شاشة الناقد: فيلمان أحدهما عن الوحوش الضارية وآخر عن الظروف الاجتماعية التي لا تقل ضراوة

«غودزيلا ناقص واحد» (روبوت كوميونيكاشنز).
«غودزيلا ناقص واحد» (روبوت كوميونيكاشنز).
TT

شاشة الناقد: فيلمان أحدهما عن الوحوش الضارية وآخر عن الظروف الاجتماعية التي لا تقل ضراوة

«غودزيلا ناقص واحد» (روبوت كوميونيكاشنز).
«غودزيلا ناقص واحد» (روبوت كوميونيكاشنز).

GODZILLA MINUS ONE ★★★★

إخراج: تاكاشي يامازاكي

خيال علمي | اليابان | 2023‫ ‬

في غضون ثلاثة أشهر ونصف الشهر تم عرض فيلمين عن الوحش «غودزيللا». هذا الفيلم الياباني شهد عروضه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، و«كونغ ضد غودزيللا» (أدناه) يعرض حالياً. الفارق مذهل ويؤكد أنه عندما ينوي اليابانيون تحقيق فيلم جيد عن وحشهم الأسطوري فإن لا شيء يضاهي إجادتهم.

الأكثر من ذلك، أن ميزانية الفيلم بلغت 15 مليون دولار في مواجهة قرابة 150 مليون دولار تصرفها هوليوود كلما أرادت إنجاز «غودزيللا» خاص بها.الفارق الأساسي بين الاثنين هو أن هوليوود معنية بشحن المُشاهد بإثارة تقنية تحاول بها سلب آخر ذرة عقل لدى المتفرج. خلال ذلك، هي لا تتحدّث، كما نرى أدناه، عن الأشخاص كآدميين، بل عنهم كدمى.

الوحش كينغ كونغ في «كونغ غودزيللا» (وورنر).

الفيلم الجديد يتبع أثر تلك الأفلام. يتحدّث عن وحش وحيد في مواجهة مجتمع مهزوم (تقع الأحداث بين 1945 و1947). بطله طيار اسمه كويشي (ريونوسوكي كاميكي) يبدأ الفيلم به وهو محبط بسبب فقدانه رفاقه في الحرب وحين يعود إلى طوكيو يحاول أن يجد ملاذاً من شعوره الذنب وربما عائلة ينتمي إليها.

تعود أحداث «غودزيللا ناقص واحد» إلى الزمن الأول، أي إلى عام 1945، الذي هو نفسه عام إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناجازاكي. في مطلع الفيلم نشاهد الطيار كويشي يحط في مطار صغير كان تعرّض للقصف. كويشي ما زال يحمل أحزان رفاقه الذين قُتلوا. ليس هناك الكثير مما يمكن له أو لرئيسه أن يقوله حول ما حدث و«غودزيللا» يداهم المكان مثيراً الرعب في كل لحظة. حتى عندما لا نراه. عندما يعود «غودزيللا» إلى الماء وكويشي إلى طوكيو يدخل الفيلم مرحلة درامية تعكس حال المدينة والناس. سيتعرّف على فتاة (مينابي هامابي) ويعيش معها والفتاة التي تبنتها. لا يختار المخرج الانتقال إلى قصّة حب بل يواصل عرضه لأحوال الناس في تلك الفترة. وعندما يواصل الأميركيون إجراء التجارب النووية سيعاود «غودزيللا» الظهور والمقصد هو مدينة طوكيو. ثلث الساعة الأخيرة تضع كل وحوش هوليوود في جيبها الصغير.

«التثاؤب العظيم للتاريخ» (مهرجان برلين).

وُلد «غودزيللا» الأول قبل 70 سنة عندما أنتج استوديو توهو الياباني الفيلم الأول (أخرجه إيشيرو هوندا سنة 1954). بعده توالت الأفلام (37 فيلماً إلى الآن) عن هذا الوحش الضاري الذي يخرج من تحت سطح الماء. في الفيلم الأول، ثم فيما تلاه، جسّد «غودزيللا» رمزاً لما هو أكثر من وحش يتم إنجازه (عبر دمى متحركة ترتدي ملابس مطاطية ثم كومبيوتر غرافيكس حالياً). إنه الوحش الذي يعبّر عن الغضب من القنابل النووية سواء تلك التي ألقيت فوق ناجازاكي وهيروشيما أو تلك اللاحقة التي كانت تتم في المياه القريبة من اليابان.

«غودزيللا» في الأفلام اليابانية الجيدة من هذه السلسلة هو وحش حزين. تكاد تقرأ في بعض حركاته عدم فهمه لما يصطدم به. يدمّر ويهدم لكنه لا يتلذذ وليس هناك (كحال أفلام الخيال العلمي الهوليوودية) «أجندة» خاصّة وذكاء خارق أو شخصية نرجسية. إنه وحش من خارج الزمن مستخدم للتعليق على الزمن الحاضر.

عروض: حالياً على المنصّات

KONG X GODZILLA‪:‬ THE NEW EMPIRE ★★

إخراج: آدم وينغارد

خيال علمي | ألمانيا | 2024‫ ‬

الدور الأول هنا هو لكينغ كونغ. الدور المساند هو لـ«غودزيللا». أنبّه لذلك فقط في حال اختلط الأمر على ناخبي الغولدن غلوبس والأوسكار في الموسم المقبل، وعَدّوا أن الوحشين لديهما دوران متوازيان.

هناك طبعاً بشر لكنهم جميعاً مُعالجون كما لو كانوا بدورهم من صنع تقنية الكومبيوتر غرافيكس. دورهم الأساسي أن يبدوا مدهوشين أمام ما يكتشفونه أو يرونه على شاشات تلك المؤسسات التي ينتمون إليها، متسائلين عما ستكون عليه الخطوة التالية. ولأن الجمهور الغالب يفكر بقلبه، فإن أحدهم قد يفكر بالتبرع لقلع ناب كينغ كونغ بعدما لاحظ أن الوحش المسكين يعاني من ألم ولا يستطيع أن يلتهم الحيوان الذي قتله وأراد أكله وتركه لتمساح لا نعرف من أين جاء. طبعاً هناك تلك القفزة الهائلة ما بين جبلين والسباحة تحت رمال الجيزة بالقرب من الهرم والكثير مما يتم صرفه لتوفير الترفيه المتوقع. للأسف، هذا هو النجاح الوحيد للفيلم، إذ جمع الفيلم نحو 150 مليون دولار في أيامه الثلاث الأولى.

في الفيلم السابق من السلسلة الأميركية، «غودزيللا ضد كينغ كنغ»، يتواجه النجمان في معارك طاحنة قبل أن يجدا أن لديهما عدوّاً واحداً. كان ذلك نوعاً من الرغبة في إمساك هوليوود العصا من منتصفها كما لو أن مؤيدي «غودزيللا» سيقاطعون الفيلم لو هزمه «كونغ» أو أن مناصري «كينغ كونغ» لا يرضيهم أن وحشهم الأميركي سيهزمه وحش ياباني.

هنا، قدر كبير من الحبكة تدور حول تضامنهما ضد مخلوقات شريرة أخرى، لكن مع تمهيد تكتشف فيه نقاط ضعف المعالجة في كل مشهد، لا يأتي تطوير الحكاية بأكثر مما سلف حتى عندما نرى بطلة الفيلم ربيكا هول وفريقها يعمدون إلى النزول إلى باطن الأرض. بين هؤلاء الممثل برايان تايري هنري الذي سيوزّع بعض الضحكات حتى لا يفتقد الجمهور شيئاً من ذلك الترفيه. ضرس يؤلم الوحش من هنا ونكات من هناك ثم زمجرات الوحشين الضاريين من ناحية أخرى... ماذا نريد أكثر من ذلك؟ مدن ريو ديجنيرو والقاهرة وروما بعض ما سيتم تدميره أيضاً من باب الترفيه وليس لأن الحكاية كانت تستطيع تفادي ذلك.

الحديث عن الحكاية يضعنا أمام السبب الأهم حول لماذا «غودزيللا ناقص واحد» أفضل بمرّات من هذا الفيلم: البعد الإنساني الموجود هناك والمفقود هنا.

عروض: في الصالات حول العالم.

‪THE GREAT YAWN OF HISTORY‬ ★★★★

إخراج: عليار رستي | دراما

إيران | 2024‫ ‬

الطريقة شبه الوحيدة للتغلب على الرقابة الإيرانية هي اعتماد الرمز مكان العرض الواضح وتقليل فرص تلقين الممثلين حواراً له أكثر من المعنى المباشر على الشاشة.

يبدأ كل شيء بقيام بيت الله (محمد أغباتي)، باختيار عدد محدود من طالبي العمل وامتحانهم في دارته. اختياره يقع على شوجا (أمير حسيني).

ما يطلبه بيت الله من الشاب هو أن يصاحبه في رحلة استكشاف في بقاع إيران الجبلية. إنه رجل مؤمن ومحافظ يحاول عدم فعل شيء قد يجلب عليه ذنباً وهو اختار شوجاً لأنه أقل تديّناً منه وقد لا يمانع في سرقة كنز مهجور.

لا يعلم بيت الله أي جبل يتوجه إليه ولا أي كهف. يستند إلى مَنام يقول إنه يحلم به دوماً.

يبني المخرج بذكاء علاقة متناقضة بين بطليه. الأول موقن ثم مرتاب والثاني مرتاب منذ البداية لكنه يوافق على مصاحبة الحالم لعل وعسى يصيب بعض الثروة الموعودة.

عروض: مهرجان برلين 2024...

في طي كل ذلك سحابات رمزية حول الانعتاق من وضع متأزم وظروف قاهرة ومصير قاتم. في نهاية الفيلم يبقى بيت الله وحيداً وسيصعد الجبل ثانية منفرداً مقرراً أن الحصول الغنيمة هو كل ما بقي له في هذه الحياة. المفاد هنا هو أن التقدم تحت ظروف كهذه مستحيل. بيت الله يستند إلى الوهم بحثاً عن حل لأزمة شخصية.

إخراج رستي مثابر على وتيرة عمل لا تتغيّر تبعاً لأهواء طارئة وأسلوب سرد حثيث لكنه غير مستعجل. السؤال حول ما ستؤول إليه الطريق الطويلة وعما قد يقع بين الاثنين حاضر طوال الوقت ومُصان بجدية المعالجة غير التائهة.

 


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.