«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

المملكة حوّلت موقعها الجغرافي إلى ركيزة لاستقرار سلاسل الإمداد في مواجهة الأزمات

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
TT

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية. فعلى مدى العقد الماضي، أثبتت المملكة قدرة فائقة على تجاوز الصدمات العالمية بقوة أكبر، مستندة إلى نهج «رؤية 2030» القائم على المرونة، والاستباقية. هذا الاستثمار الممنهج في «مكامن القوة» لم يكن مجرد استجابة لمتطلبات التنمية المحلية، بل كان بناءً لدرع دفاعي اقتصادي عابر للحدود، حوّل التحديات الراهنة إلى منصة انطلاق للريادة العالمية.

لقد استحال الموقع الجيواستراتيجي للمملكة في ضوء الرؤية من ميزة نسبية ساكنة إلى أداة ديناميكية صاغت واقعاً اقتصادياً جديداً؛ عبر الربط النوعي بين المعابر المائية الحيوية من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً. هذا الترابط، المدعوم بمنصات نقل جوي وسككي متطورة، لم يعزز مكانة المملكة باعتبارها حلقة وصل بين القارات الثلاث فحسب، بل جعل منها شرياناً حيوياً يضمن استدامة التجارة الدولية، وبرهن على قدرة المنظومة الوطنية على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص ريادية تضمن استقرار الرخاء العالمي.

التناغم المؤسسي: هندسة الوحدة اللوجستية

انطلقت رحلة التطوير الشامل عبر إعادة تنظيم المنظومة اللوجستية، بهدف رفع كفاءة الأداء، وتحقيق أعلى درجات التكامل بين قطاعاتها المختلفة. وقد تجسد ذلك في تحول وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، لتقود تناغماً مؤسسياً يجمع تحت مظلته الهيئات العامة للنقل، والموانئ، والطيران المدني.

ولم يتوقف هذا الإصلاح عند الجانب التنظيمي، بل امتد لتعزيز الدور التشغيلي للكيانات الوطنية؛ حيث تم تمكين «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار)، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض»، و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، و«الهيئة العامة للطرق»، و«المركز الوطني لسلامة النقل». كما شهدت المنظومة تحولاً نوعياً في قطاع الخدمات البريدية عبر تطوير مؤسسة «سبل»، وتوسيع نطاق خدماتها لتواكب المتطلبات اللوجستية الحديثة.

خريطة الطريق نحو اليقين الاستراتيجي

ساهمت الاستراتيجيات الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية والطيران في خلق حالة من «اليقين الاستراتيجي» بمستقبل القطاع، مدعومة بمشاريع بنية تحتية عملاقة تضمن استدامة النمو من خلال:

- التوسع الجوي: العمل على إنشاء مطارات دولية رائدة، مثل مطار الملك سلمان الدولي، ومطارات أبها، وجازان الجديدة، بالتوازي مع إطلاق «برنامج الربط الجوي» لتعزيز الوصول العالمي.

- المراكز اللوجستية الذكية: إطلاق المخطط العام للمراكز اللوجستية المتضمن إنشاء 59 مركزاً (تم تفعيل 24 منها بنهاية 2025)، وتطوير الموانئ لتصبح «موانئ ذكية» تعتمد الرقمنة لتكون ركيزة أساسية.

- الربط السككي: توسيع شبكة الخطوط الحديدية، وربط خطوط الشمال بالشرق (الجبيل-الدمام)، مما وفر حلولاً لوجستية منخفضة التكلفة، وعالية الموثوقية.

أحد قطارات الخطوط الحديدية السعودية (واس)

كيف رقمنت المملكة مستقبل الاستثمار؟

شهدت البيئة اللوجستية تطوراً جوهرياً مكّنها من تبوّؤ مكانة بارزة لتكون وجهة جاذبة للاستثمار العالمي، بفضل تبنّي استراتيجية الرقمنة الشاملة للخدمات، والربط المتكامل عبر منصات رقمية موحّدة. وقد أفضى هذا التحول إلى تعزيز سهولة ممارسة الأعمال من خلال تبسيط الإجراءات التنظيمية، وأتمتة إصدار التراخيص، مما جعلها أكثر مرونة وسرعة في استجابتها لمتطلبات السوق.

كما ساهم هذا المسار الرقمي في رفع كفاءة التنسيق اللحظي بين مختلف الجهات التنظيمية، وهو ما أدى بدوره إلى اختصار «رحلة المستثمر»، وترسيخ مستويات الموثوقية في العمليات اللوجستية الوطنية.

وعلى صعيد الأثر الاقتصادي المباشر، لعبت هذه الممكنات الرقمية دوراً محورياً في تحفيز معدلات النمو، والتنوع؛ حيث ساهمت في تنشيط قطاعات إعادة التصدير، وتقديم دعم لوجستي فعال للصادرات غير النفطية. كما أتاح التكامل التقني تسهيل وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق الدولية وفق معايير تنافسية من حيث الكفاءة، والتكلفة، مما جعل من المنظومة اللوجستية محركاً أساسياً لدعم التجارة العابرة للحدود، وتوسيع نطاق نفوذ الاقتصاد السعودي عالمياً.

لغة الأرقام

تُوجت هذه الجهود الاستراتيجية بتقدم ملموس للمملكة في أهم المحافل الدولية، ما يعكس كفاءة الاستثمار المستدام في البنية التحتية، والارتقاء المستمر بالأداء اللوجستي. وتجسد ذلك في وصول المملكة إلى قائمة أفضل عشر دول عالمياً ضمن «مؤشر الأداء اللوجستي» (LPI)الصادر عن البنك الدولي، بالإضافة إلى حصدها المرتبة الثانية عالمياً في معدلات النمو ضمن دول مجموعة العشرين، وبنمو نسبته 32 في المائة مقارنة بالعام 2024. كما حافظت المملكة على حضورها القوي بين المراكز الأربعة الأولى في مؤشر «أجيليتي» للأسواق الناشئة لعام 2025، مما يؤكد تنافسية البيئة الاستثمارية السعودية، واستقرارها. وفي إطار تسهيل حركة التجارة العالمية، حققت المملكة قفزات نوعية في كفاءة العمليات الحدودية؛ حيث نجحت في خفض معدلات زمن الفسح الجمركي من 9 ساعات في عام 2021 إلى أقل من ساعتين بحلول عام 2025. وتزامن هذا الإنجاز مع توسع استراتيجي في المرافق اللوجستية تمثل في زيادة عدد مناطق الإيداع المرخصة لتصل إلى 21 منطقة، مما عزز من قدرة المملكة على استيعاب تدفقات السلع العالمية، ودعم انسيابية سلاسل الإمداد بكفاءة، واقتدار.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (الهيئة العامة للموانئ)

قصة 24 مليون حاوية قياسية

تُعد جغرافية الخليج العربي والبحر الأحمر من أكثر المعابر المائية حيوية، وتأثيراً في حركة التجارة الدولية، وهو ما يمنح الموانئ السعودية الممتدة على السواحل الشرقية والغربية أهمية استراتيجية فائقة بوصفها ركائز أساسية للملاحة العالمية. فمن خلال كونها نقاط التقاء لوجستية تربط بين ثلاث قارات، نجحت هذه الموانئ في ترسيخ دورها المحوري في ضمان استدامة سلاسل الإمداد العالمية، وتدفق البضائع، محولةً المزايا الجغرافية للمملكة إلى قوة اقتصادية فاعلة تدعم استقرار حركة التجارة العابرة للحدود.

وفي إطار السعي لتعظيم هذه المكتسبات، أطلقت المملكة سلسلة من مشاريع التطوير النوعية لتحديث البنية التحتية للموانئ، وتوسيع نطاق خدمات الشحن. وقد أثمرت هذه الجهود قفزة كبرى في الطاقة الاستيعابية التي ارتفعت بنسبة 50 في المائة لتصل إلى 24.3 مليون حاوية قياسية، بالتوازي مع زيادة ملموسة في عدد خدمات الشحن الملاحية المضافة التي بلغت 101 خدمة.

هذا التوسع لم يساهم في زيادة ترابط المملكة مع الأسواق العالمية فحسب، بل مكنها من استحداث مسارات ملاحية جديدة تعزز من مرونة الوصول إلى أهم الموانئ الدولية.

لقد تجاوزت هذه الرؤية التطويرية حدود الموانئ لتشمل إنشاء مناطق ومراكز لوجستية متكاملة صُممت لتكون حواضن جاذبة للاستثمارات الكبرى. وتتيح هذه المناطق للمستثمرين الاستفادة القصوى من تكامل الخدمات اللوجستية لتنمية أعمالهم، بجانب تفعيل نشاط إعادة التصدير الذي يمثل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

ومن خلال هذه المنظومة المتكاملة، تؤكد المملكة التزامها بدورها باعتبار أنها قائد عالمي في القطاع البحري، موفرةً بيئة لوجستية متطورة تضمن كفاءة العمليات التشغيلية، وتدعم استدامة النمو الاقتصادي العالمي.

إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلّق في سماء العاصمة السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

قطار الرؤية: شريان حديدي يربط المدن بالموانئ

استثمرت المملكة منذ وقت مبكر في بناء قطاع طيران قوي، انطلاقاً من إدراكها لأهمية التواصل مع العالم، وتسهيل وفود ضيوف الرحمن، بالإضافة إلى إيجاد حلول مبتكرة لشحن البضائع. وقد مر القطاع بمحطات تنظيمية مفصلية بدأت بتأسيس «مصلحة الطيران المدني»، و«الخطوط السعودية»، وصولاً إلى مرحلة الاستقلال الهيكلي بتأسيس «الهيئة العامة للطيران المدني»، مما أرسى دعائم العمل المؤسسي الذي مهد الطريق لتحولات كبرى تتماشى مع المتطلبات الدولية المتنامية. ومع انبثاق «رؤية 2030»، استشرفت المملكة فرصاً استثنائية لتطوير قطاع الطيران، والمساهمة بفاعلية في النمو الاقتصادي، مستندة إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط قارات العالم الثلاث. وقد تُرجمت هذه الرؤية عبر إعادة تنظيم «الهيئة العامة للطيران المدني»، وتأسيس كيانات استراتيجية جديدة، مثل «طيران الرياض» و«شركة خدمات الملاحة السعودية»، بالتوازي مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للطيران، وبرنامج الربط الجوي، اللذين استهدفا توسيع نطاق الوصول الدولي عبر مسارات جوية جديدة تربط المدن السعودية بالعواصم العالمية. وفي سياق تحديث البنية التحتية، تسارعت وتيرة إنشاء مطارات دولية كبرى، مع استمرار أعمال التطوير في كافة مناطق المملكة، مع تسريع إشراك القطاع الخاص في إدارة المطارات لرفع كفاءة الأداء التشغيلي.

وبفضل هذه الجهود تحولت المطارات السعودية اليوم إلى مراكز ربط محورية تربط الوجهات العالمية، والإقليمية، مما ساهم في تحقيق قفزات نوعية في أعداد المسافرين، ونشاط الشحن الجوي، لتمضي المملكة بخطى ثابتة نحو مستهدفاتها الطموحة بربطها بـ250 وجهة عالمية عبر 29 مطاراً، لخدمة 330 مليون مسافر، ونقل 4.5 مليون طن من الشحن سنوياً بحلول عام 2030.

قطار تابع للخطوط الحديدية السعودية (الشرق الأوسط)

شبكة السكك الحديدية

بدأت قصة السكك الحديدية في المملكة باعتبارها ضرورة استراتيجية لربط العاصمة الرياض بميناء الدمام، مما أدى إلى تأسيس «المؤسسة العامة للسكك الحديدية» لتعزيز حركة الاستيراد والتصدير، ونقل البضائع.

ومع اتساع المشاريع التنموية، وخاصة في قطاع التعدين، تأسست «الشركة السعودية للخطوط الحديدية» (سار) لتمتد الشبكة، وتصل إلى أقصى شمال المملكة، صانعة بذلك بنية تحتية صلبة لنقل الركاب، والمعادن، والسلع التجارية بكفاءة عالية.

ومع إطلاق «رؤية 2030»، دخل قطاع السكك الحديدية مرحلة طموحة تستهدف تحقيق التكامل التام مع كافة القطاعات اللوجستية الأخرى.

وقد شهدت هذه المرحلة توسعاً غير مسبوق في تشغيل القطارات، مما جعل المدن السعودية أكثر ترابطاً؛ حيث اتصل شمال المملكة بوسطها، وشرقها، مما وفّر حلول نقل موثوقة، ومستدامة. كما تسارع العمل في «قطار الحرمين السريع» ليمثل نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن، بربطه بين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية برابغ، بأعلى معايير السرعة، والأمان.

واليوم تمضي المملكة نحو مستقبل أكثر ترابطاً عبر مشاريع طموحة تدعم تنشيط الحركة السياحية، وتعزز الربط الإقليمي بين المدن السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

هذه الشبكة المتطورة لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز جودة الحياة، ودعم التنوع الاقتصادي، من خلال تقليل التكاليف اللوجستية، وتحسين موثوقية الخدمات، بما يرسخ مكانة المملكة باعتبار أنها مركز لوجستي عالمي يربط بين المراكز الصناعية، والموانئ، والمجتمعات الحضرية.

في الختام، يتضح أن التحول الجذري الذي شهده القطاع اللوجستي السعودي ليس مجرد سباق نحو الأرقام والمؤشرات، بل إعادة صياغة كاملة لـ«الهوية الاقتصادية للمملكة» لتكون الرابط الحيوي والموثوق للتجارة العالمية.


مقالات ذات صلة

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الاقتصاد الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

قال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن «عدداً قليلاً» من وزراء التجارة في مجموعة العشرين رفضوا دعوات الولايات المتحدة للحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر عام لميدان تقسيم في إسطنبول (رويترز)

أزمة صناديق الاستثمار تدفع تركيا لتعديل قوانين الأسواق

تتحرك تركيا لتعديل قانون أسواق رأس المال في محاولة لاحتواء الاضطرابات التي ضربت جزءاً من قطاع صناديق الاستثمار

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد محطة للوقود في العاصمة الألمانية برلين (رويترز)

أوروبا تتحرك لاحتواء أزمة الديزل وتهديدات واشنطن

تصاعدت المواجهة بين أوروبا والولايات المتحدة حول أزمة الوقود العالمية، الجمعة، بعدما رفض الاتحاد الأوروبي تهديداً أميركياً بحظر صادرات الديزل.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد عاملات في مصنع لتعبئة التمور بمدينة بني خالد بتونس (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تقترب من ذروة 4 سنوات

ارتفعت أسعار الغذاء العالمية خلال سبتمبر (أيلول) إلى أعلى مستوياتها في نحو 4 سنوات، مع تزايد تأثير اضطرابات الشحن والمخاوف المناخية على أسواق المحاصيل

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعلن انتهاء عصر التيسير المفرط

أعلنت الحكومة اليابانية انتهاء المرحلة التي كان فيها الاقتصاد بحاجة إلى سياسة نقدية مفرطة في التيسير لدفع التضخم إلى الارتفاع

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

احتياطيات نفط مجموعة السبع قد تكون حلاً لأزمة الطاقة... لكنه قصير الأجل

أكدت مجموعة السبع أنها ستناقش الإفراج المحتمل عن كميات أكبر من وقود الديزل (رويترز)
أكدت مجموعة السبع أنها ستناقش الإفراج المحتمل عن كميات أكبر من وقود الديزل (رويترز)
TT

احتياطيات نفط مجموعة السبع قد تكون حلاً لأزمة الطاقة... لكنه قصير الأجل

أكدت مجموعة السبع أنها ستناقش الإفراج المحتمل عن كميات أكبر من وقود الديزل (رويترز)
أكدت مجموعة السبع أنها ستناقش الإفراج المحتمل عن كميات أكبر من وقود الديزل (رويترز)

قالت خبيرة اقتصادية ألمانية إن قرار مجموعة السبع بالإفراج عن احتياطيات النفط والديزل قد يوفر لسائقي السيارات راحة قصيرة المدى فقط من ارتفاع أسعار الوقود.

وقالت سامينا سلطان من المعهد الاقتصادي الألماني، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «يمكن أن يخفف (القرار) التأثير لفترة من الوقت، لكن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة».

وأضافت أن التأثير على سائقي السيارات سيعتمد أيضاً على كمية الديزل التي سيجري الإفراج عنها، وهو أمر لم يحدده بيان مجموعة السبع.

وأدى الاضطراب في مضيق هرمز إلى تقييد صادرات النفط الخام وعزل المصافي المهمة عن السوق العالمية.

واتفقت دول مجموعة السبع يوم الجمعة، على الإفراج عن 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل من احتياطيات الطوارئ على مدى 4 أشهر، وسط ارتفاع أسعار الوقود. وتأتي هذه الخطوة في إطار إجراء تنسقه الوكالة الدولية للطاقة.

وأكدت مجموعة السبع أيضاً أنها ستناقش الإفراج المحتمل عن كميات أكبر من وقود الديزل.

وقالت سلطان إن عودة أسعار الطاقة إلى طبيعتها بشكل دائم سيتطلب إعادة فتح مضيق هرمز.

وتتعرض ناقلات النفط مرة أخرى لإطلاق نار هناك في الأيام الأخيرة، وفقاً لهيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية.

وأضافت سلطان: «إذا شهدنا في الوقت نفسه مزيداً من التصعيد في مضيق هرمز... ولا يمكن عبور أي شيء، فإن الاحتياطيات ستكون مجرد قطرة في محيط».

وكانت الحكومة الأميركية قد دعت في السابق أوروبا إلى طرح مزيد من وقود الديزل في السوق، وفكرت أيضاً في تقييد صادرات الديزل.

لكن بيان مجموعة السبع قال صراحة إن أعضاءه سيمتنعون عن فرض مثل هذه القيود.

وانخفضت العقود الآجلة للنفط الخام عند التسوية، يوم الجمعة، آخر تداولات الأسبوع، وذلك بعد أن وافق القادة الأوروبيون على طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب ​كميات من احتياطيات الديزل لديهم بهدف خفض الأسعار وتقليل الحاجة إلى استيراد الوقود من الولايات المتحدة.

وانخفض خام برنت 6 سنتات أو 0.06 في المائة، ليسجل 102.25 دولار للبرميل عند التسوية. ونزل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي عند التسوية 1.76 دولار، أو 1.90 في المائة إلى 91.11 دولار للبرميل.

واختتم خام برنت الأسبوع مرتفعاً 0.11 في المائة، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط 1.6 في المائة.


انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

قال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن «عدداً قليلاً» من وزراء التجارة في مجموعة العشرين رفضوا دعوات الولايات المتحدة للحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية والسياسات «غير القائمة على آليات السوق»، مما كشف عن انقسامات داخل المجموعة التي تضم أكبر اقتصادات العالم.

وأصدرت الولايات المتحدة، التي تتولى الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين هذا العام، هذا البيان بعد يوم من اجتماع تجاري في ميلووكي أظهر أن دولتين فقط، هما المكسيك والأرجنتين، انضمتا إلى بيان قادته واشنطن يدعو إلى بذل المزيد من الجهود والتعاون لاستبعاد السلع المنتجة بالعمل القسري من سلاسل الإمداد.

ويأتي رفض الغالبية العظمى من دول مجموعة العشرين بعد أن فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية 10 في المائة أو 12.5 في المائة على السلع الواردة من 59 دولة والاتحاد الأوروبي، بدعوى أنها لا تطبق حظر العمل القسري بشكل كاف.

ولم يسم بيان المكتب الدول التي اعترضت على بيان فائض الطاقة الإنتاجية. لكن الصين اعترضت على بيان مماثل لمجموعة العشرين يندد بالعمل القسري والسياسات الاقتصادية غير القائمة على آليات السوق التي تؤدي إلى فائض الصادرات، وذلك خلال اجتماع لوزراء المالية قبل شهر في ولاية نورث كارولاينا.

وقال البيان: «حظي مشروع البيان الوزاري بتأييد جميع الأعضاء باستثناء عدد قليل منهم، إذ رفض بعض هؤلاء بشكل قاطع إنشاء هذا المسار نحو عمل تعاوني» بشأن فائض الطاقة الإنتاجية، مضيفاً أن ذلك أصاب رئاسة الولايات المتحدة لمجموعة العشرين «بخيبة أمل شديدة».

وكانت قضية فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية في الصين والدعم الحكومي للصناعة من أبرز المحاور في اجتماعات وزراء مجموعة العشرين بقيادة الولايات المتحدة هذا العام. وترفض بكين الاتهامات بأن سياساتها الصناعية أدت إلى فائض في الطاقة الإنتاجية، متهمة الدول الغربية باستخدام هذه القضية لتبرير إجراءات حماية تجارية.

وقالت الولايات المتحدة إن وزراء التجارة في مجموعة العشرين توصلوا إلى توافق بشأن إدانة استخدام تجارة الغذاء كسلاح، مع اتفاق الأعضاء على عدم استخدام تجارة المواد الغذائية أو مستلزمات الإنتاج الزراعي أداة للإكراه الاقتصادي أو السياسي.

وفي البيان المشترك لمجموعة العشرين، عرف الوزراء استخدام الغذاء سلاحاً بأنه اتخاذ إجراءات تهدف إلى «إبطاء أو وقف أو عرقلة أو توجيه تدفقات الغذاء ومستلزمات الإنتاج الزراعي» بغرض ممارسة ضغوط قسرية لانتزاع تنازلات جيوسياسية غير مرتبطة بالموضوع.

وقال وزراء التجارة في مجموعة العشرين: «نندد باستخدام الغذاء سلاحاً، لأنه يشكل تهديداً إنسانياً واقتصادياً كبيراً».

وبعد ضغوط من ترمب تضمنت التهديد بفرض حظر أميركي على صادرات الديزل، اتفقت دول مجموعة السبع يوم الجمعة، على سحب ما يقارب 100 مليون برميل من احتياطيات الديزل في محاولة لخفض أسعاره في الولايات المتحدة التي بلغت مستويات قياسية مرتفعة. ويستخدم الديزل على نطاق واسع في الإنتاج الزراعي.


تريليونات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العوائد والإنتاجية

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تريليونات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العوائد والإنتاجية

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

يضخ العالم أموالاً غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن تتجاوز استثمارات مراكز البيانات وحدها 30 تريليون دولار بحلول 2050. لكن ضخامة الإنفاق تطرح سؤالاً اقتصادياً أكثر إلحاحاً: هل ستظهر مكاسب الإنتاجية والعوائد اللازمة لتبرير هذه الاستثمارات بالسرعة التي تتوقعها شركات التقنية والأسواق، أم أن الاقتصاد سيحتاج عقوداً قبل أن يترجم هذه الثورة إلى نمو واسع ومستدام؟

لم يشهد قطاع تكنولوجي حديث تدفقاً بهذا الحجم من الأموال كما يحدث حالياً مع الذكاء الاصطناعي، متجاوزاً، وفق تقديرات «بي دبليو سي»، حجم الإنفاق الذي رافق طفرتي السكك الحديدية والإنترنت حتى بعد احتساب أثر التضخم.

وفي خضم هذا السباق الاستثماري، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطوة لافتة في 29 سبتمبر (أيلول)، عندما أصدر أمراً تنفيذياً يلزم الجهات التنفيذية باستخدام مصطلحي «الذكاء الفائق» و«SI» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» و«AI» في المراسلات والوثائق والاتصالات الرسمية، في خطوة تعكس تركيز إدارته على التطور المتسارع لقدرات هذه التقنية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تضخ فيه شركات التكنولوجيا الأميركية مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية اللازمة لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي، وسط رهان على أن تتحول هذه الاستثمارات إلى مكاسب كبيرة في الإنتاجية وإيرادات جديدة.

وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق العالمي التراكمي على مراكز البيانات قد يتجاوز 30 تريليون دولار بحلول 2050، في حين تكشف نشرة طرح عام أولي لشركة «أنثروبيك» اطلعت عليها «رويترز» أن الشركة تخطط لإنفاق 518 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، وهو ما يزيد على 100 ضعف إيراداتها في 2025.

صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات «ديجيتال رياليتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان على أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد تقنية جديدة، بل محركاً لتحول اقتصادي واسع يعيد تشكيل سوق العمل والإنتاج والبحث العلمي، وربما يفتح أسواقاً لم تكن موجودة من قبل.

لكن هذا الرهان يصطدم حتى الآن بفجوة بين ضخامة الاستثمار والنتائج الاقتصادية القابلة للقياس. وكتبت «جي بي مورغان» في أغسطس (آب) أن مكاسب الإنتاجية واسعة النطاق في الولايات المتحدة، التي تتصدر سباق الذكاء الاصطناعي، «لا تزال بعيدة المنال»، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الشركات على تحقيق العوائد التي تبرر تقييماتها المرتفعة وحجم الإنفاق الجاري.

وترى «باين آند كومباني» للاستشارات الإدارية أن مكاسب الإنتاجية من الأسواق القائمة وحدها لن تكون كافية لتغطية حجم الإنفاق الحالي، وأن سد فجوة التمويل يتطلب ظهور أسواق جديدة بالكامل. وقد تشمل هذه الأسواق استخدام الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتطوير مواد جديدة للبطاريات وأشباه الموصلات وغيرها من التطبيقات.

وتقدر «باين آند كومباني» أن شركات البنية التحتية السحابية العملاقة الأميركية، إلى جانب الشركات الأخرى المنخرطة في سباق الذكاء الاصطناعي، تحتاج إلى إيجاد أكثر من 4.2 تريليون دولار من الإيرادات الجديدة خلال السنوات الخمس المقبلة لتمويل التوسع في البنية التحتية.

وتكمن المسألة الاقتصادية الأساسية في توقيت ظهور هذه الإيرادات. فكلما تأخرت التطبيقات التجارية القادرة على توليد تدفقات نقدية، طال الوقت الذي يتعين فيه على الشركات والمستثمرين تمويل البنية التحتية قبل استرداد تكلفتها.

استثمار أميركي بنحو 9 تريليونات دولار

وتبدو الفجوة أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة، التي تستحوذ، وفق بعض التقديرات، على نحو ثلاثة أرباع الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي.

ويقدر ستين فان نيورينبورغ، أستاذ الاقتصاد في كلية كولومبيا للأعمال، أن الاستثمارات الأميركية في القطاع قد تصل إلى نحو 9 تريليونات دولار بين 2025 و2032، بما يعادل إنفاقاً سنوياً يبلغ 3.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبحسب تقديراته، سيحتاج قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي إلى تحقيق نحو 3.55 تريليون دولار من الإيرادات السنوية بحلول 2032 لتحقيق عائد على الاستثمار يبلغ 10 في المائة، مقابل إيرادات لا تزال أقل بكثير من هذا المستوى حالياً.

وتزيد طبيعة تمويل جزء كبير من البنية التحتية عبر الديون من حساسية القطاع تجاه أي تباطؤ في الطلب أو تأخير في تنفيذ المشروعات أو انخفاض في قيمة الأصول. وفي هذه الحالة، يمكن لتراجع محدود في الطلب أن يتضخم أثره على الخسائر بسبب الرافعة المالية.

إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركات «إكس إيه آي» و«سبايس إكس» يقف أمام الجناح الغربي للبيت الأبيض (إ.ب.أ)

«إنفيديا» واختبار الإنتاجية

ويبرز تقييم شركة «إنفيديا» باعتباره أحد الأمثلة على حجم الرهان الذي تضعه الأسواق على المكاسب المستقبلية للذكاء الاصطناعي.

وتقدر «جي بي مورغان» أن نمو الإنتاجية الأميركية يحتاج إلى بلوغ ما بين 3 و5 في المائة سنوياً خلال العقد المقبل لتبرير تقييم «إنفيديا»، مقارنة بخط أساس يبلغ 1.75 في المائة سنوياً وفق توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي للفترة نفسها.

وهذه الفجوة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي لن يحقق مكاسب اقتصادية، لكنها تبرز حجم التحسن في الإنتاجية الذي تفترضه بعض التقييمات الحالية، والسرعة التي يجب أن تتحقق بها هذه المكاسب حتى تتناسب مع حجم الاستثمارات.

شعار «إنفيديا» (رويترز)

ثورة قد تحتاج عقوداً

وتقدم التجارب السابقة في التحولات التكنولوجية سبباً للحذر بشأن سرعة ظهور العوائد الاقتصادية. فاقتصادية جامعة كامبريدج ديان كويل تقول إن أثر التقنيات الثورية السابقة على الإنتاجية استغرق عادة بين 10 و50 عاماً حتى ينتقل إلى الاقتصاد على نطاق واسع.

وهذا يضع سباق الذكاء الاصطناعي أمام مفارقة زمنية: شركات التقنية تبني قدرات حوسبة ومراكز بيانات بوتيرة سريعة، بينما قد يحتاج الاقتصاد الحقيقي سنوات طويلة لاستيعاب هذه التقنيات وإعادة تنظيم عمليات الإنتاج وسلاسل القيمة وسوق العمل حولها.

وتقدر وحدة الاقتصاد في «أنثروبيك» أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع النمو السنوي في 2030 إلى 2.4 في المائة في سيناريو تأثير محدود، و5.4 في المائة في سيناريو تأثير كبير، و15.4 في المائة في سيناريو بالغ التأثير، مقارنة بخط أساس يبلغ 2 في المائة في اقتصاد من دون أثر للذكاء الاصطناعي. ولا تمنح الدراسة احتمالات لهذه السيناريوهات.

وفي المقابل، قد تأتي مكاسب الإنتاجية مصحوبة بتغيرات كبيرة في سوق العمل. وقالت «أنثروبيك» إن النمو الأعلى في سيناريوهاتها يعني فقدان مزيد من الوظائف، بينما توقع رئيسها التنفيذي داريو أمودي العام الماضي أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى اختفاء نصف وظائف المبتدئين في الأعمال المكتبية خلال خمس سنوات.

لكن التأثير الفعلي حتى الآن يبدو أكثر محدودية. فقد أشارت دراسات في الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تباطؤ توظيف العاملين في بداية مسيرتهم المهنية في وظائف مكتبية تتعرض بدرجة أكبر لمهام يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها، رغم بقاء إجمالي التوظيف قوياً.

وأظهرت دراسة لباحثين في جامعة ستانفورد أن توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في قطاعات أكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، مثل المحاسبة والمساعدة القانونية، كان أقل بنسبة 19 في المائة مقارنة بوظائف أقل تعرضاً لقدرات التقنية، مثل عمال النظافة والبناء.

جناح شركة «أوبن إيه آي» في مؤتمر مطوري «أوبن إيه آي» في فورت ماسون، سان فرانسيسكو (أ.ف.ب)

الاستثمار لا يختفي حتى إذا انفجرت الفقاعة

ومع ذلك، فإن تباطؤ العوائد لا يعني بالضرورة أن الإنفاق الحالي سيذهب هباءً. فالتجارب التاريخية تظهر أن البنية التحتية التي تبقى بعد انتهاء موجات المضاربة قد تصبح أساساً لمكاسب اقتصادية لاحقة.

فالسكك الحديدية استمرت في العمل بعد أزمة 1873 التي أفلست شركات وبارونات في القطاع، كما لم تختفِ «الإنترنت» بعد انفجار فقاعة شركات الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل الاقتصادية في سباق الذكاء الاصطناعي: قد تكون التكنولوجيا قادرة فعلاً على تغيير الاقتصاد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل استثمار فيها سيحقق العائد المتوقع، أو أن مكاسب الإنتاجية ستظهر بالسرعة التي تعكسها تقييمات شركات التقنية اليوم.

وهذا يجعل المرحلة المقبلة اختباراً مزدوجاً: قدرة الذكاء الاصطناعي على خلق أسواق وإيرادات جديدة من جهة، وقدرة الاقتصاد على تحويل الإنفاق الهائل على البنية التحتية إلى إنتاجية ملموسة من جهة أخرى.