العراق يدخل مرحلة الفراغ الدستوري حكومياً

بعد فشل «الإطار الشيعي» في الاتفاق على اسم رئيس وزراء

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يدخل مرحلة الفراغ الدستوري حكومياً

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

دخل العراق، الاثنين، في فراغ دستوري على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونصف شهر تقريباً على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» الشيعي من 12 شخصية متفاوتة في ثقلها السياسي والانتخابي، ما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الرئيس الحالي محمد شياع السوداني، رغم تعدد المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم 40 مرشحاً قدّموا سيرهم الذاتية إلى لجنة خاصة شكّلها «الإطار التنسيقي».

من أحد اجتماعات تحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

وتحولت أسماء المرشحين التسعة المتبقين، من أصل الأربعين، إلى ما يُشبه «البورصة»؛ إذ ترتفع حظوظ بعضهم ثم تتراجع ليصعد غيرهم، من دون أن تسفر هذه الحركة عن نتيجة تُذكر منذ الإعلان عن انتخاب الرئيس الجديد آميدي في 11-4-2026، حيث فاز في الجولة الثانية على منافسه وزير الخارجية فؤاد حسين، مرشح الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني.

وبينما كانت قوى «الإطار التنسيقي» تربط اختيار مرشحها للمنصب بقيام الحزبين الكرديين الرئيسيين «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني» باختيار مرشحهما لمنصب رئيس الجمهورية، فإن الأكراد، بعد التغريدة الشهيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب التي رفض فيها ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، اشترطوا على القوى الشيعية حسم مرشحها أولاً قبل أن يتفقوا هم على مرشحهم لرئاسة الجمهورية، تجنباً للدخول في مواجهة مع «فيتو» الرئيس الأميركي؛ إذ إن رئيس الجمهورية مُلزَم، بموجب الدستور، بتكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً بتولي منصب رئيس الوزراء.

باسم البدري أحد المرشحين لمنصب رئيس الوزراء العراقي (فيسبوك)

واضطر الأكراد إلى خوض المنافسة على منصب رئيس الجمهورية بأكثر من مرشح، بعد فشل الحزبين الرئيسيين في الاتفاق على اسم واحد. وقد أدى فوز مرشح «الاتحاد الوطني»، آميدي، إلى تدهور العلاقة بين الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني والقوى الشيعية الرئيسية، بعد أن كان حليفاً تقليدياً لها منذ فترة المعارضة لنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

وواجه الفريق الشيعي مشكلتين في آنٍ واحد بعد انتخاب رئيس الجمهورية؛ الأولى تتعلق بالمهلة الدستورية البالغة 15 يوماً، والثانية بعدم التوافق الكامل على مرشح، في ظل تغريدة ترمب الرافضة لترشيح المالكي، رغم أن رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني كان المتصدر في الانتخابات البرلمانية. وأمام هذه العقدة، واصلت قوى «الإطار التنسيقي» تداول 9 أسماء للمنصب، يتقدّمهم رئيسا الوزراء السابقان نوري المالكي وحيدر العبادي، إلى جانب رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، وباسم البدري رئيس «هيئة المساءلة والعدالة»، ومدير جهاز المخابرات حميد الشطري، وقاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي، ومحمد صاحب الدراجي وزير الصناعة الأسبق، وعلي الشكري وزير التخطيط الأسبق.

العقدة في المادة «76»

ومع أنه لم يعد هناك ضوء في آخر نفق الخلافات الشيعية - الشيعية، فإن دخول البلاد في فراغ دستوري أوقع قوى «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما تحاول بعض قواه تبريره من خلال القول إن الفراغ الدستوري لا تترتب عليه شروط جزائية، الأمر الذي يجعله مطاطاً وقابلاً لمزيد من المرونة والمناورة السياسية معاً.

جلسة للبرلمان العراقي (واع)

ويقول الخبير القانوني علي التميمي لـ«الشرق الأوسط»، رداً على سؤال، إن «المادة (76) من الدستور رسمت مساراً زمنياً واضحاً لضمان عدم بقاء السلطة التنفيذية في حالة فراغ؛ إذ أوجبت الفقرة الأولى منها على رئيس الجمهورية تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً من تاريخ انتخابه. غير أن التطبيق العملي لهذا النص أثار تساؤلين جوهريين: أولاً، كيف تُحتسب مدة الـ15 يوماً إذا تخللتها عطل رسمية؟ وثانياً، ما المسار الدستوري إذا انقضت المدة من دون أن تقدّم الكتلة الأكثر عدداً مرشحها؟».

وفيما يتعلق بالعطل الرسمية، يقول التميمي إن «المحكمة الاتحادية حسمت هذا الجدل بموجب قرارها المرقم (76/اتحادية/2009)؛ حيث أرست مبدأً دستورياً مفاده أن العطل الرسمية لا تدخل ضمن حساب مدة الخمسة عشر يوماً، استثناءً من الأصل».

أما بشأن الفراغ الدستوري في حال عدم تقديم مرشح، فيرى التميمي أن «المادة (76) لم تُبين الإجراء الواجب اتباعه إذا تقاعست الكتلة النيابية الأكثر عدداً عن تقديم مرشحها ضمن المدة المحددة». ويُوضح أن «المسؤولية في هذه الحالة تنتقل إلى رئيس الجمهورية، بوصفه حامي الدستور والساهر على ضمان الالتزام به وفق المادة (67)، إذ تخوّله الصلاحيات الدستورية الممنوحة له اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا لطلب تفسير نص المادة (76)، استناداً إلى المادة (7) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2025، التي منحتْه حق طلب التفسير».

ويرى التميمي أن «أهمية هذه الخطوة تكمن في أن المادة (94) من الدستور أضفت على قرارات المحكمة الاتحادية العليا صفة البتات والإلزام للسلطات كافة، وهو ما يعني أن أي تفسير للمحكمة سيكون بمثابة القول الفصل الملزم الذي يرسم خريطة الطريق الدستورية للخروج من حالة الانسداد، ويمنع الاجتهادات السياسية التي قد تُدخل البلاد في فراغ دستوري».


مقالات ذات صلة

«سرقة القرن» العراقية تعود إلى الواجهة برصيد 5 مليارات دولار

المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي السابق محمد السوداني لدى إعلانه استرداد أموال من «سرقة القرن» (أ.ف.ب)

«سرقة القرن» العراقية تعود إلى الواجهة برصيد 5 مليارات دولار

عادت قضية سرقة الأموال الضريبية في العراق، أو ما تعرف بـ«سرقة القرن»، إلى الواجهة، برصيد جديد بلغ نحو 5 مليارات دولار...

المشرق العربي المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي (واع)

العراق يؤكد «عدم التساهل» مع الإساءة لعلاقته بالسعودية

جددت بغداد استنكارها للاعتداءات التي طالت أراضي المملكة العربية السعودية، وشددت على اتخاذها الإجراءات اللازمة لإحباط أي محاولة لكسر السيادة.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مبنى وزارة الخارجية (موقع الوزارة)

الخارجية العراقية تأسف لاستهدافات طالت منشآت سعودية

أعربت وزارة الخارجية العراقية، الاثنين، عن قلقها البالغ إزاء تعرض منشآت في المملكة العربية السعودية إلى استهداف بثلاث طائرات مسيرة.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي مقتدى الصدر (إعلام التيار الصدري)

الصدر يدعم الزيدي باتصال هاتفي... ويشيد بهمته وعزمه

تلقى رئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي، الأحد، اتصالاً هاتفياً من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، في خطوة وُصفت بالمفاجئة والداعمة للزيدي.

فاضل النشمي (بغداد)
العالم العربي رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي خلال مراسم تسلُّم السلطة في بغداد (أ.ف.ب)

رئيس الوزراء العراقي الجديد يتسلَّم مهامه... ويتعهد بتعزيز علاقات بلاده العربية والدولية

تسلَّم رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، اليوم (السبت)، مهامه رسمياً في القصر الحكومي ببغداد.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

سموتريتش يعلن حرباً ضد السلطة الفلسطينية... ويوقّع أمراً لإخلاء «الخان الأحمر»

صورة التقطت يوم الثلاثاء لمساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة التقطت يوم الثلاثاء لمساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
TT

سموتريتش يعلن حرباً ضد السلطة الفلسطينية... ويوقّع أمراً لإخلاء «الخان الأحمر»

صورة التقطت يوم الثلاثاء لمساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة التقطت يوم الثلاثاء لمساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وقّع وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع الإسرائيلية، بتسلئيل سموتريتش، الثلاثاء، على أمر إخلاء تجمع «الخان الأحمر» الفلسطيني، وسط الضفة الغربية، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية.

واتهم الوزير المتطرف، في مؤتمر صحافي عقده الثلاثاء، السلطة الفلسطينية بأنها تقف خلف ما وصفه بـ«أمر اعتقال سري ضده» أصدرته «المحكمة الجنائية الدولية»، رغم نفي الأخيرة، قبل يومين، تقاريرَ عبرية بشأن مذكرات اعتقال مسؤوليين إسرائيليين.

وقال: «الأيدي هي أيدي لاهاي (في إشارة إلى المدينة الهولندية التي يقع فيها مقر «الجنائية الدولية»)، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية»، مضيفاً تعبيرات بالغة السوء بحق السلطة، واتفاقية أوسلو.

مبنى «المحكمة الجنائية الدولية» وشعارها على لافتة في لاهاي (أ.ف.ب)

وزعم سموتريتش أن «الجنائية الدولية مُعادية للسامية»، وقال إن إسرائيل «لن تقبل أي محاولات فاشلة لفرض سياسات انتحار أمنية ضدها».

وتحدّث سموتريتش، الذي تقول استطلاعات الرأي إنه لن يتجاوز نسبة الحسم اللازمة لعضوية الكنيست في الانتخابات المقبلة، أنه «عمل، خلال فترة ولايته، بصمت ودون جلبة وقاد (ثورة)» في الضفة الغربية التي سماها «يهودا والسامرة»؛ في إشارة للتسمية الإسرائيلية لها.

وهاجم سموتريتش المحكمة وبعض الدول الأوروبية «المنافقة»، لكنه صبّ جام غضبه على السلطة الفلسطينية. وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده، هو «إعلان حرب».

وأردف قائلاً: «السلطة بدأت حرباً وستحصل على حرب. سنردُّ بالمثل. أنا لستُ يهودياً خاضعاً. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضِمن صلاحياتي كوزير للمالية وكوزير في وزارة الدفاع، ويمكن الإضرار به، ستجري مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

إخلاء الخان الأحمر

ووقَّع سموتريتش أمر إخلاء لمنطقة «الخان الأحمر» في الضفة الغربية، بموجب صلاحياته كوزير في وزارة الدفاع إلى جانب حقيبة المالية. وطلب، في قراره، «اتخاذ كل الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لكن صحيفة «يديعوت أحرونوت» قالت إن القرار النهائي يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس، والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من مجلس الوزراء «الكابينت» نظراً لتداعياته.

والخان الأحمر عبارة عن تجمع بدوي يقع في قلب الأراضي الفلسطينية، وفي منطقة حساسة ضمن مشروع «إي-1» الاستيطاني الضخم، الذي يقوم على ربط مخيف وجائر لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مُشكِّلة «حزاماً خانقاً» حول العاصمة المرجوّة للفلسطينيين، وتشطر الدولة المنتظَرة إلى نصفين.

وتسعى إسرائيل لهدم منازل منطقة «الخان الأحمر» منذ 2009، لكنها واجهت، في كل مرة اقتربت فيها من الأمر، عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحوَّل الخان إلى رمز عالمي، ولم تقم حتى الآن بهدمه.

وقضية الخان الأحمر عالقة في المحاكم منذ سنوات، وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه، على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني. وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء «الخان الأحمر، الذي تحوَّل إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي». وأضافت: «تُظهر ردود الدولة عبر السنوات تبادلاً للمسؤولية وعدم رغبة في حل القضية».

جزء من تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

وإضافة إلى البيوت البدائية جداً، يوجد هناك مسجد ومدرسة شُيّدا عام 2009، ويدرس في المدرسة أكثر من 150 طالباً، نِصفهم من تجمعات مجاورة. ويعيش في التجمع الذي يقع قرب مستوطنتيْ «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم» الإسرائيليتين القريبتين من القدس، أكثر من 200 من الفلسطينيين البدو من عرب الجهالين.

وصعّد سموتريتش ضد السلطة وأمر بهدم الخان، متذرعاً بأنه علم بقرار المحكمة ضده، بعد يومين من نفي المحكمة الجنائية الدولية الأمر. وقالت المتحدثة ‌باسم ‌المحكمة ​الجنائية ‌الدولية، أوريان ‌ماييه، في بيان، للصحافيين نقلته وكالة «رويترز» للأنباء: «تنفي المحكمة إصدار مذكرات توقيف جديدة في ظل الوضع الراهن في دولة فلسطين».

وسبق أن أصدرت المحكمة، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حكمها بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات مرتبطة بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب».


حاجز إسرائيلي يعتقل ثلاثة لبنانيين في جنوب البلاد

جنود إسرائيليون قرب الحدود مع لبنان بعد تلقيهم تحذيراً من طائرة مسيرة أطلقها «حزب الله» (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون قرب الحدود مع لبنان بعد تلقيهم تحذيراً من طائرة مسيرة أطلقها «حزب الله» (إ.ب.أ)
TT

حاجز إسرائيلي يعتقل ثلاثة لبنانيين في جنوب البلاد

جنود إسرائيليون قرب الحدود مع لبنان بعد تلقيهم تحذيراً من طائرة مسيرة أطلقها «حزب الله» (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون قرب الحدود مع لبنان بعد تلقيهم تحذيراً من طائرة مسيرة أطلقها «حزب الله» (إ.ب.أ)

اعتقلت القوات الإسرائيلية ثلاثة لبنانيين في بلدة الماري، بجنوب لبنان، وذلك بعد إقامة حاجز عسكري في البلدة التي لا يزال يسكنها مواطنون، في واقعة نادرة يشهدها الجنوب منذ توسّعه داخل البلدات والقرى الحدودية، وسط تصعيد متواصل في المناطق الواقعة خارج الخط الأصفر، بالغارات والاستهدافات والقذائف المدفعية.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية بأن «قوات العدو الإسرائيلي أقامت حاجزاً عند مفترق الماري - حلتا، بالقرب من المحال التي تعرّضت للقصف سابقاً، حيث عمدت إلى توقيف عدد من المواطنين والمارّة في المكان». وأشارت إلى أن القوات الإسرائيلية «أقدمت على اعتقال ثلاثة لبنانيين، كما صادرت هواتف عدد من الأشخاص الذين كانوا في محيط الحاجز».

جنديان إسرائيليان يحاولان الاحتماء من طائرة مسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

وتقع الماري على السفح الغربي لجبل الشيخ، ولم تتوغل القوات الإسرائيلية إلى داخلها، بل وسعت نفوذها على أطرافها، وصولاً إلى بلدة الخيام. وبقي سكان البلدة، التي تسكنها أغلبية درزية، في داخلها، ويتنقلون بين حقولهم ومنازلهم. أما بلدة حلتا، الواقعة على مقربة من الماري، فتسكنها أغلبية سنية، ولم تدخلها القوات الإسرائيلية مثلما دخلت إلى بلدتي الخيام وكفركلا المحاذيتين.

ويعد هذا الحاجز العسكري بهدف الاعتقال الأمني، نادراً في المنطقة، كون السلطات اللبنانية لم ترصد حواجز عسكرية أقامتها القوات الإسرائيلية في المنطقة، وغالباً ما كانت تتوغل إلى شبعا وكفرشوبا لاعتقال لبنانيين لا يزالون يقيمون في منازلهم.

تصعيد متواصل

تزامن هذا الاعتقال مع تصعيد عسكري في جنوب لبنان، حيث أنذر الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، سكان 12 قرية وبلدة بالإخلاء الفوري قبل توجيه ضربات، رغم تمديد وقف إطلاق النار. وقال الجيش، في بيان، إن الإخلاء يأتي «في ضوء قيام (حزب الله) الإرهابي بخرق اتفاق وقف إطلاق النار»، مضيفاً: «يضطر الجيش إلى العمل ضده بقوة... عليكم إخلاء منازلكم فوراً».

دمار هائل ناتج عن غارات جوية إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بسلسلة غارات واسعة النطاق على عدّة قرى في جنوب البلاد منذ صباح الثلاثاء. من جهته، أعلن «حزب الله»، في بيان، أنه استهدف تجمعاً لجنود وآليات في شمال إسرائيل «بسرب من الطائرات المسيّرة الهجومية». كما أعلن مسؤوليته عن هجمات جديدة ضد القوات الإسرائيلية التي تعمل داخل القرى التي تحتلها في الأراضي اللبنانية. وفي بيان منفصل، أكد الجيش الإسرائيلي اعتراض طائرة مسيّرة عبرت من لبنان.


«سرقة القرن» العراقية تعود إلى الواجهة برصيد 5 مليارات دولار

رئيس الوزراء العراقي السابق محمد السوداني لدى إعلانه استرداد أموال من «سرقة القرن» (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي السابق محمد السوداني لدى إعلانه استرداد أموال من «سرقة القرن» (أ.ف.ب)
TT

«سرقة القرن» العراقية تعود إلى الواجهة برصيد 5 مليارات دولار

رئيس الوزراء العراقي السابق محمد السوداني لدى إعلانه استرداد أموال من «سرقة القرن» (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي السابق محمد السوداني لدى إعلانه استرداد أموال من «سرقة القرن» (أ.ف.ب)

عادت قضية سرقة الأموال الضريبية في العراق، أو ما تعرف بـ«سرقة القرن»، إلى الواجهة، برصيد جديد بلغ 8 تريليونات دينار (نحو 5 مليارات دولار)، بعد أن كان مبلغ السرقة المعلن 3.7 تريليون دينار (نحو 2.5 مليار دولار) حين تفجرت القضية أول مرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وجاءت المعطيات الجديدة على لسان عضو في «لجنة النزاهة» النيابية، الثلاثاء، تحدث أيضاً عن «تورط نحو 30 شخصية جديدة» فيها.

ومنح البرلمان، الأسبوع الماضي، الثقة لحكومة جديدة برئاسة علي الزيدي، وهو رجل أعمال من دون خلفية سياسية، الذي تعهد في برنامجه الحكومي بتقوية الاقتصاد ومكافحة الفساد، وهو التزام كررته الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003.

ونُسبت السرقة قبل نحو 4 سنوات إلى 5 شركات وهمية، تواطأت مع مجموعة كبيرة من المسؤولين والموظفين في «هيئة الضرائب» و«مصرف الرافدين»، ومع مسؤولين كبار في الدولة ومجلس النواب، إلى جانب مقاولين وسماسرة.

ما الجديد؟

قال عضو «لجنة النزاهة»، طالب البيضاني، الثلاثاء، في تصريحات للصحيفة الرسمية، إن «(لجنة النزاهة) النيابية عازمة على استرداد أموال العراق ومتابعة هذا الملف بشكل مستمر بالتعاون مع (هيئة النزاهة الاتحادية)».

وفي 18 أكتوبر 2022، قال رئيس الحكومة الأسبق، مصطفى الكاظمي، إن تحقيقاً يجري في قضية سرقة الأمانات الضريبية، متهماً «جهات باستخدام القضية للتغطية على الفاسدين»، على حد تعبيره.

وبعد نحو شهرين، أعلن رئيس الوزراء السابق، محمد شياع السوداني، استرداد أكثر من 300 مليار دينار، وهو مبلغ في نظر مراقبين «زهيد جداً» قياساً بحجم السرقة، ووعد حينها باسترداد بقية المبالغ، لكن حكومته أخفقت بعد ذلك في هذا المسعى.

وأضاف عضو «لجنة النزاهة» النيابية، الذي ينتمي إلى «حركة عصائب أهل الحق»، أن «هناك أموالاً تم استردادها بالفعل، في حين لا تزال هناك أموال أخرى خارج البلاد تتطلب تحركاً لاستعادتها؛ مما يستدعي دعماً وتعاوناً بين (لجنة النزاهة) ورئيس الوزراء (علي الزيدي) الذي أكد بدوره أهمية هذا الموضوع بوصفه من الملفات الأساسية».

وشدد البيضاني على «ضرورة استرداد الأموال المسروقة؛ لأنها أُخذت بطرق غير شرعية»، واصفاً ذلك بـ«الانطلاق الفعلي لجهود استعادة حقوق البلد ومحاسبة جميع المتورطين في سرقة الأموال أو الصفقات المشبوهة».

نور زهير المتهم الرئيسي في القضية المعروفة بـ«سرقة القرن» (متداولة - فيسبوك)

وأشار البيضاني إلى أن «قضية (سرقة القرن) كانت تقدر في وقتها بنحو تريليونين ونصف التريليون دينار، إلا إن التحقيقات التي أجرتها (هيئة النزاهة) كشفت عن وجود اختلاسات أكبر، لترتفع القيمة إلى نحو 8 تريليونات دينار، كما وصل عدد الشخصيات المرتبطة بالقضية إلى 30 شخصية»، دون أن يوضح كيف ومتى أُجريت تلك التحقيقات.

وألقت السلطات العراقية في نهاية أكتوبر 2022 القبض على المتهم الرئيسي في القضية، نور زهير، الذي يرأس مجلس إدارة إحدى الشركات المتورطة، ثم أُطلق سراحه لاحقاً «بكفالة»، بعد إعلان رئيس الوزراء السابق، محمد شياع السوداني، استعادة 5 في المائة من المبلغ، مقابل تعهد نور زهير بتسليم كامل المبالغ المسروقة خلال أيام، لكنه نجح في الهروب خارج البلاد بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه، واختفى أثره منذ ذلك الحين.

ومنذ سنوات، يواصل القضاء العراقي إصدار أحكام بالسجن ضد المتورطين في سرقة الأموال الضريبية، من دون أن يترافق ذلك مع استرداد المبالغ المسروقة أو إلقاء القبض على المتهمين الرئيسيين؛ الأمر الذي يزيد من الانتقادات والاتهامات الشعبية للحكومة وسلطاتها، وسط اتهامات باستخدام القضية للابتزاز السياسي، للتغطية على قوى سياسية متنفذة ضالعة في القضية «خلف الكواليس» على حد تعبير مراقبين.

إلى ذلك، طالب عضو «لجنة النزاهة» وزارة الخارجية بـ«استرداد العقارات التابعة للنظام المباد، من خلال التنسيق مع الدول التي تربطها بالعراق معاهدات دولية»، مشيراً إلى أن «بعض هذه العقارات بيع إلى أشخاص؛ مما يستوجب استردادها تدريجياً ووفق الأطر القانونية الدولية».

وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بدأت حكومات غربية تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بتجميد الأصول العراقية المرتبطة بالنظام السابق وعائلة صدام.

وشملت الإجراءات حسابات مصرفية وعقارات واستثمارات في دول أوروبية عدة، أبرزها فرنسا وسويسرا، وذلك استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم «1483» الذي دعا إلى تجميد ونقل أموال النظام السابق إلى «صندوق تنمية العراق».