السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

«يونيسيف»: هذه أسوأ أزمات التدريس في العالم... معلمون بلا رواتب ومدارس منهارة وثكنات عسكرية

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
TT

السودان: تعليم في «وضع أليم» بسبب الحرب... 17 مليوناً خارج المدارس وخسائر 27 مليار دولار

أطفال  السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)
أطفال السودان ضحايا حرب وجوع وهجرات وانتكاسات (رويترز)

ألقت الحرب المتطاولة في السودان بظلال قاتمة على العملية التعليمية، قد تمتد تأثيراتها «السلبية» أكثر من عقد زماني، بعد أن ضاع أكثر من عام دراسي لما يزيد على 90 في المائة من الأطفال في البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، و17 مليوناً منهم خارج المدارس حالياً، بينهم 7 ملايين خارج النظام التعليمي قبل الحرب، مما جعل البلاد تعاني «أسوأ أزمات التعليم في العالم»، كما وصفتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف».

لم يتأثر «الأطفال» وحدهم بالحرب، بل تأثر «المعلمون والمدارس وبنية التعليم في البلاد». فبعد توقف الدراسة وإغلاق المدارس، توقف صرف «راتب المعلم»، وكاد قرابة نصف مليون مدرس يتحولون وأسرهم إلى «متسولين»، بعضهم هجر مهنة التعليم -ربما إلى الأبد- واختار مهنة أو «حرفة» بديلة، بينما لجأ آخرون إلى بلدان الجوار وقد لا يعودون، فيما دُمرت آلاف المدراس والمنشآت التعليمية، وتحولت الآلاف منها إلى ملاجئ لإيواء النازحين.

من أحد الصفوف في أوغندا (الشرق الأوسط)

كانت الطالبة بشاير تُعدّ نفسها لدخول الجامعة، لأنها في السنة النهائية من المرحلة «الثانوية» في مدراس «وقف المعارف التركية الثانوية بالخرطوم»، وحين اندلعت الحرب تراجعت طموحاتها وأحلامها، وانتهى بها الأمر نازحةً مع أسرتها إلى مدينة كوستي بوسط البلاد.

قالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أستعد مثل أي طالبة لتحقيق حلم طفولتي بدخول الجامعة، ودراسة التخصص الذي أعددت نفسي له، لكن الحرب اندلعت فانهارت كل هذه الأحلام، حاولت كثيراً الالتحاق بالدراسة في تركيا ولم أوفَّق».

وتتابع: «انتهى بنا الحال نازحين إلى مدينة جديدة، نعيش ظروفاً قاسية وصعبة، لكننا مضطرون إلى التعايش مع الواقع، وننتظر نهاية الحرب لنعود إلى مدارسنا، ونعوّض ما فاتنا، رغم أن الزمن الذي ضاع من أعمارنا لا يعوّض، ولكن الحمد لله».

ويشعر والد بشاير، المهندس أحمد عبيد الله، بالتقصير تجاه أبنائه، لأنه أصبح بلا حيلة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كأبٍ أحسّ بالتقصير تجاه أبنائي، بعضهم في الأساس، وآخرون في الجامعات، ولا أستطيع أن أفعل لهم شيئاً». ويتابع: «خياراتنا كآباء تجاه مستقبل أطفالنا صفرية، فنحن غير قادرين على تعليمهم في دول أخرى... لا خيار لنا إلا الانتظار».

ومدينة كوستي التي تقيم بها أسرة المهندس عبيد الله، تعد من المدن الآمنة نسبياً، فهي من بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش، لكنها تعاني تدفقات أعداد كبيرة من النازحين، الذين تمت استضافتهم في مدارسها، إضافةً إلى أنها من المناطق التي تعاني الحصار الذي تفرضه عليها «قوات الدعم السريع».

 

أطفال لاجئون

ربما تكون الطفلة «سعاد» التي يقيم والدها في مناطق خطرة، أكثر حظاً من سابقتها «بشاير»، فهي تتلقى دروسها الآن في مدرسة بدولة أوغندا، لكنها لا تزال تعاني صدمة نفسية (تروما)؛ فالحرب لاحقتها مرتين: الأولى عندما كانت تتعلم في مدرسة «خاصة» في الخرطوم فتطايرت أولى شظايا الحرب في مدرستها، ولولا اللطف لكانت في عداد الموتى، ولاحقها صوت الحرب إلى منزلها القريب من المواجهات. والأخرى عندما نزحت هي وأسرتها جنوباً إلى مدينة ود مدني بولاية الجزيرة الآمنة وقتها، وهناك واصلت في مدرسة جديدة، فاستعادت بعض توازنها، لكنّ الحرب لحقت بها، وسقطت مدينتها الجديدة بيد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فاضطرت أسرتها إلى الفرار لاجئةً إلى دولة أوغندا التي استضافت أمثالها برحابة.

تلامذة سودانيون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في بورتسودان (أ.ف.ب)

تصف مدرستها «الأوغندية» بأنها أفضل من كل مدارسها السابقة، وتداعب أمها: «تاني أنا ما راجعة السودان حتى لو وقفت الحرب»، وتتابع في حديثها للصحيفة: «لو رجعنا السودان من يضمن لنا مدرسة آمنة، ومن يضمن أنهم لن يقتلونا، أو يقتلوا أبي أو أمي أو إخوتي».

آلاف مثل «سعاد» شرّدتهم الحرب وحوَّلتهم إلى «لاجئين» في بلد «غريب»، وتعليم مختلف يجهدون أنفسهم للتعايش معه، لكن على الأقل هم «محظوظون» لأن أسرهم استطاعت أن توفر لهم تعليماً بديلاً.

 

مأساة المعلم

لم تصب الحرب الأطفال وحدهم، بل تحولت إلى مأساة للمعلمين؛ إذ فقدوا وظائفهم وأوقفت السلطات رواتبهم، وحوَّلتها لإذكاء نار الحرب.

ويقول «سيد عبد الرحمن»، وهو معلم بمدينة كسلا الشرقية التي لا تزال بعيدة عن القتال، لكن الحرب وصلت إليها مع مئات آلاف النازحين، إن المصلين في «مسجد الخيرات» وسط سوق المدينة فوجئوا برجل يعرِّف نفسه بأنه «معلم»، يشكو للمصلين «ضعفه وهوانه وعجزه»، فأبكى المصلين. وتابع: «أن يتسول المعلم في بلدي، فإن هذا لأمر جلل».

ويتابع المعلم الشهير باسم «تمبة» في سرد مأساة المعلمين بمدينته بقوله: «في 13 مايو (أيار) الماضي، ذهب صديقي المعلم تاج الدين لأداء الصلاة بمسجد الثورة، فوقف معلم آخر يسأل الناس، فتسمر المصلون في أماكنهم، وأحاطوا به مستنكرين ومشككين في أن يتسول معلم، ظناً أنه محتال ومعتاد تسول، لكن يا للفاجعة اتضح لهم أنه حقاً معلم».

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

ووفقاً لمنشوره على منصة «فيسبوك» قال «تمبة»: «تحجَّر الدمع في مقلتيَّ، واقشعرَّ بدني من هول المشهد، وليس مَن شاهد كمَن سمع، فلتبكِ على المعلمين البواكي، ولتغلق وزارة التربية أبوابها، ولتنكِّس إدارات التعليم أعلامها حداداً، فالمعلم في بلدي دفعته الحاجة ليتسول».

وبإلحاح ينتظر المعلمون «جوعى» رواتبهم التي ذهبت لتمويل القتل والحرب وصناعة المأساة السودانية، بينما ترنو خرائب المدارس التي دمَّرتها القذائف أو اتخذها المتحاربون ثكنات، أو تحولت لمعسكرات نزوح لمن يقيل عثرتها.

يقول المتحدث باسم «لجنة المعلمين»، (نقابة تسييرية)، سامي الباقر، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن 240 ألف معلم من العاملين بالتعليم في السودان لم يحصلوا طوال الحرب على أكثر من راتب شهر أو شهرين في الحد الأعلى، عدا ولاية البحر الأحمر، أما ولاية نهر النيل فصرفت مرتبات بين تسعة وعشرة أشهر، وصرفت الولاية الشمالية رواتب سبعة أشهر، وهي الولايات التي تعد آمنة نسبياً.

ويتراوح صرف المرتبات بين راتب شهر وثلاثة، أو عدم الصرف في المناطق المتأثرة مباشرةً بالحرب. ويؤكد الباقر: «لم يحصل المعلمون في غرب دارفور على مرتباتهم منذ اندلاع الحرب، وصُرف لهم شهر في وسط دارفور، وثلاثة أشهر في ولاية الخرطوم، وشهران في ولاية الجزيرة، وفي بقية الولايات لم يزد الصرف على شهر واحد».

ويصف الباقر أوضاع المعلمين بـ«الكارثية» بقوله: «بعضهم اضطر لممارسة مهن بديلة، وبينهم من يعاني ويلات الحرب والنزوح من دون راتب، ليعجز عن تلبية احتياجات أسرته»، ويستطرد: «بعض المعلمين لجأوا إلى الجوار، ونزح آخرون، فيما يعاني المستقرون في الولايات التي تسمى آمنة، معاناة شديدة». ويتابع: «المعلمون أصلاً يعيشون تحت خط الفقر، فزادتهم الحرب فقراً على فقرهم، وترك ذلك تأثيرات اجتماعية عليهم وعلى أسرهم»... وحزيناً يقول الباقر: «هناك قصص يندى لها الجبين، ومشكلات اجتماعية كثيرة بسبب حجب المرتبات».

أعمدة الدخان في مناطق عدة بالعاصمة السودانية جراء قصف بالطيران (أرشيفية - رويترز)

وشُلَّت الحياة باندلاع الحرب يوم 15 أبريل (نيسان) 2023 تماماً، ووقع الشلل الكبير على «مؤسسات التعليم»، فأغلقت المدارس أبوابها، لكنَّ رئيس مجلس الوزراء المكلف عثمان حسين عثمان، أصدر قراراً في 7 اكتوبر (تشرين الأول) الماضي بإعادة فتح المدارس نهاية الشهر في الولايات التي تتيح ظروفها الأمنية ذلك.

لكنَّ القرار واجه تعقيدات عديدة، مثل المدارس التي استُخدمت مأوى للنازحين، والأخرى التي دُمرت ونُهبت مقتنياتها، ونزوح المعلمين وعدم صرف رواتبهم.

واشترطت لجنة المعلمين «صرف رواتب المعلمين أولاً»، لكنَّ المدارس في الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش: «نهر النيل، والبحر الأحمر، والشمالية، والقضارف، وكسلا، والنيل الأبيض، وبعض مناطق ولاية الخرطوم» عاودت العمل مجدداً.

تلاميذ يتجهون إلى مدرستهم في بورتسودان مع اليوم الأول لاستئناف العام الدراسي (أ.ف.ب)

وحذر المعلم والتربوي علي عبيد أبكر فضيل، ومدير المكتب التنفيذي للجنة المعلمين، من عودة الأمية من جديد للبلاد، بقوله لـ«الشرق الأوسط»: «توجد دفعتان من الأطفال في سن التمدرس خارج المدارس، ودفعتان في الصفوف حتى الثالث الأساس، سيعودون أميين، مما يهدد بارتفاع نسبة الأمية في السودان»، وتابع: «عودة الأمية أكثر تهديد لمستقبل البلاد، ولاستثمارها في المستقبل».

لكنّ فضيل رأى أن «الفتح الجزئي للمدراس قرار خطير يهدد العملية التعليمية بكاملها، ويقسم البلاد إلى مناطق تعليم ومناطق من دون تعليم»، ويقول: «الدراسة مرتبطة بشهادات وامتحانات على المستوى القومي، والعملية التعليمية لا تقبل تجزئة الارتباطات القومية».

ووصف القرار بأنه «سياسي وليس تعليمياً» بقوله: «لا بد من خطط واضحة، تشارك فيها الجهات المختصة بالتعليم في أثناء الحروب، وفعل سياسي يوفر أمكنة ومسارات آمنة للتلميذ والمعلم، ومن دون هذه الخطط فإن القرار سيكون سياسياً ليوحي بأن الأوضاع مستقرة».

 

الأطفال الجنود

ووفقاً للخبير التربوي، فإن الأطفال النازحين لا يجدون فرصاً بالمدارس الحكومية، ولا يحتمل أولياء أمورهم تكاليف المدارس الخاصة الباهظة، وإن أعداداً كبيرة من الأطفال النازحين اضطروا للعمل لمساعدة أسرهم.

ويُحذر من تعرض الأطفال لاستقطاب الأطراف المتحاربة للقتال إلى جانبهم بقوله: «بعضهم يقاتل مع (قوات الدعم السريع)، والآخر مستنفَر مع الجيش، وصار مشهد الأطفال وهم يحملون البنادق مألوفاً».

أشخاص يسيرون على طول شارع يحمل آثار الدمار في أم درمان... السودان 27 أغسطس 2024 (د.ب.أ)

وأبدى فضيل تخوفه من انهيار النظام التعليمي بقوله: «النظام التعليمي في طريقه إلى الانهيار، بل هو انهار فعلياً، نتيجة هجرة الكفاءات وترك المهنة إلى مهن أخرى داخل وخارج البلاد».

 

مماطلة

لم يقف تأثير الحرب في النصف الثاني من عامها الثاني على التعليم، بل امتد إلى تهديد حياة آلاف الأطفال، وتقول «يونيسيف» إن نحو 72 في المائة من ضحايا الانتهاكات من قتل وتشويه وعنف جنسي وتجنيد، «هم أطفال»، وإن عشرات الآلاف منهم معرَّضون للموت جوعاً وبسوء التغذية.

وبينما تسوء أوضاع تعليم الأطفال من المناحي كافة، فإن سلطات التعليم لم تستجب لطلبات «الشرق الأوسط» تقديم المعلومات المتعلقة بوضع التعليم في «وضع أليم»، بل ماطلت في تقديمها متذرعةً بجمعها تارةً، وبتأخر ورودها تارةً أخرى، فبدت كأن الأمر لا يعنيها!

بدورها، أبدت المعلمة خالدة صابر، من مدرسة «سلوم بنين» بولاية البحر الأحمر، يأساً لافتاً، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «المدارس تم تدميرها بالقصف الجوي والمدفعي وتحول بعضها لثكنات لجنود طرفي الصراع».

وفي ولاية البحر الأحمر، واجهت المدارس صعوبات جمة، فأغلبها تحوَّل إلى دور إيواء، لذلك يتناوب التلاميذ على المدرسة ثلاثة أيام في الأسبوع، وتابعت: «ثم عقدت السيول والفيضانات مواصلة الدراسة».

وتقول خالدة صابر التي عادت للصف في مايو (أيار) الماضي: «في أثناء التدريس لاحظت ضعف التحصيل، وكثرة الغياب، والميل للعنف الذي استخدم فيه الأطفال الأسلحة البيضاء».

وحذرت من «عودة الأمية» بين الأطفال في الفصول الأولى، ومن تسرب طلاب الفصول المتقدمة الذي يواجهون مخاطر التجييش والاستنفار، بقولها: «مستقبل التعليم على المحك».

امرأة وطفلها في مخيم «زمزم» للنازحين بالقرب من الفاشر شمال دارفور بالسودان خلال يناير 2024 (رويترز)

وخالدة صابر أُم لثلاث بنات أكبرهن في نهاية المرحلة الثانوية المؤهلة لدخول الجامعة، تقول عنها: «لم تتمكن من الجلوس للامتحانات، وصار مستقبلها مجهولاً أسوةً بأغلب تلاميذ السودان». وتتابع: «ابنتي الثانية في نهاية المرحلة المتوسطة، ولا نعرف ما مصيرها، وابنتي الصغرى -تعاني (متلازمة داون)– فلم نجد لها مدرسة، ونخشى عليها التنمر».

اضطرت صابر من أجل بناتها إلى اللجوء إلى دولة أوغندا، لكن الطفلات واجهن صعوبة اختلاف المنهج ولغة التدريس، بخاصة من هم في السنوات النهائية، وهو جزء من معاناة الأطفال اللاجئين في دول الجوار الأفريقي بشكل خاص.

 

أسوأ أزمة في العالم

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» من دخول وشيك لـ«جيل كامل» من الأطفال في أوج «الكارثة» التعليمية، ومن أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم.

وقال مسؤول برامج التعليم في المنظمة بالسودان دانييل باهيتا، لـ«الشرق الأوسط»، إن السودان يواجه «أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم» بنزوح خمسة ملايين طفل.

متطوع يوزّع الطعام على النازحين في أحد أحياء أم درمان بالسودان (أرشيفية - رويترز)

وأوضح، أن أكثر من 90 في المائة من أطفال البلاد، وعددهم 19 مليوناً في سن الدراسة، بينهم أكثر من 17 مليوناً خارج صفوف الدراسة، في واحدة من «أسوأ أزمات التعليم على مستوى العالم».

وقال إن هناك نحو 7 ملايين طفل كانوا خارج المدرسة بالفعل، لأن البلاد كانت تكافح الفقر وعدم الاستقرار، أُضيف إليهم من انتزعتهم الحرب من مدارسهم عنوةً. وذكر أن «الحرب أخرجت أكثر من 17 مليون طفل من المدارس، وألقت بهم في مناطق النزوح واللجوء، ليضافوا إلى 6.9 مليون طفل غادروا صفوف الدراسة قبل الحرب».

ووفق المنظمة الأممية، هناك 2600 مدرسة -أي نحو 13 في المائة من إجمالي المدارس في البلاد- تُستخدم دورَ إيواء، مما عقَّد الجهود الرامية لتوفير بيئات تعليمية آمنة ومستقرة.

مشهد من اليوم الأول لبدء العام الدراسي الجديد في إحدى مدارس بورتسودان (أ.ف.ب)

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي بعد ستة أشهر من القتال، أعلنت الحكومة إعادة فتح المدارس في الولايات الآمنة، لكن تنفيذ القرار واجه صعوبات عديدة. وهو ما فصّلته «يونيسيف» بأن 7 ولايات من أصل 18 ولاية أعادت فتح المدارس، وهي: «الشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، والنيل الأزرق، ثم سنار»، لكن بعض هذه المدارس أُغلق بسبب العطلة الصيفية في البحر الأحمر، والفيضانات وتفشي الأوبئة والأمراض في كسلا، كما أُغلقت مدارس بولاية «سنار».

 

فصول مكتظة

يقول باهيتا إن الولايات التي عاد أطفالها للمدراس تعاني من الاكتظاظ، مما يجعل الحفاظ على بيئة تعليمية مواتية تحدياً كبيراً»، ويتابع: «الأطفال النازحون والمجتمعات المضيفة بحاجة إلى دعم في مجالات الصحة العقلية، والدعم النفسي والاجتماعي، لأن أعداداً منهم تعرضوا للصدمات الناتجة عن الصراع».

وإزاء الاكتظاظ في الفصول الدراسية، أنشأت «يونيسيف» أكثر من 1500 مساحة تعلم آمنة، توفر فرصاً تعليمية لأكثر من 437 ألف طفل.

جانب من حملات سابقة في السودان للتطعيم ضد «شلل الأطفال» (الصحة السودانية)

وتصف «يونيسيف» وضع الأطفال غير القادرين على الوصول إلى التعليم، بأنه «الأكثر خطورة»، مشيرةً إلى أنها تعمل مع شركائها لإيجاد أماكن تعلم آمنة بعدة سبل، من بينها منصة «جواز السفر التعليمي»، وهي منصة رقمية تعتمد التعليم من بُعد، و«تسمح للأطفال بمواصلة تعليمهم حتى عندما ينقطع وصولهم إلى المدارس المادية»، وتوفر لنحو 48 ألف طفل مواصلة تعليمهم من بُعد.

ودعت «يونيسيف» لإعادة فتح المدارس بالكامل لضمان استمرارية التعلم، ودعم الصحة العقلية للأطفال، وتوفير فرص اللعب والشفاء جنباً إلى جنب مع أقرانهم. ويقول باهيتا: «التعليم أمر بالغ الأهمية لنمو الأطفال ورفاهيتهم وآفاقهم على المدى الطويل، لذلك فإن إعادة الفتح الكامل أمر ضروري، لضمان عدم تخلف أي طفل عن حقه في التعلم والازدهار».

وتقدر المنظمة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن وقف التعلم مدى الحياة لجيل الأطفال الذين تعرضوا للحرب، بأكثر من 27 مليار دولار أميركي، وتنوه إلى أن «عدم اتخاذ إجراءات عاجلة، سيضيع أجيالاً»... ويتابع باهيتا: «الوصول للتعليم أمر ضروري لاستقرار السودان وتطوره في المستقبل».


مقالات ذات صلة

حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

خاص حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية يهدد وحدة السودان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
العالم العربي أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا قوات عسكرية تظهر في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)

السودان: 41 قتيلاً بقصف مركز للنازحين في النيل الأزرق... و«الدعم السريع» تنفي مسؤوليتها

قُتل 41 شخصاً وأُصيب آخرون بقصف استهدف مركز إيواء نازحين في إقليم النيل الأزرق، وفق مجموعة قانونية سودانية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن البزة العسكرية.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز) p-circle

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

قُتلت 26 امرأة و4 أطفال بضربة بطائرة مسيّرة تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في جنوب شرق السودان، الجمعة، بحسب ما أفاد مسؤول وشهود عيان "وكالة الصحافة الفرنسية".

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور: تعدد الميليشيات يهدد السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

حذّر حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، من أن انتشار الميليشيات والقوات الموازية خارج مؤسسات الدولة يهدد وحدة السودان ويحوّله إلى مناطق نفوذ متنازعة، مؤكداً ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون وبناء جيش وطني موحد.

وقال مناوي، الذي يتزعم «حركة تحرير السودان»، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الجيش يمتلك اليد العليا في الميدان، وإن ميزان القوى يميل لمصلحته، رغم استمرار الكرّ والفرّ، وأوضح أن «القوة المشتركة» التي ينتسب إليها، تقاتل بالتنسيق مع القوات المسلحة، بينما يتطلب استكمال الترتيبات الأمنية إصلاح المؤسسات ودمج القوات وإعادة هيكلتها.

وربط مناوي أي هدنة مقبلة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تكريس الانقسام، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي حتى تتوافر ظروف تضمن مشاركة السودانيين بحرية وتكافؤ. كما حذّر من قيام سلطات موازية، وشدّد على صون سيادة البلاد ووحدتها في مواجهة التدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية.

ودعا مناوي إلى معالجات تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته، مؤكداً أن الحرب اتسعت وتداخلت أطرافها، ولم تعد مجرد مواجهة بين قيادتين عسكريتين. واستشهد بتجارب النزاعات في الصحراء وليبيا واليمن والصومال، محذراً من هدنة تثبّت نتائج الحرب وتكرّس الانقسام، بدلاً من حماية المدنيين واستعادة الأمن والاستقرار للبلاد.


حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية وتحول القبائل إلى قوى مسلحة مستقلة يهددان وحدة السودان ويكرّسان تنازع مناطق النفوذ. وربط، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أي هدنة بضمانات لحماية المدنيين وعودة النازحين ومنع تثبيت الانقسام الذي فرضته الحرب، داعياً إلى إرجاء الحوار السياسي الجاري حالياً، حتى تتوافر ظروف تتيح للسودانيين المشاركة بحرية وتكافؤ.

وقال مناوي إن بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة يمثل أساساً لاستقرار البلاد، وإن الترتيبات الأمنية لا تقتصر على دمج القوات وتسريحها، بل تشمل إصلاح المؤسسات العسكرية والشرطية وإعادة هيكلتها. وفيما رأى أن ميزان القوى الميداني يميل لمصلحة الجيش، حذّر من اختزال الحرب في صراع بين قيادتين عسكريتين، مؤكداً أن اتساعها وتداخل أطرافها وأبعادها الإقليمية يفرضان معالجة تتجاوز مصالح الجنرالات إلى قضايا الشعب السوداني ووحدة دولته.

السلاح ومؤسسات الدولة

وشدد مناوي على ضرورة إخضاع جميع التشكيلات العسكرية للقانون والمؤسسات الوطنية المختصة، قائلاً: «لا نؤيد إنشاء ميليشيات أو قوات دروع تحت أي مسمى خارج المنظومة الرسمية. فالدولة التي لا يحتكر فيها الجيش الوطني السلاح المنظم، وتتحول فيها القبائل إلى تشكيلات عسكرية مستقلة، لا يمكن أن تكون دولة مستقرة، بل تصبح أقرب إلى مناطق نفوذ وحواكير متنازعة».

أنصار حاكم دارفور يستقبلونه في مطار الخرطوم لدى عودته من نيويورك 3 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويرأس مناوي حركة «جيش تحرير السودان»، (منشقة عن حركة عبد الواحد نور) وهي إحدى أبرز الحركات المكونة لـ«القوة المشتركة» في دارفور، التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد «قوات الدعم السريع»، وتضم أيضاً حركة «العدل والمساواة»، بزعامة وزير المالية جبريل إبراهيم.

وأوضح أن «القوة المشتركة» تعمل بتنسيق وانسجام مع القوات المسلحة في ميادين القتال، رغم عدم اكتمال الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام. وقال إنها رفضت، منذ اندلاع الحرب، ما وصفه بإغراءات قدمتها إليها «قوات الدعم السريع» للانضمام إلى صفوفها، واختارت الوقوف إلى جانب الجيش ضمن المنظومة الوطنية.

وأضاف أن الحرب غيّرت الأوضاع وأخلّت بالترتيبات السابقة، ما يستدعي معالجة الفجوات التي تعترض استكمال المسار الأمني. وشدد على أن هذا المسار يشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، ومراجعة منظومتي الكلية الحربية وكلية الشرطة، ووضع أسس واضحة للاستيعاب والتسريح وإعادة الهيكلة، إلى جانب دمج القوات.

وفي تقييمه للوضع الميداني، رأى مناوي أن القوات المسلحة تمتلك اليد العليا عند النظر إلى مجمل التطورات منذ بداية الحرب، رغم ما تشهده المعارك من كرّ وفرّ. وقال إنه سمع، قبل اندلاع القتال بأيام، أن قائد «الدعم السريع» قدّر عدد مقاتليه بنحو 120 ألفاً، معتبراً أن هذه القوات تراجعت منذ ذلك الحين، وفقدت عدداً من القيادات التي كانت تدير عملياتها.

وأضاف: «طبيعة العمليات العسكرية الآن تختلف تماماً عما كانت عليه في بداية الحرب»، معرباً عن اعتقاده بأن ميزان القوى يرجّح كفة الجيش، وأن الحرب ستصل، مهما طال أمدها، إلى نهايتها.

حوار لا يكرّس الأمر الواقع

وفي الملف السياسي، دعا مناوي إلى إرجاء الحوار السوداني حتى تتوافر الظروف التي تضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع، محذراً من أن تتحول تهيئته إلى وسيلة لتكريس الأمر الواقع الذي فرضته الحرب.

وأوضح أن لقاءه لجنة تهيئة الحوار السوداني، الذي عُقد بدعوة منها، تناول طبيعة مهمتها والوجهة التي تسعى إليها، وأن النقاش مع أعضائها لا يزال مستمراً. وقال إنه أبلغ اللجنة بضرورة مراعاة الأوضاع الميدانية والإنسانية، في ظل استمرار سيطرة «قوات الدعم السريع» على مناطق واسعة، وما يواجهه السكان من نزوح ومعاناة تحدّ من قدرتهم على المشاركة السياسية.

وقدّر مناوي عدد سكان دارفور بنحو 12 مليون نسمة، قائلاً إن من تبقوا في مناطقها المختلفة، وفق تقديراته، أقل من مليوني شخص. وأشار إلى نزوح أعداد كبيرة إلى مناطق أخرى، بينها تخوم الخرطوم وأم درمان، بينما يعيش آخرون أوضاعاً تحول دون مشاركتهم الفعلية في النقاشات والتعبير عن آرائهم بحرية.

حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

وشدد على الربط بين مساري الحوار الداخلي والخارجي، بما يتيح الاستماع إلى مختلف الآراء والمواقف، مع تفضيله عقد الحوار داخل السودان متى تهيأت الظروف. ورأى أن نجاحه يتطلب بيئة تتوافر فيها مساحة معقولة من الحرية والتكافؤ، بعيداً عن تأثير تفاوت مناطق السيطرة العسكرية.

ضمانات للهدنة ووحدة السودان

وأكد مناوي أنه لا يرفض الهدنة من حيث المبدأ، لكنه يحذّر من تحولها إلى أداة لتثبيت نتائج الحرب وإدامة الانقسام. وقال إن الصراع تجاوز المواجهة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي طبعت ساعاته الأولى، بعدما اتسعت المعارك وتداخلت فيها أطراف وقوى متعددة.

وبحسب مناوي، فإن جهود وقف القتال ينبغي أن تتجاوز مصالح القيادات العسكرية إلى حماية المدنيين ومعالجة القضايا التي تهم السودانيين، مستشهداً بتجارب النزاعات في الصحراء الغربية وليبيا واليمن والصومال.

وتوقف عند أوضاع الفاشر، قائلاً إن أعداداً كبيرة من سكانها غادرت المدينة، وإن المدنيين تعرضوا لانتهاكات خطيرة. وطالب بضمانات حقيقية تتيح عودة المواطنين إلى ولايات شمال دارفور وغرب دارفور وجنوب دارفور، وتكفل أمنهم وحمايتهم.

كما أثار مسألة وجود مقاتلين أجانب في صفوف «قوات الدعم السريع»، زاعماً أن نسبتهم تبلغ، وفق تقديراتهم، نحو 60 في المائة، ومطالباً بمعالجة هذه القضية ضمن أي ترتيبات للهدنة.

مستشفى الفاشر إثر إصابته بالمعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (صفحة حاكم دارفور- فيسبوك)

وحذّر من مشروع «تأسيس» وإعلان مؤسسات موازية، معتبراً أن قيام سلطة موازية يهدد بتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي ووجود حكومتين في بلد واحد. وشدد على ضرورة توفير ضمانات تحول دون تقسيم السودان بالقوة العسكرية أو بفعل طموحات خارجية.

وقال إن أي تغيير في شكل الدولة أو نظام الحكم يجب أن يستند إلى إرادة شعبية حرة، عبر برلمان منتخب، وإن الهدنة ينبغي أن تكون مدخلاً لحماية المدنيين واستعادة الاستقرار ووحدة البلاد، وألا تصبح غطاءً لإدامة الانقسام.

أبعاد إقليمية وتدخلات خارجية

ورأى مناوي أن الحرب تجاوزت إطارها الداخلي وأصبحت ذات أبعاد إقليمية، بفعل تداخل المصالح والتدخلات الخارجية وحركة المقاتلين والسلاح بين دول المنطقة.

وفي حديثه عن العلاقة مع تشاد، قال إنه يتواصل شخصياً مع عدد من مسؤولي حكومتها، لكن بصورة غير رسمية. واعتبر أن موقف النظام التشادي ربما تأثر بمواقف الدول الراعية أو الداعمة لأطراف الحرب، مع تشديده على التمييز بين الموقف السياسي للحكومة والدور الإنساني الذي أدته تشاد في استقبال اللاجئين السودانيين.

وأضاف أن عجز الدولة السودانية عن بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها وحدودها أتاح مجالاً للتدخلات الخارجية. وقال إن البلاد لا تعيش وضعاً طبيعياً يمكّن حكومة مستقرة من ضبط الحدود والموارد وحماية السيادة، مشيراً إلى ما وصفه بانكشاف المجال الجوي وتحركات الميليشيات عبر الحدود، وارتباط بعضها بدول تدعم أطراف الحرب.

مناوي خلال لقائه أعضاء من الجالية السودانية في موسكو ديسمبر 2024 (صفحته على فيسبوك)

وأكد أن الجهود تتركز على تقليل آثار هذه التدخلات وتجنب تداعياتها، مشدداً على أن مصلحة السودان ووحدته وسيادته يجب أن تشكل أساس التعامل مع المبادرات والضغوط الخارجية.

اتفاق جوبا قابل للمراجعة

وفي شأن اتفاق جوبا للسلام (وقعته الحركات المسلحة عام 2020)، قال مناوي إنه ليس نصاً مقدساً، وإن تعديله أو إلغاءه يظل ممكناً إذا اتفقت الأطراف الموقعة عليه، وفق مقتضيات المصلحة الوطنية.

وأوضح أن تلك الأطراف أصبحت جزءاً من الواقع السياسي والحكومي، وتتحمل مسؤولياتها تجاه البلاد شأنها شأن بقية المكونات. ورفض تصويرها بوصفها مجموعات حصلت على امتيازات خاصة، أو التعامل معها باعتبارها أقل مكانة من غيرها.

وشدد على أن المشاركين في الاتفاق سودانيون يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، وتترتب عليهم واجبات تجاه الدولة، وأنهم جزء من حكومة واحدة ودولة واحدة، وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية أو أصحاب حقوق منقوصة.

الإسلاميون وحدود الإقصاء

وعن خلافه السابق مع تحالف «قوى الحرية والتغيير»، قال مناوي إن من أسبابه طريقة التعامل مع حزب «المؤتمر الوطني» (الحكم في عهد الرئيس السابق عمر البشير) والإسلاميين، موضحاً أنه اعترض على ما وصفه بالاندفاع نحو مهاجمتهم، رغم أنه من أكثر المتضررين منهم.

وأضاف أنه دعا إلى الفصل بين الخلاف السياسي وحقوق المواطنة، معتبراً أن معارضة الإسلاميين لا تبرر تجريد أي سوداني من جنسيته أو مصادرة جواز سفره. وقال إنه فضّل معالجة القضية تدريجياً، والعمل على إنهاء نفوذ التنظيمات التي تهدد التحول الديمقراطي، بدلاً من تبني إقصاء شامل.

وأوضح أن موقفه عرّضه لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، ووصفه بأنه من «الفلول»، لكنه تمسك برأيه. وشدد على أن المرحلة الانتقالية ينبغي ألا تبقى مفتوحة بلا نهاية، بل تفضي إلى انتخابات وحكومة منتخبة ودستور ينظم الحياة السياسية.

وأشار إلى استمرار وجود عناصر «المؤتمر الوطني» داخل الجيش والشرطة والخدمة المدنية، معتبراً أن إنهاء نفوذ الحزب لا يتحقق بمجرد معاداة جميع المنتمين إليه. ودعا إلى إتاحة المشاركة في العملية الانتقالية لكل من لم تصدر بحقه أحكام قضائية، مع إخضاع الجميع للقانون والمساءلة، والاحتكام إلى الدستور والانتخابات لتحديد من يحكم السودان.

المساءلة والحق في العلاج

وفي شأن الرئيس المعزول عمر البشير، فصل مناوي بين المساءلة القضائية والحق في العلاج، مؤكداً أن الوضع القانوني لأي شخص لا يبرر حرمانه من الرعاية الصحية، حتى إذا كان محكوماً عليه ويقضي عقوبة بالسجن.

الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير خلال محاكمته بتهم فساد 31 أغسطس 2019 (رويترز)

وقال إنه سبق أن ناقش مع وزير العدل السابق نصر الدين عبد الباري العقبات التي تحول دون تسليم أشخاص صدرت بحقهم مذكرات توقيف إلى المحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن الوزير شرح له خمسة عوائق قانونية وإجرائية، إلى جانب مسارات بديلة في حال تعذر التسليم، بينها إنشاء محكمة خاصة وفق القانون.

ورأى مناوي أن المحكمة تواجه تحديات سياسية دولية، في ظل المواقف الأميركية والتحركات المعارضة لها في بعض الدول الأفريقية. لكنه شدد على أن تنفيذ الأحكام القضائية لا يتعارض مع ضمان الحقوق الصحية، وأن البشير، إذا كان يعاني مرضاً يستدعي العلاج، ينبغي أن يتلقى الرعاية اللازمة.


جدل مصري بشأن مسؤولية عبد الناصر عن «نكسة 67»

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

جدل مصري بشأن مسؤولية عبد الناصر عن «نكسة 67»

الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر (أرشيفية - أ.ف.ب)

تجدد الجدل في مصر خلال الساعات الماضية، بشأن مسؤولية الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر عن «نكسة يونيو (حزيران) 1967» بعد تصريحات للإعلامي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري حمّل فيها «القيادة العسكرية» مسؤولية الهزيمة، الأمر الذي فجّر «جدلاً سوشيالياً».

وخلال ظهوره في برنامجه التلفزيوني، مساء الخميس، تحدث بكري عن شهادة نسبها إلى الرئيس الأسبق أنور السادات بعد انتصار أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بشأن تحمّل «القيادة العسكرية» مسؤولية «النكسة» وليس الرئيس عبد الناصر، باعتبار أن السادات كان شاهداً على الوقائع خلال تلك الفترة.

وتفاعل متابعون على مواقع التواصل مع كلام بكري، ورأى رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، أن عبد الناصر مسؤول بصفته «القائد الأعلى للقوات المسلحة» حينها، مؤكداً في تدوينة عبر «إكس»، مساء الجمعة، أن هذا الكلام لن يفيد الرئيس الراحل.

وحسب مراقبين، «شكّلت هزيمة يونيو 1967 جرحاً عميقاً في الذاكرة المصرية والعربية، بعدما احتلت إسرائيل سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والجولان السوري». وقالوا إن «أسئلة قرار الحرب والاستعداد والمحاسبة دائماً حاضرة في النقاش العام، ويصبح تحديد المسؤولية عنها مدخلاً متكرراً للخلاف حول تقييم تجربة عبد الناصر وإرثه السياسي».

ويؤكد المدير الأسبق للشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، الخبير العسكري اللواء سمير فرج، لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن «استحضار دروس الماضي والرغبة في فهم وقراءة التفاصيل كافة بشأن (حرب 67) جعلت هناك اهتماماً لافتاً ليس فقط على مواقع التواصل؛ لكن أيضاً بأرض الواقع».

ويوضح أن الأهم من الاهتمام بالترند على مواقع التواصل الاجتماعي، هو التركيز على الدروس التاريخية المستفادة من كل حدث، وهو ما يعده الأهم عند مناقشة أي حدث تاريخي. ويشير إلى أن «الجيش المصري استطاع تجاوز النكسة وتحقيق انتصار كبير في حرب أكتوبر سُجل ضمن أعظم الانتصارات العسكرية في التاريخ الحديث».

جنود إسرائيليون يحتفلون بعد حرب الأيام الستة 1967 (رويترز)

ويقول أستاذ الإعلام بجامعة العاصمة، محمد فتحي، لـ«الشرق الأوسط» إن «النكسة من القضايا التي لم تُقدَّم إجابات كافية عن أسئلتها في وقتها، مما ترك المجال مفتوحاً أمام صراع السرديات، الذي يدافع فيه كل طرف عن روايته».

ويوضح أن «مواقع التواصل الاجتماعي لا تناقش التاريخ بقدر ما تُذكي الصراعات حوله، لأن مناقشة التاريخ لا تتم بمجرد طرح وجهات النظر عبر المنصات». ويلفت إلى أن اهتمام الجمهور بهذا السجال يرتبط بكونه «معركة استقطابية، يدافع فيها كل طرف عن موقفه، وهو ما يجعل الخلاف حول تقييم الماضي سبباً لاستمرار التفاعل وتبادل الردود».

وحسب فتحي، فإن «المشكلة لا تكمن في كثرة استدعاء التاريخ، وإنما في تحويله إلى معركة لإثبات المواقف، بدلاً من أن يكون فرصة لمراجعتها».

كما يلفت إلى أن «استحضار الوقائع التاريخية يفترض أن يفتح المجال لإعادة النظر في التصورات القائمة، بينما يتحول في مثل هذه السجالات إلى وسيلة لتأكيد المواقف التي يتبناها كل طرف مسبقاً».