عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

«الشرق الأوسط» تعيد فتح دفاتر الرحلة الفلسطينية بمفاوضاتها الشائكة وعلاقاتها الصعبة (الحلقة الأخيرة)

TT

عبد ربه: عرفات كان مشاكساً مع القذافي... والعسكريون السوريون توارثوا كراهيته

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)
عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

لما يجري في غزة علاقة بالظلم الإسرائيلي المتمادي، خصوصاً إصرار الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على التهرب من استحقاقات السلام. تفاقم هذا الظلم بعدما اتخذ الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قرار التوقيع على اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر (أيلول) 1993.

راهن عرفات على أن يكون اتفاق أوسلو خطوة أولى لقيام دولة فلسطينية على بعض الأرض، لكن بنيامين نتنياهو بنى سياسته على اغتيال الاتفاق ومفاعيله. ولاتفاق أوسلو علاقة بما سبقه، خصوصاً حروب العواصم والعلاقات الشائكة التي قامت بين منظمة التحرير وبعض الدول العربية البارزة.

كان الغرض من الحوار مع ياسر عبد ربه، أمين السر السابق للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ربط الحاضر ببعض الماضي؛ لتسليط الضوء على أحداث لم يتيسر لمن ولدوا بعد أوسلو أن يعايشوها. وهنا نص الحلقة الثالثة والأخيرة:

سألت عبد ربه كيف تعامل عرفات مع هجمات 11 سبتمبر 2001، وعن رفض الرئيس جورج بوش مصافحة الزعيم الفلسطيني في مقر الأمم المتحدة، فتذكر: «أولاً عدم مصافحة جورج بوش هي نتيجة لما رآه الأميركيون اختباراً تلو الاختبار لياسر عرفات، وأن الأخير فشل في الاختبار لجهة إدانة الأعمال التي كانت تقوم بها «حماس» وفصائل أخرى تستهدف المدنيين، ولأنه لم يقم بما يكفي من أجل منع تلك الأعمال، وأن ياسر عرفات أيضاً كان متواطئاً إلى حد ما. ودليلهم على ذلك سفينة «كارين أيه» وغيرها.

كان تصريح جورج بوش الشهير بأن «الشعب الفلسطيني يستحق ما هو أفضل من هذه القيادة الفلسطينية، وهي متورطة في الإرهاب». وعملياً أوجد تصريحه وضعاً انتقلنا فيه فعلاً لمرحلة جديدة بالكامل، مرحلة القطيعة مع الإدارة الأميركية، وإشهار هذه الإدارة العداء الكامل لشخص عرفات، عدا عن العداء للسلطة ككل تحت قيادته.

بعدها طرحوا فكرة أن عرفات يمكن أن يظل رمزاً، ولكن من دون صلاحيات تنفيذية واسعة، وأن تُحال هذه الصلاحيات التنفيذية إلى رئيس وزراء كان الأميركيون قد حددوه سلفاً وهو الأخ محمود عباس «أبو مازن». هذا كان الجانب الأول من عدم المصافحة لأن الإدارة الأميركية كانت قد أعلنت عملياً القطيعة مع ياسر عرفات، ولذلك امتنع بوش عن مصافحته.

عرفات ينتظر كلمة جورج بوش الابن أمام أول جمعية عامة للأمم المتحدة بعد 11 سبتمبر (غيتي)

على رغم الأجواء التي كانت سائدة فإن ياسر عرفات ذهب (إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وجلس متوقعاً أن تحصل المصافحة. ويومها قال بوش لكوفي أنان (الأمين العام السابق للأمم المتحدة)، إن هذا الرجل يريدني أن أصافحه فليصافح نفسه.

عرفات في 11 سبتمبر: هذه طائرات وهمية

هذه كانت طريقة جورج بوش. في 11 سبتمبر، أنا شاهدت الأحداث على التلفزيون من بيتي في رام الله. أخذت سيارة وانتقلت إلى غزة فوراً، كانت الطريق مفتوحة والمسافة قريبة وتستغرق ساعتين أو أقل، فوجدت ياسر عرفات وحده بالمكتب. كانت فترة بعد الظهر تقريباً بتوقيتنا. وفور وصولي قال لي: أخشى أن يكون هناك طرف فلسطيني أو يد فلسطينية في هذه العملية، لذلك أول نظرية كانت عنده أن هذه طائرات وهمية اخترعت في التصوير على التلفزيون. قلت له: أبو عمار، هذه طائرات حقيقية ضربت البناية. قال: لا، لا، وهمية. الانفجار تم من داخل المباني وليس من خارجها. ما هو الفرق بين داخل المباني وخارجها؟ فقال لي: أنا خائف أن تكون الطائرات فلسطينية. طيب إذا افترضنا أنها فلسطينية فهذا لا يلغي أنه من الخارج.

تذكر عرفات خطف الطائرات على أيدي الفلسطينيين، واعتقد أن هذه يمكن أن تكون واحدة من المغامرات التي قمنا بها في الماضي ومجددة بطريقة مختلفة. قلت له: لا، دعنا نتريث. فعلاً هوية الخاطفين المنفذين لم تتضح يومها. سأل عرفات: ماذا يفعلون في العالم؟ أجبت. كما سمعت، فتحوا حملات تبرع بالدم، دعنا نطلع للتبرع بالدم. قال: أنا رجل كبير بالسن، والتبرع بالدم ممكن يضعفني. قلت له: سنجد حلاً لهذه القضية. المهم أن تقوم بخطوة رمزية وليس المهم أن يأخذوا دماً أو لا يأخذوا، هي خطوة رمزية.

فعلاً، انتقلنا إلى مستشفى الشفاء واصطف عدد من مرافقي ياسر عرفات ومن المواطنين ومن المرضى ومن الأطباء للتبرع بالدم. والمهم أيضاً أننا أحضرنا كاميرات التلفزيون لتصور هذا المشهد. لم يرتح عرفات إلا إذا عندما تيقن أنه ليس هناك أي ضلوع فلسطيني في هذه العملية. وكان هذا متأخراً، يمكن في اليوم التالي أو الذي يليه، عندما تولى أسامة بن لادن الإعلان عن مسؤوليته. ياسر عرفات للأسف كان أيضاً لا يرى أن هذه العملية ستغير من اتجاه سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة وتجاه أعمال الإرهاب. فصل بين هذه العملية وما يمكن أن يكون عليه سلوك الولايات المتحدة. وهذا أدى لتدهور مكانته بالتدريج عند الأميركيين لحد القطيعة الكاملة».

العلاقة الشائكة مع حافظ الأسد

لم تقم علاقة عادية أو ودية أو طبيعية بين ياسر عرفات وحافظ الأسد. ذهب ياسر عبد ربه إلى دمشق بمهمة بعد التدخل العسكري السوري في لبنان سنة 1976 والتقى الأسد. سألته: ماذا قال لك الأسد؟ فأجاب عبد ربه: «جرى اصطدام عسكري في صيدا (جنوب لبنان)، وأيضاً بعض الاصطدامات والمناوشات في منطقة صوفر (جبل لبنان) وغيرها، وتوترت الأجواء وحصلت مواجهة مسلحة بيننا وبينهم (السوريين)، فارتأت القيادة في بيروت ألا ندخل هذه المرحلة من الصدام. وأعتقد أن عدداً من الدول، بما فيها دول الخليج والسعودية بالذات، تدخلت لوقف هذا الاصطدام واحتوائه وتهدئة الوضع، لذلك وافق السوريون على استقبال وفد من عندنا يلتقي مع الرئيس الأسد، فذهبت أنا وفاروق القدومي الذي كان وزير الخارجية، وهو طبعاً رئيس الوفد، والتقينا الرئيس الأسد.

للمرة الأولى يدخل الأسد متجهماً ومعالم الغضب على وجهه. كان من عادته أن يكبت مشاعره، ومن الصعب عليك أن تقرأ في معالم في وجهه ما يدل على أنه سعيد أو غضبان أو موافق أو غير موافق... يعني هذا من المستحيلات. جلسنا فبادر هو. طبعاً، قبل الدخول إلى الاجتماع اشترط عليّ القدومي أن نلعب لعبة مزدوجة، هو الطرف الهادئ والذي يحاول تليين الأمور وأنا الطرف المتشدد قليلاً، يعني المشاغب. طبعاً هو لأن جذوره «بعثية» ولا يريد أن يقطع الحبال نهائياً. المهم، فاجأنا الأسد فوراً وقال: «هيك بتعملوا؟» قلنا: خيراً يا سيادة الرئيس؟ قال: السوريون الذين دخلوا إلى صيدا قطعتم رؤوسهم وتلعبون بها «فوتبول» (كرة قدم) في الشوارع.

أول مرة نسمع هذه التهمة. كان هناك ضابط سوري يبدو تائهاً، فبدل أن يسلك طريق جزين سلك طريق صيدا ولم يجد نفسه إلا في وسط مدينة صيدا، في الساحة، ومعه دبابتان أو ثلاث دبابات... فوجئت الميليشيات الموجودة في صيدا بالأمر وأطلقوا على إحدى الدبابات قذيفة «آر بي جي»، فصار الجنود يصرخون: نحن جنود سوريون... لم يكن أحد «فاهم شو الطبخة»، فأمسكوا نحو 40 جندياً سورياً كانوا آتين بشاحنتين إلى المنطقة من دون حماية أو أي ترتيب مع أحد، وقائدهم ظل مستمراً من دون أن يعرف إلى أين هو ذاهب. فشل عسكري ذريع. الشبان في صيدا، سواء كانوا فلسطينيين أو لبنانيين، أخذوا الأربعين جندياً ووضعوهم في مكان، مدرسة، وأطعموهم وشربوهم وتعاملوا معهم ليسوا بوصفهم أسرى حرب ولم يتعرضوا لهم بإيذاء، ونحن كنا متأكدين من هذا قبل أن نذهب (إلى دمشق)، وطلبنا من الجانب السوري أن يأتي ليأخذهم أو يتولاهم أحد. كان وقتها قراراً، حتى كمال جنبلاط، يعني: هل يعقل أن نأخذ أسرى سوريين؟

تصديت (لكلام الأسد) وقلت له: سيادة الرئيس، كيف هذا الكلام؟ أولاً من المعيب أن يستخدم أحد تعبير أسرى. الجنود السوريون ليسوا أسرى. ثمة خطأ وقع فيه قائد ووجد نفسه في صيدا، وعناصر الميليشيا في صيدا رأوا دبابات لا يعرفون لمن هي، فحصل احتكاك معها ولحسن الحظ لم يصب أحد بإطلاق النار، والأربعون جندياً موجودون وليس هناك قطع رؤوس. فقال: والله هذه هي التقارير التي وردتني، فهل يكتبون لي تقارير كذباً؟

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط»

قلت: نرجوك تأكد، ليس هناك أي شخص مصاب، ومن أجل زيادة في التأكد ليبعثوا أحداً أو أي جهة تتسلّمهم. نريد نقلهم بالباصات لكننا لا نعرف إلى أي جهة نرسلهم. قال: حسناً سأتأكد من الموضوع. وكانت حينها معركة تل الزعتر مفتوحة، فطلبنا منه أن يتدخل في معركة تل الزعتر لوقفها؛ لأنها ستنتهي بمجزرة، لأن المخيم محاصر ومطوق وعليه قصف، ولم نكن نريد أن نتحدث صراحة عن سلوك بعض ضباطه. قال: «بيصير خير». لم ينطق بأنه سيحاول المساعدة بل قال: «بيصير خير إن شاء الله». وطلعنا على هذا الأساس. طبعاً اتفقت مع الأخ فاروق ألا نروي كل الرواية؛ لأنه أولاً إذا رويتها فكثير أو البعض له علاقات مع سوريا ولم يقطعها، فلا نريد الإساءة إلى الرئيس الرمز».

«من قتل كمال جنبلاط؟»

زيارة أخرى صعبة لدمشق شارك فيها عبد ربه بعد اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط الذي عارض التدخل العسكري السوري في لبنان. وها هو يسترجع تلك المحطة: «عدنا من القاهرة بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. وكان لا بد من أن نزور سوريا وحافظ الأسد لنطلعه على النتائج كشيء بروتوكولي معتادون عليه مع قيادتي مصر وسوريا. حصل اغتيال كمال جنبلاط بالتزامن مع دورة المجلس الوطني، أي قبل أيام من زيارتنا لدمشق. سمينا الدورة وقتها «دورة الشهيد كمال جنبلاط» تقديراً له. عندما دخلنا على الرئيس حافظ الأسد أخبره ياسر عرفات بأننا سمينا الدورة «دورة الشهيد كمال جنبلاط»، فسارع الرئيس الأسد إلى القول: من برأيك يا «أبو عمار» اغتال كمال جنبلاط؟

عرفات في حديث مع حافظ الأسد خلال احتفالات ذكرى الثورة الليبية في طرابلس عام 1989 (أ.ف.ب)

أنا جالس إلى جانب الرئيس (عرفات)، ومعي أعضاء آخرون من اللجنة التنفيذية - قيادة منظمة التحرير. أنا من الناس الذين بدأوا يتوترون بانتظار رد عرفات. عرفات على طريقته عندما يكون غير قادر على إعطاء جواب وأمام وضع محرج للغاية تصبح رجلاه تتحركان ويكرر الكلمات. بعد قليل قال له: من غيرهم يا سيادة الرئيس؟ من غيرهم؟ من غيرهم؟ فأنا خفت يقول: حضرتك يا سيادة الرئيس، فقال الأسد له: من تعني يا «أبو عمار»؟ فأجاب: طبعاً إسرائيل.

ارتحتُ قليلاً، لكن الأسد أكمل: لماذا تعتقد يا «أبو عمار» أنها إسرائيل وليس غيرها؟ فقال له: أنا أعرف المنطقة التي كان فيها كمال جنبلاط. تنزل نزولاً، وفي آخر النزول توجد تحويلة ثم تبدأ بالصعود. هم كمنوا له عند التحويلة، من يقدر يفعل ذلك غير إسرائيل؟».

عرفات لم يؤيد توسيع الحرب في لبنان

اتُهم ياسر عرفات بأنه حرض كمال جنبلاط على نقل الحرب إلى الجبل، هل صحيح هذا الاتهام؟ يجيب عبد ربه: «بصراحة، أبداً. أنا أعتقد أن كمال جنبلاط كان يريد من المقاومة الفلسطينية بقواتها كلها أن توسع الجبهة في الجبل، بل هو الذي يمكن أنه أشرف حتى على حشد قوات الحزب الاشتراكي (الذي يقوده) في منطقة الجبل، وفي المنطقة المشرفة على الكحالة، من عاليه نزولاً. وطلب اشتراك «فتح» في العملية.

«فتح» لم تشترك، وإذا اشتركت اشتركت بطريقة رمزية. الذي اشترك بقوة كبيرة أتصور «الجبهة الديمقراطية» وتمت خسارة نحو عشرين مقاتلاً من الجبهة التي تصدى لها الجيش اللبناني، ليس فقط «الكتائب» أو «القوات اللبنانية» أو غيره. ياسر عرفات فوجئ بالصعود إلى الجبل. أنا واثق بأنه لم يكن في خطته الصعود للجبل ولا التحول إلى بكفيا من ناحية ضهور الشوير والنزول، كما كان يتوقع آخرون.

الذي اندفع في هذا الاتجاه هم ضباط ما يسمى بـ«تكتل أبو موسى وأبو خالد العملة». ياسر عرفات لم يبد المعارضة الكافية لمنع انخراطهم في هذه العملية. لكن لم يكن القرار بادئ ذي بدء من عند عرفات. كمال جنبلاط كان متحمساً للعملية، الصعود إلى الجبل وكسر ظهر القوات الكتائبية وتطويق المنطقة. ما كان ممكناً لأحد أن يصعد إلى الجبل ومنطقة عاليه إلا بموافقة اشتراكية.

وياسر عرفات لم يكن مؤيداً أيضاً لاجتياح بلدة الدامور اللبنانية. ياسر عرفات لبنانياً لم يقطع محاولات إعادة الاتصال بالطرف الآخر كما يسمونه في لبنان، أي «الكتائب» وكميل شمعون والآخرين. وكان يحرص على أن يبقي «شعرة معاوية» بهذه الاتصالات، وكان يشجع المقربين منه مثل أبو حسن سلامة وأبو الزعيم على أن يواصلوا هذه الصلات. ياسر عرفات، عندما حصل اقتحام الدامور، وبعد قصة تل الزعتر، هو الذي دفع بمجموعات وبقوات من عنده لمحاولة عدم تحويل الموضوع إلى مجزرة.

وأكثر من ذلك هو الذي أجرى اتصالات، كما أعتقد، مع شمعون لكي يذهبوا إلى السعديات، ومن هناك يتم نقلهم عن طريق البحر... كان هنا بعض المجانين الذين ربما أرادوا ارتكاب شيء من المجزرة بالكنيسة في الدامور؛ لأن ثمة أناساً لجأوا إلى الكنيسة، فأرسل من يحمي الكنيسة. أنا واثق، لم يتورط ياسر عرفات في الدخول بحرب قذرة من هذا النوع».

مع محمود درويش وعرفات في شمال لبنان

عام 1983 رجع ياسر عرفات، الذي خرج في 1982 من بيروت، إلى طرابلس في شمال لبنان لمواجهة «الانتفاضة» في «فتح»، وعملياً للدخول في مواجهة مع سوريا. لماذا رجع؟ وما هي قصة زيارة ياسر عبد ربه مع محمود درويش لياسر عرفات في الشمال؟ يتذكر عبد ربه قائلاً: «كانت هناك نظرية سورية فيما بعد بأن ياسر عرفات الداهية هو الذي جاء إلى طرابلس من أجل استدراج السوريين لشن معركة ضده حتى يوصم أبو موسى وأبو خالد العملة وأبو صالح بأن حركتهم ليست حركة تصحيح، ولكنها حركة مدبرة سورياً، وأنه قد نجح إلى حد كبير في هذه العملية. هل كان ياسر عرفات فعلاً عنده مثل هذا المخطط في رأسه؟ أنا لا أستبعد من ياسر عرفات ذلك؛ لأنه كان يريد للاعبين الحقيقيين أن يظهروا على خشبة المسرح من دون أن يأتي أحد ويموّه بستارة فلسطينية أنه باسم الإصلاح في «فتح» قاموا بهذا التدبير. طبعاً خلال فترة حصاره، ذهبنا أنا ومحمود درويش.

محمود درويش ربما هو الذي حرضني وليس أنا من حرضه. محمود درويش كانت بينه وبين ياسر عرفات علاقة ملتبسة. هو يحب عرفات ويطمئن إليه، لكنه في الوقت ذاته يشك في أنه يرتكب مغامرات غير محسوبة أحياناً، ويتخذ قرارات غير قابلة للتراجع عنها. ويفضل عرفات المتردد أحياناً والذي يقوم بالشيء وبعكسه حتى يظل في الوسط من دون التورط الشديد. هو الذي حرضني، أنا متأكد، على الذهاب للقاء «أبو عمار». فذهبنا بالسيارة معنا سائق فقط. وعن طريق حمص (سوريا). ذهبنا ودخلنا إلى طرابلس. قبل طرابلس، إلى البداوي وتلك المناطق حيث يوجد ياسر عرفات من المنطقة الشمالية. وبالعودة نزلنا عن طريق بعلبك. كانت هناك سهولة في دخول لبنان وقتها.

دخلنا فوجدناه يشرف على عمليات الحفر في الجبل، والجبل كله طباشير (كلسي)، الجبل كله أبيض، حتى هو ثيابه بيضاء. المهم، «كيفك أبو عمار؟». قال: كما ترونني أنا أحضّر. سألنا: لماذا الخنادق والحفريات؟ لم نأخذ من عرفات جواباً نهائياً. قال: هذه ترتيبات عسكرية لا علاقة لكم أنتم بها ولا تفهمون في الشأن العسكري. جلسنا معه واطمأننا عليه. معنوياته لا بأس بها. كان ذلك في فترة الظهيرة، فقال: تتغدون معي. محمود درويش فيما يتعلق بالطعام حذر. فكان غداء ياسر عرفات علبتي سردين وحبتين من الطماطم. نظرت إلى وجه محمود درويش فلم يكن راضياً.

شارك درويش بالحد الأدنى. أكل قليلاً من الخبز. بعد ذلك طلبنا منه الإذن بالانصراف لنعود إلى الشام (دمشق) قبل مغيب الشمس ورجعنا عن طريق البقاع».

وهل كانت «حرب المخيمات» في لبنان جزءاً من الرد على سلوك ياسر عرفات؟ يقول عبد ربه: «كان واضحاً أن حركة (أمل) حرّكتها بإيعاز سوري، بتدبير سوري. وكانت ناتجة عن توسع دور «فتح» في الجنوب، وأيضاً تمدد إلى حد ما في مناطق الجبل بتواطؤ ضمني مع وليد جنبلاط الذي كان يمرر كثيراً من المساعدات ويؤوي أيضاً معسكراً على الأقل لـ«فتح»، على ما أذكر، وحركتهم في كل الاتجاهات عبر منطقة الشوف.

كان السوريون يعرفون ذلك، أن «فتح» تتمدد في الجنوب، فأوعزوا إلى «أمل» بأن تقوم بذلك، فتورطت «أمل» بحرب عديمة المعنى والجدوى. محاصرة المخيمات مثل مخيم شاتيلا أو غيره من المخيمات، ولاحقاً تم الرد عليها بعملية مغدوشة، وكانت أيضاً بذات الدرجة من البشاعة.

القسوة ضد عرفات «متوارثة» سورياً

هل صحيح أن رئيس أركان الجيش السوري العماد حكمت الشهابي كان شديد القسوة في الكلام عن ياسر عرفات؟ يجيب عبد ربه: «كان يبدو الموقف متوارثاً في قيادات الجيش السوري. مصطفى طلاس لم يكن يحب ياسر عرفات، وفي أحيان كان في بعض خطبه بذيئاً للغاية ويشتمه بشتائم سوقية ورخيصة، وحكمت الشهابي كان لا يطيق اسم عرفات أبداً. كان يجاهر بذلك أمامنا».

وعن صبري البنا «أبو نضال» وشخصيته، يقول عبد ربه: «التقيته في المرحلة العراقية عندما كان في بغداد، وبعدها لم أره. هو شخص نرجسي للغاية، معتز بنفسه وشديد الشكوك. يتلفت حوله أحياناً، وسريع الاتهام. إذا ذكرت اسم أحد أمامه يقول لك فوراً: هذا جاسوس. ربما هو تأثر بالتقاليد العراقية السياسية لأن تهمة الجاسوس في العراق مثل شربة الماء. هو لا يشعرك بالارتياح، رغم أنه في أوقات أخرى، كأنه كان عنده حالة انفصام فعلياً، تجده شخصاً هادئاً ولطيف المعشر، وفي وقت قصير ينقلب إلى نقيضه.

سبح أبو نضال في الدم الفلسطيني كثيراً كثيراً. وكان هذا عندما حصل التقارب السوري - الفلسطيني، بعد حرب أكتوبر وبعد ما صار هناك مشروع للسلام، وبعدما أعلنا عن خطة النقاط العشرة التي هي أول جنين لمشروع قبول دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. فهذا كان بالنسبة للعراقيين ناقوس خطر، فبدأوا بالعمل ضد منظمة التحرير وضد «فتح»، ولجأوا لسياسة الاغتيالات. في الكويت اغتالوا السفير، في باريس اغتالوا السفير، في أماكن كثيرة».

القذافي وجاذبية عرفات

هل كان التفاهم بين ياسر عرفات ومعمر القذافي صعباً؟ يجيب عبد ربه: «صعب وسهل. القذافي كان شديد الترحاب بياسر عرفات، وكان ودياً في التعامل معه، وياسر عرفات يجرؤ على أن يحكي معه بلغة فيها بعض القسوة أو التأنيب، حتى إنه كان يناديه: يا معمر. ولم يكن يجرؤ على قول هذا الكلام لصدام أو لحافظ الأسد أو السادات أو سواهم. كان يقول له مثلاً: يا معمر أنت رايح فين؟ أنت غلطان. نعم. كان يقول له: أنت غلطان، وكان ينتقده أحياناً.

القذافي كان يتقبل ذلك كله؛ لأن «أبو عمار» كان يعدّ نفسه ليس فقط أقدم عمراً بل أقدم من حيث تاريخه النضالي، أقدم كثيراً من القذافي. القذافي ضابط صغير برتبة ملازم أو نقيب... «أبو عمار» لم يكن يعطي للقذافي درجة من الأهمية بسبب أن القذافي كان شحيحاً جداً في دعم «فتح» ودعم «منظمة التحرير». لم يكن يدعم المنظمة، بل كان يدعم تنظيمات وفصائل، ويختص بالدعم أحمد جبريل الذي كما يقول المصريون «أكل بعقله حلاوة». أوهم القذافي بأنه قائد عسكري من الطراز الرفيع.

عرفات كان مشاكساً في علاقته بالقذافي. والقذافي كان مضطراً لأنْ يحترمه ويعامله باحترام. طبعاً قام لاحقاً بتمويل (تمرد فصيل) «الانتفاضة» في «فتح» ضد عرفات. كانت لدى عرفات كاريزما، حقيقة، طاغية إلى حد بعيد. هناك من لم يكن يحتملها. أنا متأكد. حافظ الأسد لم يكن يحتملها. أحمد حسن البكر وكان أيضاً لا يطيق عرفات. صدام ربما لم يكن يشعر بمنافسة مع أحد؛ لأنه هو مقتنع بداخله أنه هو منذ نعومة أظفاره متفوق على كل البشرية. القذافي كان أيضاً يغار. تحس أن لديه بعض الغيرة، لكنه كان مضطراً أن يعامل ياسر عرفات باحترام».

هل كانت لدى عدد من الانقلابيين العرب عقدة جمال عبد الناصر؟ يقول عبد ربه: «نعم، هذه موجودة. في الحقيقة، عبد الناصر هو الذي افتتح عهد الضباط الذين يتحولون إلى رموز شعبوية في بلدانهم وعلى المستوى العربي. فكل منهم، حتى الذين ينتقدون، فيهم جزء من خطابية عبد الناصر، مفردات عبد الناصر، فردية عبد الناصر. ربما عبد الناصر كانت عنده مزايا يعني أخرى إيجابية، هنا صعب أن يكون أحد قد تشبّه بها، ربما. لكن عبد الناصر كان نموذجاً للديكتاتور العسكري العربي. والنسخ هي نسخ مشوهة عنه. بالنسبة إلى القذافي كان عبد الناصر، أصلاً، رمزه الأبوي، إن صح التعبير في إطار علم النفس. احتضنه عبد الناصر وشجعه واحتواه».

جمال عبد الناصر مع عرفات والقذافي والملك حسين في القاهرة عام 1970 (غيتي)

«غزة كانت مقدسة عند عرفات»

التقى عبد ربه بعرفات للمرة الأولى في «معركة الكرامة» عام 1968 في الأردن، وهي المعركة التي أعطت الشرعية لـ«فتح» ولعرفات. سألته: هل تفتقد ياسر عرفات اليوم؟، فأجاب عبد ربه: «أكيد، أكيد. لا أحد عرف ياسر عرفات، وبدرجات مختلفة وهم بعدد محدود، إلا ويفتقد دوره، ويتذكر كيف كان يتصرف في هذا الوقت. حتى مؤخراً، هناك من يؤكد أن ياسر عرفات ما كان ليسمح بكل المقدمات التي أوصلت إلى العدوان الأخير على غزة.

ما كان ممكناً أن يسمح بأن يحصل هذا الانقسام الذي وقع في الحركة الفلسطينية وخروج «حماس» عن بقية الأطراف وعن منظمة التحرير، ثم انفصال غزة عن الضفة. ياسر عرفات غزة كانت بالنسبة إليه مقدسة، وما كان ممكناً أن يغادر غزة ولو نفذت «حماس» مائة انقلاب. ليس بالضرورة أن يغزو غزة لكنه مستعد أن يدفع الثمن لـ«حماس» مقابل أن يضع قدمه في غزة مرة أخرى».

سألت عبد ربه كيف خرج من الأردن بعد الأحداث الدامية في 1970 فقال: «خرجت في 1971؛ إذ ظللنا في حالة اختفاء في عمّان بعدما سيطر عليها الجيش الأردني. ثم انتقلت إلى الأحراش في جرش وعجلون التي تجمعت فيها كل قوات المقاومة و(تعرضت) للقصف وإلى آخره. ثم عقد اجتماع للمجلس الوطني في يوليو (تموز) أو أغسطس (آب)، فطلبوا منا، أنا و«أبو جهاد» (خليل الوزير)، أن نغادر أحراش جرش وعجلون ونذهب إلى القاهرة لنحضر المجلس الوطني، فغادرنا برعاية عربية، وحصل اكتساح أحراش جرش وعجلون ونحن في القاهرة».

حقائق

من هو ياسر عبد ربه؟

ولد ياسر عبد ربه في يافا في 1945. هاجرت عائلته بعد النكبة إلى لبنان. كان في سن الخامسة عشرة حين نجح السياسي اليساري اللبناني محسن إبراهيم في إقناعه بالانضمام إلى «حركة القوميين العرب». تابع في الجامعة الأميركية في القاهرة دراسته في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية.

في 1968 كان إلى جانب جورج حبش ونايف حواتمة ووديع حداد في تأسيس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وشارك في السنة التالية في تأسيس «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وهو كان الرجل الثاني فيها بعد حواتمة. غادر الجبهة عام 1990 وأسس حزب «فدا»، قبل أن يتخلى عن قيادته ويعمل مستقلاً منذ 2004.

كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات في 1968 إبان «معركة الكرامة» حين تصدت المنظات الفلسطينية الناشئة بدعم من مدفعية الجيش الأردني لقوات إسرائيلية هاجمت بلدة الكرامة الحدودية. ربطته لاحقاً بعرفات علاقة ثقة وطيدة مكنته من لعب دور بارز في الحوار بين أميركا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ترأس عبد ربه الجانب الفلسطيني في أول حوار مع الولايات المتحدة عام 1989، وكان شريكاً فاعلاً في ما عُرف بـ«مطبخ اتفاق أوسلو». وتولى بعد ذهاب القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة مناصب وزارية. وشارك في معظم لقاءات عرفات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين.

تولى بين 2005 و2015 منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأخرج من منصبه في ختام تلك الفترة بعد خلافات علنية مع الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. أتاح له دوره في منظمة التحرير المشاركة في لقاءات رفيعة مع زعماء من العالم العربي وخارجه. وربطته علاقة مودة عميقة مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

متزوج من الروائية ليانة بدر، وله ولدان.


مقالات ذات صلة

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من وفا)

قيادي كبير في «فتح» لعباس: تَدخّل لوقف الفساد... وإلا كشفت الأسماء

توفيق الطيرواي، عضو مركزية «فتح»، ينتقد عباس ويقول إن المفسدين في السلطة سيطروا على مفاصل مهمة، وهدد بفضح أسماء وملفات للرأي العام.

كفاح زبون (رام الله)
خاص اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس) p-circle 02:18

خاص سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس»، ومنها اللواء سامي نسمان.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مبانٍ مدمرة في مدينة غزة شمال القطاع يوم الثلاثاء (د.ب.أ) p-circle

خاص «اتفاق غزة»... لقاءات غير مباشرة للفصائل في القاهرة لدفع المرحلة الثانية

كشف مصدر فلسطيني من حركة «فتح»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، عن أن لقاءات «غير مباشرة» للفصائل الفلسطينية، بدأت في القاهرة لبحث دفع المرحلة الثانية من اتفاق غزة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة «المجلس الثوري» (وفا)

خاص «فتح» لتجديد القيادة في مرحلة فلسطينية حرجة

قرَّرت حركة «فتح» عقد مؤتمرها الثامن هذا العام في مرحلة حساسة، وسيضمن المؤتمر تشكيل قيادة جديدة بالحركة، ما يعني تقوية مسؤولين وإقصاء آخرين في مرحلة ما بعد عباس

كفاح زبون (رام الله)

توغل إسرائيلي في العمق اللبناني لاختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)
عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)
TT

توغل إسرائيلي في العمق اللبناني لاختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)
عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)

أثارت عملية التوغل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية واختطاف مسؤول «الجماعة الإسلامية» في منطقتي حاصبيا ومرجعيون عطوي عطوي، تنديداً لبنانياً، وصدمة في المنطقة الحدودية؛ إذ جاء التوغل غداة زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى المنطقة، وتعهد بإطلاق ورشة إعادة تأهيل البنى التحتية.

وجاء هذا التصعيد بعد أقل من شهرين على اختطاف النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر في منطقة البقاع، شرق لبنان، أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، في حين تواصل إسرائيل ملاحقاتها الأمنية، فاستهدفت سيارة كان يستقلها عنصر من «حزب الله» في بلدة يانوح شرق مدينة صور؛ ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص بينهم طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات.

وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة اللبنانية في بيان أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة يانوح قضاء صور، أدت إلى استشهاد ثلاثة مواطنين من بينهم طفل عمره ثلاث سنوات».

ونقلت «وكالة الصحافة الألمانية» (دي بي إي) أن الطيران الإسرائيلي المسيَّر، استهدف سيارة من نوع «رابيد» وسط بلدة يانوح قضاء صور في جنوب لبنان، وعلى الفور توجهت سيارات الإسعاف وبدأت تعمل على نقل عدد من الإصابات.

عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)

اختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

ميدانياً، أفادت وسائل إعلام محلية بأن قوة إسرائيلية توغّلت فجر الاثنين سيراً على الأقدام إلى الأطراف الشمالية لبلدة الهبارية، عبر كروم الزيتون، واقتحمت منزل عطوي عند نحو الساعة الواحدة فجراً، وكان برفقة زوجته. ودخل خمسة جنود إلى المنزل، أحدهم ملثم، واعتدوا عليهما بالضرب، قبل تقييد الزوجة وتعصيب عينيها ونقلها إلى المطبخ، في حين جرى اقتياد عطوي إلى جهة مجهولة، ثم انسحبت القوة عبر المسار نفسه، وسط تحليق مكثف للمسيّرات والمروحيات الإسرائيلية.

وأفاد شهود عيان بأن ثلاث آليات عسكرية إسرائيلية شوهدت تغادر لاحقاً وسط البلدة باتجاه جبل السدانة عبر طريق معبّد بين مناطق حرجية؛ ما عزّز فرضية التخطيط المسبق للعملية ومسارها.

في المقابل، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة على «إكس» أنه «في ضوء ورود مؤشرات استخبارية تم جمعها على مدار الأسابيع الأخيرة داهمت قوات إسرائيلية خلال ساعات الليلة الماضية مبنى في منطقة ​جبل روس​، واعتقلت عنصراً من الجماعة الإسلامية حيث تم نقله للتحقيق داخل إسرائيل».

رئيس الحكومة نواف سلام متأثراً بالدمار الهائل في بلدة كفركلا الجنوبية خلال زيارته للقرى الحدودية (أ.ف.ب)

وندد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالتوغل الإسرائيلي، وقال في بيان: «أدين بأشدّ العبارات قيام إسرائيل باختطاف المواطن اللبناني عطوي عطوي من منزله في الهبارية، إثر توغّل قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية؛ ما يشكل اعتداءً فاضحاً على سيادة لبنان، وخرقاً لإعلان وقف الأعمال العدائية وانتهاكاً للقانون الدولي».

وقال سلام: «كلّفتُ وزير الخارجية والمغتربين التحرّك الفوري ومتابعة هذه القضية مع الأمم المتحدة»، كما جدد المطالبة «بتحرير جميع الأسرى اللبنانيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية في أقرب وقت».

حدث غير معزول

لا تعدّ العملية الإسرائيلية في بلدة الهبارية حدثاً أمنياً معزولاً، بل تجب قراءتها «ضمن مسار تاريخي ممتد شكّل أحد أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية في تعاملها مع الساحة اللبنانية»، حسبما يقول الأستاذ الجامعي والباحث السياسي باسل صالح لـ«الشرق الأوسط».

وأوضح صالح الذي ينحدر من المنطقة، أنّ «عمليات الاستدراج والخطف ليست جديدة، فقد اعتمدتها إسرائيل منذ أواخر ستينات القرن الماضي، سواء في بيروت والمناطق الحدودية والبقاع؛ ما يؤكّد أنّها نمط ثابت لا يرتبط بظرف آني».

وأشار إلى أنّ «هذا السلوك لم يتوقّف فعلياً إلا خلال فترات محدودة، في حين عاد بقوّة في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة، من دون تسجيل أي تغيير جوهري في المقاربة الحربية الإسرائيلية».

رد على زيارة سلام؟

فيما يتعلّق بتوقيت العملية، رأى صالح أنّه «من دون الجزم بعلاقة سببية مباشرة، تمكن قراءة العملية، في أحد أبعادها، بوصفها ردّاً غير مباشر على المناخ السياسي الذي رافق زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، ولا سيما وعود الإنماء وإعادة الإعمار وتثبيت حضور الدولة، في حين أن قرار حصر السلاح بيد الدولة يشهد كل هذه التأويلات والتأويلات المضادة، وصولاً إلى إعلان الحزب مرات عدة، وعلى ألسنة مسؤوليه، أنه لن يقف مكتوف الأيدي بالضرورة في حال أي هجوم على إيران، بالإضافة إلى إعلانه، عدم نيته تسليم سلاحه كاملاً في جنوب وشمال الليطاني».

لبنانيون من بلدة يارين الجنوبية يستقبلون رئيس الحكومة نوّاف سلام على أنقاض منازلهم المُدمَّرة (أ.ب)

ولفت صالح إلى أنّ «إسرائيل تُبدي تاريخياً حساسية عالية تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج الاستقرار في الجنوب، وغالباً ما تتعامل مع هذه المسارات بوصفها تهديداً غير عسكري يستدعي رسائل أمنية ميدانية، فكيف إذا ترافق مع السلاح».

وفي المقابل، شدّد على أنّ «هذا التفسير لا يلغي الطابع البنيوي للعملية»، موضحاً أنّ «العمليات من هذا النوع تُخطَّط ضمن مسار أمني وعسكري طويل الأمد، وتندرج في إطار بنك أهداف مُسبق يُفعَّل وفق اعتبارات ميدانية واستخباراتية دقيقة».

وأضاف: «مرحلة ما بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، شهدت انتقالاً من المواجهة الواسعة إلى إدارة صراع منخفضة الوتيرة؛ ما سمح لإسرائيل بتحقيق أهداف أمنية متعددة من دون تحمّل تكلفة حرب شاملة، ما يجعل الذي يجري اليوم استكمالاً للحرب بأدوات مختلفة».

تحرّك الجيش اللبناني

كشف فوج الهندسة في الجيش اللبناني على منزل عطوي للتأكد من أن الجيش الإسرائيلي لم يترك خلفه وسائل تجسسية أو فخَّخ أي محتوى في داخله.

وأصدرت «الجماعة الإسلامية» بياناً حمّلت فيه إسرائيل المسؤولية الكاملة عن سلامة عطوي، عادَّةً ما جرى خرقاً للسيادة اللبنانية وامتداداً لسلسلة اعتداءات متواصلة، وطالبت الدولة اللبنانية بالتحرك العاجل والضغط عبر الجهات الراعية لوقف الأعمال العدائية للإفراج عنه.

كما استنكرت بلدية الهبارية العملية، وعدَّتها اعتداءً صارخاً على السيادة وحرمة المنازل، مؤكدة تمسّك الأهالي بأرضهم. بدوره، قال اتحاد بلديات العرقوب إن القوة الإسرائيلية انطلقت من رويسة العلم مروراً بالسدانة ونفذت دهماً استهدف منزل عطوي، عادَّاً أن العملية تمثل تصعيداً خطيراً، ودعا الدولة اللبنانية والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى التدخل العاجل.


الحكومة السورية تتسلم حقل «الرميلان» وتتعهد بأن نفط سوريا للجميع

وفد من وزارة الدفاع بقيادة رئيس هيئة العمليات العميد حمزة الحميدي في جولة ميدانية على مواقع عسكرية بمحافظة الحسكة رفقة ممثلي «قسد» (الدفاع السورية)
وفد من وزارة الدفاع بقيادة رئيس هيئة العمليات العميد حمزة الحميدي في جولة ميدانية على مواقع عسكرية بمحافظة الحسكة رفقة ممثلي «قسد» (الدفاع السورية)
TT

الحكومة السورية تتسلم حقل «الرميلان» وتتعهد بأن نفط سوريا للجميع

وفد من وزارة الدفاع بقيادة رئيس هيئة العمليات العميد حمزة الحميدي في جولة ميدانية على مواقع عسكرية بمحافظة الحسكة رفقة ممثلي «قسد» (الدفاع السورية)
وفد من وزارة الدفاع بقيادة رئيس هيئة العمليات العميد حمزة الحميدي في جولة ميدانية على مواقع عسكرية بمحافظة الحسكة رفقة ممثلي «قسد» (الدفاع السورية)

باشرت الحكومة السورية، الاثنين، إجراءات تسلم حقل «الرميلان» في الحسكة شمال شرقي سوريا، رسمياً، بعد تسلم مطار القامشلي، الأحد، وفق الخطة التنفيذية للاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.

وصرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، مساء الاحد، موضحاً سبب البطء في تنفيذ الاتفاق، بقوله: «فضّلنا الدخول الهادئ والمتوازن إلى الجزيرة السورية لتسلم المؤسسات السيادية».

وتعهدت الشركة السورية للبترول بأن يكون «نفط سوريا للجميع»، وبأن العاملين في حقل «الرميلان» في الحسكة شمال شرقي سوريا سيبقون في وظائفهم، وأن الحراسات ستكون من أبناء المنطقة، وذلك لدى تسلمها ثاني أكبر حقل للنفط في سوريا، وقيام وفد حكومي بجولة إلى حقل «الرميلان» تمهيداً للإجراءات اللاحقة، في إطار تنفيذ بنود اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026 المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.

وشرعت الحكومة السورية، الاثنين، في إجراءات تسلم حقل «الرميلان»، بعد جولة استكشافية تهدف إلى تقييم الوضع الحالي وإعادة التأهيل، قام بها وفد حكومي ضم العميد مروان العلي، مدير الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، وممثلين عن الشركة السورية للبترول، ترافقهم قوات الأمن الداخلي الكردية «الأسايش» وفرق فنية وهندسية من الشركة السورية للبترول (spc)، قاموا بالاطلاع على الواقع الفني وتقييم جاهزية الحقول تمهيداً للخطوات اللاحقة. وذلك بعد إنهاء الوفد الحكومي إجراءات تسلم مطار القامشلي، الأحد.

الوفد الحكومي في حقل «الرميلان» بشرق سوريا (مديرية إعلام الحسكة)

وأكدت الشركة السورية للبترول أن العاملين في حقل «الرميلان» سيبقون في وظائفهم، وستسعى لتحسين مستواهم المعيشي، كما أن الحراسات ستكون من أبناء المنطقة، وقال وليد اليوسف، نائب المدير التنفيذي للشركة السورية للبترول، في مؤتمر صحافي مشترك نُقل مباشرةً: «نفط سوريا للجميع، وسنواصل العمل متحدين، وسيبقى معنا كل العاملين في الشركة بحقول الحسكة».

أحد أفراد قوات الأمن الداخلي الكردية خلال زيارة وفد من الحكومة السورية لمطار القامشلي الدولي الأحد تمهيداً لإعادة افتتاحه (رويترز)

وأشار وليد اليوسف إلى أنه في أثناء التوجه إلى الحقل من دير الزور وجدوا «كل المعدات من مضخات سطحية ومنشآت، تعمل»، ولم تكن هناك «معدات معطوبة بسبب الحرب». متوجهاً بالشكر إلى الموجودين فيها، لمحافظتهم على المعدات والاستمرار في الإنتاج، وقال إن «هذا يدفعنا إلى العمل معاً للمحافظة على الإنتاج من أجل سوريا واحدة لكل السوريين».

كما أشاد بأبناء المنطقة قائلاً: «نحن لا ننكر ولا يمكن أن ننكر أو ننسى أن هذا المكان وهذه المنطقة عاشت معنا الثورة السورية، ونشهد لهم بوقوفهم مع الدولة السورية، وسنكمل المشوار، ونفط سوريا للكل». مؤكداً بذل الجهود من أجل تطوير الحقول النفطية من خلال كفاءات سورية و«الكفاءات الموجودة لدى الأصدقاء».

وكشف اليوسف عن توقيع عقد مع شركة «أديس» خلال أيام قليلة، والبدء بـ«إصلاح الآبار وتطوير المناطق خلال أسبوع». وأضاف أن سوريا ستشهد زيادة في الإنتاج على صعيد الغاز والنفط. مؤكداً الانفتاح على كل دول العالم، بما يخدم مصالح الشعب السوري.

من جانبه قال صفوان شيخ أحمد، مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول، إن «إنتاج حقول الحسكة سيسهم بشكل كبير في إمداد مصفاتي حمص وبانياس بالمواد الأولية، وهذا الإيراد سينعكس على خزينة الدولة بشكل عام، وستكون هناك مساواة بين جميع المحافظات».

إحدى آبار النفط في حقل «العمر» النفطي بريف محافظة دير الزور بسوريا (إ.ب.أ)

ويعد حقل «الرميلان» ثاني أكبر حقل نفطي في سوريا بعد حقل «العمر»، حيث يضم نحو 1322 بئراً نفطية، أغلبها متوقف بسبب الافتقار للصيانة والتطوير خلال السنوات الماضية، إضافةً إلى تضرر قسم منها جراء الأعمال العسكرية. كما يعد حقل «السويدية» للغاز واحداً من أكبر حقول الغاز، إذ يحتوي على نحو 25 بئراً.

يشار إلى الشركة السورية للبترول بدأت تسلمها حقول الجبسة في الحسكة في 24 من الشهر الماضي، بضخ الغاز الخام منها إلى معمل غاز الفرقلس بريف حمص بضغط 35 باراً، في خطوة لتعزيز الإنتاج وتأمين الغاز المخصص لتوليد الكهرباء. الأمر الذي انعكس إيجابياً، وتمت زيادة ساعات تزويد الكهرباء لغالبية المناطق.

لافتة إلى مطار القامشلي الدولي ويقف امامها عنصر من الأمن الداخلي في «قسد» (رويترز)

وكان ينتظر وفق الخطة التنفيذية للاتفاق تسليم مطار القامشلي وحقلي «الرميلان» و«السويدية» والمعابر الحدودية في الحسكة، الأسبوع الماضي. غير أن المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، قال: «فضّلنا الدخول الهادئ والمتوازن إلى الجزيرة السورية لتسلم المؤسسات السيادية»، لافتاً في تصريحات لقناة «الإخبارية السورية» الرسمية إلى أن «إعادة بناء مؤسسات الدولة في الجزيرة ستستهلك وقتاً وجهداً كبيراً».

وقال إن «مناطق الجزيرة من أغنى مناطق سوريا لكنها من أسوأ المناطق في البنية التحتية»، وأكد أن «الطرف الآخر (قسد) لمس جدّية الدولة وإيجابية نياتها خلال مسار تنفيذ الاتفاق». وأضاف أن «عودة المعابر لسلطة الدولة في الحسكة ستعود بالنفع على السوريين ودول الجوار».

Your Premium trial has ended


من هو المدان بقتل المرجع محمد باقر الصدر؟

سعدون صبري القيسي (وكالة الأنباء العراقية)
سعدون صبري القيسي (وكالة الأنباء العراقية)
TT

من هو المدان بقتل المرجع محمد باقر الصدر؟

سعدون صبري القيسي (وكالة الأنباء العراقية)
سعدون صبري القيسي (وكالة الأنباء العراقية)

أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي، الاثنين، عن تنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت بحق المدان سعدون صبري القيسي، المدان بـ«تنفيذ حكم الإعدام» بحق المرجع الديني محمد باقر الصدر عام 1980، الذي كانت أصدرته وقتذاك ضده سلطات حزب «البعث» في عهد الرئيس الراحل صدام حسين.

وألقى جهاز الأمن القبض على القيسي، الذي كان مدير جهاز أمني، مع 5 آخرين، في نهاية يناير (كانون الثاني) 2025، معلناً أن العملية «تمت وفقاً لمعلومات استخبارية تم الحصول عليها بالتنسيق مع الجهات الأمنية الأخرى، وأيضاً تمت في محافظة أربيل من خلال التنسيق مع القضاء وحكومة الإقليم».

وقال الناطق باسم الجهاز، أرشد الحاكم، لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إنه «استناداً إلى جهد جهاز الأمن الوطني في التحقيق والمتابعة الاستخبارية، تقرر تنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت بحق المدان المجرم، سعدون صبري القيسي، وذلك بعد استكمال جميع الإجراءات القضائية الأصولية الخاصة بالقضية».

وأشار إلى أن «المدان أدين بارتكاب جرائم (ضد) إنسانية جسيمة، من بينها التورط في جريمة قتل السيد الشهيد محمد باقر الصدر، إضافة إلى عدد من علماء بيت الحكيم ومواطنين أبرياء».

من هو القيسي؟

والقيسي ضابط أمن عراقي سابق برتبة لواء في عهد نظام الرئيس الراحل صدام حسين، وشغل مناصب أمنية مهمة في ذلك العهد؛ منها مدير جهاز أمن الدولة، ومدير الأمن في محافظتَي البصرة والنجف.

واعترف بمعظم الاتهامات والجرائم التي نفذها بعد إلقاء القبض عليه، وقد أظهرت السلطات تلك الاعترافات خلال مقابلة مطولة عبر التلفزيون الرسمي.

وكان من بين تلك الاعترافات، اعترافه بتنفيذ «الإعدام» بسلاحه الشخصي بحق باقر الصدر، عمِّ المرجع الحالي مقتدى الصدر، وشقيقته؛ بنت الهدى، في منطقة جنوب بغداد، بالإضافة إلى مسؤوليته عن إعدامات جماعية لمعارضين لنظام صدام حسين وتصفيات في عائلة «آل الحكيم».

وتشير المعلومات إلى أن القيسي تمكن من الفرار إلى سوريا بعد عام 2003 باسم مستعار هو «حاج صالح»، قبل أن يعود إلى العراق ويستقر في محافظة أربيل بإقليم كردستان عام 2023، حيث قبض عليه جهاز الأمن الوطني العراقي بالتنسيق مع سلطات الإقليم.