عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

«الشرق الأوسط» تعيد فتح دفاتر الرحلة الفلسطينية بمفاوضاتها الشائكة وعلاقاتها الصعبة (الحلقة الأخيرة)

TT

عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)
عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

لما يجري في غزة علاقة بالظلم الإسرائيلي المتمادي، خصوصاً إصرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على التهرب من استحقاقات السلام. تفاقم هذا الظلم بعدما اتخذ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قرار التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر (أيلول) 1993.

راهن عرفات على أن يكون اتفاق أوسلو خطوة أولى لقيام دولة فلسطينية على بعض الأرض، لكن بنيامين نتنياهو بنى سياسته على اغتيال الاتفاق ومفاعيله. ولاتفاق أوسلو علاقة بما سبقه، خصوصاً حروب العواصم والعلاقات الشائكة التي قامت بين منظمة التحرير وبعض الدول العربية البارزة.

كان الغرض من الحوار مع ياسر عبد ربه، أمين السر السابق للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ربط الحاضر ببعض الماضي؛ لتسليط الضوء على أحداث لم يتيسر لمن ولدوا بعد أوسلو أن يعايشوها. وهنا نص الحلقة الثالثة والأخيرة:

سألت عبد ربه كيف تعامل عرفات مع هجمات 11 سبتمبر 2001، وعن رفض الرئيس جورج بوش مصافحة الزعيم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة، فتذكر: «أولاً عدم مصافحة جورج بوش هي نتيجة لما رآه الأميركيون اختباراً تلو الاختبار لياسر عرفات، وأن الأخير فشل في الاختبار لجهة إدانة الأعمال التي كانت تقوم بها «حماس» وفصائل أخرى تستهدف المدنيين، ولأنه لم يقم بما يكفي من أجل منع تلك الأعمال، وأن ياسر عرفات أيضاً كان متواطئاً إلى حد ما. ودليلهم على ذلك سفينة «كارين أيه» وغيرها.

كان تصريح جورج بوش الشهير بأن «الشعب الفلسطيني يستحق ما هو أفضل من هذه القيادة الفلسطينية، وهي متورطة في الإرهاب». وعملياً أوجد تصريحه وضعاً انتقلنا فيه فعلاً لمرحلة جديدة بالكامل، مرحلة القطيعة مع الإدارة الأميركية، وإشهار هذه الإدارة العداء الكامل لشخص عرفات، عدا عن العداء للسلطة ككل تحت قيادته.

بعدها طرحوا فكرة أن عرفات يمكن أن يظل رمزاً، ولكن من دون صلاحيات تنفيذية واسعة، وأن تُحال هذه الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس وزراء كان الأميركيون قد حددوه سلفاً وهو الأخ محمود عباس «أبو مازن». هذا كان الجانب الأول من عدم المصافحة لأن الإدارة الأميركية كانت قد أعلنت عملياً القطيعة مع ياسر عرفات، ولذلك امتنع بوش عن مصافحته.

عرفات ينتظر كلمة جورج بوش الابن أمام أول جمعية عامة للأمم المتحدة بعد 11 سبتمبر (غيتي)

على رغم الأجواء التي كانت سائدة فإن ياسر عرفات ذهب (إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وجلس متوقعاً أن تحصل المصافحة. ويومها قال بوش لكوفي أنان (الأمين العام السابق للأمم المتحدة)، إن هذا الرجل يريدني أن أصافحه فليصافح نفسه.

عرفات في 11 سبتمبر: هذه طائرات وهمية

هذه كانت طريقة جورج بوش. في 11 سبتمبر، أنا شاهدت الأحداث على التلفزيون من بيتي في رام الله. أخذت سيارة وانتقلت إلى غزة فوراً، كانت الطريق مفتوحة والمسافة قريبة وتستغرق ساعتين أو أقل، فوجدت ياسر عرفات وحده بالمكتب. كانت فترة بعد الظهر تقريباً بتوقيتنا. وفور وصولي قال لي: أخشى أن يكون هناك طرف فلسطيني أو يد فلسطينية في هذه العملية، لذلك أول نظرية كانت عنده أن هذه طائرات وهمية اخترعت في التصوير على التلفزيون. قلت له: أبو عمار، هذه طائرات حقيقية ضربت البناية. قال: لا، لا، وهمية. الانفجار تم من داخل المباني وليس من خارجها. ما هو الفرق بين داخل المباني وخارجها؟ فقال لي: أنا خائف أن تكون الطائرات فلسطينية. طيب إذا افترضنا أنها فلسطينية فهذا لا يلغي أنه من الخارج.

تذكر عرفات خطف الطائرات على أيدي الفلسطينيين، واعتقد أن هذه يمكن أن تكون واحدة من المغامرات التي قمنا بها في الماضي ومجددة بطريقة مختلفة. قلت له: لا، دعنا نتريث. فعلاً هوية الخاطفين المنفذين لم تتضح يومها. سأل عرفات: ماذا يفعلون في العالم؟ أجبت. كما سمعت، فتحوا حملات تبرع بالدم، دعنا نطلع للتبرع بالدم. قال: أنا رجل كبير بالسن، والتبرع بالدم ممكن يضعفني. قلت له: سنجد حلاً لهذه القضية. المهم أن تقوم بخطوة رمزية وليس المهم أن يأخذوا دماً أو لا يأخذوا، هي خطوة رمزية.

فعلاً، انتقلنا إلى مستشفى الشفاء واصطف عدد من مرافقي ياسر عرفات ومن المواطنين ومن المرضى ومن الأطباء للتبرع بالدم. والمهم أيضاً أننا أحضرنا كاميرات التلفزيون لتصور هذا المشهد. لم يرتح عرفات إلا إذا عندما تيقن أنه ليس هناك أي ضلوع فلسطيني في هذه العملية. وكان هذا متأخراً، يمكن في اليوم التالي أو الذي يليه، عندما تولى أسامة بن لادن الإعلان عن مسؤوليته. ياسر عرفات للأسف كان أيضاً لا يرى أن هذه العملية ستغير من اتجاه سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة وتجاه أعمال الإرهاب. فصل بين هذه العملية وما يمكن أن يكون عليه سلوك الولايات المتحدة. وهذا أدى لتدهور مكانته بالتدريج عند الأميركيين لحد القطيعة الكاملة».

العلاقة الشائكة مع حافظ الأسد

لم تقم علاقة عادية أو ودية أو طبيعية بين ياسر عرفات وحافظ الأسد. ذهب ياسر عبد ربه إلى دمشق بمهمة بعد التدخل العسكري السوري في لبنان سنة 1976 والتقى الأسد. سألته: ماذا قال لك الأسد؟ فأجاب عبد ربه: «جرى اصطدام عسكري في صيدا (جنوب لبنان)، وأيضاً بعض الاصطدامات والمناوشات في منطقة صوفر (جبل لبنان) وغيرها، وتوترت الأجواء وحصلت مواجهة مسلحة بيننا وبينهم (السوريين)، فارتأت القيادة في بيروت ألا ندخل هذه المرحلة من الصدام. وأعتقد أن عدداً من الدول، بما فيها دول الخليج والسعودية بالذات، تدخلت لوقف هذا الاصطدام واحتوائه وتهدئة الوضع، لذلك وافق السوريون على استقبال وفد من عندنا يلتقي مع الرئيس الأسد، فذهبت أنا وفاروق القدومي الذي كان وزير الخارجية، وهو طبعاً رئيس الوفد، والتقينا الرئيس الأسد.

للمرة الأولى يدخل الأسد متجهماً ومعالم الغضب على وجهه. كان من عادته أن يكبت مشاعره، ومن الصعب عليك أن تقرأ في معالم في وجهه ما يدل على أنه سعيد أو غضبان أو موافق أو غير موافق... يعني هذا من المستحيلات. جلسنا فبادر هو. طبعاً، قبل الدخول إلى الاجتماع اشترط عليّ القدومي أن نلعب لعبة مزدوجة، هو الطرف الهادئ والذي يحاول تليين الأمور وأنا الطرف المتشدد قليلاً، يعني المشاغب. طبعاً هو لأن جذوره «بعثية» ولا يريد أن يقطع الحبال نهائياً. المهم، فاجأنا الأسد فوراً وقال: «هيك بتعملوا؟» قلنا: خيراً يا سيادة الرئيس؟ قال: السوريون الذين دخلوا إلى صيدا قطعتم رؤوسهم وتلعبون بها «فوتبول» (كرة قدم) في الشوارع.

أول مرة نسمع هذه التهمة. كان هناك ضابط سوري يبدو تائهاً، فبدل أن يسلك طريق جزين سلك طريق صيدا ولم يجد نفسه إلا في وسط مدينة صيدا، في الساحة، ومعه دبابتان أو ثلاث دبابات... فوجئت الميليشيات الموجودة في صيدا بالأمر وأطلقوا على إحدى الدبابات قذيفة «آر بي جي»، فصار الجنود يصرخون: نحن جنود سوريون... لم يكن أحد «فاهم شو الطبخة»، فأمسكوا نحو 40 جندياً سورياً كانوا آتين بشاحنتين إلى المنطقة من دون حماية أو أي ترتيب مع أحد، وقائدهم ظل مستمراً من دون أن يعرف إلى أين هو ذاهب. فشل عسكري ذريع. الشبان في صيدا، سواء كانوا فلسطينيين أو لبنانيين، أخذوا الأربعين جندياً ووضعوهم في مكان، مدرسة، وأطعموهم وشربوهم وتعاملوا معهم ليسوا بوصفهم أسرى حرب ولم يتعرضوا لهم بإيذاء، ونحن كنا متأكدين من هذا قبل أن نذهب (إلى دمشق)، وطلبنا من الجانب السوري أن يأتي ليأخذهم أو يتولاهم أحد. كان وقتها قراراً، حتى كمال جنبلاط، يعني: هل يعقل أن نأخذ أسرى سوريين؟

تصديت (لكلام الأسد) وقلت له: سيادة الرئيس، كيف هذا الكلام؟ أولاً من المعيب أن يستخدم أحد تعبير أسرى. الجنود السوريون ليسوا أسرى. ثمة خطأ وقع فيه قائد ووجد نفسه في صيدا، وعناصر الميليشيا في صيدا رأوا دبابات لا يعرفون لمن هي، فحصل احتكاك معها ولحسن الحظ لم يصب أحد بإطلاق النار، والأربعون جندياً موجودون وليس هناك قطع رؤوس. فقال: والله هذه هي التقارير التي وردتني، فهل يكتبون لي تقارير كذباً؟

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط»

قلت: نرجوك تأكد، ليس هناك أي شخص مصاب، ومن أجل زيادة في التأكد ليبعثوا أحداً أو أي جهة تتسلّمهم. نريد نقلهم بالباصات لكننا لا نعرف إلى أي جهة نرسلهم. قال: حسناً سأتأكد من الموضوع. وكانت حينها معركة تل الزعتر مفتوحة، فطلبنا منه أن يتدخل في معركة تل الزعتر لوقفها؛ لأنها ستنتهي بمجزرة، لأن المخيم محاصر ومطوق وعليه قصف، ولم نكن نريد أن نتحدث صراحة عن سلوك بعض ضباطه. قال: «بيصير خير». لم ينطق بأنه سيحاول المساعدة بل قال: «بيصير خير إن شاء الله». وطلعنا على هذا الأساس. طبعاً اتفقت مع الأخ فاروق ألا نروي كل الرواية؛ لأنه أولاً إذا رويتها فكثير أو البعض له علاقات مع سوريا ولم يقطعها، فلا نريد الإساءة إلى الرئيس الرمز».

«من قتل كمال جنبلاط؟»

زيارة أخرى صعبة لدمشق شارك فيها عبد ربه بعد اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط الذي عارض التدخل العسكري السوري في لبنان. وها هو يسترجع تلك المحطة: «عدنا من القاهرة بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. وكان لا بد من أن نزور سوريا وحافظ الأسد لنطلعه على النتائج كشيء بروتوكولي معتادون عليه مع قيادتي مصر وسوريا. حصل اغتيال كمال جنبلاط بالتزامن مع دورة المجلس الوطني، أي قبل أيام من زيارتنا لدمشق. سمينا الدورة وقتها «دورة الشهيد كمال جنبلاط» تقديراً له. عندما دخلنا على الرئيس حافظ الأسد أخبره ياسر عرفات بأننا سمينا الدورة «دورة الشهيد كمال جنبلاط»، فسارع الرئيس الأسد إلى القول: من برأيك يا «أبو عمار» اغتال كمال جنبلاط؟

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

أنا جالس إلى جانب الرئيس (عرفات)، ومعي أعضاء آخرون من اللجنة التنفيذية - قيادة منظمة التحرير. أنا من الناس الذين بدأوا يتوترون بانتظار رد عرفات. عرفات على طريقته عندما يكون غير قادر على إعطاء جواب وأمام وضع محرج للغاية تصبح رجلاه تتحركان ويكرر الكلمات. بعد قليل قال له: من غيرهم يا سيادة الرئيس؟ من غيرهم؟ من غيرهم؟ فأنا خفت يقول: حضرتك يا سيادة الرئيس، فقال الأسد له: من تعني يا «أبو عمار»؟ فأجاب: طبعاً إسرائيل.

ارتحتُ قليلاً، لكن الأسد أكمل: لماذا تعتقد يا «أبو عمار» أنها إسرائيل وليس غيرها؟ فقال له: أنا أعرف المنطقة التي كان فيها كمال جنبلاط. تنزل نزولاً، وفي آخر النزول توجد تحويلة ثم تبدأ بالصعود. هم كمنوا له عند التحويلة، من يقدر يفعل ذلك غير إسرائيل؟».

عرفات لم يؤيد توسيع الحرب في لبنان

اتُهم ياسر عرفات بأنه حرض كمال جنبلاط على نقل الحرب إلى الجبل، هل صحيح هذا الاتهام؟ يجيب عبد ربه: «بصراحة، أبداً. أنا أعتقد أن كمال جنبلاط كان يريد من المقاومة الفلسطينية بقواتها كلها أن توسع الجبهة في الجبل، بل هو الذي يمكن أنه أشرف حتى على حشد قوات الحزب الاشتراكي (الذي يقوده) في منطقة الجبل، وفي المنطقة المشرفة على الكحالة، من عاليه نزولاً. وطلب اشتراك «فتح» في العملية.

«فتح» لم تشترك، وإذا اشتركت اشتركت بطريقة رمزية. الذي اشترك بقوة كبيرة أتصور «الجبهة الديمقراطية» وتمت خسارة نحو عشرين مقاتلاً من الجبهة التي تصدى لها الجيش اللبناني، ليس فقط «الكتائب» أو «القوات اللبنانية» أو غيره. ياسر عرفات فوجئ بالصعود إلى الجبل. أنا واثق بأنه لم يكن في خطته الصعود للجبل ولا التحول إلى بكفيا من ناحية ضهور الشوير والنزول، كما كان يتوقع آخرون.

الذي اندفع في هذا الاتجاه هم ضباط ما يسمى بـ«تكتل أبو موسى وأبو خالد العملة». ياسر عرفات لم يبد المعارضة الكافية لمنع انخراطهم في هذه العملية. لكن لم يكن القرار بادئ ذي بدء من عند عرفات. كمال جنبلاط كان متحمساً للعملية، الصعود إلى الجبل وكسر ظهر القوات الكتائبية وتطويق المنطقة. ما كان ممكناً لأحد أن يصعد إلى الجبل ومنطقة عاليه إلا بموافقة اشتراكية.

وياسر عرفات لم يكن مؤيداً أيضاً لاجتياح بلدة الدامور اللبنانية. ياسر عرفات لبنانياً لم يقطع محاولات إعادة الاتصال بالطرف الآخر كما يسمونه في لبنان، أي «الكتائب» وكميل شمعون والآخرين. وكان يحرص على أن يبقي «شعرة معاوية» بهذه الاتصالات، وكان يشجع المقربين منه مثل أبو حسن سلامة وأبو الزعيم على أن يواصلوا هذه الصلات. ياسر عرفات، عندما حصل اقتحام الدامور، وبعد قصة تل الزعتر، هو الذي دفع بمجموعات وبقوات من عنده لمحاولة عدم تحويل الموضوع إلى مجزرة.

وأكثر من ذلك هو الذي أجرى اتصالات، كما أعتقد، مع شمعون لكي يذهبوا إلى السعديات، ومن هناك يتم نقلهم عن طريق البحر... كان هنا بعض المجانين الذين ربما أرادوا ارتكاب شيء من المجزرة بالكنيسة في الدامور؛ لأن ثمة أناساً لجأوا إلى الكنيسة، فأرسل من يحمي الكنيسة. أنا واثق، لم يتورط ياسر عرفات في الدخول بحرب قذرة من هذا النوع».

مع محمود درويش وعرفات في شمال لبنان

عام 1983 رجع ياسر عرفات، الذي خرج في 1982 من بيروت، إلى طرابلس في شمال لبنان لمواجهة «الانتفاضة» في «فتح»، وعملياً للدخول في مواجهة مع سوريا. لماذا رجع؟ وما هي قصة زيارة ياسر عبد ربه مع محمود درويش لياسر عرفات في الشمال؟ يتذكر عبد ربه قائلاً: «كانت هناك نظرية سورية فيما بعد بأن ياسر عرفات الداهية هو الذي جاء إلى طرابلس من أجل استدراج السوريين لشن معركة ضده حتى يوصم أبو موسى وأبو خالد العملة وأبو صالح بأن حركتهم ليست حركة تصحيح، ولكنها حركة مدبرة سورياً، وأنه قد نجح إلى حد كبير في هذه العملية. هل كان ياسر عرفات فعلاً عنده مثل هذا المخطط في رأسه؟ أنا لا أستبعد من ياسر عرفات ذلك؛ لأنه كان يريد للاعبين الحقيقيين أن يظهروا على خشبة المسرح من دون أن يأتي أحد ويموّه بستارة فلسطينية أنه باسم الإصلاح في «فتح» قاموا بهذا التدبير. طبعاً خلال فترة حصاره، ذهبنا أنا ومحمود درويش.

محمود درويش ربما هو الذي حرضني وليس أنا من حرضه. محمود درويش كانت بينه وبين ياسر عرفات علاقة ملتبسة. هو يحب عرفات ويطمئن إليه، لكنه في الوقت ذاته يشك في أنه يرتكب مغامرات غير محسوبة أحياناً، ويتخذ قرارات غير قابلة للتراجع عنها. ويفضل عرفات المتردد أحياناً والذي يقوم بالشيء وبعكسه حتى يظل في الوسط من دون التورط الشديد. هو الذي حرضني، أنا متأكد، على الذهاب للقاء «أبو عمار». فذهبنا بالسيارة معنا سائق فقط. وعن طريق حمص (سوريا). ذهبنا ودخلنا إلى طرابلس. قبل طرابلس، إلى البداوي وتلك المناطق حيث يوجد ياسر عرفات من المنطقة الشمالية. وبالعودة نزلنا عن طريق بعلبك. كانت هناك سهولة في دخول لبنان وقتها.

دخلنا فوجدناه يشرف على عمليات الحفر في الجبل، والجبل كله طباشير (كلسي)، الجبل كله أبيض، حتى هو ثيابه بيضاء. المهم، «كيفك أبو عمار؟». قال: كما ترونني أنا أحضّر. سألنا: لماذا الخنادق والحفريات؟ لم نأخذ من عرفات جواباً نهائياً. قال: هذه ترتيبات عسكرية لا علاقة لكم أنتم بها ولا تفهمون في الشأن العسكري. جلسنا معه واطمأننا عليه. معنوياته لا بأس بها. كان ذلك في فترة الظهيرة، فقال: تتغدون معي. محمود درويش فيما يتعلق بالطعام حذر. فكان غداء ياسر عرفات علبتي سردين وحبتين من الطماطم. نظرت إلى وجه محمود درويش فلم يكن راضياً.

شارك درويش بالحد الأدنى. أكل قليلاً من الخبز. بعد ذلك طلبنا منه الإذن بالانصراف لنعود إلى الشام (دمشق) قبل مغيب الشمس ورجعنا عن طريق البقاع».

وهل كانت «حرب المخيمات» في لبنان جزءاً من الرد على سلوك ياسر عرفات؟ يقول عبد ربه: «كان واضحاً أن حركة (أمل) حرّكتها بإيعاز سوري، بتدبير سوري. وكانت ناتجة عن توسع دور «فتح» في الجنوب، وأيضاً تمدد إلى حد ما في مناطق الجبل بتواطؤ ضمني مع وليد جنبلاط الذي كان يمرر كثيراً من المساعدات ويؤوي أيضاً معسكراً على الأقل لـ«فتح»، على ما أذكر، وحركتهم في كل الاتجاهات عبر منطقة الشوف.

كان السوريون يعرفون ذلك، أن «فتح» تتمدد في الجنوب، فأوعزوا إلى «أمل» بأن تقوم بذلك، فتورطت «أمل» بحرب عديمة المعنى والجدوى. محاصرة المخيمات مثل مخيم شاتيلا أو غيره من المخيمات، ولاحقاً تم الرد عليها بعملية مغدوشة، وكانت أيضاً بذات الدرجة من البشاعة.

القسوة ضد عرفات «متوارثة» سورياً

هل صحيح أن رئيس أركان الجيش السوري العماد حكمت الشهابي كان شديد القسوة في الكلام عن ياسر عرفات؟ يجيب عبد ربه: «كان يبدو الموقف متوارثاً في قيادات الجيش السوري. مصطفى طلاس لم يكن يحب ياسر عرفات، وفي أحيان كان في بعض خطبه بذيئاً للغاية ويشتمه بشتائم سوقية ورخيصة، وحكمت الشهابي كان لا يطيق اسم عرفات أبداً. كان يجاهر بذلك أمامنا».

وعن صبري البنا «أبو نضال» وشخصيته، يقول عبد ربه: «التقيته في المرحلة العراقية عندما كان في بغداد، وبعدها لم أره. هو شخص نرجسي للغاية، معتز بنفسه وشديد الشكوك. يتلفت حوله أحياناً، وسريع الاتهام. إذا ذكرت اسم أحد أمامه يقول لك فوراً: هذا جاسوس. ربما هو تأثر بالتقاليد العراقية السياسية لأن تهمة الجاسوس في العراق مثل شربة الماء. هو لا يشعرك بالارتياح، رغم أنه في أوقات أخرى، كأنه كان عنده حالة انفصام فعلياً، تجده شخصاً هادئاً ولطيف المعشر، وفي وقت قصير ينقلب إلى نقيضه.

سبح أبو نضال في الدم الفلسطيني كثيراً كثيراً. وكان هذا عندما حصل التقارب السوري - الفلسطيني، بعد حرب أكتوبر وبعد ما صار هناك مشروع للسلام، وبعدما أعلنا عن خطة النقاط العشرة التي هي أول جنين لمشروع قبول دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. فهذا كان بالنسبة للعراقيين ناقوس خطر، فبدأوا بالعمل ضد منظمة التحرير وضد «فتح»، ولجأوا لسياسة الاغتيالات. في الكويت اغتالوا السفير، في باريس اغتالوا السفير، في أماكن كثيرة».

القذافي وجاذبية عرفات

هل كان التفاهم بين ياسر عرفات ومعمر القذافي صعباً؟ يجيب عبد ربه: «صعب وسهل. القذافي كان شديد الترحاب بياسر عرفات، وكان ودياً في التعامل معه، وياسر عرفات يجرؤ على أن يحكي معه بلغة فيها بعض القسوة أو التأنيب، حتى إنه كان يناديه: يا معمر. ولم يكن يجرؤ على قول هذا الكلام لصدام أو لحافظ الأسد أو السادات أو سواهم. كان يقول له مثلاً: يا معمر أنت رايح فين؟ أنت غلطان. نعم. كان يقول له: أنت غلطان، وكان ينتقده أحياناً.

القذافي كان يتقبل ذلك كله؛ لأن «أبو عمار» كان يعدّ نفسه ليس فقط أقدم عمراً بل أقدم من حيث تاريخه النضالي، أقدم كثيراً من القذافي. القذافي ضابط صغير برتبة ملازم أو نقيب... «أبو عمار» لم يكن يعطي للقذافي درجة من الأهمية بسبب أن القذافي كان شحيحاً جداً في دعم «فتح» ودعم «منظمة التحرير». لم يكن يدعم المنظمة، بل كان يدعم تنظيمات وفصائل، ويختص بالدعم أحمد جبريل الذي كما يقول المصريون «أكل بعقله حلاوة». أوهم القذافي بأنه قائد عسكري من الطراز الرفيع.

عرفات كان مشاكساً في علاقته بالقذافي. والقذافي كان مضطراً لأنْ يحترمه ويعامله باحترام. طبعاً قام لاحقاً بتمويل (تمرد فصيل) «الانتفاضة» في «فتح» ضد عرفات. كانت لدى عرفات كاريزما، حقيقة، طاغية إلى حد بعيد. هناك من لم يكن يحتملها. أنا متأكد. حافظ الأسد لم يكن يحتملها. أحمد حسن البكر وكان أيضاً لا يطيق عرفات. صدام ربما لم يكن يشعر بمنافسة مع أحد؛ لأنه هو مقتنع بداخله أنه هو منذ نعومة أظفاره متفوق على كل البشرية. القذافي كان أيضاً يغار. تحس أن لديه بعض الغيرة، لكنه كان مضطراً أن يعامل ياسر عرفات باحترام».

هل كانت لدى عدد من الانقلابيين العرب عقدة جمال عبد الناصر؟ يقول عبد ربه: «نعم، هذه موجودة. في الحقيقة، عبد الناصر هو الذي افتتح عهد الضباط الذين يتحولون إلى رموز شعبوية في بلدانهم وعلى المستوى العربي. فكل منهم، حتى الذين ينتقدون، فيهم جزء من خطابية عبد الناصر، مفردات عبد الناصر، فردية عبد الناصر. ربما عبد الناصر كانت عنده مزايا يعني أخرى إيجابية، هنا صعب أن يكون أحد قد تشبّه بها، ربما. لكن عبد الناصر كان نموذجاً للديكتاتور العسكري العربي. والنسخ هي نسخ مشوهة عنه. بالنسبة إلى القذافي كان عبد الناصر، أصلاً، رمزه الأبوي، إن صح التعبير في إطار علم النفس. احتضنه عبد الناصر وشجعه واحتواه».

جمال عبد الناصر مع عرفات والقذافي والملك حسين في القاهرة عام 1970 (غيتي)

«غزة كانت مقدسة عند عرفات»

التقى عبد ربه بعرفات للمرة الأولى في «معركة الكرامة» عام 1968 في الأردن، وهي المعركة التي أعطت الشرعية لـ«فتح» ولعرفات. سألته: هل تفتقد ياسر عرفات اليوم؟، فأجاب عبد ربه: «أكيد، أكيد. لا أحد عرف ياسر عرفات، وبدرجات مختلفة وهم بعدد محدود، إلا ويفتقد دوره، ويتذكر كيف كان يتصرف في هذا الوقت. حتى مؤخراً، هناك من يؤكد أن ياسر عرفات ما كان ليسمح بكل المقدمات التي أوصلت إلى العدوان الأخير على غزة.

ما كان ممكناً أن يسمح بأن يحصل هذا الانقسام الذي وقع في الحركة الفلسطينية وخروج «حماس» عن بقية الأطراف وعن منظمة التحرير، ثم انفصال غزة عن الضفة. ياسر عرفات غزة كانت بالنسبة إليه مقدسة، وما كان ممكناً أن يغادر غزة ولو نفذت «حماس» مائة انقلاب. ليس بالضرورة أن يغزو غزة لكنه مستعد أن يدفع الثمن لـ«حماس» مقابل أن يضع قدمه في غزة مرة أخرى».

سألت عبد ربه كيف خرج من الأردن بعد الأحداث الدامية في 1970 فقال: «خرجت في 1971؛ إذ ظللنا في حالة اختفاء في عمّان بعدما سيطر عليها الجيش الأردني. ثم انتقلت إلى الأحراش في جرش وعجلون التي تجمعت فيها كل قوات المقاومة و(تعرضت) للقصف وإلى آخره. ثم عقد اجتماع للمجلس الوطني في يوليو (تموز) أو أغسطس (آب)، فطلبوا منا، أنا و«أبو جهاد» (خليل الوزير)، أن نغادر أحراش جرش وعجلون ونذهب إلى القاهرة لنحضر المجلس الوطني، فغادرنا برعاية عربية، وحصل اكتساح أحراش جرش وعجلون ونحن في القاهرة».

حقائق

من هو ياسر عبد ربه؟

ولد ياسر عبد ربه في يافا في 1945. هاجرت عائلته بعد النكبة إلى لبنان. كان في سن الخامسة عشرة حين نجح السياسي اليساري اللبناني محسن إبراهيم في إقناعه بالانضمام إلى «حركة القوميين العرب». تابع في الجامعة الأميركية في القاهرة دراسته في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية.

في 1968 كان إلى جانب جورج حبش ونايف حواتمة ووديع حداد في تأسيس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وشارك في السنة التالية في تأسيس «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وهو كان الرجل الثاني فيها بعد حواتمة. غادر الجبهة عام 1990 وأسس حزب «فدا»، قبل أن يتخلى عن قيادته ويعمل مستقلاً منذ 2004.

كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات في 1968 إبان «معركة الكرامة» حين تصدت المنظات الفلسطينية الناشئة بدعم من مدفعية الجيش الأردني لقوات إسرائيلية هاجمت بلدة الكرامة الحدودية. ربطته لاحقاً بعرفات علاقة ثقة وطيدة مكنته من لعب دور بارز في الحوار بين أميركا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ترأس عبد ربه الجانب الفلسطيني في أول حوار مع الولايات المتحدة عام 1989، وكان شريكاً فاعلاً في ما عُرف بـ«مطبخ اتفاق أوسلو». وتولى بعد ذهاب القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة مناصب وزارية. وشارك في معظم لقاءات عرفات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين.

تولى بين 2005 و2015 منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأخرج من منصبه في ختام تلك الفترة بعد خلافات علنية مع الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. أتاح له دوره في منظمة التحرير المشاركة في لقاءات رفيعة مع زعماء من العالم العربي وخارجه. وربطته علاقة مودة عميقة مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

متزوج من الروائية ليانة بدر، وله ولدان.


مقالات ذات صلة

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

عبيدات: صاروخ من القذافي لإسقاط طائرة الملك حسين

كشف رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات تفاصيل محاولة لاغتيال العاهل الأردني الراحل الملك حسين اتهم العقيد معمر القذافي بتدبيرها مع القيادي الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
خاص لقاء بين الملك حسين ومعمر القذافي على هامش قمة عربية في القاهرة عام 1970 (أ.ف.ب) p-circle 06:06

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: القذافي حاول اغتيال الملك حسين بصاروخ سلمه لوديع حداد

في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي».

غسان شربل (عمّان)
خاص وصفي التل مع الملك حسين (غيتي) p-circle 00:44

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: قناص غامض قتل وصفي التل برصاصة من الخلف

في الحلقة الأولى من شهادته، يتحدث رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات عن «خيط غامض» في اغتيال وصفي التل، وتفاصيل محطات الصدام الأردني - الفلسطيني.

غسان شربل (عمّان)
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
TT

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

دخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، إلى التقاعد في 25 أبريل (نيسان) الحالي، لتبدأ معها معركة اختيار الشخصية التي ستخلفه في واحد من أهم المواقع القضائية وأكثرها حساسية وتأثيراً في البلاد. ولا تنحصر أهمية هذا المنصب في كونه رأس النيابات العامة ومرجعيّة الضابطة العدلية؛ بل تتجاوز ذلك إلى أبعاده السياسية والأمنية، حيث يشكّل نقطة تقاطع دقيقة بين السلطة التنفيذية والجسم القضائي، فضلاً عن كونه المرجع المخوّل إدارة التعاون القضائي الدولي.

ملفات كبرى ذات بعد دولي

في السنوات الأخيرة، تعاظم دور النائب العام التمييزي بشكل ملحوظ، خصوصاً في الملفات الكبرى ذات البعد الدولي، وفي مقدّمتها التحقيقات المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت، حيث كان له دور محوري في تلقي الاستنابات القضائية من الخارج والرد عليها، كما برزت مهمته في التنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية ونظيراتها في الخارج، لا سيما في الدول العربية، في إطار مكافحة شبكات تهريب المخدرات، خصوصاً شحنات «الكبتاغون» التي شكّلت مصدر توتر دائماً بين لبنان ودول الخليج العربي.

موقع انفجار مرفأ بيروت - 4 أغسطس عام 2020 (أرشيفية)

والمرحلة المقبلة على النائب العام الجديد دقيقة ومعقّدة، في ظل ترقب القضاء اللبناني ورود طلبات تعاون قضائي وأمني من دول خليجية، عقب اكتشاف خلايا أمنية مرتبطة بـ«حزب الله» كانت تخطط لعمليات في عدد من هذه الدول، بينها الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، وتؤكد مصادر مواكبة لهذا الملفّ، أن المدعي العام الجديد «تنتظره كرة نار سيتلقفها، وتشكل اختباراً حقيقاً لأدائه، وترقب دوره في تتبع خيوط هذه الشبكات داخل لبنان، والتحقيق في صلات محتملة لأفراد مقيمين فيه بإدارة أو دعم تلك الخلايا». وشددت على أن «الامتحان الأهم يكمن في كيفية استكمال إدارة الملفات الأمنية والقضائية العائدة لعناصر ومسؤولين في (حزب الله)، بعد قرار الحكومة حظر نشاطات الحزب العسكرية والأمنية، واعتبارها خارجة عن القانون».

أكياس تحتوي على حبوب «كبتاغون» معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)

تجاذب سياسي حول الشخصية

تتصاعد حدة التجاذب السياسي حول الشخصية القضائية التي ستتولى هذا المنصب، في ظل سعي كل طرف إلى ترجيح كفة مرشحه. ووفق المصادر المواكبة لهذا الملفّ، فإن رئيس الجمهورية جوزيف عون «يميل إلى دعم تعيين رئيس محكمة الجنايات في الشمال القاضي ربيع الحسامي، فيما يُنسب إلى مقربين من رئيس الحكومة نواف سلام، أن الأخير يفضّل تعيين المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج». أما في كواليس مجلس القضاء الأعلى، فثمّة من يزكّي اسم القاضية رولا عثمان، التي تشغل حالياً منصب قاضي التحقيق الأول في بيروت، بوصفها خياراً محتملاً يعكس توجهاً نحو تعزيز حضور المرأة في المواقع القضائية العليا. لكن المصادر لفتت إلى أن تأثير مجلس القضاء الأعلى «يبقى محدوداً، خصوصاً بعد أن أبطل المجلس الدستوري قانون استقلالية السلطة القضائية، الذي كان يمنح مجلس القضاء حق اقتراح 3 أسماء لهذا الموقع، وتكون الحكومة ملزمة باختيار أحدهم».

وأمام غياب تأثير مجلس القضاء، يبقى التعيين رهن التوافق السياسي، على الأقل بين رئيسي الجمهورية والحكومة، مع مراعاة التوازنات الطائفية، إذ جرت العادة أن يكون النائب العام التمييزي من الطائفة السنيّة، ما يمنح رئيس الحكومة هامشاً أوسع في عملية الاختيار. ولا تستبعد المصادر بروز أسماء من خارج لائحة المرشحين الأساسيين، من بينها رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي أسامة منيمنة، ومدير عام وزارة العدل القاضي محمد المصري، إضافة إلى القاضي علي عواجي.

وتشير المعطيات المتداولة الأوساط القضائية إلى أن «حظوظ القاضي محمد المصري تقدمت نسبياً في الأيام الأخيرة، نظراً لكونه الأعلى درجة بين القضاة السنّة، وهو عامل يلعب دوراً في الترجيح داخل الجسم القضائي». وترجّح أن يكون القاضي أسامة منيمنة مرشحاً بارزاً لتولي رئاسة هيئة التفتيش القضائي، خلفاً للقاضي أيمن عويدات الذي سيحال إلى التقاعد في يوليو (تموز) المقبل.


تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

شهد لبنان، السبت، تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، مع سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع الغربي، في تطور ميداني يعكس توسيع رقعة المواجهة. وبرز في هذا التصعيد استهداف البنى التحتية الحيوية، ولا سيما تدمير الجسر الرابط بين سحمر ومشغرة فوق نهر الليطاني، بالتوازي مع سقوط قتلى وجرحى في عدة مناطق، مقابل ردّ صاروخي من «حزب الله» استهدف مواقع وتجمعات إسرائيلية في الجليل الأعلى.

هذا في وقت استكمل فيه الجيش الإسرائيلي استهداف قوات الـ«يونيفيل» بتدمير 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي للقوة في جنوب لبنان، في غضون 24 ساعة، وفق ما أفاد مصدر أمني في الأمم المتحدة «وكالة الصحافة الفرنسية».

مبنى متضرر جراء قصف استهدف منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

الضاحية الجنوبية: غارات مركّزة ورسائل تصعيدية

وتعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لسلسلة غارات عنيفة بلغ عددها ست غارات على الأقل خلال ساعات الفجر، في واحدة من أشد الضربات التي تستهدف المنطقة في الفترة الأخيرة. واستهدفت إحدى الغارات محطة وقود في تحويطة الغدير.

عناصر في الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة معركة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الضربات في سياق إنذارات إسرائيلية مسبقة تهدف بشكل أساسي إلى تهجير أبناء المنطقة ومنع عودتهم إلى منازلهم.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ، الجمعة، موجة غارات في بيروت «استهدفت مقرات تُستخدم من قبل فيلق لبنان التابع لفيلق القدس».

الجنوب: دمار واسع واستهداف مستشفى

في الجنوب، توسّعت رقعة الغارات لتشمل عشرات البلدات في قضاء صور والنبطية، بعد تحذيرات من الجيش الإسرائيلي بالإخلاء قبل استهداف مبانٍ سكنية ومرافق مدنية، ما أدى إلى دمار كبير وسقوط ضحايا.

واستهدف منزل في عين بعال قضاء صور، ما أدى إلى مجزرة بحق عائلة قتل فيها اثنان وجرح آخر، فيما الزوجة مفقودة، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام»، مشيرة إلى أن فرق الإسعاف تتابع عمليات البحث، كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن وقوع مجزرة أيضاً في حبوش في قضاء النبطية، حيث قُتل طفلان وجرح 22 شخصاً.

وأدت الغارات إلى أضرار جسيمة في ميناء الصيادين في صور والمستشفى اللبناني الإيطالي، ما من شأنه أن يفاقم الوضع الإنساني في المنطقة والضغط على القطاع الصحي في لبنان بشكل عام.

مواطن يتفقد الأضرار في ميناء الصيادين في صور (أ.ف.ب)

تدمير جسر استراتيجي وتصعيد متبادل

في البقاع الغربي، دمّر الطيران الإسرائيلي الجسر الرابط بين سحمر ومشغرة فوق نهر الليطاني بعد استهدافه للمرة الثالثة، ما أدى إلى قطع شريان حيوي لحركة المدنيين بين القرى. كما طالت الغارات بلدات سحمر ويحمر ومشغرة، وسط تسجيل إصابات وأضرار مادية.

ويأتي استهداف الجسر في سياق تكتيك عسكري يهدف إلى تعطيل خطوط الإمداد والتنقل لـ«حزب الله»، كما فرض نوعاً من العزل الجغرافي على المناطق المستهدفة، ويزيد في الوقت عينه الضغط على سكان المنطقة الذين يعتمدون عليه في تنقلاتهم.

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة هجمات صاروخية استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في الجليل الأعلى، مؤكداً إصابة أهداف عسكرية بينها آليات ودبابة ميركافا.

ويعكس هذا التصعيد المتبادل اتساع رقعة الاشتباك وتزايد حدّته، في ظل مؤشرات إلى مرحلة مفتوحة على مزيد من التدهور الميداني.

تدمير 17 كاميرا مراقبة للـ«يونيفيل»

وفي تطور غير مسبوق، وفي سياق الضغط الإسرائيلي المستمر على قوات الـ«يونيفيل» بإبعادها عن المنطقة الحدودية، دمّرت القوات الإسرائيلية 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) في غضون 24 ساعة، وفق ما أفاد مصدر أمني في الأمم المتحدة «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وقال المصدر، متحفظاً عن ذكر اسمه: «دمّر الجيش الإسرائيلي منذ يوم الجمعة 17 كاميرا تابعة للمقر العام لقوة (يونيفيل)» في بلدة الناقورة الساحلية. وفي وقت سابق، أبلغت المتحدثة باسم القوة الدولية، كانديس أرديل، الوكالة، الخميس، أن جنود حفظ السلام عاينوا منذ مطلع الأسبوع «جنوداً إسرائيليين ينفذون عمليات هدم واسعة النطاق» في الناقورة. وقالت إن تلك العمليات «لم تدمر منازل المدنيين ومتاجرهم فحسب، بل ألحق عصفها أضراراً بمقر قيادة (يونيفيل)».

دورية لـ«يونيفيل» على طريق بلدة القليعة في جنوب لبنان (رويترز)

مع العلم أنه منذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار)، تحاصر النيران مقر ومواقع قوة حفظ السلام، مع شنّ «حزب الله» هجمات على مواقع وقوات إسرائيلية من جهة، وتوغل وحدات عسكرية إسرائيلية في بلدات حدودية.

ونعت القوة الدولية، في وقت سابق، ثلاثة جنود إندونيسيين قضوا في حادثين منفصلين، يومي الأحد والاثنين، في جنوب لبنان. كما أعلنت، الجمعة، جرح ثلاثة جنود، إصابة اثنين منهم خطيرة، جراء «انفجار» داخل أحد مواقعها قرب بلدة العديسة، من دون أن تحدد مصدره.

واتهم الجيش الإسرائيلي «حزب الله» بأنه «أطلق قذيفة صاروخية سقطت داخل موقع (يونيفيل)». ومنذ انتشارها عام 1978، قتل 97 من قوة «يونيفيل» جراء أعمال عنف في جنوب لبنان، بحسب الأمم المتحدة.

وقالت المتحدثة باسم القوة، في بيان، الجمعة: «لقد كان هذا الأسبوع صعباً على قوات حفظ السلام». وذكّرت «جميع الأطراف بالتزاماتها بضمان سلامة وأمن قوات حفظ السلام، بما في ذلك تجنب أي أنشطة قتالية قريبة قد تعرّضهم للخطر».


إسرائيل تدمّر 17 كاميرا مراقبة تعود لـ«يونيفيل» بجنوب لبنان في 24 ساعة

مركبات تابعة لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (رويترز)
مركبات تابعة لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (رويترز)
TT

إسرائيل تدمّر 17 كاميرا مراقبة تعود لـ«يونيفيل» بجنوب لبنان في 24 ساعة

مركبات تابعة لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (رويترز)
مركبات تابعة لقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (رويترز)

دمّرت القوات الإسرائيلية 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) في غضون 24 ساعة، وفق ما أفاد مصدر أمني في الأمم المتحدة «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

ومنذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار)، تحاصر النيران مقر ومواقع قوة حفظ السلام، مع شنّ «حزب الله» هجمات على مواقع وقوات إسرائيلية من جهة، وتوغل وحدات عسكرية إسرائيلية في بلدات حدودية، من جهة أخرى.

وقال المصدر، متحفظاً عن ذكر اسمه: «دمّر الجيش الإسرائيلي منذ يوم الجمعة، 17 كاميرا تابعة للمقر العام لقوة (يونيفيل)» في بلدة الناقورة الساحلية.

والخميس، أبلغت المتحدثة باسم القوة الدولية، كانديس أرديل، «وكالة الصحافة الفرنسية» أن جنود حفظ السلام عاينوا منذ مطلع الأسبوع «جنوداً إسرائيليين ينفذون عمليات هدم واسعة النطاق» في الناقورة.

وقالت إن تلك العمليات «لم تدمر منازل المدنيين ومتاجرهم فحسب، بل ألحق عصفها أضراراً بمقر قيادة (يونيفيل)».

ونعت القوة الدولية، في وقت سابق، 3 جنود إندونيسيين قضوا في حادثين منفصلين، يومي الأحد والاثنين، في جنوب لبنان. كما أعلنت، الجمعة، جرح 3 جنود، منهم اثنان إصابتهما خطيرة، جراء «انفجار» داخل أحد مواقعها قرب بلدة العديسة، من دون أن تحدد مصدره.

واتهم الجيش الإسرائيلي «حزب الله» بأنه «أطلق قذيفة صاروخية سقطت داخل موقع» قوة «يونيفيل».

وأعلن مكتب الأمم المتحدة في جاكرتا، السبت، أن الجنود الثلاثة المصابين إندونيسيون.

ونددت وزارة الخارجية الإندونيسية، السبت، بالانفجار. وقالت، في بيان، إن «تكرار مثل هذه الهجمات أو الحوادث غير مقبول»، مضيفة: «بغضّ النظر عن سببها، فإن هذه الأحداث تؤكد الحاجة الملحة إلى تعزيز حماية قوات حفظ السلام في ظل تصاعد حدة النزاع».

ومنذ انتشارها عام 1978، قُتل 97 من قوة «يونيفيل» جرّاء أعمال عنف في جنوب لبنان، حسب الأمم المتحدة.

وقالت المتحدثة باسم القوة، في بيان الجمعة: «لقد كان هذا الأسبوع صعباً على قوات حفظ السلام». وذكّرت «جميع الأطراف بالتزاماتها بضمان سلامة وأمن قوات حفظ السلام، بما في ذلك تجنب أي أنشطة قتالية قريبة قد تعرّضهم للخطر».