حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

دفن جثامين 57 توفوا بضربة الشمس في «رحلة الموت هرباً من الموت»

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
TT

حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)

فقد الأمين أحمد، مدير «بنك النيل - فرع سوق ليبيا» بأم درمان، في لحظات، ثلاثة من أبنائه ماتوا أمام عينيه، تساقطوا واحداً تلو الآخر، لتعرضهم لـ«ضربة شمس»، في أثناء محاولة الأسرة عبور الحدود المصرية - السودانية عن طريق «التهريب»... الشباب الجامعيون الثلاثة كانوا ينوون إكمال دراستهم في مصر لتوقف جامعاتهم السودانية بسبب الحرب المستمرة.

يعيش الأمين، ويلقب بـ«الأخ» تحبباً، مع زوجته، ولم يتبق لهما من فلذات أكبادهما سوى صورهم وبعض الذكريات الجميلة... وطوال الوقت كان يردد: «الحمد لله، ربنا يتقبلهم ويجمعنا بهم في الجنة».

الأب المفجوع الأمين أحمد (الشرق الأوسط)

ويتسلل آلاف السودانيين الفارين من الحرب عبر الحدود المصرية، أملاً في الحصول على ملاذات آمنة، فمن لم يمت بأسلحة الطرفين، فقد يموت بالجوع وانعدام الأدوية والتطبيب وبالأمراض والأوبئة، فيضطرون للمغامرة ومواجهة خطر الصحراء، وربما جشع عصابات التهريب، أو قد يقعون في أيدي شرطة الحدود المصرية التي تعيدهم لبلادهم.

ويتطلب الدخول إلى مصر «تأشيرة دخول»، قد يستغرق الحصول عليها أكثر من ستة أشهر، أو في الحالة الأخرى الحصول على «تأشيرة استثنائية» تعرف بـ«الموافقة الأمنية»، وهي فوق قدرة معظم الراغبين في السفر، وتكلف أكثر من ألفي دولار للشخص الواحد.

وتستغل عصابات التهريب حاجة الناس للبحث عن أمان، وتفرض عليهم شروطاً قاسية، وتدخلهم إلى مصر متتبعة طرقاً صحراوية وعرة، غير مبالية بما قد يحدث لهؤلاء، فقد يسقط أحدهم من السيارة ولا أحد يتوقف لإنقاذه، وقد يضطرون للاختباء في الصحراء لساعات طويلة تجنباً لفرق حراسة الحدود، وحين وصولهم لمنطقة «الكسارات» يُتركون لمهربين آخرين، يستغلونهم مجدداً وقد يسرقون هواتفهم والأموال التي بحوذتهم، أو يفرضون عليهم رسوماً باهظة لإدخالهم إلى أسوان.

(الشرق الاوسط)

عن علاقة الأمين بأبنائه المتوفين يقول: «كانوا أصحابي وأصدقائي قبل أن يكونوا أبنائي، كانوا دنيتي التي فقدت، لكني الآن لا أملك إلا الاعتراف بأمر الله»، وموجهاً كلماته للذين يحاولون الفرار من الحرب من أبناء وطنه: «لا تسافروا في هذه الظروف، حتى لا تفقدوا أرواحكم، أو حيوات أعزائكم».

ويتابع والحزن يتقطر من عينيه دمعاً وتنهدات: «نصحت الراحلين بتأجيل السفر لما بعد عيد الأضحى، نقضي العيد في مدينة حلفا، لكنهم أصروا على السفر وأقنعوني»، ويتابع: «قبل أن أركب العربة نصف النقل كان قلبي يحدثني بأن ثمة شيئاً ما سيحدث، حاولت إثناءهم وفشلت، ثم توكلنا على الله وركبت معهم».

يصف الأمين رحلته بأنها «كانت قطعة من العذاب ومعاناة كبيرة»، ويقول: «لو كنت أعرفها بهذه القسوة، لما سافرنا مسافة كيلومتر واحد، لكنها إرادة الله». ويتابع: «كانت العربة التويوتا نصف النقل يطلقون عليها محلياً (بوكس) محملة بعدد كبير من المسافرين، وفي أثناء السفر تعطلت لساعتين في هجير الصحراء ورمالها الحارقة».

ويصف كيف مات أولاده: «كانت درجة الحرارة فوق الاحتمال، ورمال الصحراء سعير يصلي جلودنا، لكنا كنا مضطرين للانتظار، وهنا حدثت المأساة، بدأ أبنائي الثلاثة يتساقطون لم يحتملوا درجات الحرارة العالية، وأنا أراهم يموتون أمام عيني وعاجز عن إنقاذهم، فلا ظل يستظلون به، والريح كأنها آتية من جهنم».

ونادماً يقول الأمين: «لو أن سيارتنا وصلت منطقة الكسارات لما ماتوا، كنا سننقذهم»، والكسارات هي منطقة عند بوابة مدينة أسوان المصرية، تتوقف عندها سيارات المهربين. ويتابع: «أحمد (كان) يدرس علوم الكومبيوتر في سنته النهائية بجامعة الرباط، ومحمد (كان) يدرس الهندسة في سنته الثالثة، وأصغرهم مجدي ودرس التسويق في المستوى الأول بجامعة الرباط، هم ما كان متبقياً لي بعد أن فقدت ابنتي الوحيدة عام 2012».

نازحون من ولاية الجزيرة السودانية يصلون في مركبات مكتظة إلى مدخل مدينة القضارف بشرق البلاد في 10 يونيو 2024 وسط الصراع المستمر بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (أ.ف.ب)

ويقول القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمين أحمد واحد من بين عشرات الآباء الذين فقدوا أبناءهم في رحلة التهريب إلى مصر، وإنه تم دفن جثامين 57 سودانياً توفوا بضربات الشمس، أو العطش أو حوادث السير في الصحراء المصرية، ويتابع: «يتعرض المئات من السودانيين لأوضاع قاسية وهم في طريقهم إلى مصر، فالرحلة قاسية ومحفوفة بالمخاطر».

مشرحة أسوان

يتجمع أمام المشرحة العمومية في مدينة أسوان عشرات السودانيين، وهم يذرفون الدمع على أحباء فقدوهم، بعد أن كانوا يهربون بهم من الموت بالرصاص والقذائف والقنابل، الرجال تسيل دموعهم غزيرة، والنساء يلطمن الخدود وهنّ يلقينّ النظرة الأخيرة على ذويهن، بينما يتصايح الأطفال ويصرخون من هول الموقف.

ويحدث الطبيب خالد الجعلي «الشرق الأوسط» عن مأساة صديقه صلاح عوض، الذي توفي هو الآخر في أثناء رحلة الموت إلى القاهرة، ويقول: «أبلغ صديقي صلاح عوض - وهو شقيق فنان الحقيبة الراحل محمد أحمد عوض - أسرته المقيمة في القاهرة بأنه سيقضي عيد الأضحى معهم ليجتمع شمل الأسرة بعد غياب طويل»، ويتابع: «كان صلاح وهو طبيب أيضاً، يسعف بعض مرافقيه الذين تعرضوا لضربات الشمس، لكنه سرعان ما فقد الوعي، وفشلت كل الجهود لإنقاذه، فمات ووقع الخبر على أسرته صاعقاً»,

سودانيون نازحون من ولاية الجزيرة هرباً من القتال في 10 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

وقال شاب من سكان جزيرة توتي في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن 10 من أفراد عائلته توفوا دفعة واحدة، بينما لا يزال آخرون يتلقون العلاج في المستشفى، وتابع: «نزحنا من توتي إلى أسرتنا الممتدة في الخرطوم بحري، لكن الظروف ساءت فالمدينة محاصرة منذ اندلاع الحرب، ومقطوع عنها الكهرباء والمياه، وانعدمت فيها سبل الحياة، فقررنا اللجوء إلى مصر».

ويصف الشاب «رحلة الموت هرباً من الموت» بقوله: «من بحري إلى عطبرة، ونحن مجموعة من النساء والرجال والأطفال وكبار السن، في 4 عربات نصف نقل، كنا نخشى حوادث السير، ولم نكن نتوقع أننا سنموت بالعطش أو ضربات الشمس، لو كنا نعلم لما سافرنا في هذا الوقت من العام».

وفي حادث سير ناتج عن السرعة الجنونية التي يقود بها المهربون، لقيت أسرة من شمبات حتفها (أم وابنها) بينما نجت طفلة سلمتها الشرطة المصرية لجدتها المقيمة في القاهرة.

سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

وفي تفسيره لكثرة الموت بضربات الشمس أو العطش، قال مصدر بقنصلية السودان في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن المتسللين عبر الحدود يخشون نقل المصابين إلى المستشفيات خوفاً من القبض عليهم بواسطة الشرطة، وإعادتهم للسودان مجدداً، فهم جميعهم متسللون عبر الحدود.

الخبير القانوني المعز حضرة طلب ممن أطلق عليهم «شرفاء القوات المسلحة» توفير الماء والغذاء للفارين من الحرب نحو مصر، وتكثيف البحث عن التائهين في الصحراء بواسطة المروحيات أو السيارات، وقال: «أغلب الحوادث تقع داخل الأراضي السودانية».

وتنطلق يومياً عشرات «البكاسي» المكتظة بالنساء والأطفال والشباب قاصدة مصر، لتجتاز صحراء تتجاوز حرارتها 50 درجة...حرارة تشوي الأجساد وتحيل الوجوه سوداء. ومع هذا فهي رحلة مكلفة جداً لا يستطيعها إلا القادرون، وتتراوح بين (150 - 200) ألف جنيه سوداني، نحو مائتي دولار للشخص الواحد.

ويتراص بين 15 و17 راكباً في صندوق السيارة، النساء والأطفال في المنتصف، ويحيط بهم الرجال الذين تتدلى أرجلهم خارج السيارة، ويتم تقييدهم بالحبال حتى لا يسقطوا في الطريق، فمن يسقط لا ينتظره أحد، ويقول الشهود: «أغلب الوفيات تحدث بسبب تعطل السيارات في لهيب الشمس، ما يعرضهم للموت بضربة الشمس أو العطش».


مقالات ذات صلة

هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

شمال افريقيا وزراء الخارجية والري بمصر والسودان عقب اجتماع في القاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

هل يقود التحرك المصري - السوداني لحصر أضرار «النهضة» إلى معركة قانونية ضد إثيوبيا؟

في تحرك جديد لمصر والسودان بشأن مواجهة أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، أعلنت دولتا المصبّ تشكيل لجنة مشتركة لـ«حصر أضرار» مشروع «السد» على حقوقهما المائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا الجيش المصري يستمر في جهود مواجهة عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب (المتحدث العسكري المصري)

مصر: مخاطر «الدهابة» تتجاوز البعد الاقتصادي

أعلنت مصر عن مقتل اثنين من كبار الضباط بالجيش في مواجهات مع عصابات التنقيب غير القانوني عن الذهب على الحدود الجنوبية مع السودان.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا رجل يتفقد الدمار في منزله عقب غارة على ضاحية تقع شرق مطار الخرطوم يوم 20 أكتوبر 2026 (أ.ب)

معارك طاحنة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» في كردفان

تصاعدت حدة المعارك العنيفة في غرب السودان لليوم الثاني على التوالي، بعدما شنّ الجيش، الخميس، هجوماً متزامناً على مناطق «قوات الدعم السريع» في كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا موجات النزوح إلى تشاد تزداد بوتيرة حادة فراراً من الحرب في كردفان والنيل الأزرق (مفوضية اللاجئين)

اشتعال محاور القتال مجدداً في شرق السودان وغربه

سيطر الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه على منطقتي كازقيل وأبو قعود في شمال كردفان، في حين سيطرت «قوات الدعم السريع» على بلدة الكيلي في إقليم النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على هامش «القمة الأفريقية - الروسية» في 2019 (الرئاسة المصرية)

النهر ليس مقابل البحر... رفض مصري لـ«المقايضة الإثيوبية»

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا طالب مصر بالمساهمة في بناء السدود الجديدة التي تعتزم بلاده إقامتها على روافد النيل

هشام المياني (القاهرة )

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

أعادت مصر، السبت، فتح سفارتها في العاصمة الليبية طرابلس بعد إغلاقها في عام 2014 على وقع الانقسام السياسي وأعمال العنف المرتبطة به.

وافتتح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مقر السفارة، عقب وصوله إلى طرابلس في وقت سابق من اليوم حيث شارك أيضاً في دورة لتجمع دول الساحل والصحراء.

وقال عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، إن إعادة فتح مقر السفارة «يعكس عمق العلاقة والترابط التاريخي والجغرافي الذي يجمع بين الشعبين الشقيقين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي لدى إعادة افتتاح مقر سفارة بلاده في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وتسعى ليبيا إلى التعافي من الفوضى التي أعقبت إطاحة حكم معمر القذافي عام 2011.

وتتنافس حكومتان حالياً على السلطة، إحداها في طرابلس تحظى باعتراف الأمم المتحدة ويقودها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة منافسة لها في الشرق مدعومة من المشير خليفة حفتر.

ووفق بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أشار عبد العاطي خلال الاحتفال إلى ما تحمله إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية التاريخي في طرابلس من دلالة تاريخية ودبلوماسية، منوهاً بأن مواصلة استخدامه كمقر للسفارة المصرية يمنح تاريخه امتداداً حياً، يجمع بين أصالة المكان ومتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل، وبشرى لاستئناف أداء رسالته كأحد جسور التعاون والتنسيق المتواصلين بين الدولتين الشقيقتين.

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وأضاف عبد العاطي أن هذا المبنى التاريخي يمثل جزءاً لا ينفصل عن ذاكرة مدينة طرابلس بما تتمتع به من عمق تاريخي ومكانة ثقافية، فهو شاهد على تاريخها السياسي والدبلوماسي، كما تلتقي قيمته التاريخية مع ما تحمله العلاقات المصرية - الليبية من أواصر إنسانية وثقافية راسخة. وأوضح أن المباني التاريخية لا تحفظ ملامح الماضي فحسب، بل تستحضر أيضاً ما شهدته من أحداث، وما احتضنته من لقاءات، فضلاً عما تمنحه للأجيال المتعاقبة من فرصة للتعرف على محطات من تاريخ بلادها، وعلاقاتها بالعالم.

تأتي إعادة فتح السفارة بعد أسابيع من مصادقة البرلمان الليبي في بنغازي بشرق البلاد، على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وهو ما أثار غضب القاهرة التي اعتبرت أن الاتفاقية تنتهك منطقتها البحرية.

وأعرب وزير الخارجية المصري عن الشكر والتقدير للدعم الذي قدمته الدولة الليبية وأجهزتها لإتمام أعمال صيانة وتجديد المبنى، منوهاً بأن العلاقات بين مصر وليبيا علاقات تاريخية وأخوية، لطالما استندت إلى روابط الجوار المباشر، والتشابكات الاجتماعية والثقافية، ووشائج الأخوة والمصاهرة، والمصالح المشتركة.


مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية»، الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدةً ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية، وفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحفظ مصالح البلدين.

وجاء الموقف المصري على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال لقائه رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، السبت، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء.

وترفض مصر مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ‌تركيا، وأكدت عبر مواقف وتصريحات متعددة أن ‌التصديق ⁠على الاتفاقية ​لا يترتب عليه «أي ⁠آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي على أهمية مراعاة الشواغل المصرية في مسألة ترسيم الحدود البحرية، انطلاقاً من «العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين الشقيقين، ووفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحقق مصالح البلدين الشقيقين، وهو ما تم التوافق عليه».

من جهته، أعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال في تصريحات لقناة «القاهرة الإخبارية»: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

وتأتي التصريحات في أعقاب موافقة مجلس النواب الليبي، خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على مذكرة التفاهم الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، إلى جانب مواقف أوروبية منتقدة للاتفاق في مراحل سابقة.

وسبق أن أكد الدبيبة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حرص حكومته على مراعاة الشواغل المصرية بشأن المذكرة، وذلك بعد أيام من إعلان القاهرة رفضها تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق، بما يعكس استمرار حضور الملف في العلاقات بين البلدين.

وفي سياق متصل، تناولت مباحثات عبد العاطي والدبيبة تطورات الأزمة السياسية الليبية، إذ جدد الوزير المصري تمسك بلاده بالحل السياسي باعتباره المخرج الوحيد للأزمة، من خلال حوار شامل بملكية وقيادة ليبية، يستند إلى توافق وطني واسع.

وأكد عبد العاطي، حسب البيان، ضرورة الالتزام بمرجعيات الحل السياسي، في مقدمتها اتفاق الصخيرات، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا وتصون مؤسسات الدولة وتدعم توحيدها، بما يضع حداً للانقسام القائم.

وتشهد ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة، ومقرها طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، التي تدير مناطق في شرق البلاد وأجزاء من جنوبها، ضمن نطاق نفوذ الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.


الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وضعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مسار الحوار السياسي المصغر أمام اختبار مهم، بعد التلويح بإمكانية توسيع دائرة المشاركين في العملية السياسية، إذا لم تحقق لجنة «4+4» تقدماً ملموساً في تنفيذ تفاهماتها، وسط استمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر التوافق على الانتخابات.

ويعكس هذا التوجه تمسّك المبعوثة الأممية هانا تيتيه بالاتفاق، الذي توصلت إليه اللجنة المصغرة في 30 أغسطس (آب) الماضي، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن «استعداد البعثة للبحث عن بدائل سياسية، إذا أخفقت الأطراف المعنية في تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية».

وكانت اللجنة قد توصلت، بعد أشهر من المشاورات، إلى تفاهمات بشأن المسار الانتخابي، حظيت بدعم أطراف ليبية ودولية، غير أن تنفيذها لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بمواقف المؤسسات السياسية، واستمرار الخلافات بشأن القواعد المنظمة للانتخابات والحكومة الموحدة.

وفي ختام زيارة إلى بنغازي، قالت تيتيه، في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، إن البعثة تعمل مع الأطراف المعنية لاتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الاتفاق، والتوصل إلى حكومة موحدة تمهد لإجراء الانتخابات، مؤكدة مواصلة متابعة مسار «4+4»، باعتباره المدخل الحالي للعملية السياسية.

وربطت المبعوثة الأممية الخطوات المقبلة بتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ التفاهمات، محذرة من أن «عدم تحقيق النتائج المطلوبة قد يدفع البعثة إلى البحث عن مسارات أخرى، من بينها عقد اجتماع سياسي موسع، يضم أطرافاً تتجاوز المشاركين في الحوار المصغر».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

وحسب مراقبين «يحمل هذا التلويح رسالة إلى المؤسسات والقوى الليبية بأن استمرار الرهان الأممي على اللجنة المصغرة ليس مفتوحاً بلا سقف زمني أو سياسي»، وأن تعثر تنفيذ التفاهمات «قد يُعيد طرح فكرة توسيع قاعدة المشاركة في المفاوضات، بحثاً عن مخرج للأزمة».

وجاءت تصريحات تيتيه بعد قرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة الأممية عاماً إضافياً، حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، في خطوة أكدت «استمرار الدعم الدولي للمسار السياسي، وشجعت البعثة على تعزيز حضورها واتصالاتها في شرق ليبيا وجنوبها، دعماً لتوحيد المؤسسات».

وفي هذا السياق، أجرت تيتيه سلسلة لقاءات مع قيادات سياسية وعسكرية في بنغازي، ركزت على فرص تنفيذ التفاهمات الأخيرة، وتوحيد مؤسسات الدولة، ودعم إجراء الانتخابات، في مسعى لتوسيع قاعدة التأييد السياسي والمؤسسي للاتفاق.

وناقشت المبعوثة الأممية مع الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، ما وصفته بالتقدم المحرز في إطار الحوار المصغر، والخطوات المطلوبة لتنفيذ اتفاق اللجنة المعروفة باسم «4+4»، وفق بيان صادر عن البعثة.

تيتيه خلال لقاء مع رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي الأسبوع الماضي (مجلس النواب)

كما التقت رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، في أول لقاء بينهما، وهنأته على انتخابه، مؤكدة استعداد الأمم المتحدة للعمل من كثب مع المجلس، ومختلف المؤسسات الليبية لدفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات.

وكان رئيس مجلس النواب قد دعا الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في التعامل مع الأطراف المعرقلة، مشيراً إلى أهمية توحيد المؤسسات السيادية والرقابية والقضائية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية مستدامة.

وفي موازاة المسار السياسي، شملت لقاءات تيتيه اجتماعاً مع المدير العام لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، تناول فرص التعاون في مجالات التنمية المستدامة، وإعادة بناء البنية التحتية، في ظل ارتباط مشروعات الإعمار باستقرار المؤسسات وتوحيد إدارتها.

كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، واطلعت على جهود إعادة إعمار المؤسسة التعليمية، وبحثت فرص التعاون مع الأمم المتحدة والأوساط الأكاديمية الليبية. ووضعت إكليلاً من الزهور على ضريح عمر المختار، مشيدة بإرثه بوصفه رمزاً للوحدة الوطنية.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وتأتي تحركات تيتيه في بنغازي امتداداً لمشاورات أممية شملت لقاءات مع أطراف سياسية ومؤسسات ليبية، واجتماعات الحوار المصغر في لندن أخيراً، التي تناولت توسيع المشاورات بشأن توحيد المؤسسة القضائية، بما يعكس اتساع الملفات المطروحة أمام مسار التسوية السياسية.