلاجات القائمة على البروتينات؛ حيث أصبحت المعلومات حول البنية البروتينية الدقيقة متاحة بشكل مجاني للعلماء عبر قاعدة بيانات ضخمة.

عالم الأحياء الحاسوبي ديفيد بيكر الحائز على جائزة نوبل (رويترز)

وعمل بيكر على تصميم بروتينات جديدة تماماً يمكن استخدامها في التطبيقات الطبية والصناعية»، وفق الباحث في مجال البيولوجيا البنيوية بكلية إمبريال كوليدج لندن، الذي أكد على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في علم الأحياء، بل أصبح ركيزة أساسية للتقدُّم في فهم الوظائف الحيوية وتصميم العلاجات المبتكرة.

لبنات الحياة

وتتكوَّن البروتينات عموماً من 20 حمضاً أمينياً مختلفاً، يمكن وصفها بأنها لبنات بناء الحياة. ويشهد التنوع المذهل لأشكال الحياة المختلفة على قدرتها كأدوات تتحكم في جميع التفاعلات الكيميائية الحيوية، وتنظم عمل الهرمونات والمواد الحاملة للإشارات الحيوية والأجسام المضادة وكعناصر بناء للأنسجة المختلفة.

ووصفت آنا ويديل، أستاذة علم الوراثة الطبية في معهد كارولينسكا بالسويد وعضو الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، هذه الاكتشافات، عبر تصريح لشبكة «سي إن إن» بأنه «اختراق علمي ساهم في حل (الكأس المقدسة) في مجال الكيمياء الفيزيائية».

وعرف الكيميائيون منذ القرن التاسع عشر أن البروتينات مهمة لعمليات الحياة، لكن الأمر استغرق حتى خمسينات القرن العشرين عندما أصبحت أدواتنا البحثية دقيقة بما يكفي ليبدأ الباحثون في استكشاف البروتينات بمزيد من التفصيل.

البريطانيان ديميس هاسابيس وجون إم. جامبر من مختبر جوجل ديب مايند بالمملكة المتحدة (أ. ب)

لقد توصل الباحثان في كمبردج، جون كيندرو وماكس بيروتز، إلى اكتشاف رائد عندما استخدما بنجاح في نهاية ذلك العقد تقنية قادرة على تحليل البلورات الحيوية بالأشعة السينية لتقديم أول نماذج ثلاثية الأبعاد للبروتينات. وتقديراً لهذا الاكتشاف، حصلا على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1962.

استفاد الباحثون من تقنية تحليل البلورات بالأشعة السينية؛ حيث بذلوا جهوداً مضنية لإنتاج صور ناجحة لنحو 200 ألف بروتين، وهو ما وضع الأساس لجائزة نوبل في الكيمياء لهذا العام؛ فقد نجح ديفيد بيكر، في عام 2003، في استخدام هذه الكتل البنائية في تصميم بروتين جديد لا يشبه أي بروتين آخر. ومنذ ذلك الحين، أنتجت مجموعته البحثية بروتينات جديدة مبتكرة، الواحد تلو الآخر، بما في ذلك البروتينات التي يمكن استخدامها كأدوية ولقاحات ومواد نانوية وأجهزة استشعار صغيرة.

اختراق مذهل

ويتعلق الاكتشاف الثاني بالتنبؤ بهياكل البروتينات. إذ ترتبط الأحماض الأمينية معاً في خيوط طويلة مطوية لتكوين بنى ثلاثية الأبعاد تلعب دوراً حاسماً في وظيفة البروتين. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، حاول الباحثون التنبؤ بهياكل البروتين من تسلسلات الأحماض الأمينية، لكن هذا كان صعباً للغاية.

ومع ذلك، قبل أربع سنوات فقط، كان هناك اختراق مذهل. ففي عام 2020، قدم ديميس هاسابيس وجون جامبر نموذج "AlphaFold2" للذكاء الاصطناعي والذى بمساعدته تمكنا من التنبؤ ببنية جميع البروتينات البالغ عددها 200 مليون، والتي حددها الباحثون جميعها تقريباً.

شعار Google DeepMind في لندن (أ.ب)

ومنذ اكتشافهما، تم استخدام «AlphaFold2» من قبل أكثر من مليوني شخص من 190 دولة، فهو بمنزلة محرك البحث «غوغل»، ولكن عن هياكل البروتين، مما يوفر وصولاً فورياً إلى النماذج المتوقعة للبروتينات، مما يسرّع التقدم في علم الأحياء الأساسي والمجالات الأخرى ذات الصلة.

تقول ويديل، التي تستخدم هذه الأداة في عملها الخاص بالبحث عن الأمراض النادرة: «لقد جعلوا كل شيء متاحاً، لذلك يمكن لكل باحث تقريباً الآن اللجوء إلى قاعدة البيانات هذه واستخدام هذه الأدوات لمعالجة مشكلته البحثية؛ ما يمكن أن يسهم في تحقيق قفزات علمية في العديد من المجالات».

عالم الكيمياء الحيوية الأميركي ديفيد بيكر، والباحث الأميركي جون جامبر، وديميس هاسابيس (أ.ب)

ويرى الدكتور طارق قابيل، عضو هيئة التدريس في قسم التقنية الحيوية بكلية العلوم، جامعة القاهرة، أن «فوز العلماء بنوبل في الكيمياء 2024 لحلهم لغز البروتينات باستخدام الذكاء الاصطناعي يُعدّ نقلة نوعية في مجال العلوم، كما يفتح هذا الإنجاز آفاقاً جديدة لتطوير علاجات وأدوية جديدة، ويؤكد على دور التقنيات الحديثة في تسريع الاكتشافات العلمية».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لقد أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في مجال الكيمياء الحيوية، مما ساهم في تسريع عجلة الاكتشافات الجديدة في هذا المجال، وفتح آفاقاً واسعة في الطب والصناعة»، مؤكداً: «أصبحنا على عتبة عصر جديد في العلوم، فالتقنيات الحديثة، كالحوسبة والذكاء الاصطناعي، ستسهم في حل التحديات الصحية والبيئية المستقبلية».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

تكنولوجيا زوار يقفون بالقرب من لافتة للذكاء الاصطناعي في جناح روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي بمعرض في بكين الصين 7 يونيو 2023 (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

أحدثت «أوبن إيه آي» ضجة كبيرة في عالم الرياضيات، بعد أن نجح برنامجها للذكاء الاصطناعي في حل معضلة رياضية كبرى ظلت عصية على الحل طوال قرن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أميركا اللاتينية صورة تجمع ممثلي المعارضة الفنزويلية (يسار) ورئيس الجمعية الوطنية في كراكاس يوم 6 أغسطس (د.ب.أ)

كراكاس تستضيف حواراً بين السلطة والمعارضة لبحث انتقال سياسي

انطلق في كراكاس، هذا الأسبوع، حوار بين السلطات الفنزويلية وقوى المعارضة، ترعاه الولايات المتحدة، ويأمل كثيرون في أن يفضي إلى انتقال سياسي وانتخابات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
ثقافة وفنون أولغا توكارتشوك

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق التكنولوجيا تركض أسرع من قدرة البشر على استيعابها (إ.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي يقترب من نوبل... ومخاوف من «ثورة» قد تهدّد البشرية

توقَّع الشريك المؤسِّس لشركة «أنثروبيك» المتخصّصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، جاك كلارك، أن تشهد السنوات المقبلة تحولات غير مسبوقة في قدرات الذكاء الاصطناعي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الناشطة الإيرانية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الإفراج بكفالة عن الناشطة الإيرانية نرجس محمدي لأسباب طبية

أفرجت السلطات الإيرانية بكفالة عن الناشطة نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2023، ونقلت إلى مستشفى في طهران لتلقّي العلاج، حسب ما أفادت لجنة دعمها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.