«أزمة الفَكّة» تؤرق مسؤولي المترو بمصر... وسط رفض لرفع الأسعار

«الهيئة» تدرس زيادة الفئة الأولى من 8 إلى 10 جنيهات

مواطنون ينتظرون قطار المترو في القاهرة (هيئة المترو)
مواطنون ينتظرون قطار المترو في القاهرة (هيئة المترو)
TT

«أزمة الفَكّة» تؤرق مسؤولي المترو بمصر... وسط رفض لرفع الأسعار

مواطنون ينتظرون قطار المترو في القاهرة (هيئة المترو)
مواطنون ينتظرون قطار المترو في القاهرة (هيئة المترو)

أرق حديث الحكومة المصرية عن دراسة رفع سعر تذكرة «مترو الأنفاق» في القاهرة بسبب «أزمة الفَكّة»، عدداً كبيراً من المصريين خلال الساعات الماضية، ودفعهم إلى «طرح حلول، ورفض أي زيادة جديدة تفاقم أحوالهم المعيشية».

الأربعيني المصري أحمد ربيع، الذي يقطن في منطقة غمرة القريبة من رمسيس، ويعمل في جهة حكومية بمنطقة السيدة زينب، تلقى هذا الحديث بـ«رفض شديد». وقال إن «حل أزمة الفكة لا يكمن في زيادة سعر التذكرة، وعلى الحكومة أن تبحث عن حلول أخرى للأزمة».

وأضاف ربيع لـ«الشرق الأوسط» أنه «حال إقرار الزيادة الجديدة، سوف يكلف زيادة يومية قدرها 8 جنيهات، لأنه يشتري في اليوم الواحد 4 تذاكر (فئة 8 جنيهات ذهاباً وإياباً) له ولزوجته، التي تعمل في شركة خاصة بمنطقة باب اللوق بوسط القاهرة» (الدولار يساوي 47.6 جنيه مصري).

وتحدث رئيس مجلس إدارة «الهيئة القومية للأنفاق»، الدكتور طارق جويلي، عن «أزمة كبيرة تؤرق (الهيئة) في العملة الفكة (فئة الجنيه، والخمسين قرشاً)، خصوصاً في فئة التذكرة التي تقدر بنحو 8 جنيهات». وقال في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء: «المطلوب من الهيئة توفير 300 ألف جنيه يومياً (فكة) في الخط الأول، والثاني للمترو». مبرزاً أن «المشكلة في مصلحة (سك العملة) وقد تمت مخاطبتها، وكان ردها أنه لا يوجد استيراد للخامة، لذا من الممكن زيادة جنيهين على التذكرة لتصل إلى 10 جنيهات».

خبراء اقتصاد تحدثوا عن حلول لـ«أزمة الفكة»، بدلاً من زيادة تذكرة «المترو»، إذ قال أستاذ الاقتصاد، العميد الأسبق المؤسس لكلية النقل الدولي، واللوجستيات، الدكتور محمد محمود، إن «أي تسعير يكون عبر حساب التكلفة وهامش الربح، الذي يضمن الصيانة، والتشغيل، بشرط أن تكون التكلفة منضبطة، وليس فيها تحميل للمواطنين، وهيئة مترو الأنفاق تقدم خدمة عامة، وفي حال رفع سعر تذكرة المترو فسوف يتم رفع أسعار باقي وسائل المواصلات، وبالتالي تحدث موجة جديدة من زيارة الأسعار، خصوصاً أن الزيادة المحتملة تبلغ نحو 25 في المائة».

الجنيه «الفكة» سبب أزمة لهيئة «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

وأوضح محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا بد أن يحقق أي تسعير في تذكرة المترو مصلحة الطرفين، الراكب و(هيئة الأنفاق) حتى تستمر الهيئة في دعم المجتمع، عبر توفير خدمة جديدة بسعر مناسب»، وعبر عن رفضه لـ«حديث المسؤول الحكومي»، وعدّه «كلاماً غير منطقي»، طارحاً بدائل مثل «تعميم عمل الاشتراكات بدلاً من التذاكر، أو عمل تذكرتين ذهاباً وعودة بـ15 جنيهاً، وبذلك نحد من أزمة الفكة».

وطبقت الحكومة المصرية في أغسطس (آب) 2024 زيادات على أسعار تذاكر المترو وقطارات السكك الحديدية بنسب تراوحت ما بين 25 إلى 33 في المائة، بعد أسبوع من قرار زيادة أسعار الوقود (بنزين وسولار).

بدوره، طرح خبير الاقتصاد المصري، كريم العمدة، حلولاً لـ«أزمة الفكة»، عبر عمل إعادة توزيع للمحطات على التذكرة من جديد، كأن نجعل مثلاً خمس محطات بـ5 جنيهات، و12 محطة بـ10 جنيهات، أو نعمم (الكارت الذكي)، ويتم وضع (الفكة) فيه لأي مواطن».

وانتقد العمدة تصريح «المسؤول الحكومي»، بقوله لـ«الشرق الأوسط» إنه «ليس تصريحاً سياسياً، وأحدث بلبلة في الشارع المصري، خصوصاً أنه يتعلق بالأسعار».

قطار مترو الأنفاق ينتظر في إحدى المحطات (هيئة المترو)

ومنذ عام 2017 بدأت مصر في زيادة أسعار «مترو أنفاق القاهرة»، بعد ثبات سعر التذكرة على مدار 11 عاماً، ليرتفع سعر التذكرة حينها من جنيه إلى جنيهين، ثم عدلت الأسعار عدة مرات من 2020 وحتى الآن، مع تقسيم التذاكر ليكون تسعيرها مرتبطاً بعدد المحطات، وبات أقل سعر للتذكرة 8 جنيهات.

وبحسب المواطن ربيع فإن «زيادة تذكرة المترو لن تقابلها زيادة في الراتب الذي يتقاضاه»، مُبدياً تخوفه من «زيادة على باقي وسائل الموصلات الأخرى، وباقي مستلزماته المعيشية».

مخاوف ربيع عبر عنها أيضاً رواد «السوشيال ميديا»، مطالبين برفض أي زيادة جديدة. وأوضحوا أن «المترو» هو وسيلة تنقلهم الوحيدة اليومية في ظل ارتفاع أسعار وسائل النقل الأخرى، سواء العامة، أو الخاصة.

وتقدر وزارة النقل المصرية في بيانات رسمية «عدد مستخدمي المترو يومياً بنحو 4.5 مليون راكب».

ولم تكن مطالب رفض تطبيق الزيادة هي الحل الوحيد لرواد التواصل، بل تعدى الأمر لطرح بعض الحلول، التي من بينها تخفيض التذكرة إلى «5 جنيهات» لتفادي «أزمة الفكة». مستندين إلى أن «هيئة مترو الأنفاق تحقق فائضاً في الأرباح».

وكان رئيس مجلس إدارة «الهيئة القومية للأنفاق» قد أكد مساء الثلاثاء أن «الخسائر الحالية لـ(الهيئة) تبلغ 69 مليون جنيه، وسوف يشهد عام 2026 فائضاً». كما لفت إلى أن «خسائر (الهيئة) بلغت في 2021 و2022 ملياراً و380 مليون جنيه، وارتفعت في 2023 إلى مليار و890 مليون جنيه، بينما انخفضت في 2024 إلى 350 مليون جنيه».


مقالات ذات صلة

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

شمال افريقيا الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

تجمع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، السبت، بين توسيع التعاون، وفتح قنوات للتشاور السياسي.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا  من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

محادثات مصرية - أوروبية لتعزيز الشراكة وتطوير التعاون الحقوقي

محادثات مصرية أوروبية جديدة، شملت الحديث عن التعاون الثنائي في مجالات عديدة وترتيبات عقد «القمة المشتركة الثانية»، العام المقبل.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي يوجِّه بتوفير مخزون استراتيجي من احتياجات الدولة (الرئاسة المصرية)

السيسي يوجِّه بتدبير «مخزون استراتيجي» من كافة الاحتياجات تحسباً «لمواقف طارئة»

وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «بدراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من كافة الاحتياجات، لمجابهة المواقف الطارئة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي طفل يخوض في بركة ماء بين الخيام في ضاحية الرمال بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

«خطة طوارئ» مصرية لإنقاذ غزة من الغرق عقب «منخفض جوي»

كثّفت «اللجنة المصرية» في قطاع غزة من تحركاتها الساعية للتخفيف من تداعيات «المنخفض الجوي» الذي تسببت في غرق عدد كبير من الخيام، وتشريد الآلاف من الأسر.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الحكومة المصرية تعلن التقشف بعد حرب إيران (الشرق الأوسط)

ارتياح في مصر بعد إقرار «خطة تقشف حكومية»

لاقى إعلان الحكومة المصرية، الخميس، تبني إجراءات تقشفية لترشيد الإنفاق، ترحيباً من مواطنين وخبراء اقتصاديين، باعتباره ترجمة لمبدأ «تقاسم الأعباء».

رحاب عليوة (القاهرة)

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
TT

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

تجمع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، السبت، بين توسيع التعاون، وفتح قنوات للتشاور السياسي؛ في وقت تراهن فيه حكومة الوحدة «المؤقتة» على دور مصري يساعد في احتواء الانقسام الليبي.

وينظر مراقبون باهتمام بالغ إلى الزيارة، التي جاءت للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، بوصفها الأولى لوزير خارجية مصري منذ 5 سنوات، حيث أجرى عبد العاطي محادثات مع رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، لقيت اهتماماً من وسائل إعلام محلية في غرب البلاد وشرقها.

وحسب حكومة «الوحدة»، ركز اللقاء على توسيع آفاق الشراكة المصرية - الليبية، وتعزيز التشاور السياسي، بما يعكس رغبة طرابلس في الاستفادة من علاقات القاهرة مع مختلف الأطراف الليبية، ودعم المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين معسكري الشرق والغرب الليبيين.

وعلى هامش اللقاء، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الصحي، بحضور وزير الصحة الليبي محمد الغوج ووزير الخارجية المصري. وتستهدف المذكرة تبادل الخبرات والإمكانات، وتوسيع الشراكة بين المؤسسات الصحية، بما يسهم في تطوير الخدمات الطبية، وتحسين مستوى الرعاية الصحية.

ولم تقتصر رسائل طرابلس على التعاون القطاعي؛ إذ أبدى الدبيبة انفتاحاً على دور مصري في معالجة الأزمة السياسية، مؤكداً أن «حكومته تعوّل على علاقاتها بالقاهرة في دعم وحدة البلاد»، في ظل استمرار الانقسام بين سلطتين تنفيذيتين في الشرق والغرب الليبيين.

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

وفي تصريحات نقلتها قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، السبت، قال الدبيبة: «نعول على أصدقائنا وجيراننا وفي مقدمتهم مصر لدعم وحدة ليبيا»، مضيفاً: «لا نمانع أي تدخل إيجابي يصب في مصلحة ليبيا وشعبها»، كما أشار إلى جهود أممية ودولية تشارك فيها القاهرة لدعم المصالحة.

وتزامنت هذه الرسائل مع افتتاح عبد العاطي مقر السفارة المصرية في طرابلس، في خطوة تحمل دلالة دبلوماسية على مستوى التواصل المباشر بين البلدين. ويأتي ذلك بعد سنوات من تعطل الخدمات القنصلية، رغم استئناف البعثة الدبلوماسية نشاطها في العاصمة عام 2021.

وتعود آخر زيارة معلنة لوزير خارجية مصري إلى طرابلس قبل زيارة عبد العاطي إلى 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، حين شارك الوزير السابق سامح شكري في مؤتمر «دعم استقرار ليبيا»، والتقى مسؤولين، في تحرك ارتبط آنذاك بدعم المسار السياسي وإجراء الانتخابات.

ويرى المحلل السياسي حسام فنيش أن «الزيارة تمثل نقلة في مسار العلاقات بين القاهرة وطرابلس»، مبرزاً أنها «تبعث برسالة إلى الليبيين، مفادها أن مصر تسعى إلى بناء شراكة مع مختلف الأطراف، لا حصر علاقاتها في طرف سياسي أو جغرافي واحد بعينه».

تاريخياً، ارتبطت القاهرة بعلاقات وثيقة مع الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، منذ إطلاق عملياته العسكرية عام 2014 ضد الجماعات المتطرفة، غير أن اتصالات مصر مع غرب ليبيا شهدت بدورها توسعاً خلال العامين الأخيرين، عبر لقاءات سياسية وأمنية متعددة.

وفي هذا السياق، استضافت القاهرة أخيراً اجتماعاً ضم قيادات عسكرية وممثلين عن تشكيلات مسلحة من غرب ليبيا، كما استقبل رئيس المخابرات المصرية، حسن رشاد، نائب وزير الدفاع بحكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي ضمن اتصالات، شملت ملفات أمنية وعسكرية.

ويرى وزير الخارجية المصري الأسبق، عضو مجلس الشيوخ محمد العرابي، أن زيارة عبد العاطي تندرج في إطار تحركات القاهرة لتقريب وجهات النظر بين شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى توحيد مؤسسات الدولة، في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم.

وقال العرابي لـ«الشرق الأوسط» إن التحرك المصري يتكامل مع جهود الأمم المتحدة والمبادرات الدولية لتسوية الأزمة، مشيراً إلى أهمية آلية دول الجوار التي تضم مصر وتونس والجزائر، في دعم التوافق بين الأطراف الليبية، ودفع العملية السياسية قدماً فعلياً وبصورة ملموسة.

وربط العرابي هذا الاهتمام باعتبارات الأمن القومي المصري، قائلاً إن «القاهرة تتحرك انطلاقاً من حرصها على استقرار ليبيا، بوصفه جزءاً من أمنها القومي، إلى جانب العمل على الحد من التدخلات الأجنبية، ودعم تسوية تحفظ وحدة البلاد، ومؤسساتها الوطنية الموحدة المستقرة».

ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا لم يغب عن محادثات زيارة وزير الخارجية المصري إلى طرابلس (الرئاسة التركية)

ولم يغب ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا عن محادثات الزيارة، بعد موافقة مجلس النواب الليبي أخيراً على مذكرة التفاهم، الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي خطوة أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية وأوروبية في وقت سابق من جانب القاهرة.

وأعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال بهذا الخصوص: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

ويشير العرابي إلى أن القاهرة لديها رؤى بشأن تداعيات الخطوة البرلمانية الليبية، لافتاً إلى أن «حكومة الدبيبة أبدت تفهماً للشواغل المصرية، بما يتيح مناقشة الملف عبر القنوات المشتركة، بدلاً من ترك الخلافات تتسع في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية المتداخلة والمعنية».

قائد القوات التركية في ليبيا إلى جانب الدبيبة والحداد (الوحدة)

وانتهى وزير الخارجية المصري الأسبق إلى وصف ملف الحدود البحرية بأنه «متشعب»، لارتباطه بالحضور التركي في ليبيا، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، لكنه تحدث عن «وجود إرادة سياسية لمعالجة الخلافات، بما يحفظ المصالح المصرية والليبية، ويفتح المجال أمام تفاهمات أوسع مستقبلاً بين البلدين».


هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

أثار مقترح قدمته حكومة الوحدة «المؤقتة» بشأن تخفيض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين في ليبيا انتقادات واسعة، في خطوة رأى مراقبون أنها «لم تبدد الغضب حول فجوات الأجور».

وتضمَّن المقترح الذي أعدته وزارة المالية تحديد سقف مقطوع لبعض كبار المسؤولين والوزراء، ورؤساء الهيئات السيادية والرقابية والقضائية، عند 9 آلاف دينار شهرياً.

لكن عدداً من المراقبين يرون أن «جوهر الاستياء لا يرتبط بحجم التخفيض وحده؛ بل بقناعة قطاع من الليبيين بأن شريحة من النُّخب وكبار المسؤولين لا تعتمد في مستوى معيشتها على الرواتب الرسمية؛ لأنها تستفيد أيضاً من امتيازات وبدلات ومخصصات إضافية».

ووفقاً لوزير الاقتصاد والتجارة السابق بحكومة «الوحدة»، محمد الحويج، فإن «صافي راتب الوزير يصل حالياً إلى 10 آلاف دينار شهرياً»؛ مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض الوزراء «يضاعفون هذا الرقم عبر علاوات السفر والسكن والمهام الخارجية».

وتثير هذه الامتيازات تساؤلات حول قدرة خفض الراتب الأساسي على تقليص إجمالي مداخيل المسؤولين؛ خصوصاً في ظل تراجع القوة الشرائية للدينار، علماً بأن سعر صرف العملة يتفاوت بين السعر الرسمي البالغ نحو 6.40 دينار للدولار، و«السوق الموازية» التي يقترب فيها من 10 دنانير.

جلسة مجلس النواب الأسبوع الماضي تناولت مستجدات الإضرابات المطالبة برفع الرواتب (المكتب الإعلامي للمجلس)

ردود أفعال ساخرة

وأثار الحديث عن رواتب المسؤولين تعليقات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وفي هذا السياق تساءل الإعلامي الليبي أحمد السنوسي عن كيفية تعامل بعض الوزراء مع مقترح التخفيض، مبرزاً أن قطعة من ملابسهم أو أحذيتهم الفاخرة قد تصل قيمتها أحيانا إلى 900 يورو.

من جهته، توقف المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ عند قناعة الشارع، بأن «النخب لا تعتمد على رواتبها الرسمية»، معتبراً أن ذلك يفسر السخرية من التخفيض. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يحصل عليه هؤلاء من رواتب خلال سنوات لا يتناسب مع مستوى معيشتهم المرتفع، وبالتالي لن يكترثوا لأي قرار مالي».

ومن زاوية اقتصادية، رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن خفض الرواتب «ليس هيناً»، لافتاً إلى أن راتب رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه قد يتراجع من نحو 25 ألف دينار إلى 9 آلاف دينار شهرياً.

لكن الشريف أشار إلى أن كبار المسؤولين «يمثلون في النهاية أقل من 2 في المائة من العاملين بالدولة»، معتبراً أن تقليص دخولهم لن يؤدي وحده إلى تحسن ملموس في الوضع الاقتصادي. كما حذر من تعويض التخفيض بالعلاوات، لافتاً إلى أن علاوة التمييز على الأداء لبعض الهيئات تصل إلى 70 في المائة.

حكومة الدبيبة قدمت مقترح خفض رواتب كبار المسؤولين بسبب فجوات الأجور بين العاملين في المؤسسات الحكومية (الوحدة)

في المقابل، انتقلت الانتقادات إلى الرواتب الأساسية المقترحة لبقية الموظفين؛ إذ حدد المقترح ألف دينار للدرجة الوظيفية الأولى، و1710 دنانير للدرجة الثامنة، وصولاً إلى 4912 ديناراً للدرجة السادسة عشرة، ما أعاد النقاش إلى مدى كفاية الأجور.

وانتقد الحويج هذه المستويات، معتبراً أن «الأجور لا تكفي الاحتياجات الضرورية؛ خصوصاً أن نحو 40 في المائة من السكان تحت خط الفقر»، لافتاً إلى أن الرواتب -وفق تقديره- تتراوح بين ما يعادل 100 دولار و430 دولاراً شهرياً.

وعزا المحلل السياسي حسام الدين العبدلي اعتراض الشارع على هذا الجدول المقترح إلى عدم تلبيته مطالب ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «النقابات لم تركز على تخفيض رواتب النواب من 16 ألفاً إلى 9 آلاف دينار، بقدر تركيزها على الزيادة الضئيلة الممنوحة لها».

«الأزمة لا تكمن في راتب المسؤول»

من منظور أوسع، انتقد وزير الشؤون الاقتصادية السابق بحكومة «الوحدة» سلامة الغويل، اختزال معالجة ملف الأجور في «تخفيض رواتب الوزراء والنواب وسائر أركان السلطة، وإبراز تقليص الفارق بين دخولهم وعموم المواطنين».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «علاج الملف يتطلب برنامجاً متكاملاً للإصلاح الاقتصادي والإداري والاجتماعي يربط الأجر بالإنتاج، ومن قبل هذا وذاك معالجة الانقسام السياسي والحكومي، وما خلَّفه من تضخم في أعداد العاملين بالدولة».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس غرباً، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

الحويج اعتبر أن «الأجور لا تكفي الاحتياجات الضرورية» للمواطنين الذين يشتكون من الغلاء المتواصل (أ.ف.ب)

ورغم عدم تأييده تضخُّم رواتب كبار المسؤولين، انتقد الغويل خفضها «بشكل غير مدروس، لا يراعي خصوصية المنصب ومتطلبات العمل العام»، مؤكداً أن «الأزمة لا تكمن في راتب المسؤول؛ بل في كيفية تحقيق الكرامة المعيشية للجميع».

وتكشف أرقام رسمية حجم العبء الذي يمثله بند الأجور في ميزانية الدولة الليبية؛ إذ استحوذت مرتبات نحو مليونين ومائتي ألف موظف خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري على نحو 60 مليار دينار، بما يعادل نحو 68 في المائة من إجمالي الإنفاق العام البالغ 88.6 مليار دينار.


محادثات مصرية - أوروبية لتعزيز الشراكة وتطوير التعاون الحقوقي

 من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)
من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)
TT

محادثات مصرية - أوروبية لتعزيز الشراكة وتطوير التعاون الحقوقي

 من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)
من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

محادثات مصرية أوروبية جديدة شملت الحديث عن التعاون الثنائي في مجالات عديدة وترتيبات عقد «القمة المشتركة الثانية»، العام المقبل.

وأفادت «الخارجية المصرية» في بيان، السبت، بأن اتصالاً هاتفياً جرى بين وزيرها بدر عبد العاطي، والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، تطرق إلى «الطفرة التي تشهدها العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي».

وأكد عبد العاطي أهمية العمل على جذب مزيد من الاستثمارات الأوروبية إلى مصر، وتيسير نفاذ الصادرات المصرية إلى الأسواق الأوروبية، وتعزيز شراكات القطاع الخاص.

ويمثل الاتصال الهاتفي «مؤشراً مهماً على حيوية العلاقات المصرية الأوروبية، وحرص الجانبين على مواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية والشاملة، في لحظة إقليمية ودولية تزداد فيها التحديات»، وفق ما يرى مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط».

وأكد «أن نجاح المحادثات المصرية الأوروبية يتطلب البناء على الزخم السياسي القائم، وتحويل التفاهمات الاستراتيجية إلى برامج تنفيذية ومصالح متبادلة قابلة للقياس».

قمة استراتيجية

ووفقاً لبيان «الخارجية المصرية»، تناولت محادثات القاهرة وبروكسل «الترتيبات الجارية تحضيراً لانعقاد القمة المصرية الأوروبية الثانية المقرر أن تستضيفها مصر العام المقبل».

وعُقدت القمة المصرية الأوروبية الأولى في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في مدينة بروكسل ببلجيكا، بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي وقادة الاتحاد الأوروبي، وأسفرت عن تجديد التزام التكتل بدعم مصر بحزمة مالية شاملة بقيمة 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027، والتي سبق أن تم إقرارها في مارس (آذار) 2024.

وتكتسب القمة المصرية الأوروبية الثانية، بحسب حجازي، «أهمية سياسية واستراتيجية خاصة، فهي ليست مجرد محطة بروتوكولية لاستعراض ما تحقق، وإنما فرصة لإعادة تقييم الشراكة وتحديد أولوياتها للسنوات المقبلة، ووضع آليات واضحة للانتقال بها إلى مستوى أكثر عمقاً وتأثيراً».

ويؤكد حجازي «ضرورة أن تنتهي القمة ببرنامج عمل محدد، يتضمن مشروعات استثمارية ذات أولوية، وجداول زمنية للتنفيذ، وآليات للمتابعة والتقييم، بما يضمن ألا تظل الشراكة حبيسة البيانات والاتفاقات، وإنما تتحول إلى واقع يشعر به المواطن والاقتصاد في الجانبين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ولم تخل المحادثات المصرية الأوروبية من التطرق للأزمة بين طهران وواشنطن الممتدة منذ فبراير (شباط) الماضي وتأثيراتها على القاهرة «والجهود المبذولة لاحتواء التوتر واستعادة التهدئة في ظل التصعيد العسكري الذي قد تشهده المنطقة»، وفق البيان المصري.

وشدد الوزير المصري،«على ضرورة ضمان حرية وسلامة الملاحة بالممرات الملاحية الدولية»،محذرا من«التداعيات الخطيرة لأي تهديدات تستهدف الممرات البحرية الحيوية علي أمني الطاقة والغذاء، لاسيما وأن مصر تعد من أكبر مستوردي الحبوب، وفي مقدمتها القمح، في العالم».

كما أن حرية الملاحة وسلامة خطوط التجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس والخليج «تمثل مصلحة مشتركة لمصر وأوروبا وللاقتصاد العالمي بأسره»، وفق حجازي.

تعاون حقوقي

ولم يتوقف الحوار المصري الأوروبي على قضايا الاقتصاد والتوترات، وامتد لأول مرة منذ فترة كبيرة للشق الحقوقي.

واستقبل «المجلس القومي لحقوق الإنسان»، السبت، وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي لدى القاهرة، لبحث سبل تعزيز التعاون والشراكة بين الجانبين، ومناقشة عدد من القضايا والموضوعات ذات الاهتمام المشترك في مجال حقوق الإنسان.

وتناول اللقاء بحسب بيان للمجلس «تبادلاً لوجهات النظر بشأن عدد من القضايا والموضوعات المتصلة بحقوق الإنسان، واستعراض الرؤى حول مجالات التعاون التي يمكن البناء عليها لتعزيز التواصل وتبادل الخبرات بين الجانبين».

ويرى حجازي «أن اللقاء خطوة إيجابية تعكس أهمية استمرار الحوار المؤسسي بين مصر وشركائها الأوروبيين». وأكد «أن تطوير الشراكة المصرية الأوروبية في مجال حقوق الإنسان، ينبغي أن ينطلق من إدراك متبادل لخصوصية السياقات الوطنية، واحترام أولويات الدولة المصرية وتحدياتها التنموية والأمنية، مع الإيمان بأن حماية الحقوق والحريات وتعزيز كرامة الإنسان، مسؤولية وطنية ومجتمعية مستمرة، تتطلب تطوير المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتوسيع مساحات المشاركة، وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى جانب الحقوق المدنية والسياسية».