رسائل مربكة من الصين... بين ثقة في الانتعاش وإلغاء مؤتمر رئيس الوزراء

أزمات الاقتصاد المعقدة تثير قلق المستثمرين وشكوك حول مستوى النمو

مبنى البرلمان الصيني في العاصمة بكين يتأهب لاستقبال المؤتمر السنوي برئاسة شي جينبينغ (أ.ب)
مبنى البرلمان الصيني في العاصمة بكين يتأهب لاستقبال المؤتمر السنوي برئاسة شي جينبينغ (أ.ب)
TT

رسائل مربكة من الصين... بين ثقة في الانتعاش وإلغاء مؤتمر رئيس الوزراء

مبنى البرلمان الصيني في العاصمة بكين يتأهب لاستقبال المؤتمر السنوي برئاسة شي جينبينغ (أ.ب)
مبنى البرلمان الصيني في العاصمة بكين يتأهب لاستقبال المؤتمر السنوي برئاسة شي جينبينغ (أ.ب)

بدت الرسائل الواردة من الصين يوم الاثنين مربكة للمستثمرين والاقتصاد العالمي بشكل عام، وبينما أكد مسؤول رسمي أن لدى القيادة الصينية «ثقة كبيرة» في أن اقتصاد البلاد سينتعش، أدى قرار مفاجئ بإلغاء مؤتمر صحافي سنوي تقليدي لرئيس الوزراء إلى حالة من القلق لدى المستثمرين.

وقالت وكالة «بلومبرغ» إن قرار إلغاء البيان الصحافي السنوي الذي يلقيه رئيس الوزراء لي تشانغ خلال الاجتماعات السنوية لمؤتمر الشعب الوطني (البرلمان) الصيني، قد تكون له تأثيرات سلبية بالنسبة للمستثمرين الذين يتطلعون إلى المزيد من التفاصيل بشأن الخطط المستقبلية للحكومة الصينية لإنعاش الاقتصاد المتباطئ.

وأشارت «بلومبرغ» إلى استقرار العرف منذ 1993 على إلقاء رئيس الوزراء الصيني بياناً لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية خلال اجتماعات مؤتمر الشعب، حيث يتم الكشف عن مستهدفات النمو الاقتصادي ورسم المبادرات الخاصة بالسنة المقبلة.

وجاء هذا القرار في أعقاب قرار حظر عمليات البيع الصافي للأسهم خلال أول 30 دقيقة وآخر 30 دقيقة من تعاملات كل يوم في البورصات الصينية، ومع استمرار تراجع الأسهم الصينية رغم الإجراءات الحكومية الرامية إلى دعمها. ويعدُّ قرار إلغاء المؤتمر الصحافي لرئيس الوزراء مشكلة جديدة ستؤثر على أداء الأسهم.

لكن على الجانب الآخر، أكد لو تشينجيان، المتحدث باسم البرلمان الصيني في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن لدى القيادة الصينية «ثقة كبيرة» في أن اقتصاد البلاد سينتعش، متابعاً أن «الاتجاه الأساسي للانتعاش في الاقتصاد والنمو على المدى الطويل لم يتغير... ولدينا ثقة كبيرة في ذلك».

أزمات كبرى على الطاولة

ومن الواضح أن جهود الصين لبناء الثقة في اقتصادها المتباطئ ستتصدر جدول أعمال الهيئة التشريعية الوطنية، التي تنعقد يوم الثلاثاء في بكين. لكن ما لا يزال غير واضح هو كيف يمكن للحزب الشيوعي الحاكم أن يتجه نحو نمو أقوى ومستدام مع شيخوخة القوى العاملة في الصين، والعلاقات المشحونة مع واشنطن، ووسط أزمة عقارية هي أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد.

ولم تتحقق الآمال في حدوث انتعاش قوي يقوده المستهلك بعد انتهاء الضوابط الصارمة لمكافحة الفيروسات في أواخر عام 2022. والحكومات المحلية غارقة في ديون بتريليونات الدولارات، كما انخفض الاستثمار المباشر للشركات الأجنبية في الصين بنحو 80 في المائة العام الماضي.

وبينما يجتمع أكثر من خمسة آلاف عضو بالبرلمان من مختلف أنحاء الصين في بكين لحضور أكبر الأحداث السياسية هذا العام، فإن المزاج السائد في الشوارع والأسواق المالية يظل كئيباً.

وكتبت صحيفة الشعب اليومية التابعة للحزب في تعليق لها يوم السبت «نحن واثقون من تعزيز الاتجاه المتعافي والمتنامي للاقتصاد»، وأضافت: «نحن قادرون تماماً على تحويل الضغط إلى قوة دافعة، ومراكمة المزايا وتحويلها إلى اتجاهات إيجابية، وتوجيه تقدم سفينة الاقتصاد العظيمة بينما نتحدى الرياح والأمواج».

ومن المتوقع أن تعلن الصين عن هدف رسمي للنمو الاقتصادي يوم الثلاثاء، وتشير وسائل الإعلام الحكومية إلى أن النمو سيكون بنحو 5 في المائة، مما يتماشى مع نمو العام الماضي البالغ 5.2 في المائة. لكن العديد من الاقتصاديين يتوقعون نمواً أبطأ بكثير بنسبة 4 في المائة أو أقل. وفي عام 2022، انخفض النمو إلى 3 في المائة فقط، وهو ثاني أدنى مستوى منذ السبعينات.

وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) أن تقرير العمل السنوي الذي سيقدمه رئيس الوزراء لي تشيانغ سيتضمن خططاً «لتعزيز التنمية عالية الجودة ودفع التحديث الصيني».

وقال لوغان رايت من مجموعة روديوم، وهي شركة أبحاث مستقلة، إن الكثيرين في الصين يأملون أن يعني ذلك المزيد من الإنفاق الحكومي، متابعاً: «سيراقب الجميع ما إذا كانت هناك حوافز مالية كبيرة معروضة... لكن الإنفاق وحده لن يكون كافياً. لقد حان الوقت لحل المشكلات قصيرة المدى ومنعها من أن تصبح مشكلات طويلة المدى. إذن ما الخطة؟».

سوق متعثرة

وجاء التراجع في سوق العقارات في أعقاب حملة على الاقتراض الزائد من قبل مطوري العقارات. ومنذ ذلك الحين، تخلف العشرات عن سداد ديونهم. إذ تواجه أكبر شركة عقارية وهي «كانتري غاردن» إجراءات التصفية، إضافة إلى «تشاينا إيفرغراند»، التي تجري تصفيتها بدين يزيد على 300 مليار دولار.

ويؤثر انخفاض عائدات الضرائب من مبيعات العقارات أيضاً على النظام المالي. ولتشجيع المزيد من الإقراض العقاري، خفض البنك المركزي سعر الفائدة على القروض الرئيسية لمدة خمس سنوات. كما خففت العديد من المدن الضوابط على الصفقات العقارية التي فرضت في وقت سابق لتهدئة فقاعات الأسعار، وحصل نحو 6 آلاف مشروع عقاري على الضوء الأخضر للإقراض.

وقال رايت: «لقد كانت سوق العقارات مصدراً مهماً للنمو في الصين، وقد اتجهت الآن إلى الاتجاه المعاكس»، على الرغم من أنه أشار إلى وجود علامات على استقرار السوق. وأضاف أنه «إذا نظرت إلى كيفية استجابة الصين لذلك، فهذا يدل على تباطؤ أكثر حدة، مما تشير إليه البيانات الرسمية».

وتفاقمت المشكلات مع الصدمات الناجمة عن الوباء، عندما أدت ضوابط مكافحة الفيروسات إلى إغلاق بعض المدن لمدة أسابيع، وانتهى الأمر بالمصانع بتراكم كميات كبيرة من العمل. والآن، بدلاً من ارتفاع الأسعار إلى عنان السماء، تحاول الصين درء دورة الانكماش المنهكة المحتملة، أو انخفاض الأسعار بشكل مزمن.

وانخفضت الصادرات، وهي محرك رئيسي آخر للنمو، في عام 2023 للمرة الأولى منذ سبع سنوات، حتى مع استمرار الاقتصاد الأميركي في تحدي التوقعات بأنه سيقع في الركود.

وعلى الرغم من المؤشرات الرسمية التي تشير إلى أن حملات مكافحة الاحتكار وأمن البيانات التي استمرت لسنوات في الصين ضد شركات التكنولوجيا قد انتهت، فإن رجال الأعمال يشعرون بالقلق. تشكو العديد من الشركات الصغيرة من عدم قدرتها على تحصيل الفواتير المستحقة لها، مما أدى إلى ارتفاع حالات الإفلاس.

وفي الوقت نفسه، بدأت الشركات العالمية في تحويل استثماراتها لدول مثل الهند وفيتنام لتقليل المخاطر الناجمة عن توتر العلاقات الصينية الأميركية، إضافة إلى التوترات السياسية والضوابط المحلية الأكثر صرامة، والتي وصلت في بعض الحالات إلى مداهمة المكاتب الصينية للشركات الأجنبية.

وقال جيمس زيمرمان، المحامي والرئيس السابق لغرفة التجارة الأميركية في بكين: «النظام ليس بهذه الشفافية والافتقار إلى الشفافية يخلق الكثير من عدم اليقين». متابعاً أن محادثات شي مع الرئيس جو بايدن وقادة الأعمال الأميركيين في سان فرانسيسكو في سبتمبر (أيلول) الماضي نقلت رسالة مفادها أن «الصين منفتحة على الأعمال التجارية، ولكن لم يكن هناك أي تطرق إلى تفاصيل حول الإصلاح ونوع التغييرات التي ستحدث».

مشكلة ديموغرافية

وتقلصت القوة العاملة في الصين لأكثر من عقد من الزمان، مما فرض ضغوطاً على الاقتصاد الذي لا يزال يعتمد على الصناعات كثيفة العمالة. ومع انخفاض أسعار المساكن وتراجع أسعار الأسهم، فإن حتى عائلات الطبقة المتوسطة تفضل التحوط بدلاً من الإنفاق.

وتثير التحركات الصينية مخاوف خارجية، حيث تعمل البنوك الصينية على زيادة الإقراض لمصنعي السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والعديد من المنتجات الصناعية الأخرى. وتحتل هذه القضية بالفعل مكانة بارزة في المحادثات بين بكين وواشنطن.

وقال لويس كويغس، كبير الاقتصاديين في منطقة آسيا والمحيط الهادي في «ستاندرد أند بورز غلوبال»: «أعتقد أنه يجب أن يكون هناك مزيج من التدابير القصيرة والطويلة الأجل... أعتقد أن أي شيء يمكن القيام به لضخ الزخم في الاقتصاد سيكون مفيداً».

مكافحة التجسس؟

ومن جهة أخرى، قال لو تشينجيان، المتحدث باسم البرلمان الصيني للصحافيين يوم الاثنين، إن الصين تعارض أي محاولة لتشويه سمعة بيئة الأعمال أو مهاجمتها من خلال إساءة قراءة قانون مكافحة التجسس في البلاد. وأكد أن القانون المعدل لم يوسع نطاق أنشطة التجسس، ولكنه حسّن تعريف الأنشطة ورسم خطاً واضحاً بين الأنشطة القانونية وغير القانونية.

وفي العام الماضي، أقر المشرعون تحديثاً واسع النطاق لتشريع الصين لمكافحة التجسس، والذي يحظر نقل أي معلومات تتعلق بالأمن القومي، مما أثار قلق الشركات والمستثمرين الأجانب.


مقالات ذات صلة

تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

الاقتصاد بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)

تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

أظهرت بيانات صادرة عن «يوروستات» انخفاضاً غير متوقع في الإنتاج الصناعي بمنطقة اليورو خلال يناير (كانون الثاني)، حيث سجلت غالبية الدول الكبرى في المنطقة تراجعاً.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الين الياباني مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

الين الياباني يترقب ضربة جديدة مع صعوبة «التدخل الحكومي»

من المرجح أن يكون لدى اليابان مجال أقل للتدخل في سوق العملات مقارنةً بالماضي، حتى مع دفع الصراع في الشرق الأوسط للين نحو مستوى 160 يناً للدولار.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رجل يتابع مرور ناقلة نفط روسية لدى مرورها قرب شاطئ ولاية غوجارات بالهند (رويترز)

تخفيف قيود النفط الروسي يربك الغرب وسط حربي أوكرانيا وإيران

تشهد سوق الطاقة العالمية تطورات متسارعة، بعد إعلان واشنطن إصدار إعفاء مؤقت يسمح ببيع شحنات النفط الروسي العالقة في البحر لمدة 30 يوماً

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)

تحقيقات «الفائض الإنتاجي» تفرمل المفاوضات التجارية بين نيودلهي وواشنطن

أفادت 4 مصادر هندية بأن الهند ستؤجل توقيع اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة لعدة أشهر، في ظل التحقيقات الجديدة التي تجريها إدارة الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
TT

مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» يظهر ارتفاعاً في يناير

يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)
يمر أحد المتسوقين بجوار قسم الألبان في متجر بقالة في واشنطن (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الذي يراقبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي من كثب في يناير (كانون الثاني)، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية حتى قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن الأسعار ارتفعت بنسبة 2.8 في المائة في يناير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو مستوى يقل قليلاً عن الزيادة المسجلة في ديسمبر (كانون الأول). وجاء صدور هذا التقرير متأخراً بسبب الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الذي استمر 6 أسابيع خلال خريف العام الماضي، ما أدى إلى تراكم البيانات وتأجيل نشرها، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وباستثناء فئتي الغذاء والطاقة المتقلبتين، ارتفع مؤشر التضخم الأساسي بنسبة 3.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عامين.

وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.3 في المائة في يناير، بينما صعد التضخم الأساسي بنسبة 0.4 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو معدل، إذا استمر، قد يدفع التضخم إلى مستويات تتجاوز بكثير الهدف السنوي البالغ 2 في المائة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي.

لكن البيانات الاقتصادية طغت عليها تداعيات الحرب مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما عطّل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ بدء الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 40 في المائة، بينما قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 3.60 دولار للغالون، مقارنة بأقل من 3 دولارات قبل شهر، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ويتوقع اقتصاديون أن يؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى زيادة ملموسة في معدلات التضخم خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

وفي ظل هذه التطورات، أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند مستويات مرتفعة بهدف كبح التضخم عبر إبطاء وتيرة الاقتراض والإنفاق والنمو الاقتصادي. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي صناع السياسات في البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأسبوع المقبل، في ظل المخاوف من أن يؤدي الصراع في الشرق الأوسط إلى تغذية الضغوط التضخمية، ولو على المدى القصير.


النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
TT

النمو الأميركي يخيّب التوقعات عند 0.7 % في القراءة النهائية للربع الأخير

يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي خارج مبنى المحكمة العليا للولايات المتحدة في واشنطن (رويترز)

أعلنت الحكومة الأميركية، في بيان صدر يوم الجمعة، أن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً ضعيفاً بلغ 0.7 في المائة خلال الربع الأخير من العام، في خفض ملحوظ للتقديرات الأولية.

وأفادت وزارة التجارة الأميركية بأن الاقتصاد، الذي تأثر بشدة بالإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في خريف العام الماضي، نما بمعدل سنوي بلغ 0.7 في المائة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالتقدير الأولي البالغ 1.4 في المائة، في حين كان الاقتصاديون يتوقعون تعديلاً في الاتجاه المعاكس يعكس نمواً أقوى.

ويمثل هذا تباطؤاً حاداً مقارنة بنمو بلغ 4.4 في المائة في الربع الثالث و3.8 في المائة في الربع الثاني من العام نفسه، وفق «رويترز».

وتأثر النمو بشكل كبير بتراجع الإنفاق والاستثمار الحكومي الفيدرالي، اللذين انخفضا بنسبة 16.7 في المائة نتيجة تداعيات الإغلاق الحكومي، ما اقتطع نحو 1.16 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.

وعلى مستوى العام بأكمله، نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.1 في المائة في عام 2025، وهو معدل نمو قوي نسبياً، لكنه أقل قليلاً من التقدير الأولي البالغ 2.2 في المائة لعامي 2023 و2024.

وخلال الربع الأخير، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 2 في المائة، مقارنة بنمو بلغ 3.5 في المائة في الربع الثالث، في حين سجل الاستثمار التجاري – باستثناء قطاع الإسكان – نمواً بنسبة 2.2 في المائة، وهو ما يُرجح أنه يعكس زيادة الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل أقل من وتيرة النمو البالغة 3.2 في المائة في الربع السابق.

ورغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي، الأكبر في العالم، قدراً من المرونة في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق وعمليات ترحيل جماعية للمهاجرين. إلا أن الحرب مع إيران أسهمت في ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما ألقى بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية.

في المقابل، تشهد سوق العمل الأميركية تباطؤاً ملحوظاً. فقد قامت الشركات والمنظمات غير الربحية والوكالات الحكومية بتسريح نحو 92 ألف موظف خلال الشهر الماضي. وخلال عام 2025، لم يتجاوز متوسط الزيادة الشهرية في الوظائف 10 آلاف وظيفة، وهو أضعف معدل توظيف خارج فترات الركود منذ عام 2002.

ويثير هذا الوضع تساؤلات لدى الاقتصاديين بشأن ما إذا كان التوظيف سيتسارع لمواكبة النمو الاقتصادي، أم أن النمو سيتباطأ ليتماشى مع ضعف سوق العمل، أو ما إذا كانت التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة تسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى خلق عدد كبير من الوظائف.

ويُعد التقرير الصادر يوم الجمعة التقدير الثاني من بين ثلاثة تقديرات لنمو الربع الأخير، على أن يصدر التقرير النهائي في 9 أبريل (نيسان).


صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس (آذار)؛ إذ أدت اضطرابات إمدادات النفط الناجمة عن الصراع الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني المستمر إلى تصاعد المخاوف بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي»، بلغت قيمة التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم العالمية 7.05 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى منذ الأسبوع المنتهي في 17 ديسمبر 2025، الذي شهد تدفقات خارجة بلغت 46.68 مليار دولار، وفق «رويترز».

وتجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل يوم الجمعة، في وقت تعاني فيه أسواق النفط العالمية ما وصفه المتداولون بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعد أن توقفت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز بشكل شبه كلي.

في الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات، المعروف في وول ستريت باسم «مقياس الخوف»، إلى 28.15 نقطة في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعكس ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق.

وعلى صعيد التدفقات الإقليمية، سجلت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات خارجة بنحو 7.77 مليار دولار، بعد صافي مبيعات أسبوعية بلغ 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. كما سحب المستثمرون نحو 7.71 مليار دولار من الصناديق الأوروبية، في حين استقطبت الصناديق الآسيوية تدفقات داخلة بقيمة 6.15 مليار دولار.

أما صناديق الأسهم القطاعية فسجلت صافي مبيعات بلغ 2.71 مليار دولار، مع تخارج المستثمرين من صناديق القطاع المالي والرعاية الصحية بقيمة 2.31 مليار دولار و1.31 مليار دولار على التوالي، في حين اجتذبت صناديق القطاع الصناعي تدفقات داخلة بلغت 1.31 مليار دولار.

وقال راي شارما-أونغ، نائب الرئيس العالمي لحلول الأصول المتعددة في شركة «أبردين» للاستثمارات، إن التراجع الأخير في أسواق الأسهم في شمال آسيا يبدو غير متناسب مع الأساسيات الاقتصادية. وأضاف أن استقرار المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى انعكاس سريع في مراكز الاستثمار ومعنويات المستثمرين، ما قد يفتح المجال أمام انتعاش قوي في المنطقة.

في المقابل، تراجعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق السندات العالمية إلى أدنى مستوى لها في عشرة أسابيع عند 5.72 مليار دولار. وسجلت صناديق السندات عالية العائد صافي مبيعات بقيمة 3.17 مليار دولار، وهو أكبر تدفق خارجي أسبوعي منذ منتصف أبريل (نيسان) 2025.

وعلى النقيض، ارتفعت التدفقات الداخلة إلى صناديق السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع، مسجلة 5.75 مليار دولار، في حين جذبت صناديق أسواق المال 6.93 مليار دولار، محققة تدفقات إيجابية للأسبوع السابع على التوالي مع توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً.

ومع ذلك، شهدت صناديق السلع المرتبطة بالذهب والمعادن الثمينة صافي تدفقات خارجة قدرها 2.84 مليار دولار، بعدما سجلت صافي مبيعات خلال ثلاثة أسابيع من الأسابيع الأربعة الماضية.

كما تعرضت الأسواق الناشئة لضغوط بيعية، حيث سحب المستثمرون نحو 2.69 مليار دولار من صناديق الأسهم بعد موجة شراء صافية استمرت 11 أسبوعاً. وأظهرت بيانات شملت 28,809 صندوقاً أن صناديق السندات في الأسواق الناشئة سجلت أيضاً تدفقات خارجة أسبوعية صافية بلغت 656 مليون دولار.

وفي التفاصيل، تعرضت صناديق الأسهم الأميركية لضغوط بيعية للأسبوع الثاني على التوالي، وباع المستثمرون ما قيمته 7.77 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع، بعد صافي مبيعات بلغ نحو 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. وجاء ذلك بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار النفط؛ إذ ارتفع الخام الأميركي بنسبة 9.7 في المائة يوم الخميس، لتصل مكاسبه منذ بداية الشهر إلى نحو 42.88 في المائة، وسط ما وصفه المتداولون بأكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعدما كادت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز أن تتوقف بالكامل.

وعلى مستوى القطاعات، سجلت صناديق الأسهم ذات رؤوس الأموال الكبيرة والمتوسطة والصغيرة صافي تدفقات خارجة بلغت 20.98 مليار دولار و405 ملايين دولار و8 ملايين دولار على التوالي، في حين استقطبت صناديق الأسهم متعددة رؤوس الأموال تدفقات داخلة أسبوعية صافية قدرها 9.32 مليار دولار.

كما تخلى المستثمرون عن صناديق أسهم النمو بقيمة 4.48 مليار دولار، بينما واصلوا التوجه نحو صناديق القيمة للأسبوع الخامس على التوالي، بضخ استثمارات بلغت 2.91 مليار دولار.

في المقابل، حافظت صناديق السندات على جاذبيتها للأسبوع العاشر على التوالي، مسجلة صافي تدفقات داخلة بنحو 8.21 مليار دولار. واستقطبت صناديق السندات الحكومية وصناديق الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل نحو 4.05 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 24 ديسمبر.

كما جذبت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري قصيرة إلى متوسطة الأجل وصناديق ديون البلديات صافي مشتريات بقيمة 2.77 مليار دولار و614 مليون دولار على التوالي.

وفي الوقت نفسه، سجلت صناديق أسواق المال الأميركية تدفقات داخلة صافية تقارب 1.5 مليار دولار، ليواصل المستثمرون ضخ السيولة فيها للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل سعيهم إلى الملاذات الأكثر أماناً.