حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

دفن جثامين 57 توفوا بضربة الشمس في «رحلة الموت هرباً من الموت»

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
TT

حر الصحراء يشوي عشرات السودانيين الفارين من الحرب في بلادهم

الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)
الإخوة الراحلون الثلاثة (الشرق الأوسط)

فقد الأمين أحمد، مدير «بنك النيل - فرع سوق ليبيا» بأم درمان، في لحظات، ثلاثة من أبنائه ماتوا أمام عينيه، تساقطوا واحداً تلو الآخر، لتعرضهم لـ«ضربة شمس»، في أثناء محاولة الأسرة عبور الحدود المصرية - السودانية عن طريق «التهريب»... الشباب الجامعيون الثلاثة كانوا ينوون إكمال دراستهم في مصر لتوقف جامعاتهم السودانية بسبب الحرب المستمرة.

يعيش الأمين، ويلقب بـ«الأخ» تحبباً، مع زوجته، ولم يتبق لهما من فلذات أكبادهما سوى صورهم وبعض الذكريات الجميلة... وطوال الوقت كان يردد: «الحمد لله، ربنا يتقبلهم ويجمعنا بهم في الجنة».

الأب المفجوع الأمين أحمد (الشرق الأوسط)

ويتسلل آلاف السودانيين الفارين من الحرب عبر الحدود المصرية، أملاً في الحصول على ملاذات آمنة، فمن لم يمت بأسلحة الطرفين، فقد يموت بالجوع وانعدام الأدوية والتطبيب وبالأمراض والأوبئة، فيضطرون للمغامرة ومواجهة خطر الصحراء، وربما جشع عصابات التهريب، أو قد يقعون في أيدي شرطة الحدود المصرية التي تعيدهم لبلادهم.

ويتطلب الدخول إلى مصر «تأشيرة دخول»، قد يستغرق الحصول عليها أكثر من ستة أشهر، أو في الحالة الأخرى الحصول على «تأشيرة استثنائية» تعرف بـ«الموافقة الأمنية»، وهي فوق قدرة معظم الراغبين في السفر، وتكلف أكثر من ألفي دولار للشخص الواحد.

وتستغل عصابات التهريب حاجة الناس للبحث عن أمان، وتفرض عليهم شروطاً قاسية، وتدخلهم إلى مصر متتبعة طرقاً صحراوية وعرة، غير مبالية بما قد يحدث لهؤلاء، فقد يسقط أحدهم من السيارة ولا أحد يتوقف لإنقاذه، وقد يضطرون للاختباء في الصحراء لساعات طويلة تجنباً لفرق حراسة الحدود، وحين وصولهم لمنطقة «الكسارات» يُتركون لمهربين آخرين، يستغلونهم مجدداً وقد يسرقون هواتفهم والأموال التي بحوذتهم، أو يفرضون عليهم رسوماً باهظة لإدخالهم إلى أسوان.

(الشرق الاوسط)

عن علاقة الأمين بأبنائه المتوفين يقول: «كانوا أصحابي وأصدقائي قبل أن يكونوا أبنائي، كانوا دنيتي التي فقدت، لكني الآن لا أملك إلا الاعتراف بأمر الله»، وموجهاً كلماته للذين يحاولون الفرار من الحرب من أبناء وطنه: «لا تسافروا في هذه الظروف، حتى لا تفقدوا أرواحكم، أو حيوات أعزائكم».

ويتابع والحزن يتقطر من عينيه دمعاً وتنهدات: «نصحت الراحلين بتأجيل السفر لما بعد عيد الأضحى، نقضي العيد في مدينة حلفا، لكنهم أصروا على السفر وأقنعوني»، ويتابع: «قبل أن أركب العربة نصف النقل كان قلبي يحدثني بأن ثمة شيئاً ما سيحدث، حاولت إثناءهم وفشلت، ثم توكلنا على الله وركبت معهم».

يصف الأمين رحلته بأنها «كانت قطعة من العذاب ومعاناة كبيرة»، ويقول: «لو كنت أعرفها بهذه القسوة، لما سافرنا مسافة كيلومتر واحد، لكنها إرادة الله». ويتابع: «كانت العربة التويوتا نصف النقل يطلقون عليها محلياً (بوكس) محملة بعدد كبير من المسافرين، وفي أثناء السفر تعطلت لساعتين في هجير الصحراء ورمالها الحارقة».

ويصف كيف مات أولاده: «كانت درجة الحرارة فوق الاحتمال، ورمال الصحراء سعير يصلي جلودنا، لكنا كنا مضطرين للانتظار، وهنا حدثت المأساة، بدأ أبنائي الثلاثة يتساقطون لم يحتملوا درجات الحرارة العالية، وأنا أراهم يموتون أمام عيني وعاجز عن إنقاذهم، فلا ظل يستظلون به، والريح كأنها آتية من جهنم».

ونادماً يقول الأمين: «لو أن سيارتنا وصلت منطقة الكسارات لما ماتوا، كنا سننقذهم»، والكسارات هي منطقة عند بوابة مدينة أسوان المصرية، تتوقف عندها سيارات المهربين. ويتابع: «أحمد (كان) يدرس علوم الكومبيوتر في سنته النهائية بجامعة الرباط، ومحمد (كان) يدرس الهندسة في سنته الثالثة، وأصغرهم مجدي ودرس التسويق في المستوى الأول بجامعة الرباط، هم ما كان متبقياً لي بعد أن فقدت ابنتي الوحيدة عام 2012».

نازحون من ولاية الجزيرة السودانية يصلون في مركبات مكتظة إلى مدخل مدينة القضارف بشرق البلاد في 10 يونيو 2024 وسط الصراع المستمر بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (أ.ف.ب)

ويقول القنصل السوداني في أسوان عبد القادر عبد الله لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمين أحمد واحد من بين عشرات الآباء الذين فقدوا أبناءهم في رحلة التهريب إلى مصر، وإنه تم دفن جثامين 57 سودانياً توفوا بضربات الشمس، أو العطش أو حوادث السير في الصحراء المصرية، ويتابع: «يتعرض المئات من السودانيين لأوضاع قاسية وهم في طريقهم إلى مصر، فالرحلة قاسية ومحفوفة بالمخاطر».

مشرحة أسوان

يتجمع أمام المشرحة العمومية في مدينة أسوان عشرات السودانيين، وهم يذرفون الدمع على أحباء فقدوهم، بعد أن كانوا يهربون بهم من الموت بالرصاص والقذائف والقنابل، الرجال تسيل دموعهم غزيرة، والنساء يلطمن الخدود وهنّ يلقينّ النظرة الأخيرة على ذويهن، بينما يتصايح الأطفال ويصرخون من هول الموقف.

ويحدث الطبيب خالد الجعلي «الشرق الأوسط» عن مأساة صديقه صلاح عوض، الذي توفي هو الآخر في أثناء رحلة الموت إلى القاهرة، ويقول: «أبلغ صديقي صلاح عوض - وهو شقيق فنان الحقيبة الراحل محمد أحمد عوض - أسرته المقيمة في القاهرة بأنه سيقضي عيد الأضحى معهم ليجتمع شمل الأسرة بعد غياب طويل»، ويتابع: «كان صلاح وهو طبيب أيضاً، يسعف بعض مرافقيه الذين تعرضوا لضربات الشمس، لكنه سرعان ما فقد الوعي، وفشلت كل الجهود لإنقاذه، فمات ووقع الخبر على أسرته صاعقاً»,

سودانيون نازحون من ولاية الجزيرة هرباً من القتال في 10 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

وقال شاب من سكان جزيرة توتي في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن 10 من أفراد عائلته توفوا دفعة واحدة، بينما لا يزال آخرون يتلقون العلاج في المستشفى، وتابع: «نزحنا من توتي إلى أسرتنا الممتدة في الخرطوم بحري، لكن الظروف ساءت فالمدينة محاصرة منذ اندلاع الحرب، ومقطوع عنها الكهرباء والمياه، وانعدمت فيها سبل الحياة، فقررنا اللجوء إلى مصر».

ويصف الشاب «رحلة الموت هرباً من الموت» بقوله: «من بحري إلى عطبرة، ونحن مجموعة من النساء والرجال والأطفال وكبار السن، في 4 عربات نصف نقل، كنا نخشى حوادث السير، ولم نكن نتوقع أننا سنموت بالعطش أو ضربات الشمس، لو كنا نعلم لما سافرنا في هذا الوقت من العام».

وفي حادث سير ناتج عن السرعة الجنونية التي يقود بها المهربون، لقيت أسرة من شمبات حتفها (أم وابنها) بينما نجت طفلة سلمتها الشرطة المصرية لجدتها المقيمة في القاهرة.

سودانيون يشربون من مياه استُخرجت من بئر جوفية في ولاية القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

وفي تفسيره لكثرة الموت بضربات الشمس أو العطش، قال مصدر بقنصلية السودان في أسوان لـ«الشرق الأوسط»، إن المتسللين عبر الحدود يخشون نقل المصابين إلى المستشفيات خوفاً من القبض عليهم بواسطة الشرطة، وإعادتهم للسودان مجدداً، فهم جميعهم متسللون عبر الحدود.

الخبير القانوني المعز حضرة طلب ممن أطلق عليهم «شرفاء القوات المسلحة» توفير الماء والغذاء للفارين من الحرب نحو مصر، وتكثيف البحث عن التائهين في الصحراء بواسطة المروحيات أو السيارات، وقال: «أغلب الحوادث تقع داخل الأراضي السودانية».

وتنطلق يومياً عشرات «البكاسي» المكتظة بالنساء والأطفال والشباب قاصدة مصر، لتجتاز صحراء تتجاوز حرارتها 50 درجة...حرارة تشوي الأجساد وتحيل الوجوه سوداء. ومع هذا فهي رحلة مكلفة جداً لا يستطيعها إلا القادرون، وتتراوح بين (150 - 200) ألف جنيه سوداني، نحو مائتي دولار للشخص الواحد.

ويتراص بين 15 و17 راكباً في صندوق السيارة، النساء والأطفال في المنتصف، ويحيط بهم الرجال الذين تتدلى أرجلهم خارج السيارة، ويتم تقييدهم بالحبال حتى لا يسقطوا في الطريق، فمن يسقط لا ينتظره أحد، ويقول الشهود: «أغلب الوفيات تحدث بسبب تعطل السيارات في لهيب الشمس، ما يعرضهم للموت بضربة الشمس أو العطش».


مقالات ذات صلة

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

تلميحات متبادلة بين مصر وإثيوبيا، شهدتها جلسة بمجلس الأمن بشأن الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل 2023.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)

انفجارات تهز الخرطوم... وتصعيد بالمسيّرات في دارفور وكردفان

هزّت انفجارات قوية العاصمة السودانية الخرطوم، السبت، وشوهد تصاعد أعمدة الدخان في محيط منشأة عسكرية شمال مدينة بحري.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

مصر والسودان يرفضان محاولات الإساءة لعلاقاتهما

أكدت مصر والسودان «عمق العلاقات الأخوية» بينهما، ورفضا «محاولات الإساءة إلى العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

تثير الرسالة التي بعثها رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تساؤلات عن فرص تحريك مقترح الهدنة الأميركي.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

طرح عضو في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون لإقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة والسودان، تقوم على تبادل الموارد المعدنية السودانية بالتكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

المفقودون والمختفون قسراً في ليبيا... جرح يرهق السلم الاجتماعي

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
TT

المفقودون والمختفون قسراً في ليبيا... جرح يرهق السلم الاجتماعي

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

«كيف يمكن للدعم النفسي والاجتماعي أن يوقف بكائي كل ليلة، وابني لم يعد إلى المنزل منذ سبع سنوات؟!»... بهذا التساؤل رد أحد آباء الضحايا من مدينة ترهونة على جهود الدعم القانوني والنفسي الذي تقدمه الأمم المتحدة لعائلات المفقودين في ليبيا.

ونظمت البعثة الأممية لدى ليبيا و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» جلسات توعوية لعائلات في مدينتَي ترهونة وتاجوراء، كشفت فحواها مساء السبت، ممن أمضت سنوات في البحث عن إجابات حول مصير أبنائها المفقودين.

ويُشكل ملف المفقودين والمختفين قسراً في ليبيا جرحاً غائراً وقضية معقدة منذ تفاقم الانفلات الأمني في البلاد، وهو الملف الذي تصاعدت حدته بفعل الانقسام السياسي والعسكري المستمر.

نموذج من سجون ميليشيا «الكانيات» في ترهونة (المجلس الرئاسي الليبي)

وفي ترهونة، الواقعة جنوب شرقي العاصمة طرابلس، تكشفت مأساة «المقابر الجماعية» وما رافقها من عمليات قتل وتصفية واسعة النطاق نُسبت إلى ميليشيا «الكانيات»، وذلك في أعقاب تعثر الهجوم العسكري الذي قاده «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس عام 2019.

بطء العدالة...

ومنذ ذلك التاريخ تشتكي أسر الضحايا من «بطء العدالة في محاسبة الجناة»، معبرة عن استيائها من «استمرار حالة الإفلات من العقاب»، وتطالب بـ«الثأر من قتلة أبنائها»، ومحذرة من أن هذه الجرائم «تعوق أي اتجاه للمصالحة الوطنية وتقوّض السلم الاجتماعي».

ونقلت البعثة الأممية عن عائلات في ترهونة أنها «لا تزال تبحث عن إجابات حول أقارب اختفوا خلال سنوات العنف التي وُثقت في تقرير مشترك صدر عام 2024 عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان»، وقالت: «على الرغم من الجهود المستمرة منذ عام 2020 للكشف عن (المقابر الجماعية)، لا يزال أكثر من 60 شخصاً في عداد المفقودين».

ويُشار إلى أنه في الفترة ما بين عامَي 2013 و2020، اختفى أو اختُطف مئات الأشخاص في ترهونة عندما كانت المدينة تحت سيطرة ميليشيا «الكانيات»، وفقاً لتحقيقات البعثة الأممية و«مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان».

وأفاد التقرير المشترك بأن «المزيد قُتل دون محاكمة، أو احتُجز ظلماً وتعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما تم اكتشاف أكثر من 20 مقبرة جماعية».

وكان سكان ترهونة قد عثروا على «مقابر جماعية» عقب انتهاء الحرب على طرابلس مطلع يونيو (حزيران) 2020، ضمّت مئات الجثث من مختلف الأعمار. كما تم انتشال عشرات الجثث لأشخاص بعضهم مكبّل اليدين، من مواقع بصحراء ترهونة وبحاوية حديدية وبئر معطلة بالقرب منها، بينهم أطفال.

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية 6 مذكرات توقيف تتعلق بالجرائم التي حدثت في ترهونة، ومنذ ذلك الحين أُلقي القبض على اثنين من المشتبه بهم، لكن لم تتم إحالة أي منهما بعد للمحكمة في لاهاي.

وخلال الجلسات التي رعتها البعثة الأممية، وحضرها 50 فرداً من عائلات المفقودين، قالت البعثة إن «المحامين قدموا شروحات حول كيفية الإبلاغ عن حالات الاختفاء ومتابعة الإجراءات مع السلطات القضائية».

كما أوضحوا كيفية التواصل مع «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين»، بشأن أخذ عينات الحمض النووي والتعرف على الضحايا، بالإضافة إلى كيفية استخراج الوثائق المدنية الرسمية مثل: شهادات الوفاة، والمطالبة بالتعويضات، وطلب استعادة رفات المفقودين.

«الفقدان الغامض»

واستعرض اختصاصيون في الدعم النفسي والاجتماعي أشكال الدعم المتاحة - سواء على المستوى الفردي أو الجماعي - ودعوا العائلات لمناقشة احتياجاتها... ونقلت البعثة عن الاختصاصيين أن «عائلات المفقودين تعاني من نوع خاص من الألم، يُعرف بـ(الفقدان الغامض) الذي يعوق عملية الحزن الطبيعية».

ووثّقت «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين» 7169 مفقوداً في ليبيا، في حين رصدت «اللجنة الدولية للمفقودين» أكثر من 2500 حالة بين عامَي 2012 و2014 في عدة مدن ليبية. وتواصلت الأزمة مع اكتشاف «المقابر الجماعية» في ترهونة، فضلاً عن الحالات المرتبطة بالهجرة غير النظامية وتداعيات «إعصار درنة».

وفي تاجوراء حيث لا تزال العائلات تبحث عن أقارب لها فُقدوا منذ عام 2011، نقلت البعثة الأممية عن إحدى الأمهات تعبيرها عن فقدانها الأمل في منظومة العدالة، وأنها منذ اختفاء ابنها لم تعد تنتظر سوى شيء واحد فقط؛ إذ تقول الأم: «كل ما أريده هو جزءٌ من رفات ابني؛ لأتمكن من دفنه، وأجد أخيراً بعض السكينة».

خلال الكشف عن المقابر الجماعية جنوب شرقي ليبيا في فبراير 2025 (مديرية أمن الواحات)

فضلاً عن ذلك، تعاني ليبيا من عمليات الخطف القسري لمواطنين ونشطاء، وقد أحصت جمعيات ومراكز حقوقية محلية ودولية عشرات الحالات من الخطف القسري، في حين تقول النيابة العامة إنها تعمل على التحقيق في بعض هذه الجرائم.

وقالت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إنها أحصت 13 شكوى و9 بلاغات خلال الفترة الماضية من عام 2026 من أسر وذوي معتقلين تعسفياً ومختفين قسراً.

وأوضحت المؤسسة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الشكاوى تتضمن «تعرض أبنائهم لوقائع اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري من قبل عناصر (اللواء 111) التابع لحرس الحدود برئاسة الأركان العامة للجيش بغرب ليبيا».

وتعتبر المؤسسة «هذه الواقعة وغيرها انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، وتقويضاً لسيادة القانون والعدالة، يُعاقب عليها قانون العقوبات الليبي».


إضراب المعلمين يهدد بتمديد تعطّل الدراسة في ليبيا

جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
TT

إضراب المعلمين يهدد بتمديد تعطّل الدراسة في ليبيا

جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)

تصاعدت حدة التضارب في المواقف بشأن أزمة إضراب المعلمين في ليبيا، بين دعوات حكومية ومحلية لاستئناف الدراسة، وتحركات احتجاجية تتمسك بمواصلة الإضراب حتى تنفيذ المطالب المالية والمهنية، في وقت لم تنجح الاتفاقات فيه المعلنة في إنهاء الأزمة، التي دخلت شهرها الثاني، وتهدد بمزيد من التعطيل للعملية التعليمية.

ويأتي أحدث مظاهر هذا التضارب، مع مطالبة «اتحاد بلديات الجبل الغربي»، حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة الدراسة، بالتزامن مع إعلان «حراك معلمي ومعلمات تاجوراء» تنظيم وقفة احتجاجية جديدة الاثنين، تأكيداً لاستمرار التحركات المطالبة بالحقوق.

اجتماع «اتحاد بلديات الجبل الغربي» 17 أكتوبر (مجلس غدامس البلدي)

وطالب بيان للاتحاد، عقب اجتماع، مساء السبت، في بلدية نسمة (جنوب غربي طرابلس)، النائب العام، «بالتحقيق في الوقائع التي تستوجب المساءلة، حفاظاً على حقوق الطلاب، وضمان استمرار العملية التعليمية»، محذراً من «استمرار تعطيل المدارس وما يترتب عليه من تراكم الدروس وزيادة الأعباء على الأسر».

وأكد البيان «أن المطالبة بالحقوق الوظيفية، لا تبرر حرمان الطلاب من التعليم أو تعطيل مؤسسات الدولة خارج الأطر القانونية»، محذراً من «استغلال التحركات المهنية لتحقيق أهداف لا تخدم العملية التعليمية والمصلحة العامة».

وفي تطور يعكس استمرار الخلاف، أعلنت «نقابة معلمي طرابلس المركز»، في بيان عقب اجتماع عقدته، مساء السبت، وضم مديري ومندوبي المدارس، مواصلة الإضراب والاعتصام السلمي «حتى تحقيق كامل مطالب المعلمين وحقوقهم المشروعة»، داعية الجميع إلى «الالتزام بالقرارات النقابية ووحدة الصف».

كما أعلن «حراك معلمي ومعلمات تاجوراء»، تنظيم وقفة احتجاجية، يوم الاثنين، أمام مراقبة التربية والتعليم بالبلدية، تأكيداً لمواصلة التحركات المطالبة بحقوق المعلمين، وتحسين أوضاعهم الوظيفية.

وكانت مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء قد أعلنت استئناف الدراسة بداية من الأحد، استناداً إلى توجيهات الوزارة وما أُعلن عن التوصل إليه من اتفاق مع النقابة العامة للمعلمين، لكن حراكات المعلمين أكدت استمرار الإضراب والاعتصام إلى حين تنفيذ المطالب، رافضة اعتبار الاتفاقات المعلنة، تسوية نهائية ما لم تتضمن معالجة شاملة وملزمة للمستحقات المالية والمهنية.

وكان الدبيبة قد أعلن «التوصل إلى اتفاق مع النقابة العامة للمعلمين»، بحضور وزير المالية راشد أبو غفة، تضمن اعتماد جدول موحد للمرتبات في القطاعات الحكومية، على أن يبدأ العمل به خلال الشهر الحالي، وصرف علاوة الحصة للمعلمين عن العام الحالي بعد إحالتها من وزارة التربية والتعليم.

وشملت التفاهمات الحكومية المعلنة، صرف علاوات مديري المدارس ومساعديهم مع مرتبات هذا الشهر، والعمل على توفير التأمين الصحي للمعلمين، وإصدار لوائح لحماية حقوقهم، وتسوية الفروقات المالية المستحقة، وفق التشريعات ذات الصلة.

اجتماع نقابة معلمي طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

وأعلنت «النقابة العامة للمعلمين» رفع الاعتصام، بينما دعت الحكومة إلى استئناف الدراسة، غير أن حراكات أخرى واصلت الاحتجاج، مؤكدة أن «إنهاء الإضراب يتطلب ضمان تنفيذ الالتزامات المعلنة بصورة واضحة وملزمة».

ورفض حراك المعلمين دعوات إلى إعادة فتح المدارس قبل تسوية المطالب، بينما أصدرت جهات تعليمية تعليمات باستئناف الدراسة، وطلبت من مراقبات التعليم تقديم تقارير عن الحضور وانتظام العملية التعليمية.

وبدأت احتجاجات المعلمين في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، بالتزامن مع الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي، عبر اعتصامات أمام المدارس والمباني الحكومية في طرابلس ومناطق أخرى، قبل أن تتحول إلى إضراب مفتوح شمل مدارس حكومية في عدد من المدن والبلديات، بينها تاجوراء ومناطق من الجبل الغربي.

وتضع التطورات حكومة «الوحدة» أمام اختبار مزدوج: ضمان انتظام الدراسة من جهة، وتنفيذ الالتزامات المالية والمهنية التي أعلنتها من جهة أخرى، بينما يظل احتواء الأزمة مرهوناً بمدى تنفيذ الاتفاقات المعلنة.


وزير الخارجية المصري في العراق... تنسيق إقليمي متزايد وتعزيز للشراكة

رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

وزير الخارجية المصري في العراق... تنسيق إقليمي متزايد وتعزيز للشراكة

رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

استقبل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وبحث معه «سبل الارتقاء بالعلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التعاون المشترك بين البلدين، إلى جانب التشاور بشأن تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة»، حسب إفادة مصرية.

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الدورة الـ52 لـ«مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي» في بغداد. وأكد عبد العاطي خلاله أن «مصر تنظر إلى أمن العراق واستقراره باعتباره عنصراً محورياً في منظومة الأمن القومي العربي، انطلاقاً من الروابط التاريخية والمصالح المشتركة التي تجمع البلدين الشقيقين». وشدد على «دعم بلاده الكامل لسيادة العراق ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض أي تدخلات في شؤونه الداخلية».

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، نادر زكي، الأحد، فإن الوزير عبد العاطي «نقل تحيات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رئيس الوزراء العراقي، معرباً عن التطلع إلى زيارته المرتقبة للقاهرة في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومشيداً بالزخم الذي تشهده العلاقات المصرية - العراقية، والتواصل المستمر على مختلف المستويات».

وأشار عبد العاطي إلى «أهمية دفع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وتعزيز مشاركة الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار والتنمية بالعراق، والاستفادة من الخبرات المصرية في قطاعات التشييد والبناء والنقل والطاقة والزراعة والصناعات الدوائية، فضلاً عن زيادة حجم التبادل التجاري وتيسير نفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق العراقية».

رئيس مجلس النواب العراقي خلال استقباله الوزير عبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وحسب متحدث «الخارجية»، تناول اللقاء «سُبل تفعيل آلية التعاون الثلاثي بين مصر والعراق والأردن، وتسريع تنفيذ المشروعات المشتركة، خصوصاً في مجالي الربط الكهربائي والنفطي، بما يدعم التكامل الاقتصادي ويُحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث».

وثمّن بدر عبد العاطي، خلال لقائه الزيدي، «جهود الحكومة العراقية في تعزيز الأمن الداخلي وترسيخ سلطة الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك حصر السلاح بيد الدولة»، وأشاد «بالنهج العراقي الحريص على عدم الانخراط في الصراعات الإقليمية أو السماح باستخدام أراضيه لتهديد دول الجوار»، مؤكداً «أهمية حماية العراق من تداعيات التوترات الإقليمية والحفاظ على مكتسباته في مجالي الأمن والتنمية».

أيضاً شملت المحادثات تطورات الأوضاع في سوريا واليمن، وانعكاسات التوترات الإقليمية على أمن الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز. واتفق الجانبان على «أهمية تكثيف التشاور والتنسيق بين البلدين خلال الفترة المقبلة».

من لقاء رئيس «تيار الحكمة الوطني» وعبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

بدوره، بحث رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي مع عبد العاطي سُبل تعزيز العلاقات الثنائية، خصوصاً على الصعيد البرلماني.

ووفق متحدث «الخارجية» المصرية، أكد الوزير عبد العاطي «أهمية تعزيز التعاون البرلماني وتنسيق المواقف في المحافل الإقليمية والدولية، بما في ذلك البرلمان العربي»، معرباً عن التطلع إلى عقد الدورة الرابعة لـ«اللجنة العليا المصرية - العراقية المشتركة» بالقاهرة، فضلاً عن تعزيز مشاركة الشركات المصرية في مشروعات التنمية وإعادة الإعمار بالعراق.

كما أجرى عبد العاطي محادثات في بغداد مع رئيس «تيار الحكمة الوطني» عمار الحكيم، تناولت التطورات في سوريا واليمن وأمن وحرية الملاحة، بما في ذلك مضيق هرمز، مع تأكيد ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، ومواصلة التنسيق المصري العراقي لدعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وكذلك أبرز عبد العاطي خلال لقاء رئيس حزب «تقدم» العراقي محمد الحلبوسي، «الفرص الواعدة لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، وزيادة إسهامات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار».

عبد العاطي يلتقي رئيس وزراء العراق السابق ورئيس «ائتلاف الإعمار والتنمية» (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وثمّن وزير الخارجية المصري، خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي السابق ورئيس «ائتلاف الإعمار والتنمية» محمد شياع السوداني، «النهج العراقي القائم على تجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية، وأهمية البناء عليه لتعزيز التنسيق المصري - العراقي في مواجهة التحديات المشتركة، والإسهام في احتواء التوترات وصون أمن المنطقة واستقرارها».