بند واحد في جدول الأعمال... إهانة رفيق الحريري

النائب والوزير السابق باسم السبع يروي قصة لقاء «التمديد للحود» بين رئيس الوزراء اللبناني والرئيس السوري وقادة أجهزة استخباراته

الرئيس الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)
الرئيس الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)
TT

بند واحد في جدول الأعمال... إهانة رفيق الحريري

الرئيس الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)
الرئيس الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط» الحلقة الثانية من كتاب السياسي اللبناني باسم السبع، ويروي فيه فصولاً من العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري وأركان الحكم في سوريا. يحمل الكتاب عنوان «لبنان في ظلال جهنم - من اتفاق الطائف إلى اغتيال الحريري» (من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر).

شغل السبع لسنوات مستشاراً لرفيق الحريري، وفاز بعضوية مجلس النواب اللبناني من العام 1992 وحتى العام 2009. كما شغل منصب وزير للإعلام في حكومة الحريري بين العامين 1996 و1998. وهو ينتمي إلى «تيار المستقبل» ومن أقطاب «تيار 14 آذار».

غلاف الكتاب

**

عنجر... الباب العالي

يتطلّب ذهاب السياسيين إلى دمشق المرور الإلزامي في بلدة عنجر. أقيم في تلك البلدة البقاعية الأرمنية، لأكثر من ثلاثين سنة، المقرّ الخاص لقيادة المخابرات السورية على مقربة من الحدود الشرقية. هذه القيادة تعاقب عليها اللواء محمد غانم من العام 1976 إلى العام 1982، واللواء غازي كنعان من العام 1982 إلى العام 2001 واللواء رستم غزالة من العام 2001 إلى موعد الانسحاب العسكري السوري بعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005.

اتّخذ اللواء غانم من بيروت أيضاً مقرّاً لقيادته، ليكون على قرب من قيادة قوات الردع العربية التي تشكّلت في القمة العربية في القاهرة للإشراف على قرار عربي بإنهاء الحرب الأهلية. بين العام 1976 والعام 1979، انسحبت الوحدات العسكرية العربية المشاركة في قوّات الردع تباعاً، وانفردت القوّات السورية بالساحة اللبنانية، بعديدها الذي بدأ بـ25 ألف جندي ووصل إلى 40 ألفاً.

دخول القوّات السورية إلى لبنان سبق إنشاء قوّات الردع العربية. تمَّ تحت غطاء جيش التحرير الفلسطيني بدعوى تصحيح مسار منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. حصل الدخول على غطاء شرعي في مارس (آذار) 1976، من خلال طلب رسمي تقدّم به الرئيس اللبناني سليمان فرنجية من الرئيس حافظ الأسد، للتدخّل عسكريّاً ووقف هجمات المنظّمات الفلسطينية والميليشيات اليسارية ضدّ المناطق المسيحية.

الرئيس حافظ الأسد

(...) تسلّم غازي كنعان مسؤولية المندوب السامي السوري في لبنان، بعد أشهر قليلة على مذبحة مدينة حماة السورية، التي أسفرت عن آلاف القتلى واجتثاث حركة الإخوان المسلمين (...). بقي كنعان في هذا الموقع طوال عشرين سنة، متّخذاً من منزل معزول عن الأحياء السكنية في بلدة عنجر في البقاع اللبناني، مقرّاً لقيادته في موازاة المقرّ الدائم في الرملة البيضاء الذي اعتُبر لسنوات طويلة بمثابة الممثلية الأمنية لعنجر في بيروت.

زرت عنجر منفرداً وبرفقة الحريري مرّات عدّة لا تتجاوز عدد أصابع اليدين. توقفت في تلك الزيارات على سلوك كنعان معي، فلم أسجّل أي خروج على حدود اللياقة ومحاولة الاستقواء بموقعه في تعامله السياسي. لكنني لاحظت تعمّده في تكريم بعض الزائرين وتحقير آخرين، بينهم نوّاب ووزراء ورجال أعمال ودين.

غازي كنعان يتحدث وبجانبه رفيق الحريري عام 2002 (إ.ب.أ)

من النادر جدّاً، لأي مسؤول لبناني أو شخصية تعمل في الشأن العام، أن يذهب إلى دمشق، من دون أن يمرّ بديوانية اللواء في عنجر، سواء أكان كنعان حاضراً أم غائباً عن الديوانية. التقيت عنده رؤساء كتل نيابية ووزراء من الصفّ الأوّل، وقادة أمنيين، ورجال قضاء، ومشايخ ومطارنة ومفتين، وأساتذة جامعيين، ومديري مصارف وسيّدات أعمال وخلافه من طالبي الرضا والتوسّط لتمرير مخالفة في وزارة أو إدارة رسمية.

توقّفت ديوانية غازي كنعان عن استقبال الزائرين أوائل العام 2001، بعدما أصدر الرئيس بشّار الأسد أمراً رئاسيّاً يعيده إلى دمشق. وولّى مكانه رستم غزالة بإسنادٍ مباشر من آصف شوكت بعد تعيينه نائباً لمدير الاستخبارات العسكرية، أحد أهم فروع أجهزة المخابرات في سوريا، والباب الذي شرع أمامه لأن يصبح شريكاً مضارباً للواء كنعان في الملفّ اللبناني.

آصف شوكت، شخصية أحاطها الالتباس منذ بدأ اسمه يتردّد في الصالونات الشامية، كضابط يطمح للزواج من بشرى ابنة حافظ الأسد. (...) نافس آصف شوكت، بعد أن اشتدّ عُوده في بداية عهد بشّار، غازي كنعان على الملفّ اللبناني، ووجد في رستم غزالة ضالّته، لتحقيق مأربه في إبعاد كنعان، الذي اشتغل على التقدّم من بشّار بشهادات حسن سلوك، تلبّي أوامره المتعلّقة بلبنان، ومنها ممارسة الضغط على الحريري لانتخاب لحّود رئيساً ثم التمديد له ثلاث سنوات.

بقي اسم آصف شوكت بالنسبة إليّ، محلّ استطلاع إلى حين تجرأ إميل لحّود على مطالبة بشّار الأسد بتغيير غازي كنعان، والحديث عن التحاق اللواء جميل السيّد بخيمة آصف في مرابض آل الأسد.

كان لهذا الاسم وقع القنبلة الصوتية في حياتي الشخصية والسياسية، ألقاها شاب لبناني في منزلي أوائل العام 2001 بعد فوزنا في الانتخابات النيابية، وتأهّل رفيق الحريري لإعادة تشكيل حكومته الأولى تحت وصاية بشّار الأسد.

مسؤول الاستخبارات السورية في لبنان رستم غزالة (أ.ف.ب)

حضر شاب إلى منزلي في محلّة بئر حسن، حيث أستقبل يوميّاً الأصدقاء وطالبي الخدمات في خلال فترة الصباح. طلب الشاب من مرافقي مقابلتي على انفراد، بعد أن أنهيت لقاءاتي الصباحية وقمت بتبديل ثيابي استعداداً للمغادرة. استقبلت الشاب في الصالون، فيما وقف المرافق عند المدخل بحالة استنفار تأهّباً لأي طارئ. الضيف يزورنا للمرّة الأولى ولاحظ أن طلبه الانفراد بي أثار حساسية مرافقي، فبادر إلى معالجتها ملتفّاً على نفسه كاشفاً عن وسطه قائلاً: «أنا في ضيافة الأستاذ لرسالة سياسية. لا أحمل أي سلاح، أريد الاجتماع به على انفراد».

الشاب طويل القامة، حنطي اللون، رياضي الجسم، أنيق الملبس، لهجته لبنانية بخلفية جنوبية. ارتاح إلى الخلوة واسترسل: «ليس المهم أن تعرف اسمي (قال إنه يُعرف باسم خالد). المهم أن تعرف هدف رسالتي (...) أنا أستطيع بكل تواضع أن أفتح للرئيس رفيق الحريري باباً على اللواء آصف شوكت (...) علاقتي باللواء آصف أكبر مما تتصوّر. أنا معه من أهل البيت (...) ويمكنني أن أقوم بدور إيجابي لمصلحة الرئيس الحريري (...) هو الآن أقرب شخص إلى بشّار، والوحيد الذي يمكن أن يفتح الأبواب للرئيس الحريري. جرّبني ولن تخسر. دور خدّام انتهى، والعماد الشهابي استقال، واللواء كنعان على الطريق».

(...) هرعت إلى قريطم. مجرد أن أنهى الرئيس (رفيق الحريري) اجتماعاً في مكتبه، دخلت عليه وأقفلت الباب (...) رويت له بالتفصيل المملّ ما حصل (...) طلب السنترال: «اطلب لي يا ابني اللواء كنعان... سنرى ردّ فعله. اللواء كنعان على الخط». أبلغه الحريري: «باسم سيتوجّه إلى عنجر لإطلاعك على أمر مهمّ». رد كنعان أنه سيكون خارج المكتب ويفضّل ذهابي للقاء العميد غزالة في مكتبه. «سأتصل به فوراً وأبلّغه انتظار باسم».

باسم السبع مع الرئيس رفيق الحريري في مجلس النواب ببيروت قبل ساعة من الانفجار الذي أودى بحياة رئيس الحكومة السابق عام 2005 (أرشيف باسم السبع)

توجّهت إلى مقرّ المخابرات السورية في الرملة البيضاء. وجّهني عنصر أمني للقاء غزالة. تقدّم لاستقبالي وجلسنا أمام مكتبه وأحدنا في مواجهة الآخر. كرّرت الرواية بتفاصيلها. انتقل إلى خلف المكتب، وطلب اللواء كنعان على الخط العسكري وقوفاً. حمل السمّاعة بيد وخصص الثانية لتحية عسكرية استمرت طوال المكالمة. أطلعه على التفاصيل وراح يردّد: «أمرك سيّدي... أمرك سيّدي». استدار نحوي قائلاً: «راجع لعندك هذا الكلب بكرا (غداً)؟ ... شكراً لتعاونك معالي الوزير. أتمنّى أن تستقبله وتطلعني إذا كانت هناك مستجدّات».

حزمت قلقي وخرجت قاصداً قريطم من جديد. وضعت الحريري في تفاصيل الاجتماع، وعدت إلى منزلي أنتظر قدوم اليوم التالي والشاب خالد. وصل خالد بعد الانتهاء من استقبالاتي الصباحية. فتحت له الباب في حضور زوجتي. ما كادت قدماه تطأ مدخل الصالون حتى وجدت رستم غزالة يقتحم مدخل المنزل مع شابين مسلّحين، فيما أنا أهمّ في إقفال الباب. انقض عليه بعصا غليظة. أشبعه ضرباً على رأسه وظهره وطرفيه بما ملك زنده من قوة. طلب إلى مرافقيه «نقل الكلب إلى السيارة... سيرى ماذا يعني التطاول على أسياده». شكرني وغادر مسرعاً، وتركني في حالة ذهول، قادتني على وجه السرعة إلى قريطم.

لم يتوقّع الحريري أن يكون ردّ فعل رستم غزالة بهذا الشكل. أبديت خشيتي من أن أكون قد تورّطت في صراع بين جناحي مخابرات سورية. اتصل بغزالة مستفسراً، وطلب مني أن أذهب للقائه. وقف وراء مكتبه وبيده العصا التي هاجم بها غريمه، وأغدق عليّ كلمات الشكر والثناء. أوضحت له هاجسي ممّا حصل، فقال: «لا داعي للخوف، لقد نال جزاءه ولن تقوم له قيامة قبل عشر سنوات، إلى أن يتعفن في السجن ويأكله الدود». اطمئن، أصبح في عهدة الشرطة العسكرية. هو شخص نكرة لا علاقة له مع أي شخص في القيادة.

لازمني القلق أشهراً عدّة وشعور بالذنب مما حصل مع الشاب خالد. هل تمت تصفيته أم أنه فعلاً نُقل إلى السجن؟

الرئيس رفيق الحريري يحيي مناصريه وبجانبه باسم السبع (أرشيف باسم السبع)

المندوب السامي السوري

(...) طوى الانغماس في المتغيّرات السياسية وما اقتضته من مواجهات إعلامية، قصة هذا الشاب عن جدول اهتمامي، إلى حين الإعلان عن تشكيل اللواء غازي كنعان، لتولّي مسؤولية الأمن السياسي في دمشق، وتسليم مَهمّات المندوب السامي في لبنان لمساعده رستم غزالة. أحدثت تسمية غزالة لترؤس جهاز الأمن والاستطلاع للقوات السورية في لبنان، تعديلاً في حسابات رفيق الحريري، الذي وجد في التعامل مع كنعان تكاملاً لعلاقته بالعماد حكمت الشهابي وعبد الحليم خدّام. انسحب الشهابي من المشهد العسكري والسياسي ورفض التمديد له في هيئة رئاسة الأركان في العام 1998، مع الانتفاخ المتدرج لتدخّل بشّار الأسد في إدارة شؤون السلطة، والتراجع المدروس لدور والده.

(...) احتفل رستم غزالة بالجلوس على عرش عنجر، وبقي يتقبّل التهاني لمدّة ثلاثة أيام في دارة تبعد مئات الأمتار عن المقرّ الذي أقام فيه كنعان زهاء عشرين سنة. نشطت مراكز المخابرات السورية في الحمراء والضاحية الجنوبية وطرابلس والمتن الشمالي، في استنفار القوى الحزبية اللبنانية وشخصيات اقتصادية وقضائية وأمنية وإعلامية، للقيام بواجب التهنئة والانتظام في صفوف طويلة لنيل بركة ولي أمر اللبنانيين الجديد.

لحود والحريري... علاقة إشكالية بين الرئيس اللبناني ورئيس وزرائه (أ.ف.ب)

أما كنعان، فكانت له جولات وداعية وحفلات تكريم رافقه إليها غزالة، بدأت في القصر الجمهوري، حيث قلّده الرئيس إميل لحّود وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط كبير «تقديراً لعطاءاته من أجل لبنان»، ونظّم له الحريري لقاءً تكريميّاً في السراي الحكومي حضره إلى غزالة، أمين عام مجلس الوزراء سهيل البوجي، ومحافظ بيروت يعقوب الصراف ورئيس بلدية بيروت عبد المنعم عريس، الذي سلّمه «مفتاح مدينة بيروت عربون وفاء وتقدير». ومن السراي توجّه كنعان إلى وزارة الدفاع في اليرزة، حيث قلّده وزير الدفاع خليل الهراوي وسام التقدير العسكري من الدرجة الفضية.

(...) علم الحريري أن قرار إبعاد كنعان، لم يكن بعيداً من النتائج السرّية للقمة اللبنانية - السورية، وتقاطعت عليه مصالح إميل لحّود وجميل السيّد وآصف شوكت ورستم غزالة. عبّر لحّود عن انزعاجه من دور كنعان في الانتخابات النيابية، ومشاركته الحريري احتفال بلدة الخيارة في البقاع الغربي. وترجم الانزعاج بكلام مباشر مع الرئيس بشّار يطالبه بتغيير كنعان، فيما كان جميل السيّد يحفر مع شوكت «لإعادة غازي إلى حجمه الطبيعي».

خصوم الحريري في المعادلة اللبنانية - السورية المشتركة، اجتمعوا على قصّ أجنحة كنعان مستفيدين من تقلّص دور خدّام وانسحاب الشهابي. أسقطوا بيدقاً سوريّاً مقرّباً منه، وأعدّوا له بيدقاً للهجوم والتواطؤ اسمه رستم، مؤهّل بصفات الابتزاز السياسي والمالي والأمني لأداء أقذر الأدوار.

بعد أيام على تكليفه، قصد غزالة الرئيس الحريري بطلب خاص. أرسل إليه أبو طارق فعاد بلائحة أدرج فيها حاجات القيادة الجديدة الملحّة. تأمين منزل لإقامة غزالة في بلدة شتورة وتأهيل الطريق إليه، وإنشاء مراكز حراسة أمام المدخل، وتوفير مستلزمات الإقامة من غرف نوم وصالونات ومكتب وأجهزة تبريد وتلفزة وكل ما يتطلبه منزل لقائم مقام بشّار الأسد في لبنان.

موقع تفجير موكب الحريري في بيروت (أ.ب)

(...) ارتاح غزالة في منزله الجديد واعتمده مقرّاً لتأليب المواقف على الحريري، من دون أن يضع أي اعتبار أخلاقي لإقامته في البيت الذي وُهب كلّ ما فيه من الحريري.

تسنّى لي التعرّف على هذا البيت أواخر العام 2004، في طريق العودة مع الحريري من دمشق، بعد أسابيع على محاولة اغتيال مروان حمادة بسيارة مفخّخة. استقبلنا غزالة بحرارة استخدمها لنفي أي علاقة له في العمل على التمديد للحّود، وغلّفها بكلام مباشر عن محاولة اغتيال حمادة، وتأكيده أن سوريا يستحيل أن تغطي جريمة كهذه، على الرغم من المواقف المستجدة لوليد جنبلاط والحملات التي تستهدف دور القوّات السورية ودعواته المتكرّرة إلى إعادة الانتشار، ملاحظاً أن «معالي الوزير السبع يدلي بمواقف عنيفة لكنه لا يهاجمنا...». علّق الحريري في إطار مازح قائلاً: «ماذا يمكن أن نفعل يا بو عبدو... صوفتكم حمرا مع الدروز».

شيّعنا غزالة إلى خارج المنزل، حيث اصطف الموكب وفتحت الباب الأمامي للسيارة التي يقودها الحريري، منتظراً انتهاءهما من حديث على الواقف استمر نصف دقيقة. ناداني بعدها غزالة قائلاً: «أخ باسم، كن مطمئناً. لا تخف من شيء. لن نسمح أن تتعرض لأذى ما فعلوا مع مروان. أخوك أبو عبدو موجود ساعة تريد».

رافقتنا الدهشة إلى السيارة. قال الحريري: «هل سمعت ماذا قال...؟ مجنون هذا الرجل! إما أنه غبي أو أنه يهدّدك». أجبت: «الكلام موجّه إليك دولة الرئيس على طريقة احكي مع الكنّة تسمع الجارة».

نال غزالة نصيبه من أمجاد المخابرات السورية في لبنان، وحصد ثروة لم تنحصر بما جمعه من الحريري وسياسيين ورجال أعمال وطالبي خدمات، وقد كان يقبض شهريّاً من الحريري مبلغ خمسين ألف دولار، وفق معلومة عبد اللطيف الشمّاع المؤتمن على توزيع هبات الحريري ومساعداته، بل تخطّتها إلى المشاركة في نهب بنك المدينة، لصاحبه السعودي اللبناني الأصل عدنان أبو عيّاش ومديرته التنفيذية رنا قليلات (...).

صورة تجمع (من اليمين) فارس بويز، رفيق الحريري، فاروق الشرع، الياس الهراوي، عبدالحليم خدام وغازي كنعان (غيتي)

أصابت فضيحة بنك المدينة اللواء غازي كنعان بشظايا رافقته إلى دمشق لتسلّم مهامه رئيساً لجهاز الأمن السياسي، وانقطع بعد ذلك عن المشهد السياسي اللبناني والملف الخاص بالتمديد للرئيس لحّود الذي انفرد غزالة في التسويق له.

لكن الحريري لم ينقطع عن التواصل معه فبادر إلى زيارته في مكتبه بعد أقل من شهرين على تسلّمه منصبه الجديد. كانت زيارتنا محل تقدير منه، وإن بدا في حالة انكسار وضمور معنوي عكستها نبرات صوته، والإيحاء بأنّ: «العمل هنا لا يتطلب جهداً كبيراً... هذه فرصة لكي نرتاح قليلاً». توجّه إلى الحريري قائلاً: «لقد قدّمت الكثير للبنان وسوريا يا دولة الرئيس. ظلمناك في بعض الأوقات، لكن أكتافك عريضة، وللظروف أحكام أنت تتفهّمها».

ومن باب التفهّم، اجتنب الحريري أي كلام عن رستم غزالة، بمثل ما تحاشى كنعان الإتيان على ذكره من قريب أو بعيد، خلافاً لغزالة الذي كان يتعمّد في لقاءاته، الكلام باستخفاف عن رئيسه السابق.

بعد تلك الزيارة، التقى الحريري كنعان مرتين. الأولى في مكتب بشّار الأسد في قصر الشعب. والأخرى في منزل خدّام في دمشق لرفع الأضرار التي نجمت عن المرّة الأولى.

فشرت (أي الحريري) أنت وشيراك وكلّ الأميركان. سوريا تاج راسك (...) سيادته يقول تمديد يعني تمديد

رستم غزالة

الرئيس بشار الأسد مجتمعاً بلحود وبري والحريري (غيتي)

التمديد للحود... اشتباك سياسي

بلغ الاشتباك السياسي حول التمديد للحّود بداية العام 2004، حدوداً غير مسبوقة، كشفت انقسام البلاد على متغيّرات جوهرية في خريطة التحالفات السياسية، وانكسار هيبة التدخّل السوري في الشأن اللبناني. صدر عن مجلس المطارنة الموارنة بيان عنيف يعلن رفض التمديد والتلاعب بالدستور، جاء فيه: «إن سوريا تتعاطى مع لبنان كأنه إقليم سوري، فهي تأمر وتنهي وتعيّن الحكّام وتنظّم الانتخابات، فتأتي بمن تشاء وتبعد من تشاء وتتدخّل في جميع مرافق الدولة». وصرّح الحريري: «إن لبنان متّجه إلى أفق مسدود إذا لم يتغير أسلوب الحكم القائم». تحرّكت في موازاة ذلك ماكينة وليد جنبلاط لحشد القوى السياسية المناهضة للتمديد وفي مقدّمها لقاء قرنة شهوان المسيحي.

في أوائل مارس (آذار) من العام ذاته، في أعقاب صدور عريضة وقّع عليها سبعمائة مثقّف وكاتب وسياسي سوري تطالب بإلغاء حالة الطوارئ وإطلاق المُعتقَلين السياسيين، وصل إشعار للرئيس الحريري بموعد طارئ مع الرئيس بشّار الأسد. راهن على أن يكون الاجتماع فرصة لإعادة النظر في التمديد للحّود في ضوء الرفض اللبناني والمسيحي خصوصاً. تضاعف رهانه على وقع الضغوط الخارجية على سوريا وانطلاق ورشة الإعداد للقرار الدولي 1559 وصدور قانون محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي.

لم تتطابق رغبات الحريري مع حسابات الرئاسة السورية، التي أعدّت له جلسة محاسبة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات اللبنانية - السورية.

وصل إلى القصر في الموعد المحدّد. وجد الرئيس بشّار مع ضباط كبار تعاقبوا على لبنان، اللواء غازي كنعان (عُيّن وزيراً للداخلية)، مسؤول المخابرات في لبنان اللواء رستم غزالة، ومسؤول شعبة المخابرات العسكرية في بيروت العميد محمد خلوف. حدّد الأسد جدول أعمال الاجتماع ببند واحد؛ إهانة رفيق الحريري. قال: «إن الرفاق غازي ورستم ومحمد، كرّسوا عملهم لخدمة لبنان ومساعدتك على تحمّل المسؤولية، أما أنت، فتكرّس كلّ علاقاتك للنيل من سوريا. ما تفعله لمنع التمديد للرئيس لحّود لن يمرّ. الرئيس لحّود يعني أنا وأنا الرئيس لحّود، والعمل الذي تقوم به مع أصدقائك الفرنسيين والأميركان سيرتد عليك. التمديد للحّود سيتم ولن تقف في طريقه لا البيانات ولا ضغوط أصدقائك... ولا جريدة (النهار) التي تخصّصت بتحريض الشعب السوري ضدي... أنت تملك معظم أسهم الجريدة ولا يمكنك التبرّؤ من حملاتها ضدّ سوريا. غير مقبول بعد اليوم أن يكون هناك منبر تموّله أنت، وظيفته الهجوم على سوريا. أقلّ ما يجب أن تفعله التخلّي عن تلك الأسهم».

تكرّس (أي الحريري) كلّ علاقاتك للنيل من سوريا. ما تفعله لمنع التمديد للرئيس لحّود لن يمرّ. الرئيس لحّود يعني أنا وأنا الرئيس لحّود

الرئيس السوري بشار الأسد

أعطى بشّار بعد مداخلته أمر الهجوم للضباط. وجّه كنعان الطلقة الأولى متعمّداً عدم الإصابة المباشرة. عرض للدعم الذي قدّمته سوريا للبنان، ولتاريخ العلاقة بين البلدين، منبّهاً إلى مخاطر استخدام لبنان ورئاسة الحكومة منصّة لضرب سوريا ومحاصرتها أميركيّاً وغربيّاً، ومشيداً بدور الحريري في خلال حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد. أما رستم، فسار على خطى بشّار وأطلق قذائفه في اتجاه الحريري: «من أنت لولا سوريا وسيادة الرئيس؟ أنت مجرد رجل أعمال، لن تحلم برئاسة الحكومة إذا لم توافق سوريا. نحن ساعدناك ودعمنا سياساتك وفتحنا لك الأبواب هنا وفي لبنان. لكنك تنكّرت لكل تاريخنا معك. أنت تقف مع شيراك ضدّنا وتحرّضه على أذيّة سوريا. فشرت أنت وشيراك وكلّ الأميركان. سوريا تاج راسك وإذا سيادة الرئيس بيعطي إشارة بيكون لي حديث آخر. سيادته يقول تمديد يعني تمديد وأنت عليك أن تنفّذ. لا خيار لك في هذا الأمر. وكلامي باسم سيادة الرئيس لازم يكون مفهوم». تحمّس خلوف لكن ضمن الحدود التي رسمها كنعان. بدا بشّار في حالة نشوة وهو يراقب الضربات تتتالى على رأس الحريري. انتهت الجلسة كما بدأت وغادر الحريري من دون أن يُعطى حقّ الدفاع عن النفس.

قال بعد عودته إلى بيروت: «لم أشعر في حياتي بأذى أصابني كالذي سمعته في حضور بشّار الأسد. كدت للحظة أن أخرج من دون استئذان، وأن أنهي سيل الإهانات بمشكلة كبيرة. لكن المشكلة مع من؟ مع رئيس سوريا. هل أشتبك معه وأردّ عليه في وجه ضباطه؟! اخترت الصمت والصبر. تجالدت على نفسي، فيما العرق تصبّب من جسمي إلى كعب القدمين، وخرجت مثقلاً بالخوف على سوريا ولبنان».

عبدالحليم خدام (رويترز)

كتم الحريري سرّه في صدره. لم يبح به حتى لعبد الحليم خدّام، الذي اتصل به مستفسراً عما جرى. أجابه: «اسأل أبو يعرب، كان موجوداً. سأبقى في بيتي، ولن تراني في الشام بعد اليوم». أدرك خدّام أن في الأمر تطوراً خطيراً، قال له: «أرسل إليّ باسم غداً صباحاً».

استقبلني خدّام في منزله من دون أي اعتبار لإمكانية التنصّت عليه. قال بصوت لا يخلو من الحدة: «غير مقبول ما جرى مع أبو بهاء. اتصلت بالرئيس بشّار وأبديت استغرابي لما حصل وقلت له بصراحة، لا يصحّ لرئيس سوريا إهانة رئيس وزراء لبنان، لا في حضور الضباط ولا في غيابهم. رفيق الحريري صديقي وكان صديق والدك، لكنه رئيس حكومة بلد شقيق والتعامل معه باحتقار أمر لا يليق برئيس سوريا».

أضاف خدّام: «للأمانة استمع إليّ الرئيس، ونصحته بمعالجة الموضوع واستقبال الحريري لتصحيح الموقف. لكنه دعاني لمعالجة الموضوع بمعرفتي، وقال أنت مخوّل بالاعتذار وفعل ما تراه مناسباً».
 


مقالات ذات صلة

ما علاقة زيارة مسؤولين سوريين مطعماً فاخراً في بيروت بتسليم ضباط الأسد؟

المشرق العربي الوزير طارق متري مستقبلاً الوفد السوري في بيروت مطلع سبتمبر 2025 (إكس)

ما علاقة زيارة مسؤولين سوريين مطعماً فاخراً في بيروت بتسليم ضباط الأسد؟

طلبت السلطات السورية من قوات الأمن اللبنانية تسليم أكثر من 200 ضابط كبير فروا إلى لبنان بعد سقوط بشار الأسد، اعتماداً على تحقيق أجرته وكالة «رويترز».

«الشرق الأوسط» (دبي - لندن)
خاص خريطة مدينة حلب ويتضح فيها حيا الشيخ مقصود والأشرفية (متداولة)

خاص «جبل السيدة» الذي أصبح «الشيخ مقصود» والأشرفية امتداداً لـ«حي السريان»

يستعيد عقيل حسين، الناشط والصحافي السوري ابن حلب، علاقته بحيي الشيخ مقصود والأشرفية، كونه شارك في الحراك المدني بعد انطلاق الثورة السورية مارس (آذار) 2011.

«الشرق الأوسط» (حلب (سوريا))
شؤون إقليمية نتنياهو في مرتفعات جبل الشيخ (أ.ف.ب)

الهوة كبيرة بين إسرائيل وسوريا ولا يمكن جسرها بيومين في باريس

حسب تسريبات صحافية فإن الرئيس ترمب قال لنتنياهو، إن المطلب السوري عادل، وإن على إسرائيل أن تجد حلولاً إبداعية أخرى غير البقاء على الأرض.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية يقول زعماء «الحريديم» إن إجبار طلبة المعاهد الدينية على الخدمة العسكرية ينذر بتدمير هويتهم (أ.ب)

الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

استبدل الجيش الإسرائيلي قواته العاملة في الجنوب السوري، من الكتيبة «55» إلى كتيبة «الحشمونائيم» الدينية، التي تضم جنوداً من التيار الحريدي المتزمت دينياً.

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
المشرق العربي عنصر من قوات الأمن التابعة للسلطات السورية الجديدة في غرفة تحت الأرض بمكاتب ماهر الأسد على مشارف دمشق (أ.ف.ب)

كيف أخفى نظام الأسد آثار جرائمه؟

كشف تحقيق صحافي عن منظومة سرية أنشأها نظام الأسد لطمس أدلة التعذيب والقتل، عبر تزوير الوثائق ونقل المقابر الجماعية، هرباً من المحاسبة الدولية.


حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
TT

حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

أثارت ردود «حزب الله» على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون له «بالتعقّل» على خلفية أن «السلاح صار عبئاً على بيئته ولبنان كله»، تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء مبادرة عدد من مسؤوليه لتنظيم حملة إعلامية تجاوزتهم لتشمل ناشطين يدورون في فلكه أفرغوا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما في جعبتهم من انتقادات عالية السقف.

وسأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟ وهل أخطأ بدعوته الحزب ليقرأ بصورة صحيحة الظروف الإقليمية والدولية من حولنا كأساس لمراجعة مواقفه آخذاً بالتحولات في المنطقة؟ ليرد عليه نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بتلويحه بورقة الحرب الأهلية، مع أنه يدرك سلفاً أنه لن يجد من يستجب لتهديده، ليس لافتقاده القدرة العسكرية فحسب، وإنما لعدم الرغبة باستحضارها مجدداً ولو من باب التهويل.

عون أمهل الحزب

كما سأل المصدر الوزاري، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: أين أخطأ عون في تشخيصه للواقع السياسي للحزب، وهو كان أمهله، بحسب قول المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أكثر من عام ليراجع مواقفه ويعيد النظر في حساباته تمهيداً لانخراطه في مشروع الدولة، وأبدى كل انفتاح نحوه لطمأنته، وشرّع الأبواب للدخول معه في حوار تولاه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد بتكليف من قيادته وبتشجيع من رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أسهم في تنقية الأجواء وتحضيرها لحوار منتج يتناول القضايا العالقة، وتبادَل الرسائل بواسطة مستشاره العميد المتقاعد أندريه رحال الذي يتواصل مع رعد أو مع فريقه المكلف بمتابعة الحوار؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن الحوار لم يحقق الأهداف المرجوّة منه؛ لأن الحزب لا يزال يتصرف كما كان عليه قبل أن يقرر إسناده لغزة، ويرفض الاعتراف بأن نفوذه في الإقليم أخذ يتقلص، وأن دخوله في مواجهة غير محسوبة النتائج مع إسرائيل أفقدته توازن الردع وقواعد الاشتباك والاختلال في ميزان القوى. وقال إن الحزب كان فوّض رئيس مجلس النواب نبيه بري، للتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، وبادر إلى تأييده، ووافق بملء إرادته على إخلاء منطقة جنوب الليطاني بما مكّن الجيش من السيطرة على القسم المحرر منها.

حملة منظمة على عون

وأكد أن الحملة المنظّمة التي رعاها الحزب واستهدفت عون، لن تلقى أي رد فعل، لا منه ولا من الذين يدورون في فلكه، وبالتالي يرفض الانجرار لسجال ليس في محله ولا يخدم توحيد الجهود لإنقاذ البلد وتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وأن أبوابه ما زالت مفتوحة أمام الحوار، شرط أن يقرر الحزب ماذا يريد بعيداً عن الإنكار لما حلّ بلبنان بتفرده بقرار السلم والحرب بإسناده لغزة.

وقال إن أمين عام «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، لم يكن مضطراً للتأكيد في جميع المناسبات أن الحزب استعاد قدراته العسكرية، وأنه يرفض تسليم سلاحه. وسأل: هل كان مضطراً للتباهي بذلك؟ وهل يخدم بكلامه هذا الحوار؟ وأين تكمن مصلحته في توفير الذرائع لإسرائيل التي تواصل خروقها، مع أنها ليست بحاجتها لمواصلة اعتداءاتها للضغط بالنار على لبنان للتسليم بشروطها؟

الدولة وحدها من يحتكر السلاح

فالمطلوب من «حزب الله»، كما يقول المصدر، أن يتواضع ويقرر الوقوف خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية وانعطافه نحو القوى السياسية لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة ولو من موقع تنظيم الاختلاف، وإنما على قاعدة إقراره بأن الدولة وحدها هي من تحتكر السلاح، وإلا فكيف يوفّق بين مشاركته في الحكومة على أساس بيانها الوزاري الذي نص على حصريته، ويصر الآن على الاحتفاظ بسلاحه؟

وأكد أن عون تعرض لحملات نُظمت ضده في الداخل والخارج على خلفية تساهله وتراخيه ومراعاته للحزب، لكنه لم يأخذ بها وأصر على الحوار، رافضاً استخدام القوة لإرغامه على تسليم سلاحه، وسأل الحزب: ما الفائدة من عدم تجاوبه مع حصرية السلاح التزاماً منه باتفاق «الطائف» وتطبيق الـ1701؟ فيما يسعى لشراء الوقت وهدر الفرص المتاحة لإنقاذ لبنان، رغم أن لا طائل من رهانه على عامل الوقت في حال قرر الدخول في تقييم للأبعاد السياسية والأمنية المترتبة على التحوّلات في المنطقة واستخلاص النتائج وأخذ العبر ليعيد النظر في مواقفه التي لا تراعي المزاج الشيعي، ولا تُصرف لتأمين عودة النازحين لقراهم وإعمار المدمر منها.

تحولات المنطقة

فالتحولات في المنطقة، بحسب المصدر، بدءاً بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واشتداد الحصار على جماعة الحوثي في اليمن، وتراجع محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم، ألا تشكل جميعها حافزاً للحزب ليراجع حساباته ويدقق في خياراته ويقرر تخليه عن سلاحه الذي فقد قدرته لردع إسرائيل والدفاع عن لبنان، خصوصاً أنه اعترف بقدرة إسرائيل على خرق الحزب من أعلى المستوى إلى أدناه، باغتيالها لأمينه العام الأسبق حسن نصر الله، وخلفه هاشم صفي الدين، وقيادات أمنية وعسكرية؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال استقباله السفير سيمون كرم في قصر بعبدا (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

فـ«حزب الله» اليوم هو غير ما كان عليه قبل إسناده لغزة، وإصراره على تمسكه بسلاحه لا يخدمه، إلا إذا قرر القفز فوق الكوارث التي حلّت بلبنان، وعدم الاعتراف بأنه أخطأ في قراره هذا واضطر بملء إرادته للموافقة على وقف النار، وأن بمزايداته الشعبوية على الحكومة، ظناً منه بأن يحاكي بيئته ويطمئنها باحتفاظه بسلاحه، لن يصمد طويلاً ولن يخدم إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل شرط الالتزام بما تعهد به لبنان أمام المجتمع الدولي بحصرية السلاح.

وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي

ولفت المصدر إلى أن ما يطالب به الحزب بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل يحظى بمتابعة يومية من عون وسلام، وهذا ما يصر عليه رئيس الوفد اللبناني السفير السابق المحامي سيمون كرم إلى لجنة الـ«ميكانيزم»؛ لأن من شأنهما المساعدة في تسريع الأمور وصولاً لاستكمال تطبيق المرحلة الثانية من حصرية السلاح التي تشمل شمال نهر الليطاني حتى الأولي، على أن يليها ما تبقى من مراحل حددتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.


الأردن يؤكد دعمه لسيادة لبنان وجهود بناء مؤسساته

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
TT

الأردن يؤكد دعمه لسيادة لبنان وجهود بناء مؤسساته

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

جدد رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان تأكيده على دعم بلاده للبنان وأمنه واستقراره وسيادته، وللجهود الكبيرة التي تُبذل لبناء مؤسساته، مشدداً على أهمية 21 اتفاقية جرى توقيعها مع لبنان الأربعاء.

وجاءت تصريحات حسان خلال لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون، في ثاني أيام زيارته إلى لبنان، حيث وقع مع الحكومة اللبنانية 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم، شملت قطاعات الطَّاقة، والرَّبط الكهربائي، والصِّناعة، والتَّبادل التِّجاري، والاستثمار، والسِّياحة، والنَّقل.

سوق عربية مشتركة

وشدد عون، خلال استقباله حسان، على أهمية وحدة الموقف العربي في مواجهة التحديات الراهنة الماثلة أمام الدول العربية، والتي تتطلب أن يكون الصف العربي واحداً، مركّزاً على ما كان طرحه في قمتين عربيتين سابقتين لجهة ضرورة قيام السوق العربية المشتركة لتسهيل التبادل التجاري، لما فيه مصلحة الشعوب العربية كافة، حسبما أفادت الرئاسة اللبنانية.

وأشاد عون بالعلاقات بين لبنان والأردن، معتبراً أن ما تم التوقيع عليه الأربعاء من اتفاقيات ومذكرات تفاهم «يؤكد على ما يجمع البلدين من أواصر الأخوة والتعاون»، منوهاً بمواقف العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الداعمة للبنان في المجالات كافة، لا سيما لجهة دعم الجيش اللبناني.

من جهته، شدد الرئيس حسان على القواسم المشتركة التي تجمع بين الأردن ولبنان، وأهمية الاجتماع الذي عقدته اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، والاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم التوقيع عليها، ونقل إلى الرئيس عون تحيات الملك عبد الله، مؤكداً دعم الأردن للبنان وأمنه واستقراره وسيادته، وللجهود الكبيرة التي تُبذل لبناء مؤسساته.

موقف مشترك في ملفَّي فلسطين وسوريا

وقالت الرئاسة اللبنانية إنه خلال اللقاء «تم عرض العلاقات الأخوية الوطيدة بين البلدين وسبل تعزيزها وتنميتها في مختلف المجالات، لا سيما بعد توقيع 21 اتفاقية بين البلدين بعد استئناف أعمال اللجنة العليا المشتركة الأردنية-اللبنانية». كما تم عرض الأوضاع في المنطقة حيث «تم التأكيد على الموقف المشترك حيال القضية الفلسطينية، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، واستعادة الحقوق العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمها إقامة الدولة الفلسطينية وفق (حل الدولتين)، وعلى أن أمن سوريا واستقرارها مصلحة للمنطقة وللبلدين لاستكمال المشاريع المشتركة».

وتعهد رئيس الحكومة الأردنية في كلمته التي دوّنها في سجل القصر الجمهوري اللبناني، بأن «يبقى الأردن قيادة وحكومة وشعباً، الأخ الداعم والسند الوفيّ لدولة لبنان الشقيقة وشعبها العزيز».

بعد ذلك انتقل رئيس الحكومة الأردنية والوفد المرافق إلى مقر الرئاسة الثانية في عين التينة للقاء رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، حيث تناول اللقاء تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، والعلاقات الثنائية بين لبنان والمملكة الأردنية الهاشمية.


العراق يرفض استخدامه «منطلقا لأي أعمال عسكرية تستهدف أي دولة»

جنود عراقيون خلال الاحتفال بـ«يوم الجيش العراقي» في بغداد يوم 6 يناير 2026 (رويترز)
جنود عراقيون خلال الاحتفال بـ«يوم الجيش العراقي» في بغداد يوم 6 يناير 2026 (رويترز)
TT

العراق يرفض استخدامه «منطلقا لأي أعمال عسكرية تستهدف أي دولة»

جنود عراقيون خلال الاحتفال بـ«يوم الجيش العراقي» في بغداد يوم 6 يناير 2026 (رويترز)
جنود عراقيون خلال الاحتفال بـ«يوم الجيش العراقي» في بغداد يوم 6 يناير 2026 (رويترز)

أكّد العراق، الخميس، رفضه استخدامه "منطلقا لأي أعمال عسكرية تستهدف أي دولة"، وذلك بعد تهديد الولايات المتحدة بالتدخل في إيران على خلفية الاحتجاجات وحملة القمع التي قامت بها السلطات.

وقال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان في بيان: "في ظلّ التطورات الإقليمية المتسارعة وما يرافقها من تصعيد وتهديدات تمسّ أمن واستقرار المنطقة، تؤكد جمهورية العراق موقفها الثابت والمبدئي الرافض لاستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية منطلقا لأي أعمال عسكرية تستهدف أي دولة كانت".

ودعا الأطراف المعنية "إلى ضبط النفس وتغليب لغة الحوار وتجنّب التصعيد والعمل الجاد على حل الخلافات بالوسائل السلمية والدبلوماسية".