رفيق الحريري بعد اجتماعه الأول ببشار... صرت خائفاً على سوريا وليس لبنان

النائب والوزير السابق باسم السبع يروي قصة العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء اللبناني السابق وأركان الحكم في دمشق

موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
TT

رفيق الحريري بعد اجتماعه الأول ببشار... صرت خائفاً على سوريا وليس لبنان

موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)
موقع اغتيال رفيق الحريري في بيروت عام 2005 (أ.ب)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقات من كتاب جديد للسياسي اللبناني باسم السبع يروي فيه فصولاً من العلاقة الشائكة بين رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري وأركان الحكم في سوريا. يحمل الكتاب عنوان «لبنان في ظلال جهنم - من اتفاق الطائف إلى اغتيال الحريري» (من إصدارات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر).

عمل السبع لسنوات مستشاراً لرفيق الحريري حتى اغتياله عام 2005. فاز بعضوية مجلس النواب اللبناني من عام 1992 حتى عام 2009. كما شغل منصب وزير للإعلام في حكومة رفيق الحريري بين العامين 1996 و1998. وهو ينتمي إلى تيار المستقبل ومن أقطاب تيار 14 آذار.

***

عاشت علاقة رفيق الحريري مع السلطة السورية قرابة ربع قرن ونيف، بدأت في مستهل الثمانينات كموفد للملك السعودي فهد بن عبد العزيز، يواكب المَهمّات الدبلوماسية للأمير بندر بن سلطان، خصوصاً ما يتصل منها بالجهود العربية لوقف الحرب الأهلية اللبنانية.

تقاطعت في التأسيس لتلك العلاقة، لنجاحاتها وإخفاقاتها، أدوار ومصالح وحسابات سياسية وشخصية لمسؤولين في النظام السوري، حصلوا من الرئيس حافظ الأسد على إذن التدخل في المسألة اللبنانية، والتعامل مع مكوّناتها الطائفية والحزبية.

تولّى جانب العلاقة المباشرة مع الحريري كلٌّ من نائب الرئيس عبد الحليم خدّام ورئيس أركان الجيش العماد حكمت الشهابي واللواء غازي كنعان واللواء رستم غزالة. وانضم لهذه القائمة بشّار الأسد في السنوات الأخيرة لوالده.

وتولّى جانب الاهتمام بالمعارضة اللبنانية ورموز المواجهة مع الحريري، باسل الأسد قبل مقتله، ومن بعده بشّار وماهر الأسد واللواء محمد ناصيف (أبو وائل)، واللواء آصف شوكت، واللواء علي المملوك. وأضيفت إليهم لدواعٍ رسمية وطارئة شخصيات تولّت رئاسة الحكومة السورية، ووزراء من وزن وزير الدفاع مصطفى طلاس، ووزير الخارجية وليد المعلّم، وسلفه الوزير فاروق الشرع، وكبار الضباط ممن تولوا قيادة القوّات السورية في لبنان.

المتعارف عليه، مما علمناه وقرأناه وتابعنا وقائعه، أن العلاقة بين الحريري الأب والأسد الأب، نشأت وتطوّرت واختُبرت تحت مظلّة العلاقات السعودية - السورية، وحكمتها ظروف عزّزت الثقة والاحترام المتبادل بين الرجلين، إلى حدود سُمح فيها لقياديّ في حزب البعث من آل الأحمد بكتابة مقال في جريدة «السفير»، يطالب فيه برئيس للحكومة السورية من طراز رفيق الحريري، في الوقت الذي كان اسمه يسطّر في وسائل الإعلام وزيراً لخارجية البلدين، وأهم صنّاع اتفاق الطائف والوفاق الوطني في لبنان.

الرئيس حافظ الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)

لم تنسحب علاقة الحريري مع حافظ الأسد على علاقته بأبنائه، أي بكلٍّ من باسل وبشّار وماهر، بل هي خلاف ذلك، شابها كثير من الرسائل المفخخة وانعدام الثقة، وتعرّضت لنكسات سياسية خلّفت أضراراً جسيمة في العلاقات اللبنانية - السورية، وانتهت إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، وسقوط لبنان وسوريا معاً في مستنقع الأحقاد المتبادلة.

قبل بشّار، عقد حافظ الأسد لواء الوراثة السياسية لابنه البكر باسل، الذي قضى في حادث سير على طريق مطار دمشق. باسل شخصية احتلّت منذ الثمانينات مركزاً متقدّماً من مراكز القوى في النظام السوري، بصفته الوريث الذي لا ينازعه أحد على هذا الموقع، بعد إقصاء عمّه رفعت ونفيه (...) إلى فرنسا وإسبانيا، وبصفته أحد أركان القرار في المربّع الذهبي للنظام، أي العائلة والطائفة والجيش والحزب. فهو الابن البكر لرئيس البلاد وزعيم الطائفة العَلَوية والقائد الأعلى للقوات المسلّحة والأمين العام لحزب البعث الحاكم، وكلها صفات تتشكل منها سمات الدخول إلى جنّة المربع.

شاركت مع الحريري في مأتم باسل الذي أقيم في بلدة القرداحة شمال سوريا، وشهدت على الحشد الذي تجمّع في باحة المسجد، يتقدّمه الرئيس حافظ الأسد والرئيس حسني مبارك وخدّام وكبار المسؤولين. ولاحظت الرئيس الحريري يبكي متأثّراً، خلافاً لبقية كبار المشاركين. سألته بعد المأتم عن سبب بكائه وهو لم يكن على معرفة بباسل وليست بينهما علاقات ودّ تستوجب البكاء. أجاب: «كلّ ما في الأمر أنني تذكّرت ولدي حسام (ابنه الذي قضى في حادث سير أواخر الثمانينات في الولايات المتحدة). ليس هناك أصعب من هذه اللحظات على الأب. كان اللَّه في عون الرئيس الأسد».

باسل الأسد... رفيق الحريري بكى في جنازته

(...) كان باسل بطل سوريا الدائم في الفروسية والأوّل في دورته للإنزال المظلّي، والضابط الذي بهر أساتذته وحصل على دكتوراه في العلوم العسكرية بدرجة ممتاز من الأكاديمية العسكرية في الاتحاد السوفياتي عام 1991، قبل شهر واحد من بدء تفكّك الدولة السوفياتية. أما بشّار فقد دانت له في عمرٍ مبكر، لم يتجاوز الثالثة والعشرين، شهادة الطبّ من كلية الطب في الجامعة السورية، قبل أن يجري الحديث عن التحاقه للتخصّص في طبّ العيون في بريطانيا، ويُستدعى قبل نهاية تخصّصه إلى دمشق عام 1994 لنيل رتبة وريث حافظ الأسد بعد مقتل شقيقه باسل، ويجرى تعديل دستوري يتيح لابن الثالثة والثلاثين تولّي رئاسة الجمهورية.

سار بشّار على خطى الوالد. قفز من الطبّ إلى الجيش، ومنه إلى قيادة الحزب والرئاسة. الابن الثالث ماهر، درس إدارة الأعمال ومارسها على أعلى المستويات. لم يساعده طبعه الحاد في وراثة موقع شقيقه باسل، لكنه احتلّ في المعادلة العَلَوية موقع عمّه رفعت، واحتل الموقع الثاني في النظام، منذ توليه قيادة الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، الدرع العسكري الذي يحيط دمشق ويقوم مقام سرايا الدفاع أيام رفعت، المكلّف حماية الرئيس من السقوط.

لعب الأبناء الثلاثة أدواراً متفاوتة في التأثير على الدور السياسي لرفيق الحريري. يضاف إليهم من البيت العَلَوي العماد علي دوبا واللواء كنعان بحكم موقعه كرئيس لجهاز الأمن والاستطلاع للقوّات السورية في لبنان، واللواء محمد ناصيف المعروف بوفائه لبيت الأسد، واللواء آصف شوكت، زوج ابنة الرئيس، الذي قوي نفوذه بعد مصرع باسل وتولّى مسؤوليات أمنية رفيعة مع بشّار.

لحود والحريري... علاقة إشكالية بين الرئيس اللبناني ورئيس وزرائه (أ.ف.ب)

حاول رفيق الحريري التقرّب من باسل الأسد بداية التسعينات، لدوره الأساسي في الملف اللبناني وشبكة العلاقات التي أقامها مع كثير من الشخصيات اللبنانية المصنفة في خانة المعارضة، لكن الرئيس حافظ لم يسعفه في تحقيق هذه الرغبة، ووجد الوقت الملائم لتحقيقها أواخر التسعينات، من خلال فتح الباب للقاء مع بشّار.

اتّسمت العلاقة مع بشّار في تلك المرحلة، بمنسوب عالٍ من النفور بعد اعتماد الرئيس إميل لحّود رجل سوريا الأوّل في لبنان، وتسهيل عمل فريقه القضائي والأمني في تركيب الملفّات الكيدية وملاحقة رجاله في الإدارة وشنّ حملات التشهير بسياساته بعد إبعاده عن رئاسة الحكومة. اعتبر الحريري أن الموقف يتطلّب تحرّكاً لفكّ الحصار المفروض عليه من لحّود وجماعته بالتعاون مع مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان ومعاونه رستم غزالة، واختار الذهاب إلى منبع المشكلة، للبحث عن الوسائل الممكنة لتصحيح العلاقة.

تحرّك نحو الشام في زيارة غير معلنة للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد في عام 1999. العام الأخير في ولاية استمرت زهاء ثلاثين سنة انتهت بوفاته في يونيو (حزيران) من عام 2000. قد يكون اللقاء الأخير بينهما، وفيه أدرك الحريري أن الأسد الأب أنهى تعبيد الطريق أمام ابنه بشّار إلى قصر المهاجرين، وبات يعدّ الأيام التي يسلم فيها الروح ليسلّم ابنه زمام القيادة.

الرئيس حافظ الأسد

نصح الأسد الحريري بالانفتاح على بشّار والتحدّث إليه مباشرة في الملف اللبناني والعلاقات الثنائية. «بشّار على علاقة طيبة مع لحّود وقادر على معالجة الأمور». وافق الحريري من دون تردّد وتعهّد الأسد الكبير ترتيب لقاء مع الأسد الصغير. فهم الزعيم اللبناني أن قدرة صديقه نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام على التأثير تراجعت، وأن تجديد تأشيرة الدخول إلى قصر المهاجرين يستدعي تقديم الطلب لدى بشّار.

استدعاني الحريري إلى قريطم (مقره في بيروت) صبيحة يوم في أواخر سبتمبر (أيلول) 1999، وأبلغني وجوب الاستعداد للتوجّه برفقته إلى دمشق في زيارة «ما بدّي حدا يعرف فيها. أبو طارق (المرافق الأمني يحيى العرب) ينتظر اتصالاً نتحرّك بعده مباشرة». حضر أبو طارق. همس في أذن الرئيس ثم قال: «تفضّلوا يا شباب». أبو طارق ووسام الحسن (مسؤول أمني لبناني رفيع) وأنا. استقل الحريري سيارته المرسيدس المصفّحة. قادها وأنا إلى جانبه والحسن في المقعد الخلفي. أقلع الموكب من قريطم تتقدّمه سيارة مجهّزة بأحدث تقنيات الرصد الأمني وسيارتان للتمويه تحملان الأرقام ذاتها، وخلفنا سيارة إسعاف ورتل من السيارات رباعية الدفع مخصّصة لنقل المرافقين بكامل عتادهم المسلّح. توجّه بعد أقلّ من دقيقة إلى الحسن قائلًا: «باسم لا يعلم يا وسام مع من سنجتمع في الشام». سألت: «هل سترى الرئيس؟». أجاب: «أهمّ... سأجتمع مع بشّار. هكذا يريد الختيار وهناك حاجة لفتح صفحة جديدة. الأب يعاني صحيّاً والشاب سيصل إلى الحكم، ومطلوب مني مساعدته... إنها المرّة الأولى التي أقصد فيها الشام ولا ألتقي أبو جمال (خدّام). بكل الأحوال لا أريده أن يعلم... أنا أبلغه لاحقاً».

عبد الحليم خدام (رويترز)

واصل الموكب تحرّكه من دون توقف. لدى وصوله إلى مفرق عنجر، حيث مقرّ القيادة السورية ومكتب اللواء غازي كنعان، واصل الحريري القيادة نحو الحدود اللبنانية - السورية. قال: «ما بدنا نشوف حدا. بعد جديدة يابوس هناك من ينتظرنا للمرافقة». في الجديدة رافقتنا سيارة مرسيدس 190 فيها ثلاثة أشخاص. سرنا خلفها إلى مداخل دمشق، وسلّمت الموكب إلى سيارة ثانية، بيجو بنيّة اللون، طلب سائقها من أبي طارق مواكبته مع سيارة الرئيس الحريري فقط. ركنت بقية السيارات إلى جانب الطريق، وقادتنا البيجو فوق طريقٍ ترابي مسافة كيلومترين أدّى بنا إلى جبل قاسيون.

فوق تلة معزولة عن بقية أحياء الجبل، أنشأ باسل الأسد ميني فيلا اعتمدها مكتباً لاجتماعاته الخاصة. ورث بشّار خلافة والده من شقيقه، وفي عداد الإرث كانت الفيلا المبنية من حجر صخري تحيطها أرض جرداء إلاّ من بعض الشجر المزروع حديثاً. هي صغيرة بما يكفي لأن تكون محل إقامة شبابياً يطلّ على دمشق من فوق.

استقبل بشّار الحريري عند مدخل مكتبه، واستُبقينا، وسام الحسن وأبو طارق العرب وأنا، في الصالون المجاور. حاولت استراق السمع لما يدور من أحاديث. لم أوفّق، إلّا بصدى قهقهة اختلطت بكلام لم يصل واضحاً إلينا، على الرغم من الإشارة التي أعطيتها لرفيقيّ بضرورة التزام الهدوء إلى حدود الصمت... فعسى أن نحصل على عبارة، تنعش أجواء الزيارة وتخفّف التوتّر الذي أطبق علينا كما لو أننا في زيارة معتقل.

استمرّ الاجتماع زهاء ساعة ونصف الساعة. ودّع بشّار ضيفه بمثل ما استقبله، وأشار إلينا بتحية عن بعد أمتار قليلة، من دون مصافحة أو كلام، سوى الوداع التقليدي وعبارة وصل من خلالها إلى أسماعنا صوت بشّار يقول: «إلى اللقاء قريباً إن شاء اللَّه دولة الرئيس».

الرئيس الأسد مستقبلاً رفيق الحريري (غيتي)

استقللت السيارة إلى جانب الرئيس في طريق العودة. لدى الوصول إلى مكان توقّف الموكب، طلب من وسام الالتحاق بسيارة أبو طارق. لم يبدِ الحريري أيّ ردّ فعل. بقي صامتاً، واجتنبتُ توجيه أي سؤال إليه حتى وصلنا إلى جديدة يابوس. سألته: «خير إن شاء اللَّه. ساكت على غير عادة. كيف كان الاجتماع؟». نظر إليّ مبتسماً: «خير... خير. لاحقين نحكي». كبس زر المسجّل في السيارة، فخرج صوت المطربة وردة الجزائرية وراح يدندن معها «قال إيه بيسألوني... عنّك يا نور عيوني». قطعنا الحدود وصرنا في الجانب اللبناني من المصنع. ركن السيارة جانباً. توقّف الموكب. قال: «قوم سوق عنّي» ... وهكذا كان. تبادلنا المقاعد، وفور الانطلاق بادر إلى القول: «الاجتماع كان ضرورياً وأكيد منيح (جيّد)... لكن بدّك الصراحة؟ أنا بعد هالجلسة منّي خايف (خائف) على لبنان. فينا نقلّع شوكنا بأيدينا. تعوّدنا نوقع (نسقط) ونرجع نوقف. أنا صرت خايف على سوريا».

«ليه من غير شر؟»، سألته.

أجاب: «بعد حافظ الأسد ح يحكم سوريا ولد... اللَّه يكون بعون سوريا». حرّك مقعده إلى الخلف... ونام.

الانطباع الذي خرج به الحريري من الاجتماع، لم يمنعه من متابعة التصدّي للهجمة التي يتعرّض لها. فاتحني في اليوم التالي، بأن همّ بشّار ينحصر حاليّاً في «ترتيب البيت الداخلي للحزب والنظام والعائلة، لمواجهة أي طارئ يتعلق بصحة والده. يبدو أنه يرى في صداقتي مفتاحاً لعلاقات خارجية يحتاج إليها في المرحلة المقبلة... سألني عن علاقتي بالرئيس شيراك وولي العهد السعودي الأمير عبد اللَّه بن عبد العزيز والإدارة الأميركية، طالباً التعاون مع لحّود ومواكبة التغيير الذي ستشهده سوريا. الشاب يترقّب رحيل والده من دون أن يفصح عن ذلك ويردّد أن صحّة الوالد تقلقه، والسكري مرض غدّار يفرّخ أمراضاً في القلب والشرايين».

باسم السبع مع الرئيس رفيق الحريري (أ.ف.ب)

بدا الحريري مطمئنّاً لانشغال بشّار بالشأن السوري الداخلي، ولم يفته مواكبة هذا الانشغال بالتواصل مع خدّام والعماد حكمت الشهابي واللواء كنعان، لتطويق أيّ مضاعفات تنشأ عن الانفتاح على بشّار. ذهب أبعد من ذلك أيضاً، عندما سألني عن جدوى التواصل مع اللواء محمد ناصيف (أبو وائل)، رأس حربة باسل الأسد ومن بعده بشّار، في الملف اللبناني، وأحد أركان النظام المقرّبين من العائلة والمتابعين لملف العلاقات الشيعية والإيرانية، والمعروف بصلته الوثيقة بالعلّامة السيّد محمد حسين فضل اللَّه. شجعته على ذلك وأشرت إليه بوجود شخصية مقرّبة منه على صلة باللواء ناصيف هي المهندس الفضل شلق (تولّى وزارة الاتصالات في مرحلة لاحقة)، ملاحظاً أن ناصيف لا يرتاح لشخصيات لبنانية بينها هو والرئيس نبيه بري وميشال المر، وتربطه صداقة خاصة بالرئيس حسين الحسيني، ويراه الأجدر لتولي رئاسة مجلس النوّاب، كما يعبّر عن مواقف شديدة السلبية تجاه سياسيين لبنانيين على صداقة مع خدّام، ليس بينهم وليد جنبلاط.

بعد أيام قليلة من اجتماع قاسيون، أبلغني الحريري أن خدّام ينتظرني في منزله في مدينة بانياس الساحلية و«يمكن أن تضعه في الأجواء المستجدّة وتشرح خلفيات اللقاء مع بشّار، والمهم أن تأتي لي بردّ فعله الذي لا يقوله على الهاتف». قصدت بانياس أسأل عن منزل عبد الحليم خدّام، فأفادني صاحب دكان بعنوان دارة شقيقه، وفي محيطها فيلا على الشاطئ خاصة بخدّام. اختليت مع نائب الرئيس السوري مدّة ساعة، انتهت برسالة إلى الحريري تقول: «يبدو أن الشاب مستعجل على دفن والده. بكل الأحوال أبو بهاء عم يشتغل صحّ، وعليه أن يكمل بهذا الخط. الهجمة عليه كبيرة جدّاً في بيروت وفي دمشق، ويستحسن تخفيف الخصوم والضغط ليتمكّن من حشر لحّود. لكنني بصراحة غير متفائل، وهناك من يحفر له في سوريا وفي لبنان. بكل الأحوال خبرو (أخبره) أنا معه لآخر نَفَس».

رفيق الحريري... علاقة شائكة مع المسؤولين الأمنيين في سوريا (أ.ف.ب)

في هذا الوقت تحرّك الحريري في اتجاه اللواء محمد ناصيف الذي يقيم في نطاق سكني حديث في منطقة الصبورة لجهة المدخل الغربي لمدينة دمشق. استقبلنا ناصيف بحفاوة مميزة عند مدخل الفيلا، التي قال إن المرحوم باسل بناها له، وهي متواضعة نسبيّاً وليس فيها ما يشير إلى ثراء غير طبيعي، ومن ضمنها حديقة زُرعت بأشجار مثمرة وغير مثمرة.

كنت على معرفة بأبي وائل، والتقيته غير مرّة في مكتبه رفقة الزميل وليد الحسيني صاحب مجلة «الكفاح العربي»، وكان من القيادات التي تحتفظ بخط عسكري مباشر مع بشّار، يتلقّى عبره التوجيهات ويسأل عن أمور تتعلّق تحديداً بالوضع اللبناني وخريطة التحالفات الانتخابية، على ما شهدت في إحدى المكالمات.

عبّر اللواء ناصيف عن حفاوته بضيفه بالقول «أنا أنتظر هذا اللقاء منذ سنوات. أنت يا دولة الرئيس، عزيز على سوريا وعليّ شخصيّاً. فرحتي كبيرة بتشريفك البيت. هذا بيتك كما هي بيوت كلّ السوريين. الحق على الأخ أبو يعرب (يقصد اللواء غازي كنعان) الذي أراد احتكار صداقتك... نحن أيضاً أصدقاء وأخوة لك. اليوم خاص لا شريك لي بدولة الرئيس. نتناول الغداء ونرتاح بالجنينة ونأخذ راحتنا من دون تكليف».

الأحاديث الشخصية والمأدبة التي فُرشت بكل ما طاب من مناسف ومأكولات شامية، والإلحاح المتواصل من المضيف على تناول معظم الأصناف، تقدّمت على أحاديث السياسة التي بدت تفصيلية أمام مظاهر الترحيب. أهم صنف على المأدبة كان كسر الجليد مع رجل صُنّف لسنوات في خانة الخصوم، وفبركة أخصام للحريري في لبنان. تركنا الصبورة مشيّعين بمثل ما استُقبلنا بعد وجبة وداعية من الرمان ساعدت على هضم سائر الوجبات، وعطّلت ألغام أبي وائل ولو إلى حين.

أوفدني الحريري لإبلاغ خدام بفحوى اللقاء مع بشار في جبل قاسيون، فقال لي: «الشاب مستعجل على دفن والده... لست متفائلاً، وهناك من يحفر له في سوريا وفي لبنان»

باسم السبع

رفيق الحريري وجاك شيراك (أ.ف.ب)

أدرك الأسد الأب أن ولده لن يقلع بأمان في غياب احتضان عربي ودولي لوجوده على رأس الحكم. ولعلّه رأى من خلال حاسته السياسية المتوقدة، أن الحريري يمكن أن يكون لاعباً أساسيّاً في الاحتضان، وأن جنازته لا بدّ من أن تكون مناسبة لانطلاق سفينة بشّار في الحكم، وعلى متنها الرئيس الفرنسي جاك شيراك وولي العهد السعودي الأمير عبد اللَّه والرئيس المصري حسني مبارك والإدارة الأميركية ممثلة بوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، ومن هو أفضل من رفيق الحريري لتحقيق هذا الهدف؟

زحف لبنان إلى جنازة حافظ الأسد في ما يشبه تقاطر الشخصيات العربية والدولية والقيادات اللبنانية وجماهيرها، إلى احتفال بتنصيب بشّار الأسد رئيساً. انتظر بشّار هذه اللحظة أشهراً طويلةً، واجتماعه مع الحريري في جبل قاسيون يأتي في إطار تلك اللحظة.

غداً: بند واحد في جدول الأعمال... إهانة رفيق الحريري


مقالات ذات صلة

متابعة محاكمة محقق في ميليشيا «الدفاع الوطني» بجرائم حرب في سوريا

المشرق العربي المسؤول السابق في أجهزة الأمن السورية إياد الغريب بمحكمة كوبلنز الألمانية حيث أُدين بجرائم ضد الإنسانية فبراير 2021 (أ.ب)

متابعة محاكمة محقق في ميليشيا «الدفاع الوطني» بجرائم حرب في سوريا

من المتوقع أن تقدم النيابة العامة في هولندا مرافعاتها الختامية ومطالبها بالحكم في 21 أبريل (نيسان) الحالي، وستصدر المحكمة حكمها في هذه القضية في 9 يونيو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الرئيس الألماني فرنك-فالتر شتاينماير يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع أمام قصر بيلفيو في برلين (أ.ب)

ميرتس: برلين ودمشق تتعاونان في ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

يُجري الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم، لقاءات مع مسؤولين ألمان، في أول زيارة لهذا البلد، لبحث حرب الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي مكتب المدعي العام في وزارة العدل الأميركية

محكمة أميركية تدين «رجل الظل» بتجارة المخدرات والسلاح في نظام الأسد

أقرَّ قسيس بأنه كان يعمل مباشرةً مع ماهر الأسد (شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد)، وغيره من كبار المسؤولين العسكريين في النظام البائد لإتمام الصفقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

عون يحذّر من كارثة إنسانية في لبنان ودعم أوروبي لمسار التفاوض مع إسرائيل

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الرئيس العراقي السابق برهم صالح (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الرئيس العراقي السابق برهم صالح (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون يحذّر من كارثة إنسانية في لبنان ودعم أوروبي لمسار التفاوض مع إسرائيل

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الرئيس العراقي السابق برهم صالح (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الرئيس العراقي السابق برهم صالح (الرئاسة اللبنانية)

حذّر رئيس الجمهورية جوزيف عون من الكارثة الإنسانية الناتجة من الحرب في لبنان، حيث نزح أكثر من مليون لبناني، بالتوازي مع دفعه نحو إطلاق مفاوضات مباشرة لوقفها، في حين صدر بيان عن وزراء خارجية 16 دولة أوروبية وأستراليا، داعماً هذا المسار وداعياً إلى خفض التصعيد والتوصل إلى حل سياسي.

وأكد عون خلال لقائه المفوض السامي لـلمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح أن «الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان سببت كارثة إنسانية كبيرة نتيجة نزوح أكثر من مليون لبناني من المناطق المستهدفة، ولبنان يحتاج إلى مساعدات عاجلة»، مشيراً إلى «أن تداعيات النزوح ستكون كبيرة حتى بعد وقف إطلاق النار».

من جهته، قال برهم صالح إنه «وصل إلى لبنان لتأكيد رسالة تضامن ومساندة للشعب اللبناني والدولة في هذا الظرف الصعب»، مشيراً إلى اطلاعه على حجم الدمار ومعاناة المدنيين، ومؤكداً دعم المجتمع الدولي للبنان وضرورة تحشيد المساعدات، مع التشديد على أن الحل الأساسي يبقى في إنهاء الحرب والوصول إلى سلام دائم.

دعم أوروبي للتفاوض

في موازاة ذلك، دعا بيان صادر عن وزراء خارجية 17 دولة أوروبية وغربية، في مقدمها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا إلى إدراج لبنان ضمن الجهود الإقليمية لخفض التصعيد، وحثّ جميع الأطراف على العمل للتوصل إلى حل سياسي دائم، عادَّاً أن استمرار الحرب يقوّض فرص التهدئة.

ورحّب الوزراء بمبادرة الرئيس اللبناني لفتح محادثات مباشرة مع إسرائيل، وبقبول إسرائيل خوض هذه المفاوضات بوساطة الولايات المتحدة، مؤكدين أن هذه الخطوة قد تمهّد لتحقيق أمن مستدام للبنان وإسرائيل والمنطقة. كما دعوا إلى خفض التصعيد بشكل عاجل والاستفادة من التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران.

طفل وعناصر الدفاع المدني بموقع أحد المباني التي دُمّرت بقصف إسرائيلي الأسبوع الماضي في بيروت (أ.ب)

كذلك، أدان البيان هجمات «حزب الله» ضد إسرائيل، بالتوازي مع إدانة الضربات الإسرائيلية على لبنان، مع التشديد على ضرورة حماية المدنيين والبنى التحتية، إضافة إلى التأكيد على حماية قوات «يونيفيل»، والاستعداد لتقديم مساعدات إنسانية، ودعم الدولة اللبنانية في بسط سيادتها وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك، جددت وزيرة خارجية كندا أنيتا أناند، خلال اتصال مع وزير الخارجية يوسف رجّي دعم بلادها لسيادة لبنان وسلامة أراضيه ومؤسساته الدستورية.

وأعربت أناند عن «إدانة كندا للغارات الإسرائيلية على لبنان التي تتسبب في سقوط ضحايا مدنيين أبرياء»، مؤكدة «وقوف بلادها إلى جانب قرارات الحكومة اللبنانية الرامية إلى بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها».

وأبلغت الوزيرة الكندية الوزير رجّي بـ«رصد بلادها مساعدات إنسانية بقيمة أربعين مليون دولار، ستقدم إلى لبنان عبر المنظمات الإنسانية الدولية».

هدنة داخلية

وفي إطار المفاوضات، رأى نائب رئيس الحكومة طارق متري أن المطلوب في هذه المرحلة هو التوصل إلى هدنة تتيح إجراء مفاوضات في أجواء هادئة، مؤكداً أن التفاوض لا يشكل اعترافاً بإسرائيل، بل يشكّل وسيلة لوقف الحرب وفتح الباب أمام الحلول السياسية.

وبعد لقائه الرئيس عون أكد وزير الإعلام بول مرقص أن «الحل يكمن عبر آلية التفاوض برعاية دولية، والحرب لا تفيد إلا في جعل التدمير أكبر. وبالتالي، نحن ذاهبون إلى الحل الذي هو الأساس، والذي طرحه فخامة الرئيس».

وفي رد على سؤال حول رأيه بالمفاوضات قبل وقف إطلاق النار، قال مرقص: «جواب فخامة الرئيس واضح، من خلال الدعوة والتشديد والضغط لوقف إطلاق النار ووقف الحرب. وبالتالي، نحن سائرون في هذه المبادرة الرئاسية، وآمل أن تسفر عن النتيجة التي نطمح إليها».

كذلك، برزت مواقف سياسية داعمة لخيار التفاوض، إذ عدّ النائب ميشال معوض أن المفاوضات تمثل مسؤولية وطنية لوقف الحرب واستعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها، في حين شدد النائب أكرم شهيب على دعم التفاوض المباشر ضمن سقف محدد يحفظ دور الدولة ويكرّس حصرية السلاح بيدها.


دروز جبل السماق يطالبون بمراكز تنسيب للجيش والأمن السوريَّيْن

استقبال شعبي حافل لوفد السويداء في جبل السماق بين الأوابد الأثرية المميزة (حساب فيسبوك)
استقبال شعبي حافل لوفد السويداء في جبل السماق بين الأوابد الأثرية المميزة (حساب فيسبوك)
TT

دروز جبل السماق يطالبون بمراكز تنسيب للجيش والأمن السوريَّيْن

استقبال شعبي حافل لوفد السويداء في جبل السماق بين الأوابد الأثرية المميزة (حساب فيسبوك)
استقبال شعبي حافل لوفد السويداء في جبل السماق بين الأوابد الأثرية المميزة (حساب فيسبوك)

سلطت الجولة التي يقوم بها وفد من محافظة السويداء برئاسة الشيخ ليث البلعوس زعيم حركة «رجال الكرامة»، إلى محافظات إدلب وحلب والرقة، الضوء على أهالي جبل السماق؛ إذ توجد أربع عشرة قرية درزية، الذين يطالبون بانضمام أبنائهم إلى مؤسسات الجيش والأمن السوري، في الوقت الذي يزداد فيه ملف محافظة السويداء تعقيداً في ظل دعوات الانفصال المدعومة من إسرائيل.

وقال عضو الهيئة الاستشارية في وزارة الدفاع، العميد رياض الأسعد، الذي رافق الوفد في جولته بإدلب لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدف من الجولة توصيل رسالة بأن «المشاريع القادمة إلينا من الخارج مرفوضة منا ومن أهل المنطقة».

وتابع أن الجولة تستكمل جولات سابقة، وهناك زيارات لاحقة، بهدف «بناء التعاون وتعزيز الثقة والوحدة»، وتوصيل رسالة بأن «الشعب السوري واحد، وأن المشاريع القادمة إلينا من الخارج مرفوضة منا ومن أهل المنطقة»، في إشارة إلى مشروع انفصال السويداء الذي يقوده الزعيم الدرزي الشيخ حكمت الهجري، بتشجيع من إسرائيل.

الشيخ ليث البلعوس يؤم المصلين في الجامع الأموي بحلب صورة (متداولة)

وفي مشهد لافت، الثلاثاء، ظهر الشيخ ليث البلعوس يؤم المصلين في الجامع الأموي بمدينة حلب، وذلك ضمن جولة قام بها مع وفد من نخب وأهالي جبل العرب.

وخلال لقائه مع أهالي جبل السماق، بحضور مدير منطقة حارم، حسين الجديد، قال الشيخ ليث البلعوس إن الحكومة وجهت الاهتمام بالواقع الخدمي والأمني بجبل السماق، وستفتح مراكز أمنية هناك؛ لمتابعة الوضع الأمني ومنع الخروقات، داعياً السوريين إلى مد جسور الثقة تجاه أبناء محافظة السويداء، وتوجيه خطاب «وحدة» يبث روح التعاضد والتعاون والمحبة بين أبناء الشعب السوري.

وفد السويداء في جبل السماق بريف إدلب ويظهر العميد رياض الأسعد والشيخ ليث البلعوس (حساب فيسبوك)

وقال العميد رياض الأسعد الذي حضر اللقاء إن الانتساب للجيش وقوى الأمن مطلب لأبناء المنطقة الذين وصفهم بأبناء «الثورة»، مشيراً إلى وجود العديد الذين يريدون استكمال انتسابهم، وآخرين سبق وكانوا في الجيش ويريدون العودة إلى الخدمة.

وكانت وزارة الدفاع السوري قد افتتحت في مارس (آذار) 2025 مركز انتساب بهدف دمج الفصائل المحلية بالسويداء في الجيش السوري، انضم إليه قسم من أبناء السويداء بالريف الغربي وحركة «رجال الكرامة» وفصائل أخرى، خضعوا لتأهيل وتدريبات وما زالوا يؤدون خدمتهم ضمن مديرية أمن بلدة المزرعة ومديرية أمن السويداء، في إطار تفاهم بين الحكومة وفصائل السويداء والزعامات الروحية، عدا الشيخ حكمت الهجري الذي نحا باتجاه تشكيل «حرس وطني» أعلن عنه في أغسطس (آب)، والدعوة إلى إقامة كيان إدارة ذاتية عقب الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو (تموز) 2025.

صورة جماعية لوفد السويداء وأهالي جبل السماق بريف إدلب (حساب فيسبوك)

التصدي لخطاب الكراهية

الصحافي مرهف الشاعر، ابن مدينة السويداء، اعتبر جولة الوفد إلى محافظة إدلب وجبل السماق «تأكيداً على فتح آفاق جديدة للتلاقي الدائم بين السوريين، والتصدي لخطاب الكراهية والإقصاء»، في ظل المشاريع التي تستهدف الهوية الوطنية السورية والانفصال، كما يحصل لدى تيار حكمت الهجري الذي يعمل على «اختطاف السويداء لصالح مشروعه الخاص القائم على عزل المسلمين الموحدين الدروز عن عمقهم العربي والإسلامي والسعي لتفتيت سوريا».

وتابع أن الزيارة تضاف إلى الدور الوطني الذي يمثله الشيخ ليث وأهالي جبل العرب الذين يرفضون الاستثمار السياسي في دماء ناسهم، ويتمسكون بضرورة حفظ حقوقهم ومد يد العون لتكريس السلم الأهلي وإيجاد المخارج الوطنية الصحيحة، لافتاً إلى أن حل ملف السويداء يتطلب في أحد مساراته «تكثيف الحراك الاجتماعي، والتواصل الفعال لشرح تداعيات الكارثة التي أحلت بالسويداء وجبر ضررها، والسعي إلى لملمة الجراح والدفع باتجاه تعزيز بناء الثقة بين مختلف مكونات الشعب السوري في وجه الدعايات السامة التي تعيش على الفتنة والتحريض».

محافظ الرقة عبد الرحمن سلامة استقبل ممثل مضافة الكرامة الشيخ ليث البلعوس (المحافظة)

يذكر أن العدد الأكبر من الدروز في سوريا يتركز في محافظتي السويداء وريف دمشق، وهناك عدد أقل في محافظة إدلب حيث يقطنون في سبع عشرة قرية شمال غربي المحافظة، ثلاث قرى منها مختلطة سنة ودروز، وأربع عشرة قرية درزية بالكامل، أكبرها قرى كفتين ومعرة الإخوان وكفر بني وقلب لوزة. وقد تراجع عدد الدروز في إدلب من نحو ثلاثين ألف نسمة عام 2011 إلى نحو 12 ألف نسمة في الوقت الحالي.

الصحافي مرهف الشاعر أكد «البصمات الواضحة في الثورة» لأهالي جبل السماق، «رغم محاولات النيل منهم، إلا أنهم بوصفهم موحدين مسلمين كانوا في طليعة الأهالي المدافعين عن الثورة والوحدة الوطنية». واعتبر الاهتمام الحكومي بمطالب الأهالي الخدمية والوعود بفتح مركز طبي وشبكة مياه ومركز أمني يكون على استجابة مباشرة وفتح أبواب للتطوع لشبان المنطقة، ضمن «سلسلة الإجراءات التي تعد بها الحكومة».

وأكد الشاعر أن هذه الجولة «تفتح الأبواب لأنْ تكون عناوينها وحدة الأراضي السورية، ورفض مشاريع الانفصال، والبناء على كل ما يجمع السوريين ضمن إمكانات العمل الوطني الاجتماعي».

إدارة التنوع

لافتة ترحب بوفد السويداء في جبل السماق (حساب فيسبوك)

يشار إلى أن تنسيب أبناء الطائفة الدرزية في محافظة إدلب، «يسحب ادعاء تيار الهجري بأن الجيش وقوى الأمن السوري هما من لون واحد؛ أي من العرب السنة»، وفق المدير التنفيذي في مركز الحوار السوري الباحث أحمد قربي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، مشدداً على «أهمية الخطوة»؛ فبعد تحقيق مستوى من الاستقرار الأمني المقبول، لا بد من الارتقاء بالمؤسسات كي تصبح «مؤسسات وطنية» تمثل جميع أبناء الوطن الواحد، بمعنى «إدارة التنوع من خلال الإشراك بالسلطة».

ولفت الباحث قربي إلى أن ذلك يأتي في إطار حدثين مهمين؛ الأول إدماج «قسد» في مؤسسات الدولة، والثاني عمل إسرائيل على استغلال الورقة الدرزية ومحاولة الهجري احتكار تمثيل الدروز في سوريا.

وقال إن تمثيل المكونات داخل مؤسسات الدولة مفيد سياسياً، ورسالة طمأنة للمكونات السورية، مع ضرورة الحذر من منح امتيازات، على حساب الكفاءات، لا سيما في مؤسسات الدولة، التي يجب أن تكون فيها الأولوية للكفاءة، وأن المحاصصة والتمثيل يكونان في الجانب السياسي عير الأحزاب والتمثيل البرلماني، أما في بناء مؤسسات الدولة، فإن الأولوية للكفاءة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.


التحالف الحاكم ببغداد في سباق مع الهدنة الإقليمية

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع الإطار التنسيقي)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع الإطار التنسيقي)
TT

التحالف الحاكم ببغداد في سباق مع الهدنة الإقليمية

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع الإطار التنسيقي)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع الإطار التنسيقي)

رغم تأكيدات تصدر عن شخصيات سياسية من «الإطار التنسيقي» بشأن حسم تشكيل الحكومة خلال الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن مؤشرات قائمة لا تشجع المراقبين على التفاؤل في هذا السياق.

وجاء إخفاق القوى الشيعية في عقد اجتماع، مساء الاثنين، (اقتصر على حضور بعض الشخصيات)، ليعزز من القناعة بأن الأمور لا تسير بشكل يؤدي الى «حسم سريع» لملف الحكومة بالنظر إلى التقاطعات الحادة بين زعامات «الإطار التنسيقي».

مع ذلك، ما زال بعض التيارات داخل التحالف الحاكم يتحدث عن قرب حسم ملف الحكومة بالنظر إلى الضغوط المحلية والاقليمية والدولية، خصوصاً بعد الانتهاء من ملف انتخاب رئيس الجمهورية، وهو الذريعة التي كانت تقدمها القوى «الإطارية» بشأن عدم اتفاقها النهائي على مرشح رئاسة الوزراء الذي لا يمكن طرحه قبل انتخاب الرئيس حيث يكون هو المسؤول عن تكليفه تشكيل الحكومة.

وعقدت قيادات «الإطار التنسيقي»، مساء الاثنين، اجتماعاً مصغراً في منزل رئيس «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، للتباحث بشأن أجندة الاجتماع المقبل المخصص لحسم ملف رئاسة الحكومة المرتقبة. وهو الاجتماع الذي قيل إنه سيكون حاسماً لطرح مرشح «الإطار» لرئاسة الحكومة، بيد أن غياب شخصيات وازنة، منهم رئيس حكومة تصريف الأعمال، محمد شياع السوداني، حال دون الخروج بخطوات جدية.

ويفترض أن يُعقد الاجتماع الحاسم والجديد، الأربعاء، في منزل رئيس «المجلس الإسلامي الأعلى» همام حمودي. ورغم تمسك المالكي بترشيحه السابق من قبل القوى «الإطارية» لمنصب رئاسة الوزراء، فإن بعض المصادر يفيد بأن الأمور تتجه إلى طرح ترشيح وزير التخطيط الأسبق عن «التيار الصدري»، علي الشكري، ليحل محله.

مشكلة المرشحين

ما زال اختيار المرشح المناسب لشغل منصب رئيس الوزراء هو المحور الأساسي الذي يدور بشأنه معظم الخلافات والتعقيدات المرتبطة بهذا الملف داخل قوى «الإطار التنسيقي»، طبقاً لمصدر قيادي في «الإطار».

ويقول المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن قضية اختيار رئيس للوزراء مرتبطة بـ«شبكة واسعة من التعقيدات المحلية والإقليمية والدولية». ويضيف أن «على القوى (الإطارية) التفاهم فيما بينها أولاً على اسم المرشح، ومن ثم حيازة الموافقة الإقليمية المتمثلة في إيران، إلى جانب بقية الأطراف العربية... وغيرها، والأهم في هذه المرحلة قبول الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً بعد إعلان رفضها ترشيح نوري المالكي واعتراضها الضمني على السوداني ومرشحين آخرين».

ويؤكد المصدر أن «قوى (الإطار) في موقف لا تحسد عليه في ظل الضغوط الشديدة التي تواجهها داخلياً وخارجياً. مع الوقت، صار معظم قادتها يدركون (الورطة) التي تواجههم، وإذا راجعوا الشخصيات التي يريدون طرحها فإنهم يواجهون حقيقة أن معظمها؛ إن لم نقل جميعها، محل اعتراض طرف دولي أو إقليمي أو محلي».

مع ذلك، يرى المصدر أن «الوقت ضيق جداً بالنسبة إلى قوى (الإطار التنسيقي)، بالنظر إلى التحديات العصيبة التي تمر بها البلاد، ولا بد من وجود حكومة كاملة الصلاحيات، بجانب المخاطر الإضافية من إمكانية تفجر الحرب الإقليمية في أي لحظة».

زاوية حرجة

بدوره، يرى الأكاديمي رئيس «مركز التفكير السياسي»، إحسان الشمري، أن «القوى» وضعت نفسها في «زاوية حرجة جداً» حين لم تتمكن في وقت مبكر من حسم مرشحها لرئاسة الوزراء.

ويعتقد الشمري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن مجموعة الاحتجاجات الصادرة عن بعض دول الخليج على الحكومة العراقية بعد شن الفصائل المسلحة هجمات عليها «تضع تحدياً آخر على قوى (الإطار) في مسألة اختيار الشخصية المناسبة لقيادة المرحلة المقبلة».

ويضيف أن ذلك سيدفع القوى «الإطارية» إلى التفكير في «طرح شخصية تتسم بالتوازن، ولها امتدادات إقليمية وعربية خليجية؛ من أجل ترميم علاقات العراق مع دول الخليج العربي بعد موجة الاستهدافات التي طالتها».

ويشير إلى أن القوى الشيعية لا بد من أن «لديها رغبة عامة لتلافي ارتدادات الحرب بين واشنطن وطهران، وهي رغبة يمكن أن تنعكس على طبيعة الشخصية التي تقود الحكومة في المرحلة المقبلة».

من اجتماع لقوى «الإطار التنسيقي» (واع)

عوامل عدة للحسم

إلى جانب ذلك، يرى الشمري أن عوامل عدة تدعو القوى «الإطارية» إلى حسم ملف الحكومة؛ لأن أي «تأخير جديد ستكون له عواقبه الوخيمة على البلاد، وعلى هذه (القوى) بشكل خاص».

وذكر أن «انتخاب رئيس الجمهورية أسقط سردية القوى (الإطارية) بشأن رئيس الوزراء، حيث كانت بيانات القوى (الإطارية) تركز على ضرورة حسم الكرد مرشح رئاسة الجمهورية، وحين صار لدينا اليوم رئيس للجمهورية، فإن الحجة (الإطارية) باتت في مهب الريح، وعليهم حسم مرشحهم لرئاسة الوزراء».

وتمثل، وفق الشمري، المدة الدستورية المحددة بـ15 يوماً بعد انتخاب رئيس الجمهورية لتكليف رئيس الوزراء، «عاملَ ضغطٍ إضافياً على القوى (الإطارية) للإسراع في تقديم مرشحها».

وهناك أيضاً تحدى «الخروج من الأزمة مع واشنطن» بوصفه أحد عوامل الضغط على «الإطاريين» لحسم ملف تشكيل الحكومة؛ إذ يدرك قادة «الإطار» أن من «مصلحة البلاد مراعاة الرغبة الأميركية التي قد يؤدي تجاهلها إلى مشكلات غاية في التعقيد والخطورة على البلاد ومستقبل الحكومة والعملية السياسية».

Your Premium trial has ended