السودان: 68 عاماً من الاستقلال... 60 عاماً من الحروب

جميعها انتهت بالمفاوضات... في انتظار حسم «حرب الجنرالين»

البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
TT

السودان: 68 عاماً من الاستقلال... 60 عاماً من الحروب

البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)
البشير خاض نظامه حروباً لسنوات عديدة في جنوب السودان ودارفور (أ.ف.ب)

تتجه أنظار السودانيين إلى جنيف والمفاوضات الجارية هناك، بانتظار التوصل لحل تفاوضي يوقف نزيف الدم وينهي الموت الذي يحوم فوق رؤوس الناس منذ أكثر من 16 شهراً، ويضع حداً للمأساة الإنسانية التي تهدّد أكثر من نصف سكان البلاد، لكن الحكومة السودانية المدعومة من الجيش، التي تتخذ من بورتسودان عاصمة مؤقتة، ترفض الذهاب إلى هناك، وتتمسك بمواصلة القتال ما لم تتم الاستجابة لشروطها.

يُجمع معظم المواطنين في السودان والإقليم والعالم على أن الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» التي تُسمى اختصاراً بـ«حرب الجنرالين» لن تسفر عن منتصر، ومصيرها طاولات التفاوض كحال الحروب السودانية كلها، التي انتهت بالتفاوض واتفاقات السلام. فالجيش الذي خاض حروباً استمرت قرابة 60 عاماً، لم تنتهِ واحدة منها بانتصار عسكري حاسم، بل بتفاوض وتوقيع اتفاقات سلام.

حرب «الكتيبة الاستوائية» 1955 ـ 1972

تاريخياً، بدأت أولى حروب الجيش السوداني قبيل استقلال البلاد بعام واحد في 1955، بتمرد «الكتيبة الاستوائية»، الذي تطور لينتج الحركة المتمردة الشهيرة المسماة «أنانيا 1» في جنوب السودان القديم، بقيادة جوزيف لاقو، التي انتهت في عام 1972 عبر التفاوض، بما عُرفت في التاريخ السياسي السوداني بـ«اتفاقية أديس أبابا»، التي توسّط فيها إمبراطور إثيوبيا وقتها هيلاسلاسي، ورعاها مجلس الكنائس العالمي في عام 1972.

الرئيس الراحل جعفر النميري خلال جولة في جنوب السودان في يناير1977 وخلفه (في الوسط) أبل ألير رئيس المجلس التنفيذي الأعلى لجنوب السودان (غيتي)

ونال جنوب السودان بموجب هذه الاتفاقية مطلبه في الحكم الذاتي، وحصل بموجبها زعيم المتمردين الجنرال جوزيف لاقو على منصب نائب رئيس الجمهورية.

حرب 1983 – 2005 وانفصال الجنوب

لكن التمرد عاد مجدداً بعد إعلان الرئيس الأسبق جعفر النميري ما عُرفت بـ«قوانين الشريعة الإسلامية» عام 1983، ونشأت تبعاً لذلك «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة الراحل جون قرنق، التي خاضت واحدة من أطول الحروب في العالم وأكثرها ضراوة، وراح ضحيتها نحو مليونَي مدني، لتسجل أعلى نسبة ضحايا في صفوف المدنيين منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد ضغوط من المجتمع الدولي، اضطرت الحكومة لتوقيع ما عُرفت بـ«اتفاقية السلام الشامل» في مدينة نيفاشا الكينية، في 2004، بعد 21 عاماً من القتال، وقضت بمنح جنوب السودان «حق تقرير المصير» عبر استفتاء مواطنيه.

وخلال الفترة الانتقالية التي امتدت حتى 2011 شغل قائد الحركة الشعبية جون قرنق ديمبيور منصب النائب الأول للرئيس عمر البشير، وبعد رحيله في 2005 خلفه في المنصب نائبه سلفا كير ميارديت، الرئيس الحالي لجمهورية جنوب السودان.

اتفاق 9 يناير 2005 بين البشير وقرنق وعلي عثمان طه الذي وضع حداً لـ21 سنة من الحرب الأهلية في الجنوب (رويترز)

وأدى استفتاء تقرير المصير في 2010 إلى تصويت 99 في المائة من المواطنين الجنوبيين لصالح الانفصال، وأُعلنت تبعاً لنتيجته رسمياً «جمهورية جنوب السودان»، وخسر السودان نحو ثلث مساحته وربع سكانه و75 في المائة من ثرواته.

حروب دارفور 2003 - 2020

انطفأت نار الحرب باستقلال جنوب السودان، لكن نيران حرب أخرى اشتعلت في دارفور في غرب البلاد، بين الجيش وحركتين متمردتين هما «تحرير السودان»، و«العدل والمساواة»، للأسباب ذاتها التي أدت إلى حرب جنوب السودان.

واستمرت حرب دارفور من 2003 حتى عام 2020، وانتهت بتوقيع الجيش إبان فترة الحكومة المدنية الانتقالية «اتفاقية جوبا لسلام السودان» مع الحركات المسلحة، برعاية من دولة جنوب السودان، وحصلت بموجبها أيضاً على حصة في السلطة والثروة.

وبعد حرب الجنوب، تعد حرب دارفور الأشرس، إذ راح ضحيتها أكثر من 300 ألف مدني؛ ما أدى لاتهام الجيش والحكومة الإسلامية بقيادة عمر البشير بممارسة التطهير العرقي وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ففي سابقة دولية، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر بالقبض على الرئيس السابق عمر البشير و3 من معاونيه الكبار، ولا تزال المحكمة تطاردهم.

الرئيس الجنرال إبراهيم عبود (1958-1964) في عهده اندلعت حرب الجنوب الأولى (غيتي)

وتنقلت المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة الدارفورية بين موائد تفاوض عدة، في تشاد وليبيا ونيجيريا وقطر، وأفلحت هذه المفاوضات في توقيع اتفاق سلام فصيل من حركة «تحرير السودان» بقيادة حاكم دارفور الحالي مني أركو مناوي، وظل شقها الآخر بقيادة عبد الواحد محمد النور يرفض أي اتفاق سلام، وهو لا يزال يسيطر على مناطق واسعة من جبل مرة ووسط إقليم دارفور.

ونال مناوي بعد توقيعه اتفاقية أبوجا بنيجيريا 2006، منصب مساعد رئيس الجمهورية، لكنه اضطر للتمرد مرة أخرى، وظل متمرداً حتى توقيع اتفاقية جوبا لسلام السودان في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، بعد سقوط نظام الإسلاميين بقيادة عمر البشير.

حرب كردفان وجنوب النيل الأزرق

وخلال حرب دارفور اشتعلت حروب أخرى في ولايتَي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، أو في «المنطقتين» بحسب توصيف اتفاقية السلام الشامل لهما، إثر تمرد «الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال»، المكونة من مواطنين سودانيين اختاروا في السابق الانحياز لجنوب السودان في الحرب الأهلية وانضموا لـ«الحركة الشعبية الجنوبية» بقيادة نائب رئيس المجلس السيادي الحالي مالك عقار.

ولم تتوقف الحرب مع «الحركة الشعبية لتحرير الشمال» منذ 2011 وحتى الآن، وشهدت خلال ذلك عدداً من جولات التفاوض مع الحكومة و«الحركة الشعبية». وانشقت «الحركة الشعبية» إلى حركتين، واحدة بقيادة مالك عقار وقّعت «اتفاق جوبا لسلام السودان»، بينما واصلت الأخرى بقيادة عبد العزيز آدم الحلو القتال في جنوب كردفان وأجزاء من النيل الأزرق، ولا تزال تسيطر على منطقة كاودا بجنوب كردفان وأجزاء من ولاية النيل الأزرق، كما لا تزال تخوض قتالاً ضد الجيش السوداني استمرّ حتى إبان حرب الجيش و«الدعم السريع».

حرب شرق السودان

بدورها، خاضت قوات «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض، المكونة من القوى التي أطاح بها انقلاب الإسلاميين بقيادة حسن الترابي في يونيو (حزيران) 1989، حرباً ضد الجيش انطلاقاً من دولة إريتريا، انتهت بتفاوض أعقبه توقيع اتفاقية السلام الشامل الذي عُرف بـ«اتفاق القاهرة».

وفي الشرق، انتهت الحرب مع «جبهة شرق السودان» بتفاوض مع الحكومة السودانية في العاصمة الإريترية، أسمرا، واتفاق عُرف بـ«اتفاق شرق السودان»، الذي نال بموجبه قائد قوات شرق السودان، موسى محمد أحمد، منصب مساعد رئيس الجمهورية.

حرب الجنرالين 2023 - مستمرة

أوقعت حرب الجنرالين المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، عشرات الآلاف من القتلى، وأدت إلى أزمة إنسانية كبرى، وفق الأمم المتحدة. وأرغم النزاع أكثر من خُمس السكان على النزوح، بينما يواجه نحو 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف عدد سكان السودان، «انعدام الأمن الغذائي الحاد»، وفق ما أفاد تقرير مدعوم من الأمم المتحدة في يونيو. دفعت الحرب بمخيم زمزم للنازحين قرب مدينة الفاشر المحاصرة في إقليم دارفور بغرب البلاد إلى المجاعة. ورغم ذلك ورغم التجارب الماضية والدروس من حروب الماضي، فإن الجيش السوداني، الذي يقاتل حليفه السابق، (قوات الدعم السريع)، لا يزال يرفض التفاوض في منبر جنيف الحالي، ويريد أن يتم التفاوض عبر الحكومة المدعومة من قبله، متجاهلاً أنه تفاوض مع «الدعم السريع» في جدة في 11 مايو (أيار) 2023، ووقّعا بوصفهما جيشَين «إعلان جدة الإنساني»، وبيان 7 يونيو 2023.

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان أيام تحالفهما (أرشيفية)

كما جمعت مائدة تفاوض في المنامة البحرينية كلاً من نائب القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، والقائد الثاني لـ«قوات الدعم السريع» الفريق عبد الرحيم دقلو، وتوصلا سراً إلى مشروع اتفاق بين جيشيهما، ثم تراجع الجيش عنه من دون أي تعليق بعد تسرب الاتفاق إلى العلن.

سيناريوهات مرتقبة

يرجع المقدم بحري المتقاعد عمر أرباب، مشكلة الجيش التي تدفعه لرفض التفاوض الجاري، إلى أنه يبحث عن «وضع تفاوضي أفضل»، لذلك يلجأ لـ«التعنت» بحثاً عن شرعية دون حساب للموقف الميداني. ويتابع أرباب لـ«الشرق الأوسط»: «معلوم أن أي عملية تفاوضية تلحق بعمل عسكري ترتكز عليه، وترتكز على موازين القوى في الأرض».

ويشير المقدم أرباب إلى سيناريوهين يلعب عليهما الجيش والحكومة، أولهما تليين موقف الوسطاء ليحقق مكاسب تفاوضية، والثاني يتمثل في انتظار الحصول على «موقف ميداني أفضل»، يتغير به الواقع الميداني العسكري، ليفاوض من موقف أقوى.

ويتساءل المقدم أرباب: «هل يمكن لطرف متقدم عسكرياً أن يقدم تنازلات تفاوضية دون مقابل؟». ويتابع: «هل بالإمكان تحقيق تقدم ميداني كبير يؤثر في العملية التفاوضية؟».

ويقطع أرباب بعجز الجيش عن تحقيق تقدم ميداني آني، مضيفاً: «التعنت قد يؤثر سلباً في عملية الإمداد اللوجيستي للقوات، وبذلك يضر بالعمل العسكري، وقد يقود لفرض مزيد من العقوبات، والتضييق، والحصار اللوجيستي الذي قد يتطور إلى حلول عسكرية وتدخل دولي».

الجيش لا يريد اتفاقاً

وتوقّع المقدم أرباب إرسال الجيش وفداً إلى جنيف بهدف «تخفيف الضغوط الدولية الواقعة عليه وتقليل آثارها السالبة، وليس من أجل الوصول لاتفاق، بل من أجل رفض جديد لأي اتفاق».

بدوره، يرى المحلل السياسي والقانوني حاتم إلياس، أن موقف الجيش يستند إلى «أخذ الشعب السوداني رهينة» يساوم بها المجتمع الدولي، وفي الوقت ذاته يستغل المخاوف من تهديد الاستقرار والسلم في الإقليم. ويقول: «تقع الأزمة الإنسانية التي لفتت أنظار العالم كله في آخر اهتمامات الجيش، لذلك يستغلها ليقدم نفسه جيشاً وحكومةً».

البرهان لم يوافق حتى الآن على إنهاء الحرب الحالية والجلوس للتفاوض مع حليفه السابق قائد «الدعم السريع» محمد حمدان (أ.ف.ب)

ويصف إلياس موقف الجيش بـ«المناورة» التي تهدف للحصول على ترتيبات حل عسكري وسياسي معاً تبقيه ضمن المعادلة السياسية، والحصول على اعتراف دولي بأنه سلطة سياسية وعسكرية معاً. ويتابع: «يسعى الجيش لكسب موقع المفاوض السياسي والعسكري معاً، ورفضه ليس نابعاً من كونه جيشاً مستقلاً لأنه غارق تماماً في السياسة، بل هو صوت الإسلاميين والحركة الإسلامية».

ويصف إلياس جهود المجتمع الدولي لإقناع الجيش بالتفاوض بأنها محاولة «لإنهاء اختطافه للشعب». ويضيف: «يبدو المجتمع الدولي وكأنه يقود تفاوضاً (هيولوودياً) في تعامله مع الأزمة الإنسانية. وهو يدخل مع الجيش في تفاوض لإنهاء اختطافه للشعب». ويتابع: «المجتمع الدولي لن يعطيه كل ما يريد، لأنه أصبح مكشوفاً بوصفه واجهة للإسلاميين، والتفاوض معه يهدف لإنهاء حالة الاختطاف».


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء السودان يعلن عودة للحكومة إلى الخرطوم

شمال افريقيا جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 احتفالاً بالذكرى الـ71 لتأسيس الجيش (أ.ف.ب)

رئيس وزراء السودان يعلن عودة للحكومة إلى الخرطوم

أعلن رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، عودة الحكومة رسمياً إلى العاصمة الخرطوم بعد نحو 3 سنوات من انتقالها إلى مقرها المؤقت في بورتسودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

حرب مُسيَّرات متصاعدة في دارفور ومعارك قرب الحدود التشادية

تواصلت المواجهات بين الجيش وحليفته «القوة المشتركة»، و«قوات الدعم السريع»، قرب حدود تشاد، وسط تبادل للاتهامات بشأن السيطرة الميدانية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)

مصر تطور منظومة تشغيل «السد العالي» لحماية أمنها المائي

احتفت مصر، الجمعة، بمرور 66 عاماً على قيام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بوضع حجر الأساس لمشروع «السد العالي» في 9 يناير عام 1960.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقاتلة باكستانية من طراز جاي.إف 17 ثاندر في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

باكستان لتزويد السودان بطائرات هجومية ومسيرات بقيمة 1.5 مليار دولار

قال مسؤول كبير سابق في القوات الجوية إن باكستان في المراحل النهائية لإبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لتزويد السودان بأسلحة وطائرات هجومية ومسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيرة على بورتسودان (رويترز) play-circle

برلين تعلن عن مؤتمر لدعم السودان في أبريل

تخطط ألمانيا لاستضافة مؤتمر خلال الربيع يهدف لجمع مساعدات طارئة للسودان، بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)

يعقد مجلس النواب المصري المنتخب حديثاً أولى جلساته، الاثنين، بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين 28 عضواً بالمجلس، نصفهم من النساء.

ويبلغ عدد الأعضاء المنتخبين 568 نائباً، ليصل إجمالي عدد أعضاء المجلس إلى 596 نائباً. وتُعقد الجلسة وسط تكهنات واسعة بشأن هوية رئيس المجلس الجديد، مع ترجيحات كبيرة تصب في صالح المستشار هشام بدوي، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقاً.

ويأتي انعقاد المجلس عقب مسار انتخابي معقد وطويل استمر 99 يوماً، وشهد ثماني جولات تصويت شملت 27 محافظة على مرحلتين، إضافة إلى جولتي إعادة بكل مرحلة. كما تخللت العملية الانتخابية إعادة التصويت في 19 دائرة ألغيت بقرارات من «الهيئة الوطنية للانتخابات»، و30 دائرة أخرى أُلغيت بأحكام قضائية.

ونشرت الجريدة الرسمية، الأحد، قرار رئيس الجمهورية بدعوة مجلس النواب لافتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث في تمام الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين الموافق 12 يناير (كانون الثاني) 2026.

ومن المقرر، حسب قرار رئيس الجمهورية المنشور في الجريدة الرسمية، أن تُعقد الجلسة الإجرائية برئاسة أكبر الأعضاء سنّاً، حيث تبدأ بأداء النواب اليمين الدستورية، يليها انتخاب رئيس المجلس ووكيلين له، وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في اللائحة الداخلية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وحتى مساء الأحد، لم تُحسم أسماء المرشحين رسمياً لرئاسة المجلس، غير أن تكهنات إعلامية تحدثت عن عدة أسماء بارزة، من بينها المستشار بدوي، وأستاذ القانون الدستوري الدكتور صلاح فوزي.

وتُعد كفة بدوي الأرجح، وفق البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري الذي قال في تغريدة عبر منصة «إكس»: «كل المؤشرات تؤكد أن المستشار هشام بدوي يتجه إلى منصب رئيس مجلس النواب».

وضمت أسماء الأعضاء الثمانية والعشرين، الذين أصدر رئيس الجمهورية قراراً بتعيينهم في المجلس، شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، من بينها وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري، ووزير التعليم العالي الأسبق أشرف الشيحي، إلى جانب عضوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ثريا البدوي، وهي أيضا أستاذة للإعلام في جامعة القاهرة.

وأثار تعيين شكري اهتمام باحثين ومراقبين، من بينهم أستاذ العلاقات الدولية رامي عاشور الذي عدّ أن انضمام وزير الخارجية السابق إلى البرلمان «يعكس توجهاً للاستفادة من خبرته الدبلوماسية الممتدة التي قاربت عقداً من الزمن في منصبه الوزاري، فضلاً عن مسيرته الطويلة في السلك الدبلوماسي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال تكريم وزير الخارجية السابق سامح شكري (وزارة الخارجية)

ويرجح عاشور، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن يتولى شكري دوراً بارزاً داخل البرلمان، خصوصاً في لجنة العلاقات الخارجية أو لجنة الدفاع والأمن القومي، في ظل ما تواجهه مصر من تحديات تتصل بملفات غزة وليبيا والسودان وسد النهضة، وهي ملفات تفرض وفق تقديره «وجود ثقل دبلوماسي وخبرة تفاوضية داخل المؤسسة التشريعية».

وينص قانون مجلس النواب على أن لرئيس الجمهورية حق تعيين عدد من الأعضاء لا يزيد على 5 في المائة من المنتخبين، على أن يكون نصفهم على الأقل من النساء، وذلك لتمثيل الخبراء وأصحاب الإنجازات العلمية والعملية، والفئات التي يرى الدستور ضرورة تمثيلها، استناداً إلى ترشيحات جهات ومؤسسات وطنية مختلفة.

ومن المقرر أن تنعقد جلسة النواب الإجرائية بتركيبة سياسية جديدة، إذ أظهرت نتائج الانتخابات فوز 15 حزباً سياسياً بأكثرية مقاعد مجلس النواب، وفق تقرير أولي من «هيئة الاستعلامات المصرية» الأسبوع الماضي.

وأشار التقرير إلى أن أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعداً بما يقارب 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين، إلى جانب فوز 105 أعضاء من المستقلين، بنسبة تزيد على 18 في المائة.

وقال رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات المستشار حازم بدوي، السبت، إن نسبة المشاركة في العملية الانتخابية بلغت 32.41 في المائة، مشيراً إلى أن إجمالي عدد المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين وصل إلى 69 مليوناً و891913 ناخباً، فيما أدلى 22 مليوناً و657211 ناخباً بأصواتهم.

ومع بدء أولى جلساته، يواجه البرلمان الجديد اختباراً مزدوجاً يتمثل في تشكيل هيئته القيادية من جهة، وترجمة تطلعات الشارع إلى أداء تشريعي ورقابي فعّال من جهة أخرى، في ظل تحديات سياسية واقتصادية وأمنية إقليمية متشابكة.


تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
TT

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

فرضت ملفات عدة و«تحديات مشتركة» نفسها على لقاء مسؤولين عسكريين مصريين، بالفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، في ظل ما تشهده المنطقة من مستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار لكلا البلدين.

جانب من زيارة صدام حفتر إلى مصر (القيادة العامة الليبية)

ووصل صدام حفتر إلى القاهرة، السبت، في ثاني زيارة له في غضون شهر، تلبية لدعوة رسمية من القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول عبد المجيد صقر. وأُجريت له مراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وعزفت الموسيقى العسكرية السلام الوطني لكلا البلدين.

وقال المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، يوم الأحد، إن لقاء صقر مع صدام حفتر تناول «مناقشة علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين، بالإضافة إلى أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار بالمنطقة».

وتأتي زيارة صدام حفتر في ظل انشغال مصر بالوضع المتأزم في السودان، وسعياً إلى الحفاظ على وحدته، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، دون تدخلات خارجية. وكان صدام قد رافق والده المشير خليفة حفتر في زيارته الأخيرة إلى القاهرة في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التقاه فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتناولت بحث الحدود البحرية المشتركة، والوضع في السودان.

وتباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام إلى القاهرة، في أجواء لم تخلُ من الانقسام، إذ ذهب كل فريق لتفسيرها على النحو الذي يرضي جبهته، لكنّ المحلل السياسي أحمد أبو عرقوب، يرى أنها تأتي في إطار «تعزيز الأمن الإقليمي، وبحث ملفات من بينها الأوضاع في السودان».

جانب من القيادات العسكرية الليبية (القيادة العامة الليبية)

وقال أبو عرقوب لـ«الشرق الأوسط» إن «ملف السودان يحظى باهتمام مشترك بين مصر وليبيا، على أساس أن ما يجري في هذا البلد الشقيق يمس الأمن القومي للبلدين»، لافتاً إلى أن الحرب في السودان تؤثر سلباً على استقرار دول الجوار والمنطقة بشكل عام.

ويتوقع أبو عرقوب أن هذه الزيارة «جاءت للتنسيق بين البلدين للحد من التدخلات السلبية الخارجية في السودان، بما يعطي فرصة لإيجاد تسوية سياسية شاملة لضمان وحدة واستقرار السودان».

كما التقى الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الفريق صدام حفتر، وتناول اللقاء - حسب المتحدث العسكري المصري - عدداً من الملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك في ضوء دعم العلاقات العسكرية الثنائية بين الجانبين.

وأكد رئيس الأركان المصري على «اعتزازه بالعلاقات الراسخة التي تربط القوات المسلحة المصرية والليبية»، وفيما أشار إلى حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تعزيز أواصر التعاون في مختلف المجالات العسكرية بين البلدين الشقيقين، أكد على «أهمية تضافر الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات كافة التي من شأنها المساس بأمن واستقرار الدولة الليبية».

وتعمل مصر على دعم ليبيا «بشكل كامل»، كما تجدد تأكيدها على دعم المبادرات والجهود كافة الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية، ولا سيما تلك التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن. وشدّد على «ضرورة التصدي لأي تدخلات خارجية والعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا».

وأعرب صدام حفتر عن «تقديره لدور مصر الداعم للشعب الليبي في الحفاظ على سلامة ووحدة أراضيه، وسعي مصر الدائم إلى إرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة». ونقل مكتب الإعلام للقيادة العامة في ليبيا أنه جرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون المشترك، خصوصاً في مجال التدريب، وتبادل الخبرات بين الجانبين.

وأمام تصاعد التأويلات في ليبيا بشأن الزيارة وما تناولته، عدّ المحلل السياسي هيثم الورفلي، زيارة الفريق صدام حفتر إلى مصر «عادية ومتكررة» بالنظر إلى زيارته الأخيرة الشهر الماضي، التي رافقه فيها أيضاً رئيس الأركان العامة للجيش الفريق خالد حفتر.

وعبّر الورفلي عن اعتقاده بأن مصر «حليف استراتيجي للقيادة العامة الليبية، ودلالة هذه الزيارة هي دحض كل الافتراءات التي تتحدث عن توتر العلاقات بين مصر والقيادة العامة».

صدام يتلقى هدية تذكارية عبارة عن عربة حربية فرعونية من القيادة العامة المصرية (القيادة العامة الليبية)

وسبق أن شدّد السيسي خلال لقائه حفتر الشهر الماضي في القاهرة على «التزام مصر بمواصلة تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة للجيش والمؤسسات الوطنية الليبية؛ في إطار العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع بين البلدين والشعبين الشقيقين، وسط تأكيد على عمق العلاقات المصرية الليبية وخصوصيتها».

ونقل المتحدث الرئاسي حينها أن الجانبين «توافقا على أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية للوصول إلى تسوية سلمية تحفظ استقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه؛ وتم التأكيد في هذا الصدد على أن استقرار السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لمصر وليبيا».


هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
TT

هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)

عاد الهدوء الحذر عقب اشتباكات محدودة شهدتها العاصمة الليبية طرابلس مساء السبت، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني؛ في وقت أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، الأحد، استئناف «مسار الحوكمة» ضمن «الحوار السياسي المهيكل» باجتماع حضوري في طرابلس.

وجاء التصعيد الميداني المفاجئ ليعكس الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، إثر اشتباكات محدودة في منطقة «القره بوللي» (البوابة الشرقية للعاصمة) بين رفقاء الأمس؛ «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«اللواء 111 مجحفل» بقيادة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وسط تحشيدات عسكرية كبرى شملت تحرك أرتال من مصراتة وميليشيات الأمن العام داخل طرابلس.

وعزت مصادر محلية سبب الاشتباكات إلى اعتداء من عناصر «اللواء 444» على أفراد من «اللواء 111»، مما أشعل المناوشات وأدى إلى تبادل إطلاق نار بالأسلحة الثقيلة، في أحدث مواجهة مباشرة بين قطبين أمنيين في الغرب الليبي؛ مما يجعل الصراع «داخلياً» بامتياز داخل أروقة المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة.

ورصدت لقطات مصورة بثتها وسائل إعلام محلية، تحرك أرتال إضافية مثل «الأمن العام» في طرابلس، مما أثار المخاوف من اتساع رقعة الحرب لتهدد استقرار العاصمة والعملية السياسية برمتها.

ورغم أن الشرارة المباشرة غالباً ما تبدأ بخلافات على تمركزات أمنية أو نقاط تفتيش، لكن الأسباب العميقة تعود إلى الصراع الكلاسيكي المعتاد على مناطق النفوذ والسيطرة، حيث يسعى كل طرف لفرض سطوته باعتباره قوة وحيدة مسيطرة على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومصراتة.

ورغم أن هذه الأحداث تضع حكومة «الوحدة» في موقف محرج للغاية، حيث تظهر عجزها عن السيطرة على الفصائل التي تمولها، فإنها التزمت الصمت ولم تعلق هي أو أجهزتها الأمنية والعسكرية الأخرى على هذه التطورات.

لكن محمود حمزة، آمر «اللواء 444 قتال» اعتبر، خلال لقاء مفاجئ الأحد مع أهالي وأعيان وشخصيات بلدية سوق الجمعة، أن مدينة طرابلس وسوق الجمعة ستبقيان «واحة للاستقرار والأمن»، ولن تكونا ساحة للصراعات، مشدداً على أهمية التعاون والتكامل بين مختلف الجهات العسكرية والأمنية.

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمي الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

صورة وزعتها البعثة الأممية لاستئناف مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل»

وأعلنت البعثة الأممية الأحد استئناف «مسار الحوكمة»، أحد المسارات الأربعة للحوار السياسي الليبي المهيكل، بعقد اجتماع حضوري بطرابلس، سيستمر حتى نهاية الأسبوع الجاري.

ويأتي هذا الاجتماع بعد سلسلة من اللقاءات التي عُقدت عبر الإنترنت خلال الأسابيع الماضية، ناقش خلالها المشاركون عدداً من الملفات المتعلقة بتعزيز الحوكمة وإدارة المرحلة السياسية الراهنة.

وبجانب «مسار الحوكمة» الذي ترعاه البعثة الأممية ستجرى مناقشات فيما بعد تتعلق بالمسارات: السياسي والأمني والاقتصادي. وتهدف مجتمعة إلى تحقيق توافق وطني شامل يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الانقسام، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة وإنهاء الفترة الانتقالية، بما يدعم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

في سياق ذي صلة، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت، مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمى الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.