عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

«الشرق الأوسط» تعيد فتح دفاتر الرحلة الفلسطينية بمفاوضاتها الشائكة وعلاقاتها الصعبة (الحلقة الأخيرة)

TT

عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)
عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

لما يجري في غزة علاقة بالظلم الإسرائيلي المتمادي، خصوصاً إصرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على التهرب من استحقاقات السلام. تفاقم هذا الظلم بعدما اتخذ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قرار التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر (أيلول) 1993.

راهن عرفات على أن يكون اتفاق أوسلو خطوة أولى لقيام دولة فلسطينية على بعض الأرض، لكن بنيامين نتنياهو بنى سياسته على اغتيال الاتفاق ومفاعيله. ولاتفاق أوسلو علاقة بما سبقه، خصوصاً حروب العواصم والعلاقات الشائكة التي قامت بين منظمة التحرير وبعض الدول العربية البارزة.

كان الغرض من الحوار مع ياسر عبد ربه، أمين السر السابق للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ربط الحاضر ببعض الماضي؛ لتسليط الضوء على أحداث لم يتيسر لمن ولدوا بعد أوسلو أن يعايشوها. وهنا نص الحلقة الثالثة والأخيرة:

سألت عبد ربه كيف تعامل عرفات مع هجمات 11 سبتمبر 2001، وعن رفض الرئيس جورج بوش مصافحة الزعيم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة، فتذكر: «أولاً عدم مصافحة جورج بوش هي نتيجة لما رآه الأميركيون اختباراً تلو الاختبار لياسر عرفات، وأن الأخير فشل في الاختبار لجهة إدانة الأعمال التي كانت تقوم بها «حماس» وفصائل أخرى تستهدف المدنيين، ولأنه لم يقم بما يكفي من أجل منع تلك الأعمال، وأن ياسر عرفات أيضاً كان متواطئاً إلى حد ما. ودليلهم على ذلك سفينة «كارين أيه» وغيرها.

كان تصريح جورج بوش الشهير بأن «الشعب الفلسطيني يستحق ما هو أفضل من هذه القيادة الفلسطينية، وهي متورطة في الإرهاب». وعملياً أوجد تصريحه وضعاً انتقلنا فيه فعلاً لمرحلة جديدة بالكامل، مرحلة القطيعة مع الإدارة الأميركية، وإشهار هذه الإدارة العداء الكامل لشخص عرفات، عدا عن العداء للسلطة ككل تحت قيادته.

بعدها طرحوا فكرة أن عرفات يمكن أن يظل رمزاً، ولكن من دون صلاحيات تنفيذية واسعة، وأن تُحال هذه الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس وزراء كان الأميركيون قد حددوه سلفاً وهو الأخ محمود عباس «أبو مازن». هذا كان الجانب الأول من عدم المصافحة لأن الإدارة الأميركية كانت قد أعلنت عملياً القطيعة مع ياسر عرفات، ولذلك امتنع بوش عن مصافحته.

عرفات ينتظر كلمة جورج بوش الابن أمام أول جمعية عامة للأمم المتحدة بعد 11 سبتمبر (غيتي)

على رغم الأجواء التي كانت سائدة فإن ياسر عرفات ذهب (إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وجلس متوقعاً أن تحصل المصافحة. ويومها قال بوش لكوفي أنان (الأمين العام السابق للأمم المتحدة)، إن هذا الرجل يريدني أن أصافحه فليصافح نفسه.

عرفات في 11 سبتمبر: هذه طائرات وهمية

هذه كانت طريقة جورج بوش. في 11 سبتمبر، أنا شاهدت الأحداث على التلفزيون من بيتي في رام الله. أخذت سيارة وانتقلت إلى غزة فوراً، كانت الطريق مفتوحة والمسافة قريبة وتستغرق ساعتين أو أقل، فوجدت ياسر عرفات وحده بالمكتب. كانت فترة بعد الظهر تقريباً بتوقيتنا. وفور وصولي قال لي: أخشى أن يكون هناك طرف فلسطيني أو يد فلسطينية في هذه العملية، لذلك أول نظرية كانت عنده أن هذه طائرات وهمية اخترعت في التصوير على التلفزيون. قلت له: أبو عمار، هذه طائرات حقيقية ضربت البناية. قال: لا، لا، وهمية. الانفجار تم من داخل المباني وليس من خارجها. ما هو الفرق بين داخل المباني وخارجها؟ فقال لي: أنا خائف أن تكون الطائرات فلسطينية. طيب إذا افترضنا أنها فلسطينية فهذا لا يلغي أنه من الخارج.

تذكر عرفات خطف الطائرات على أيدي الفلسطينيين، واعتقد أن هذه يمكن أن تكون واحدة من المغامرات التي قمنا بها في الماضي ومجددة بطريقة مختلفة. قلت له: لا، دعنا نتريث. فعلاً هوية الخاطفين المنفذين لم تتضح يومها. سأل عرفات: ماذا يفعلون في العالم؟ أجبت. كما سمعت، فتحوا حملات تبرع بالدم، دعنا نطلع للتبرع بالدم. قال: أنا رجل كبير بالسن، والتبرع بالدم ممكن يضعفني. قلت له: سنجد حلاً لهذه القضية. المهم أن تقوم بخطوة رمزية وليس المهم أن يأخذوا دماً أو لا يأخذوا، هي خطوة رمزية.

فعلاً، انتقلنا إلى مستشفى الشفاء واصطف عدد من مرافقي ياسر عرفات ومن المواطنين ومن المرضى ومن الأطباء للتبرع بالدم. والمهم أيضاً أننا أحضرنا كاميرات التلفزيون لتصور هذا المشهد. لم يرتح عرفات إلا إذا عندما تيقن أنه ليس هناك أي ضلوع فلسطيني في هذه العملية. وكان هذا متأخراً، يمكن في اليوم التالي أو الذي يليه، عندما تولى أسامة بن لادن الإعلان عن مسؤوليته. ياسر عرفات للأسف كان أيضاً لا يرى أن هذه العملية ستغير من اتجاه سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة وتجاه أعمال الإرهاب. فصل بين هذه العملية وما يمكن أن يكون عليه سلوك الولايات المتحدة. وهذا أدى لتدهور مكانته بالتدريج عند الأميركيين لحد القطيعة الكاملة».

العلاقة الشائكة مع حافظ الأسد

لم تقم علاقة عادية أو ودية أو طبيعية بين ياسر عرفات وحافظ الأسد. ذهب ياسر عبد ربه إلى دمشق بمهمة بعد التدخل العسكري السوري في لبنان سنة 1976 والتقى الأسد. سألته: ماذا قال لك الأسد؟ فأجاب عبد ربه: «جرى اصطدام عسكري في صيدا (جنوب لبنان)، وأيضاً بعض الاصطدامات والمناوشات في منطقة صوفر (جبل لبنان) وغيرها، وتوترت الأجواء وحصلت مواجهة مسلحة بيننا وبينهم (السوريين)، فارتأت القيادة في بيروت ألا ندخل هذه المرحلة من الصدام. وأعتقد أن عدداً من الدول، بما فيها دول الخليج والسعودية بالذات، تدخلت لوقف هذا الاصطدام واحتوائه وتهدئة الوضع، لذلك وافق السوريون على استقبال وفد من عندنا يلتقي مع الرئيس الأسد، فذهبت أنا وفاروق القدومي الذي كان وزير الخارجية، وهو طبعاً رئيس الوفد، والتقينا الرئيس الأسد.

للمرة الأولى يدخل الأسد متجهماً ومعالم الغضب على وجهه. كان من عادته أن يكبت مشاعره، ومن الصعب عليك أن تقرأ في معالم في وجهه ما يدل على أنه سعيد أو غضبان أو موافق أو غير موافق... يعني هذا من المستحيلات. جلسنا فبادر هو. طبعاً، قبل الدخول إلى الاجتماع اشترط عليّ القدومي أن نلعب لعبة مزدوجة، هو الطرف الهادئ والذي يحاول تليين الأمور وأنا الطرف المتشدد قليلاً، يعني المشاغب. طبعاً هو لأن جذوره «بعثية» ولا يريد أن يقطع الحبال نهائياً. المهم، فاجأنا الأسد فوراً وقال: «هيك بتعملوا؟» قلنا: خيراً يا سيادة الرئيس؟ قال: السوريون الذين دخلوا إلى صيدا قطعتم رؤوسهم وتلعبون بها «فوتبول» (كرة قدم) في الشوارع.

أول مرة نسمع هذه التهمة. كان هناك ضابط سوري يبدو تائهاً، فبدل أن يسلك طريق جزين سلك طريق صيدا ولم يجد نفسه إلا في وسط مدينة صيدا، في الساحة، ومعه دبابتان أو ثلاث دبابات... فوجئت الميليشيات الموجودة في صيدا بالأمر وأطلقوا على إحدى الدبابات قذيفة «آر بي جي»، فصار الجنود يصرخون: نحن جنود سوريون... لم يكن أحد «فاهم شو الطبخة»، فأمسكوا نحو 40 جندياً سورياً كانوا آتين بشاحنتين إلى المنطقة من دون حماية أو أي ترتيب مع أحد، وقائدهم ظل مستمراً من دون أن يعرف إلى أين هو ذاهب. فشل عسكري ذريع. الشبان في صيدا، سواء كانوا فلسطينيين أو لبنانيين، أخذوا الأربعين جندياً ووضعوهم في مكان، مدرسة، وأطعموهم وشربوهم وتعاملوا معهم ليسوا بوصفهم أسرى حرب ولم يتعرضوا لهم بإيذاء، ونحن كنا متأكدين من هذا قبل أن نذهب (إلى دمشق)، وطلبنا من الجانب السوري أن يأتي ليأخذهم أو يتولاهم أحد. كان وقتها قراراً، حتى كمال جنبلاط، يعني: هل يعقل أن نأخذ أسرى سوريين؟

تصديت (لكلام الأسد) وقلت له: سيادة الرئيس، كيف هذا الكلام؟ أولاً من المعيب أن يستخدم أحد تعبير أسرى. الجنود السوريون ليسوا أسرى. ثمة خطأ وقع فيه قائد ووجد نفسه في صيدا، وعناصر الميليشيا في صيدا رأوا دبابات لا يعرفون لمن هي، فحصل احتكاك معها ولحسن الحظ لم يصب أحد بإطلاق النار، والأربعون جندياً موجودون وليس هناك قطع رؤوس. فقال: والله هذه هي التقارير التي وردتني، فهل يكتبون لي تقارير كذباً؟

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط»

قلت: نرجوك تأكد، ليس هناك أي شخص مصاب، ومن أجل زيادة في التأكد ليبعثوا أحداً أو أي جهة تتسلّمهم. نريد نقلهم بالباصات لكننا لا نعرف إلى أي جهة نرسلهم. قال: حسناً سأتأكد من الموضوع. وكانت حينها معركة تل الزعتر مفتوحة، فطلبنا منه أن يتدخل في معركة تل الزعتر لوقفها؛ لأنها ستنتهي بمجزرة، لأن المخيم محاصر ومطوق وعليه قصف، ولم نكن نريد أن نتحدث صراحة عن سلوك بعض ضباطه. قال: «بيصير خير». لم ينطق بأنه سيحاول المساعدة بل قال: «بيصير خير إن شاء الله». وطلعنا على هذا الأساس. طبعاً اتفقت مع الأخ فاروق ألا نروي كل الرواية؛ لأنه أولاً إذا رويتها فكثير أو البعض له علاقات مع سوريا ولم يقطعها، فلا نريد الإساءة إلى الرئيس الرمز».

«من قتل كمال جنبلاط؟»

زيارة أخرى صعبة لدمشق شارك فيها عبد ربه بعد اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط الذي عارض التدخل العسكري السوري في لبنان. وها هو يسترجع تلك المحطة: «عدنا من القاهرة بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. وكان لا بد من أن نزور سوريا وحافظ الأسد لنطلعه على النتائج كشيء بروتوكولي معتادون عليه مع قيادتي مصر وسوريا. حصل اغتيال كمال جنبلاط بالتزامن مع دورة المجلس الوطني، أي قبل أيام من زيارتنا لدمشق. سمينا الدورة وقتها «دورة الشهيد كمال جنبلاط» تقديراً له. عندما دخلنا على الرئيس حافظ الأسد أخبره ياسر عرفات بأننا سمينا الدورة «دورة الشهيد كمال جنبلاط»، فسارع الرئيس الأسد إلى القول: من برأيك يا «أبو عمار» اغتال كمال جنبلاط؟

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

أنا جالس إلى جانب الرئيس (عرفات)، ومعي أعضاء آخرون من اللجنة التنفيذية - قيادة منظمة التحرير. أنا من الناس الذين بدأوا يتوترون بانتظار رد عرفات. عرفات على طريقته عندما يكون غير قادر على إعطاء جواب وأمام وضع محرج للغاية تصبح رجلاه تتحركان ويكرر الكلمات. بعد قليل قال له: من غيرهم يا سيادة الرئيس؟ من غيرهم؟ من غيرهم؟ فأنا خفت يقول: حضرتك يا سيادة الرئيس، فقال الأسد له: من تعني يا «أبو عمار»؟ فأجاب: طبعاً إسرائيل.

ارتحتُ قليلاً، لكن الأسد أكمل: لماذا تعتقد يا «أبو عمار» أنها إسرائيل وليس غيرها؟ فقال له: أنا أعرف المنطقة التي كان فيها كمال جنبلاط. تنزل نزولاً، وفي آخر النزول توجد تحويلة ثم تبدأ بالصعود. هم كمنوا له عند التحويلة، من يقدر يفعل ذلك غير إسرائيل؟».

عرفات لم يؤيد توسيع الحرب في لبنان

اتُهم ياسر عرفات بأنه حرض كمال جنبلاط على نقل الحرب إلى الجبل، هل صحيح هذا الاتهام؟ يجيب عبد ربه: «بصراحة، أبداً. أنا أعتقد أن كمال جنبلاط كان يريد من المقاومة الفلسطينية بقواتها كلها أن توسع الجبهة في الجبل، بل هو الذي يمكن أنه أشرف حتى على حشد قوات الحزب الاشتراكي (الذي يقوده) في منطقة الجبل، وفي المنطقة المشرفة على الكحالة، من عاليه نزولاً. وطلب اشتراك «فتح» في العملية.

«فتح» لم تشترك، وإذا اشتركت اشتركت بطريقة رمزية. الذي اشترك بقوة كبيرة أتصور «الجبهة الديمقراطية» وتمت خسارة نحو عشرين مقاتلاً من الجبهة التي تصدى لها الجيش اللبناني، ليس فقط «الكتائب» أو «القوات اللبنانية» أو غيره. ياسر عرفات فوجئ بالصعود إلى الجبل. أنا واثق بأنه لم يكن في خطته الصعود للجبل ولا التحول إلى بكفيا من ناحية ضهور الشوير والنزول، كما كان يتوقع آخرون.

الذي اندفع في هذا الاتجاه هم ضباط ما يسمى بـ«تكتل أبو موسى وأبو خالد العملة». ياسر عرفات لم يبد المعارضة الكافية لمنع انخراطهم في هذه العملية. لكن لم يكن القرار بادئ ذي بدء من عند عرفات. كمال جنبلاط كان متحمساً للعملية، الصعود إلى الجبل وكسر ظهر القوات الكتائبية وتطويق المنطقة. ما كان ممكناً لأحد أن يصعد إلى الجبل ومنطقة عاليه إلا بموافقة اشتراكية.

وياسر عرفات لم يكن مؤيداً أيضاً لاجتياح بلدة الدامور اللبنانية. ياسر عرفات لبنانياً لم يقطع محاولات إعادة الاتصال بالطرف الآخر كما يسمونه في لبنان، أي «الكتائب» وكميل شمعون والآخرين. وكان يحرص على أن يبقي «شعرة معاوية» بهذه الاتصالات، وكان يشجع المقربين منه مثل أبو حسن سلامة وأبو الزعيم على أن يواصلوا هذه الصلات. ياسر عرفات، عندما حصل اقتحام الدامور، وبعد قصة تل الزعتر، هو الذي دفع بمجموعات وبقوات من عنده لمحاولة عدم تحويل الموضوع إلى مجزرة.

وأكثر من ذلك هو الذي أجرى اتصالات، كما أعتقد، مع شمعون لكي يذهبوا إلى السعديات، ومن هناك يتم نقلهم عن طريق البحر... كان هنا بعض المجانين الذين ربما أرادوا ارتكاب شيء من المجزرة بالكنيسة في الدامور؛ لأن ثمة أناساً لجأوا إلى الكنيسة، فأرسل من يحمي الكنيسة. أنا واثق، لم يتورط ياسر عرفات في الدخول بحرب قذرة من هذا النوع».

مع محمود درويش وعرفات في شمال لبنان

عام 1983 رجع ياسر عرفات، الذي خرج في 1982 من بيروت، إلى طرابلس في شمال لبنان لمواجهة «الانتفاضة» في «فتح»، وعملياً للدخول في مواجهة مع سوريا. لماذا رجع؟ وما هي قصة زيارة ياسر عبد ربه مع محمود درويش لياسر عرفات في الشمال؟ يتذكر عبد ربه قائلاً: «كانت هناك نظرية سورية فيما بعد بأن ياسر عرفات الداهية هو الذي جاء إلى طرابلس من أجل استدراج السوريين لشن معركة ضده حتى يوصم أبو موسى وأبو خالد العملة وأبو صالح بأن حركتهم ليست حركة تصحيح، ولكنها حركة مدبرة سورياً، وأنه قد نجح إلى حد كبير في هذه العملية. هل كان ياسر عرفات فعلاً عنده مثل هذا المخطط في رأسه؟ أنا لا أستبعد من ياسر عرفات ذلك؛ لأنه كان يريد للاعبين الحقيقيين أن يظهروا على خشبة المسرح من دون أن يأتي أحد ويموّه بستارة فلسطينية أنه باسم الإصلاح في «فتح» قاموا بهذا التدبير. طبعاً خلال فترة حصاره، ذهبنا أنا ومحمود درويش.

محمود درويش ربما هو الذي حرضني وليس أنا من حرضه. محمود درويش كانت بينه وبين ياسر عرفات علاقة ملتبسة. هو يحب عرفات ويطمئن إليه، لكنه في الوقت ذاته يشك في أنه يرتكب مغامرات غير محسوبة أحياناً، ويتخذ قرارات غير قابلة للتراجع عنها. ويفضل عرفات المتردد أحياناً والذي يقوم بالشيء وبعكسه حتى يظل في الوسط من دون التورط الشديد. هو الذي حرضني، أنا متأكد، على الذهاب للقاء «أبو عمار». فذهبنا بالسيارة معنا سائق فقط. وعن طريق حمص (سوريا). ذهبنا ودخلنا إلى طرابلس. قبل طرابلس، إلى البداوي وتلك المناطق حيث يوجد ياسر عرفات من المنطقة الشمالية. وبالعودة نزلنا عن طريق بعلبك. كانت هناك سهولة في دخول لبنان وقتها.

دخلنا فوجدناه يشرف على عمليات الحفر في الجبل، والجبل كله طباشير (كلسي)، الجبل كله أبيض، حتى هو ثيابه بيضاء. المهم، «كيفك أبو عمار؟». قال: كما ترونني أنا أحضّر. سألنا: لماذا الخنادق والحفريات؟ لم نأخذ من عرفات جواباً نهائياً. قال: هذه ترتيبات عسكرية لا علاقة لكم أنتم بها ولا تفهمون في الشأن العسكري. جلسنا معه واطمأننا عليه. معنوياته لا بأس بها. كان ذلك في فترة الظهيرة، فقال: تتغدون معي. محمود درويش فيما يتعلق بالطعام حذر. فكان غداء ياسر عرفات علبتي سردين وحبتين من الطماطم. نظرت إلى وجه محمود درويش فلم يكن راضياً.

شارك درويش بالحد الأدنى. أكل قليلاً من الخبز. بعد ذلك طلبنا منه الإذن بالانصراف لنعود إلى الشام (دمشق) قبل مغيب الشمس ورجعنا عن طريق البقاع».

وهل كانت «حرب المخيمات» في لبنان جزءاً من الرد على سلوك ياسر عرفات؟ يقول عبد ربه: «كان واضحاً أن حركة (أمل) حرّكتها بإيعاز سوري، بتدبير سوري. وكانت ناتجة عن توسع دور «فتح» في الجنوب، وأيضاً تمدد إلى حد ما في مناطق الجبل بتواطؤ ضمني مع وليد جنبلاط الذي كان يمرر كثيراً من المساعدات ويؤوي أيضاً معسكراً على الأقل لـ«فتح»، على ما أذكر، وحركتهم في كل الاتجاهات عبر منطقة الشوف.

كان السوريون يعرفون ذلك، أن «فتح» تتمدد في الجنوب، فأوعزوا إلى «أمل» بأن تقوم بذلك، فتورطت «أمل» بحرب عديمة المعنى والجدوى. محاصرة المخيمات مثل مخيم شاتيلا أو غيره من المخيمات، ولاحقاً تم الرد عليها بعملية مغدوشة، وكانت أيضاً بذات الدرجة من البشاعة.

القسوة ضد عرفات «متوارثة» سورياً

هل صحيح أن رئيس أركان الجيش السوري العماد حكمت الشهابي كان شديد القسوة في الكلام عن ياسر عرفات؟ يجيب عبد ربه: «كان يبدو الموقف متوارثاً في قيادات الجيش السوري. مصطفى طلاس لم يكن يحب ياسر عرفات، وفي أحيان كان في بعض خطبه بذيئاً للغاية ويشتمه بشتائم سوقية ورخيصة، وحكمت الشهابي كان لا يطيق اسم عرفات أبداً. كان يجاهر بذلك أمامنا».

وعن صبري البنا «أبو نضال» وشخصيته، يقول عبد ربه: «التقيته في المرحلة العراقية عندما كان في بغداد، وبعدها لم أره. هو شخص نرجسي للغاية، معتز بنفسه وشديد الشكوك. يتلفت حوله أحياناً، وسريع الاتهام. إذا ذكرت اسم أحد أمامه يقول لك فوراً: هذا جاسوس. ربما هو تأثر بالتقاليد العراقية السياسية لأن تهمة الجاسوس في العراق مثل شربة الماء. هو لا يشعرك بالارتياح، رغم أنه في أوقات أخرى، كأنه كان عنده حالة انفصام فعلياً، تجده شخصاً هادئاً ولطيف المعشر، وفي وقت قصير ينقلب إلى نقيضه.

سبح أبو نضال في الدم الفلسطيني كثيراً كثيراً. وكان هذا عندما حصل التقارب السوري - الفلسطيني، بعد حرب أكتوبر وبعد ما صار هناك مشروع للسلام، وبعدما أعلنا عن خطة النقاط العشرة التي هي أول جنين لمشروع قبول دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. فهذا كان بالنسبة للعراقيين ناقوس خطر، فبدأوا بالعمل ضد منظمة التحرير وضد «فتح»، ولجأوا لسياسة الاغتيالات. في الكويت اغتالوا السفير، في باريس اغتالوا السفير، في أماكن كثيرة».

القذافي وجاذبية عرفات

هل كان التفاهم بين ياسر عرفات ومعمر القذافي صعباً؟ يجيب عبد ربه: «صعب وسهل. القذافي كان شديد الترحاب بياسر عرفات، وكان ودياً في التعامل معه، وياسر عرفات يجرؤ على أن يحكي معه بلغة فيها بعض القسوة أو التأنيب، حتى إنه كان يناديه: يا معمر. ولم يكن يجرؤ على قول هذا الكلام لصدام أو لحافظ الأسد أو السادات أو سواهم. كان يقول له مثلاً: يا معمر أنت رايح فين؟ أنت غلطان. نعم. كان يقول له: أنت غلطان، وكان ينتقده أحياناً.

القذافي كان يتقبل ذلك كله؛ لأن «أبو عمار» كان يعدّ نفسه ليس فقط أقدم عمراً بل أقدم من حيث تاريخه النضالي، أقدم كثيراً من القذافي. القذافي ضابط صغير برتبة ملازم أو نقيب... «أبو عمار» لم يكن يعطي للقذافي درجة من الأهمية بسبب أن القذافي كان شحيحاً جداً في دعم «فتح» ودعم «منظمة التحرير». لم يكن يدعم المنظمة، بل كان يدعم تنظيمات وفصائل، ويختص بالدعم أحمد جبريل الذي كما يقول المصريون «أكل بعقله حلاوة». أوهم القذافي بأنه قائد عسكري من الطراز الرفيع.

عرفات كان مشاكساً في علاقته بالقذافي. والقذافي كان مضطراً لأنْ يحترمه ويعامله باحترام. طبعاً قام لاحقاً بتمويل (تمرد فصيل) «الانتفاضة» في «فتح» ضد عرفات. كانت لدى عرفات كاريزما، حقيقة، طاغية إلى حد بعيد. هناك من لم يكن يحتملها. أنا متأكد. حافظ الأسد لم يكن يحتملها. أحمد حسن البكر وكان أيضاً لا يطيق عرفات. صدام ربما لم يكن يشعر بمنافسة مع أحد؛ لأنه هو مقتنع بداخله أنه هو منذ نعومة أظفاره متفوق على كل البشرية. القذافي كان أيضاً يغار. تحس أن لديه بعض الغيرة، لكنه كان مضطراً أن يعامل ياسر عرفات باحترام».

هل كانت لدى عدد من الانقلابيين العرب عقدة جمال عبد الناصر؟ يقول عبد ربه: «نعم، هذه موجودة. في الحقيقة، عبد الناصر هو الذي افتتح عهد الضباط الذين يتحولون إلى رموز شعبوية في بلدانهم وعلى المستوى العربي. فكل منهم، حتى الذين ينتقدون، فيهم جزء من خطابية عبد الناصر، مفردات عبد الناصر، فردية عبد الناصر. ربما عبد الناصر كانت عنده مزايا يعني أخرى إيجابية، هنا صعب أن يكون أحد قد تشبّه بها، ربما. لكن عبد الناصر كان نموذجاً للديكتاتور العسكري العربي. والنسخ هي نسخ مشوهة عنه. بالنسبة إلى القذافي كان عبد الناصر، أصلاً، رمزه الأبوي، إن صح التعبير في إطار علم النفس. احتضنه عبد الناصر وشجعه واحتواه».

جمال عبد الناصر مع عرفات والقذافي والملك حسين في القاهرة عام 1970 (غيتي)

«غزة كانت مقدسة عند عرفات»

التقى عبد ربه بعرفات للمرة الأولى في «معركة الكرامة» عام 1968 في الأردن، وهي المعركة التي أعطت الشرعية لـ«فتح» ولعرفات. سألته: هل تفتقد ياسر عرفات اليوم؟، فأجاب عبد ربه: «أكيد، أكيد. لا أحد عرف ياسر عرفات، وبدرجات مختلفة وهم بعدد محدود، إلا ويفتقد دوره، ويتذكر كيف كان يتصرف في هذا الوقت. حتى مؤخراً، هناك من يؤكد أن ياسر عرفات ما كان ليسمح بكل المقدمات التي أوصلت إلى العدوان الأخير على غزة.

ما كان ممكناً أن يسمح بأن يحصل هذا الانقسام الذي وقع في الحركة الفلسطينية وخروج «حماس» عن بقية الأطراف وعن منظمة التحرير، ثم انفصال غزة عن الضفة. ياسر عرفات غزة كانت بالنسبة إليه مقدسة، وما كان ممكناً أن يغادر غزة ولو نفذت «حماس» مائة انقلاب. ليس بالضرورة أن يغزو غزة لكنه مستعد أن يدفع الثمن لـ«حماس» مقابل أن يضع قدمه في غزة مرة أخرى».

سألت عبد ربه كيف خرج من الأردن بعد الأحداث الدامية في 1970 فقال: «خرجت في 1971؛ إذ ظللنا في حالة اختفاء في عمّان بعدما سيطر عليها الجيش الأردني. ثم انتقلت إلى الأحراش في جرش وعجلون التي تجمعت فيها كل قوات المقاومة و(تعرضت) للقصف وإلى آخره. ثم عقد اجتماع للمجلس الوطني في يوليو (تموز) أو أغسطس (آب)، فطلبوا منا، أنا و«أبو جهاد» (خليل الوزير)، أن نغادر أحراش جرش وعجلون ونذهب إلى القاهرة لنحضر المجلس الوطني، فغادرنا برعاية عربية، وحصل اكتساح أحراش جرش وعجلون ونحن في القاهرة».

حقائق

من هو ياسر عبد ربه؟

ولد ياسر عبد ربه في يافا في 1945. هاجرت عائلته بعد النكبة إلى لبنان. كان في سن الخامسة عشرة حين نجح السياسي اليساري اللبناني محسن إبراهيم في إقناعه بالانضمام إلى «حركة القوميين العرب». تابع في الجامعة الأميركية في القاهرة دراسته في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية.

في 1968 كان إلى جانب جورج حبش ونايف حواتمة ووديع حداد في تأسيس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وشارك في السنة التالية في تأسيس «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وهو كان الرجل الثاني فيها بعد حواتمة. غادر الجبهة عام 1990 وأسس حزب «فدا»، قبل أن يتخلى عن قيادته ويعمل مستقلاً منذ 2004.

كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات في 1968 إبان «معركة الكرامة» حين تصدت المنظات الفلسطينية الناشئة بدعم من مدفعية الجيش الأردني لقوات إسرائيلية هاجمت بلدة الكرامة الحدودية. ربطته لاحقاً بعرفات علاقة ثقة وطيدة مكنته من لعب دور بارز في الحوار بين أميركا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ترأس عبد ربه الجانب الفلسطيني في أول حوار مع الولايات المتحدة عام 1989، وكان شريكاً فاعلاً في ما عُرف بـ«مطبخ اتفاق أوسلو». وتولى بعد ذهاب القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة مناصب وزارية. وشارك في معظم لقاءات عرفات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين.

تولى بين 2005 و2015 منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأخرج من منصبه في ختام تلك الفترة بعد خلافات علنية مع الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. أتاح له دوره في منظمة التحرير المشاركة في لقاءات رفيعة مع زعماء من العالم العربي وخارجه. وربطته علاقة مودة عميقة مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

متزوج من الروائية ليانة بدر، وله ولدان.


مقالات ذات صلة

«فتح» تطالب باعتذار عن «كارثة 7 أكتوبر»... و«حماس» ترد

المشرق العربي اجتماع «المجلس الثوري لحركة فتح» في رام الله (وكالة «وفا»)

«فتح» تطالب باعتذار عن «كارثة 7 أكتوبر»... و«حماس» ترد

ثار جدل واسع في الأوساط الفلسطينية بعد تصريحات لقيادي في «فتح» طالب فيها «حماس» بالاعتذار عن «كارثة 7 أكتوبر».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح» جبريل الرجوب (أ.ف.ب)

الرجوب يستبعد إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في نوفمبر

استبعد أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح» جبريل الرجوب إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها المقرر 28 نوفمبر المقبل.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)

حراك سياسي لعقد حوار وطني فلسطيني شامل في القاهرة

تشهد الساحة الداخلية الفلسطينية حراكاً جديداً، بهدف الدفع نحو عقد حوار وطني شامل قد يعقد في العاصمة المصرية، القاهرة، خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تلوّح بعَلم «فتح» خلال مشاركتها في المؤتمر الثامن للحركة بجامعة الأزهر بمدينة غزة 14 مايو 2026 (رويترز)

«فتح» تتمسك بإجراء الانتخابات في موعدها رغم مطالبة فصائل فلسطينية بتأجيلها

تصر حركة «فتح» على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، بتأثير ضغوط عربية ودولية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري يستقبل حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني في العلمين قبل أيام (الخارجية المصرية)

خاص الفصائل الفلسطينية تترقب «تغيرات إيجابية» في ملف المصالحة الأسبوع المقبل

عوّل مصدر فلسطيني مطلع على إمكانية تحقيق انفراجة الأسبوع المقبل في ملف المصالحة الفلسطينية الذي تعمل عليه مصر.

محمد محمود (القاهرة)

السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
TT

السعودية تقود اجتماعاً دولياً موسعاً حفاظاً على «حل الدولتين»

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط وزراء ومسؤولين دوليين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الخميس (د.ب.أ)

حضّ وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان المجتمع الدولي على الحفاظ على «حل الدولتين» لضمان تحقيق السلام في الشرق الأوسط. في حين رأى نظيره النرويجي أسبن بارث إيدي، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن المشترك كايا كالاس، أن قيام دولة فلسطينية «ليس هدفاً بعيد المنال»، محذرين مع عشرات المسؤولين الكبار في العالم من أخطار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، واستمرار القتال في غزة.

وترأس الأمير فيصل بن فرحان اجتماعاً موسعاً مع إيدي وكالاس على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخميس، وأكد أن «قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حق أصيل وأساس للسلام، وليس نتيجة نهائية يتم التفاوض عليها ضمن عملية سياسية بعيدة المنال»، واصفاً تنفيذ حل الدولتين بأنه «الحل الأمثل لكسر حلقة الصراع والمعاناة».

وكانت المملكة العربية السعودية وفرنسا قد قادتا المؤتمر الدولي الأول حول التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين عام 2025، مما أدى إلى تنامي الاعترافات الدولية بفلسطين كدولة. واتسع هذا الزخم هذا العام بانضمام كل من بريطانيا وكندا إلى قيادة هذا الجهد لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة.

التوسع الاستيطاني يغيّر الضفة

وقال وزير الخارجية السعودي إن التوسع الاستيطاني في الضفة يغيّر الواقع على الأرض، مؤكداً أن المملكة ستظل داعمة لتسوية عادلة للقضية الفلسطينية. ولفت إلى أن الحفاظ على حل الدولتين «لا يتعلق بالحفاظ على شعار دبلوماسي، بل بالحفاظ على إمكانية بناء مستقبل مختلف، وهو فلسطين دولة واحدة تنعم بالسلام، ذات سيادة، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في أمن واستقرار على خطوط 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

وعبّر فيصل بن فرحان عن تطلع المملكة إلى «مستقبل مشرق يُرى فيه أطفال المنطقة العربية يكبرون دون أن يرثوا مخاوف آبائهم، وعائلات من مختلف الأديان والأصول لا تشارك الأرض فحسب، بل تشارك مستقبلاً واحداً».

وكان وزير الخارجية النرويجي يتحدث خلال اجتماع وزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين على هامش اجتماعات الدورة السنوية الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأكد أن التحالف يعرف وجهته بالفعل، قائلاً إن «الهدف الأساسي لهذا التحالف العالمي هو تنفيذ حل الدولتين. نحن نعرف تماماً ما هو الهدف. لسنا بحاجة لمناقشة الهدف، بل نحتاج لمناقشة التنفيذ».

وأكد أن إعلان نيويورك، وخطة السلام الشاملة لغزة، وقرار مجلس الأمن رقم «2803»، تشكل الآن «نقطة مرجعية مشتركة وإطاراً لتحقيق حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة». لكنه حذر من أن شروط إقامة هذه الدولة تتلاشى؛ ولذلك «علينا أيضاً التأكد من منع اختفاء الشروط المسبقة تماماً، بحيث يصبح من المستحيل بناء حل الدولتين، وبناء فلسطين موحدة. وهذا يتطلب تحركاً فورياً». وأوضح أن أكثر من 90 دولة تعمل «على أساس دولتين: إسرائيل وفلسطين، قادرتين على العيش بسلام مع بعضهما».

وفي حديثه بصفته الوطنية، حدد إيدي أربع أولويات نرويجية: أولاً، كان اعتراف «أوسلو» بفلسطين يهدف إلى إنهاء ما وصفه بـ«حق النقض الفعلي» الذي نشأ عن انتظار المفاوضات بين الأطراف فقط، كما كان الحال خلال عملية «أوسلو». وأضاف: «أُلغي هذا الحق الآن». كما تحظر النرويج التجارة مع المستوطنات، وتُميز بين إسرائيل وفلسطين «وفقاً للقانون الدولي، والأحكام الأخيرة لمحكمة العدل الدولية، والسياسات المتبعة منذ زمن طويل».

وثانياً، أكد أنه لن تقوم دولة فلسطينية دون مؤسسات وطنية فاعلة. وتقدم النرويج دعماً مالياً للحكومة الفلسطينية، وأعلنت عن زيادة في هذا الدعم. ودعا ثالثاً إلى إحراز تقدم في المرحلة التالية من خطة غزة المكونة من 20 بنداً، بما في ذلك مسارها نحو إقامة دولة فلسطينية. وحدد رابعاً أن المنطقة بحاجة إلى إطار أمني أكثر شمولاً.

كالاس: حظر التأشيرات لم يمنع الدعم

وهذا ما قالته أيضاً الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، مشيرة إلى أن 142 دولة أيدت إعلان نيويورك قبل عام باعتباره «مظهراً من مظاهر دعم الأكثرية الساحقة من دول العالم، ليس فقط لإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، بل أيضاً لتوفير الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك».

وأشارت إلى عدم تمكن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى من الحضور شخصياً بسبب حظر تأشيرات الدخول الأميركية، فانضم عبر الفيديو. وأكدت أن غيابه لم يُخفِ الثقل السياسي في القاعة، قائلة: «إذا نظرتم حولكم، سترون أن ثقل العالم يقف وراء بناء مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني». وأشادت بالجهود الدبلوماسية الأميركية والإقليمية التي أثمرت خطة غزة الشاملة التي أُقرت لاحقاً في القرار «2803»، وقالت إن السلطة الفلسطينية أحرزت «تقدماً ملموساً في الإصلاح في ظل ظروف بالغة الصعوبة».

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

وأضافت أن الممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف أحرز تقدماً في العمل على نزع سلاح «حماس» والانسحاب الإسرائيلي. وحذرت من أن «طموح تحالفنا العالمي، بل إعلان نيويورك، يتعارض بشكل متزايد مع الحقائق الصعبة على أرض الواقع». وأضافت أنه في غزة «لا يزال التقدم على أرض الواقع محدوداً للغاية. فالضربات مستمرة، والحاجات الإنسانية لا تزال ملحّة، والعديد من الالتزامات لم تُترجم بعد إلى تحسينات ملموسة». وأشارت كذلك إلى أنه في الضفة الغربية «يستمر العنف المتواصل، فضلاً عن التوسع الاستيطاني»، في تقويض حل الدولتين. وتابعت أن «مهمتنا اليوم ليست إعادة تأكيد دعمنا لهدف هذه الحركة، بل سد الفجوة بين الالتزامات والإجراءات والواقع على الأرض، والانتقال من مجرد الحفاظ على الوضع الراهن إلى تحقيقه».

وأشارت كالاس إلى أن الاتحاد الأوروبي يعمل على استقرار اقتصاد الضفة الغربية، وإطلاق عملية إنعاش مبكرة في غزة من خلال مبادرة «فريق غزة»، وتنفيذ مشاريع تجريبية في مجالَي النفايات والمياه. وخلصت إلى أن مسؤولية التحالف تكمن في إثبات أن تعايش دولتين جنباً إلى جنب «يظل الخيار الأمثل لبناء سلام شامل وعادل ودائم لفلسطين وإسرائيل، وللمنطقة بأسرها».

وتحدث في الجلسة كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ونائب رئيس الوزراء الباكستاني وزير الخارجية محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ونظيره المصري بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء الأردني وزير الخارجية أيمن الصفدي، ووزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريز، ووزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكنتي، ووزير خارجية فرنسا جان نويل بارو، ورئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، ووزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، ووزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وغيرهم.


لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
TT

لقاء غير مألوف بين الزيدي وترمب يثير تساؤلات في بغداد

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بغياب الوفد العراقي يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

أثار لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الحكومة العراقية علي الزيدي في نيويورك تساؤلات بسبب غياب أعضاء الوفد العراقي بالكامل، بعد يوم واحد من الإعلان عن تأجيل إكمال خطة حصر السلاح إلى يونيو (حزيران) 2027.

وأظهرت صورة وزعها المكتب الإعلامي للحكومة العراقية، مساء الأربعاء، الزيدي بمفرده خلال اللقاء الذي حضره ترمب وافقه مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية، من بينهم وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، ووزيرة الخزانة سكوت بيسنت.

وقال مكتب الزيدي، إنه بحث مع ترمب، الجهود التي يبذلها العراق والولايات المتحدة الأميركية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

ولم تقدم الحكومة أي تفسير بشأن غياب الوفد العراقي الذي كان يضم وزراء الخارجية والمالية والكهرباء ومسؤولين آخرين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع متعدد الأطراف مع «مجلس التعاون الخليجي» إلى جانب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

عدم ارتياح أميركي

ربط معلقون عراقيون حضور الزيدي الاجتماع بمفرده إلى شكوك أميركية باحتمالات تسريب النقاشات بين الرئيسين من خلال أعضاء في الوفد لديهم تمثيل سياسي في تحالف «الإطار التنسيقي» المقرب من إيران.

وقال سياسي عراقي مقرب من قيادة «ائتلاف إدارة الدولة»، إن طريقة عقد اللقاء «تعبير عن عدم ارتياح أميركي خصوصاً من ترمب بشأن ما تبدو عليه خطوات متعثرة لحصر السلاح بيد الدولة حتى الآن».

وحسب تصريحات رسمية، فإن 30 سبتمبر (أيلول) الحالي لن يكون موعداً لاكتمال حصر السلاح في العراق، بل سيكون منطلقاً لبدء عملية جديدة تمتد إلى يونيو من العام المقبل.

ومن الواضح أن رئيس الحكومة علي الزيدي، الذي يزور نيويورك هذه الأيام، تمكن من إقناع الأميركيين بالحصول على مهلة إضافية لحصر السلاح، لا سيما بعد ما تبنى الموعد الجديد المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك.

وقال صلاح العرباوي، وهو سياسي عراقي مستقل، إن «الوقت لا يزال مبكراً للحكم ما إذا كان الجدول الزمني الذي سيتم الإعلان عنه نهاية الشهر سيرجح كفة أي من أطراف الصراع السياسي على سلاح الفصائل».

ودعا العرباوي، في حديث مع «الشرق الأوسط»، القوى السياسية العراقية إلى «التعامل مع ملف السلاح بعقلانية وهدوء»، مفترضاً أن «الزيدي تمكن على الأقل حتى الآن من إعادة ضبط خطة حصر السلاح بعدما تعثرت خلال الأسابيع الماضية».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك (إعلام حكومي)

«هندسة العلاقات»

مع ذلك، يرى الخبراء أن النقاشات الأخيرة حول تعديل خطة حصر السلاح يمكن أن تتحول إلى فرصة لتحسين العلاقات العراقية الأميركية. وقال الباحث عباس عبود إن العلاقة العراقية - الأميركية تشهد إعادة هندسة من خلال المهمة التي يقوم بها مبعوث الرئيس الأميركي للعراق توم باراك عبر تبني الملفين العراقي والسوري.

وأوضح عبود في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «العلاقات العراقية مع حلفاء واشنطن في المنطقة أصبحت تمر من خلال البيت الأبيض على أساس فك الارتباط العراقي مع إيران».

وكان وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحذيراً مباشراً إلى بغداد، مشدداً على ضرورة «نزع سلاح الميليشيات لتفادي بلقنة العراق»، بالتزامن مع ضغوط متنامية على الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة.

وأكد روبيو دعم الولايات المتحدة لحكومة علي فالح الزيدي في مساعيها من أجل ترسيخ سلطة الدولة، مشدداً على ضرورة تفكيك الفصائل المسلحة.

وحذر روبيو من أن استمرار تعدد مراكز القوة قد يقود إلى تفتيت الدولة العراقية وإضعاف مؤسساتها.

وتتزامن تصريحات الوزير الأميركي مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ومع إعادة بغداد ترتيب الجدول الزمني لعملية حصر السلاح.

وكان الزيدي عرض خطة تقضي ببدء مرحلة تمتد 90 يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، على أن تستكمل عملية نقل السلاح إلى الدولة بحلول 30 يونيو 2027.


عباس: الفلسطينيون في أخطر المراحل... ولا تسمحوا بنكبة أخرى

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك الخميس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك الخميس (رويترز)
TT

عباس: الفلسطينيون في أخطر المراحل... ولا تسمحوا بنكبة أخرى

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك الخميس (رويترز)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة عن بُعد وجهها إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك الخميس (رويترز)

وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما تقوم به إسرائيل في الأراضي المحتلة بأنه من أخطر المراحل في تاريخ الشعب الفلسطيني، الذي لن يغادر أرضه ولن يقبل التهجير، مجدداً مطالبته المجتمع الدولي بحماية الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وتنفيذ حل الدولتين.

وكان الرئيس الفلسطيني يلقي خطاباً مسجلاً بالفيديو أمام زعماء العالم المجتمعين تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية الـ81 بسبب رفض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعطاءه تأشيرة دخول إلى نيويورك للعام الثاني على التوالي. وقال إن الفلسطينيين «لن يبقوا ينتظرون»، مؤكداً رفضهم أن تحدد إسرائيل مستقبلهم، وأنه «لا أمن دائماً يمكن أن يقوم على احتلال شعب آخر، وحرمانه من حقوقه المشروعة».

وأضاف عباس أن المشروع الوطني الفلسطيني يقوم على «حماية شعبنا من التهجير، والحفاظ على أرضنا ووحدتها، وتجديد مؤسساتنا ديمقراطياً»، وصولاً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، مع عودة اللاجئين وفقاً للقرار الأممي رقم 194».

وأكد عباس أن الفلسطينيين يسعون إلى مسار سياسي ينهي الاحتلال، وقال: «لا نريد عملية جديدة لإدارة الصراع بينما تتغير الأرض كل يوم، نريد عملية تُنهي الاحتلال وتضمن للفلسطينيين الحرية وتقرير المصير، وللإسرائيليين ودول المنطقة الأمن والسلام». ووصف الوضع في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بأنه جزء من مسار واحد يهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم قسراً. وأكد أن الخطر «لم يعد يقتصر على تقويض حل الدولتين ومنع تجسيد الدولة الفلسطينية، بل أصبح يهدد حياة ووجود الشعب الفلسطيني نفسه على أرض وطنه».

طفلان فلسطينيان يقفان وسط أنقاض منزل هدمته القوات الإسرائيلية في قرية «جنبا» بالضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب)

وتحدث عن غزة، حيث يواجه الفلسطينيون «القتل والدمار والتجويع ومحاولات التهجير»، مشيراً إلى الدمار الذي طال أحياء ومدناً ومخيمات ومؤسسات تعليمية وصحية ودينية. واتهم إسرائيل بتسريع الاستيطان في الضفة الغربية، بموازاة تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية وتصعيد اعتداءات المستوطنين، إضافة إلى هدم المنازل والاقتحامات والحواجز.

لا تسمحوا بنكبة أخرى

وناشد عباس المجتمع الدولي: «لا تسمحوا بحدوث نكبة ومجازر أخرى كالتي حدثت في عام 1948». كما دعا إلى عدم السماح بحرق منازل الفلسطينيين أو بقاء الأطفال تحت الخوف والتهديد. وتساءل: «ماذا ينتظر المجتمع الدولي ليقوم بحماية الشعب الفلسطيني، وبقائه على أرضه، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتنفيذ حل الدولتين المستند إلى الشرعية الدولية؟».

كما دعا عباس إلى الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، محذراً من تحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم من دون أفق سياسي وزمني واضح، مشدداً على أن الهدف يجب أن يكون إعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت ولاية دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية، وفق مبدأ «دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد».

كما حذر الرئيس عباس من تنفيذ المخطط الاستيطاني في المنطقة المسماة «إي 1»؛ لأنه يهدد التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية، ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.

ودعا مجلس الأمن إلى التدخل وتنفيذ القرار 2334 الذي يطالب بوقف النشاطات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وإذ كشف عن أن الحكومة الإسرائيلية تحتجز «أكثر من ستة مليارات دولار من أموال الشعب الفلسطيني»، طالب بالإفراج الفوري عنها وتحويلها بصورة منتظمة وكاملة، ورفع القيود المالية والاقتصادية، وفقاً لبروتوكول باريس الاقتصادي.

«أنجزنا الإصلاح... ونريد دولة»

وفي المقابل، قال عباس إن السلطة الفلسطينية أوفت بالتزاماتها المتعلقة بالإصلاح. وأضاف: «أنجزنا برنامج الإصلاح الوطني»، مشيراً إلى تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون، وإنشاء نظام وطني موحد للحماية الاجتماعية، ومواصلة إصلاح التعليم وتطوير المناهج بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسكو».

كما أشار إلى خطوات في مجال التجديد الديمقراطي وتمكين المرأة والشباب، قائلاً إن الفلسطينيين أجروا انتخابات محلية وانتخابات للاتحاد العام لطلبة فلسطين، وأنهم يتجهون إلى الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني)، ثم استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني والانتخابات الرئاسية.

وأكد عباس أن الفلسطينيين يريدون دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون. وقال: «نريد دولة فلسطينية ديمقراطية تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان، دولة غير مسلحة تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل». وأكد أن رؤية الفلسطينيين للسلام تقوم على بقاء الشعب الفلسطيني في أرضه، وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بما يفتح الطريق أمام التعاون والاندماج الإقليمي. وقال إن «رؤيتنا للسلام واضحة: شعبٌ فلسطيني باق على أرضه، يقرر مستقبله بنفسه، ودولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل». كما دعا إلى منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن 160 دولة اعترفت بها، ومطالباً الدول التي لم تعترف بها بعدُ بالقيام بذلك.