مسلحون بمصراتة يطالبون بإخراج «القوات الأجنبية» من ليبيا

واشنطن لتدريب «لواء عسكري» تابع للدبيبة في طرابلس

«قوة مكافحة الإرهاب» تستعرض قوتها في مصراتة (المركز الإعلامي للقوة)
«قوة مكافحة الإرهاب» تستعرض قوتها في مصراتة (المركز الإعلامي للقوة)
TT

مسلحون بمصراتة يطالبون بإخراج «القوات الأجنبية» من ليبيا

«قوة مكافحة الإرهاب» تستعرض قوتها في مصراتة (المركز الإعلامي للقوة)
«قوة مكافحة الإرهاب» تستعرض قوتها في مصراتة (المركز الإعلامي للقوة)

بعربات محمّلة بالمدافع، وبشاحنات تقل مجنزرات ودبابات، خرجت قوات «ثوار 17 فبراير» في مدينة مصراتة (غرب ليبيا) إلى الشوارع، في استعراض عسكري للاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لـ«الثورة» التي أطاحت نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، مؤكدة رفضها وجود أي قوات أجنبية في ليبيا، وطالبت بضرورة إخراجها.

«قوة مكافحة الإرهاب» تستعرض عسكرياً في مصراتة (المركز الإعلامي للقوة)

الاستعراض الذي حضره آمر «شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب»، مختار الجحاوي، شمل أفراداً وآليات جابت مكان الاحتفال بالمدينة، ونقل المركز الإعلامي لـ«محور قوة مكافحة الإرهاب»، أن المشاركين في الاستعراض العسكري، مساء أمس (الأربعاء) «أظهروا استعدادهم لقمع أشكال الإرهاب العسكري كافة، أو حتى الاقتصادي، من نهب وعبث بمقدرات الليبيين»، مؤكدين «تمسكهم بوحدة التراب الليبي»، و«الدفع باتجاه التداول السلمي على السلطة».

ويرى سياسيون ليبيون أن ملف القوات الأجنبية و«المرتزقة» الموجودين في ليبيا، منذ انتهاء الحرب على العاصمة طرابلس في 2020 «بات قضية تخضع للحسابات والتداخلات الدولية؛ ما يتطلب بذل جهد أممي كبير لإجبار هذه الأطراف على سحب عناصرها من بلادنا».

وعدّ ليبيون هذا الاستعراض العسكري، الذي شهدته مصراتة، بمثابة تحدٍ من قبل مسلحي «قوة مكافحة الإرهاب» لعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية المؤقتة بطرابلس، لكن الخبير العسكري الليبي، عادل عبد الكافي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الاحتفالية، وما واكبها من استعراض عسكري، استهدفا «تقديم رسائل عدة لأطراف مختلفة، من بينها لصوص المقدرات المالية للشعب، وعناصر المرتزقة والقوات الأجنبية الموجودة على الأراضي الليبية التي تحتل قواعد بالبلاد»، مبرزاً أن هذه القوة مُشكّلة من قوات «البنيان المرصوص»، و«مكافحة الإرهاب»، بالإضافة إلى قوات نظامية وتشكيلات مختلفة.

مختار الجحاوي آمر «الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب مصراتة» (المكتب الإعلامي للقوة)

واعتادت «شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب» تنظيم استعراضات عسكرية بكامل عدتها وعتادها. وقد سبق للجنة العسكرية الليبية المشتركة (5 + 5) بحث قضية الوجود الأجنبي في ليبيا، وتوصلت خلال اجتماعات سابقة إلى آلية لسحب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، لكن دون تقدم حقيقي على الأرض.

ومنذ انتهاء الحرب على العاصمة طرابلس، كان يوجد نحو ألفي عنصر من «فاغنر» بوسط البلاد، كما يتمركز جانب من هذه القوات حول المنشآت النفطية، التي يتولى «الجيش الوطني» حمايتها، وفقاً لمجلة «منبر الدفاع الأفريقي» الصادرة عن «أفريكوم» في مارس (آذار) 2023، أما «المرتزقة» الموالون لحكومة الدبيبة فيوجدون بمدن غرب ليبيا. وتعمل القوات التركية النظامية على تدريب عناصر الجيش التابع لمنطقة غرب البلاد.

آمر «اللواء 444 قتال» بطرابلس يستقبل الوفد الأميركي بمعسكر القوة (اللواء)

في غضون ذلك، أنهى وفد من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) زيارة نادرة لمعسكر «اللواء 444 قتال» بالعاصمة الليبية، التابعة لقوات حكومة «الوحدة الوطنية» العسكرية بطرابلس.

ويعد «اللواء 444 قتال» من أهم المجموعات المسلحة في العاصمة، وتُسند إليه حماية أجزاء كبيرة من طرابلس، ويعمل على مكافحة التهريب في البلاد، ويمتد نفوذه إلى مدينة بني وليد شمال غربي ليبيا.

ونقل «اللواء 444 قتال» أن وفد «البنتاغون»، الذي رافقه الملحق العسكريّ بالسفارة الأميركية لدى ليبيا، استهدف «التنسيق في جانب التدريب، ورفع المستوى القتالي لأفراد (اللواء 444)».

آمر «اللواء 444 قتال» مع الوفد الأميركي بمعسكره في طرابلس (اللواء)

وكان آمر اللواء، العميد محمود حمزة، المقرب من الدبيبة، في مقدمة مستقبلي الوفد الأميركي، الذي أطلعه على مرافق المعسكر، وإمكانية «إعطاء دورات تدريبيّة عدة في مجالات عدة تخصّ الجانب العسكري».

وسبق أن التقى الفريق محمد الحداد، رئيس الأركان العامة لقوات «الوحدة»، بمكتبه في طرابلس، الملحق العسكري للولايات المتحدة لدى ليبيا. وقالت رئاسة الأركان إن اللقاء تناول سبل تعزيز الدعم في مجالات التدريب المختلفة لمنتسبي المؤسسة العسكرية، من ضباط وضباط صف، وكذلك إمكانية مشاركة الجيش الليبي في مناورات، وتمارين «الأسد الأفريقي» السنوية.

ونقلت رئاسة الأركان ما أسمته «إشادة الملحق العسكري للولايات المتحدة وأعضاء الملحقية بالجهود، التي يبذلها رئيس الأركان من أجل النهوض بالمؤسسة العسكرية، ودورها في إرساء الأمن»، كما ثمّنت مقترحه بتشكيل قوة مشتركة بوصفه خطوةً أولى نحو توحيد المؤسسة العسكرية، وكذلك دوره في تدريب ودمج القوات المساندة في المؤسسة العسكرية، ومؤسسات الدولة؛ لتحقيق الاستقرار المنشود في ليبيا.


مقالات ذات صلة

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

شمال افريقيا قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

لوّحت أطراف قبلية في مدينة الزاوية (غرب ليبيا) بإمكانية تحوّل حالة الغضب الشعبي المتصاعد إلى «حراك» منظم ضد نفوذ الميليشيات المسلحة

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)

ليبيا تواجه «العطش الصامت» وسط الانقسام واستنزاف الموارد المائية

تحولت جالونات التخزين وزجاجات المياه إلى واقع معتاد داخل كثير من المنازل الليبية، باعتبارها حلاً اضطرارياً للتكيف مع أزمة مياه مزمنة تتفاقم.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا متطوعون من الهلال الأحمر الليبي يقدمون مساعدات إنسانية لمهاجرين غير نظاميين في ساحل مدينة طبرق الليبية (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر)

ضبط عشرات «المهاجرين» على متن قاربين قبالة شاطئ طبرق الليبية

أعلنت السلطات في شرق ليبيا ضبط عشرات المهاجرين غير النظاميين على متن قارب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا نائبة المبعوثة الأممية أولريكا ريتشاردسون خلال زيارة إلى الجنوب الليبي الاثنين الماضي (البعثة الأممية)

الجنوب الليبي يطلب مزيداً من الدعم الأممي لمواجهة «التهميش»

عاد الجنوب الليبي إلى واجهة الاهتمام الأممي هذا الأسبوع، عقب سلسلة زيارات ولقاءات مكثفة أجرتها بعثة الأمم المتحدة مع قيادات محلية وحكومية في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مصلحة الضرائب في غرب ليبيا خلال اجتماع لمناقشة تسوية مديونية الجهات العامة لدى المصلحة في عام 2024 (الصفحة الرسمية للمصلحة)

«القوائم السوداء»... هل تكفي لمكافحة التهرب الضريبي في ليبيا؟

تلوّح السلطات في غرب ليبيا بتصعيد إجراءاتها ضد التهرب الضريبي عبر إعداد «قائمة سوداء» للمخالفين، وإنشاء جهاز جديد باسم «الشرطة الضريبية».

علاء حموده (القاهرة)

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
TT

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)

لوّحت أطراف قبلية في مدينة الزاوية، الواقعة غرب ليبيا، بإمكانية تحوّل الغضب الشعبي المتصاعد إلى «حراك» منظم ضد نفوذ الميليشيات المسلحة، وذلك عقب يوم دامٍ من الاشتباكات بين فصائل متناحرة، أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة آخرين، وأعاد مشاهد الفوضى الأمنية إلى المدينة الساحلية.

وشهدت الزاوية هدوءاً هشاً، الجمعة، بعد تدخل «اللواء 25 مشاة» بقيادة محمود بن رجب، وفق ناشط محلي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم ذكر اسمه، غداة اشتباكات مسلحة اندلعت داخل أحياء سكنية في ثاني أيام عيد الأضحى، وسط صمت حكومي أثار انتقادات محلية، فيما اضطر السكان إلى التزام منازلهم خشية تجدّد المواجهات.

ورغم تحذيرات سابقة من بعثة الأمم المتحدة، فقد اندلعت الشرارة الأولى لتلك المواجهات، الخميس، عقب مقتل محمد عريبي، أحد عناصر ميليشيا ما يعرف بـ«جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» بقيادة محمد بحرون (الفار)، برصاص مجموعة مسلحة مناوئة لها، قبل أن تتوسع دائرة الاشتباكات وتؤدي أيضاً إلى مقتل محفوظ المغيربي وسمير حويل، بحسب وسائل إعلام محلية وشهود عيان قالوا إن التحشيدات المسلحة لا تزال مستمرة حتى، الجمعة.

سيارة محترقة في جنزور بالعاصمة طرابلس (جهاز الدعم والإسناد الأمني)

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تشييع 4 قتلى، سقطوا جراء «رصاص عشوائي» في المدينة، بينما أُعلن الثلاثاء عن مقتل شخص خامس، ما زاد من حالة الاحتقان، ورفع منسوب التحشيد بين الفصائل المسلحة.

لكن اللافت هذه المرة هو تصاعد الدعوات المحلية لمواجهة حالة الانفلات الأمني عبر تحرك شعبي؛ إذ قال عضو مجلس أعيان الزاوية، الهاشمي دخيل، إن المدينة قد تشهد بدءاً من السبت «حراكاً من الأهالي للانتفاض على الأوضاع الجارية ورفض استمرار الفوضى»، وفقاً لما نقلت عنه وسائل إعلام محلية، مبرزاً أن «الحرب لن تتوقف طالما استمر المسؤولون في التأقلم مع فوضى المدينة»، ومعتبراً أن ما جرى الخميس جاء «رداً على اغتيال عريبي»، في إشارة إلى استمرار منطق الثأر والانتقام بين المجموعات المسلحة.

ويرى متابعون أن الحديث عن «حراك شعبي» يعكس تنامي حالة السخط داخل الزاوية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز بؤر الصراع المسلح غرب ليبيا، في ظل تنافس فصائل نافذة على النفوذ ومصادر التمويل.

بدوره، اعتبر القيادي العسكري السابق في عملية «بركان الغضب»، ناصر عمار، أن ما يحدث في الزاوية يستدعي «وقوف أهل الزاوية يداً واحدة لرفض هذا العبث، والمطالبة برفع الغطاء القانوني والشرعي عن المتورطين في الفوضى».

ورغم الحديث عن «الحراك الشعبي» بوصفه حاضنة اجتماعية محتملة لمواجهة حالة الفوضى، يرى الباحث الليبي المتخصص في الشؤون الأمنية، فيصل أبو الرايقة، أن «فوضى الميليشيات في مدينة الزاوية تبدو ملفاً شديد التعقيد والتشابك»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تداخل عوامل داخلية وخارجية أسهم في ترسيخ نفوذ تلك الفصائل، في ظل هشاشة سيطرة السلطات بغرب ليبيا، إلى جانب وجود شبكات واسعة لتهريب النفط والبشر تستفيد من حالة الانفلات القائم».

وتضم الزاوية إحدى كبرى مصافي النفط في ليبيا، كما تُعرف بأنها نقطة رئيسية لتهريب الوقود، وانطلاق قوارب الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يجعلها ذات أهمية أمنية واقتصادية بالغة.

وتكشف التطورات الميدانية الأخيرة أن دعوة الأمم المتحدة، التي أطلقت مطلع الأسبوع، إلى جميع الأطراف بضرورة تغليب لغة الحوار في مدينة الزاوية، وخفض حدة التصعيد خلال فترة العيد، «لم تلقَ استجابة تُذكر من جانب التشكيلات المسلحة على الأرض».

عناصر تابعة لميليشيا ما تعرف بـ«مكافحة التهديدات الأمنية» في الزاوية (الصفحة الرسمية للمجموعة المسلحة)

وكانت مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعربت عن «بالغ القلق» إزاء استمرار حشد الجماعات المسلحة، وتزايد حوادث الاغتيال في المدينة، محذّرة من أن الوضع «ينذر بموجة جديدة من العنف، ويُعرّض المدنيين لمخاطر متصاعدة». وأكدت أن استمرار التنافس بين الفصائل المسلحة على النفوذ والسيطرة على الموارد «لا يزال يقوّض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة»، في إشارة إلى عمق الأزمة وتعقيدات المشهد الأمني بالمنطقة.

ورغم تعهد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، مراراً بالعمل على تفكيك المجموعات المسلحة وبسط سلطة الدولة، يرى مراقبون أن «المشهد لا يزال يخضع لتوازنات معقدة تقوم على إعادة ترتيب الولاءات أكثر من إنهاء نفوذ الفصائل».

وفي مؤشر على الجدل المتواصل بشأن علاقة السلطة بالمجموعات المسلحة، كان الدبيبة قد استضاف خلال رمضان الماضي، عدداً من قادة التشكيلات البارزة في الزاوية على مأدبة إفطار رسمية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة آنذاك.

وفي حادث منفصل يعكس استمرار الفوضى الأمنية غرب طرابلس، أفادت وسائل إعلام محلية، الخميس، بمقتل شابين في منطقة المشاشطة، جنوب جنزور، إثر انفجار قنبلة يدوية داخل سيارة كانا يستقلانها.


ليبيا تواجه «العطش الصامت» وسط الانقسام واستنزاف الموارد المائية

مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
TT

ليبيا تواجه «العطش الصامت» وسط الانقسام واستنزاف الموارد المائية

مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)
مياه تتدفق من إحدى آبار المياه في النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية لجهاز إدارة النهر في بنغازي)

تحولت جالونات التخزين وزجاجات المياه إلى واقع معتاد داخل كثير من المنازل الليبية، باعتبارها حلاً اضطرارياً للتكيف مع أزمة مياه مزمنة، تتفاقم في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من ندرة الموارد المائية.

ورغم ثروتها النفطية تواجه ليبيا ما وصفه متخصصون بـ«عطش صامت» مع اعتماد شبه كامل على المياه الجوفية، واستنزاف متواصل لمخزون النهر الاصطناعي، وسط تداعيات الانقسام السياسي والتغيرات المناخية، وتهالك البنية التحتية المائية، ما يفاقم أزمة المياه ويهدد الأمن المائي للبلاد مستقبلاً.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن حصة الفرد الليبي من المياه المتجددة لا تتجاوز 120 متراً مكعباً سنوياً، مقابل 500 متر مكعب كحد عالمي للفقر المائي، في وضع يصفه رئيس فريق «الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي» بالمجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي الدكتور بشير نوير، بأنه «خطير».

الدبيبة خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي بطرابلس في 21 أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

وعزا نوير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، عدم شعور أغلب الليبيين بخطورة الأزمة إلى «اعتماد البلاد بنسبة تزيد على 90 في المائة على المياه الجوفية»، محذراً من أن استمرار الحفر العشوائي للآبار واستنزاف الموارد المحدودة، بالتزامن مع النمو السكاني والتوسع العمراني، يهدد بتفاقم أزمة المياه خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تداعيات التغيرات المناخية وتراجع معدلات الأمطار وارتفاع نسب التبخر والجفاف. وأشار إلى أن «القطاع الزراعي يستهلك نحو 85 في المائة من الموارد المائية، في حين يُهدر أكثر من نصفها بفعل تهالك شبكات الري وضعف كفاءتها، إلى جانب فقدان أكثر من 30 في المائة من المياه داخل شبكات المدن، واستمرار الاعتداءات والوصلات غير القانونية على منظومة النهر الاصطناعي».

وفي محاولة لمعالجة الأزمة، اعتمدت حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس الشهر الماضي «الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي 2026 - 2050»، باعتبارها إطاراً شاملاً يهدف إلى ضمان توفير مياه نظيفة وآمنة، وتحقيق الاستدامة المائية على المدى الطويل. لكن هذه الخطوة لم تمر بعيداً عن الجدل السياسي؛ إذ رأى معارضون أنها قد تصطدم بواقع الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، في وقت تتنافس فيه حكومتان على إدارة السلطة والموارد.

ووصف عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، الاستراتيجية بأنها «مشروع دعائي»، متسائلاً عن مدى إمكانية نجاحها في ظل غياب سلطة موحدة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية المرتبطة بقطاع المياه، مثل محطات التحلية وشبكات الصرف والكهرباء.

وقال معزب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الخطط بعيدة المدى وحدها لا تكفي لمعالجة ملف سيادي بهذا الحجم، في حين تستمر حالة الانقسام السياسي، وتبادل الاتهامات بين الحكومتين بشأن تدهور الأوضاع». واعتبر أن «العامل المشترك الوحيد بين السلطتين هو التنافس على عوائد النفط، مع توظيف بعض المشروعات الكبرى إعلامياً لتعزيز النفوذ السياسي، في حين يظل التنفيذ الفعلي أقل كثيراً من مستوى التحديات».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

عناصر في كتيبة عسكرية مكلفة بحماية النهر الاصطناعي (الصفحة الرسمية للكتيبة)

من جانبه، رأى نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، أن توقيت إطلاق الاستراتيجية الحكومية لا ينفصل عن الحراك الأممي والدولي، الداعي إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة للبلاد.

وأشار المخزوم لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ملف المياه ظل مهمشاً منذ عام 2011، بسبب انشغال القوى السياسية بالصراع على السلطة، ما أدى إلى تأجيل معالجة كثير من الملفات الاستراتيجية التي يدفع المواطن الليبي ثمنها يومياً.

وأضاف أن التعاطي الرسمي مع أزمة المياه اقتصر في أغلب الأحيان على التنديد، أو التفاوض مع مجموعات مسلحة أوقفت ضخ المياه عن بعض المدن، في إطار ضغوط سياسية أو مطالب محلية.

ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي قبل أكثر من 15 عاماً، يواجه «النهر الاصطناعي» الليبي، المصمم لنقل مياه الجنوب إلى مدن الشمال، تحديات متصاعدة بسبب الاعتداءات والتسربات، وتراجع كفاءة التوزيع. ورغم امتداد شبكته لآلاف الكيلومترات منذ وصوله إلى طرابلس عام 1996، فإنه لا يغطي مناطق واسعة، ما عزز انتشار تجارة المياه.

وفي مقابل الانتقادات للاستراتيجية الحكومية الجديدة، يدافع القائمون عليها عن ضرورتها، مؤكدين أنها تستهدف تعزيز قدرة ليبيا على الصمود في مواجهة التغير المناخي، وضمان وصول المياه الصحية بشكل عادل وآمن إلى جميع المدن.

وأكد الدكتور بشير نوير أن الاستراتيجية لا تستهدف رفع أسعار المياه كما يُشاع، بل تركز على تنويع مصادر الإمداد والتوسع في الموارد البديلة، وعلى رأسها تحلية مياه البحر، مستفيدة من الساحل الليبي الممتد لنحو 1850 كيلومتراً على البحر المتوسط.

بدورها، لم تستبعد الباحثة الجيولوجية وعضوة مشروع تطوير الاستراتيجية، ياسمين الأحمر، أن يؤدي نجاح الخطة إلى تخفيف الضغوط المعيشية على الأسر الليبية، عبر تقليص تكاليف شراء المياه والحد من مشقة نقلها وتخزينها، إضافة إلى تقليل الاعتماد على العبوات البلاستيكية.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن ملوحة مياه الصنبور في بعض المناطق تدفع كثيراً من الأسر إلى شراء المياه المعبأة يومياً للشرب والطهي، إلى جانب الاعتماد على الفلاتر المنزلية أو محطات التحلية التابعة للمساجد للحصول على مياه صالحة للاستخدام.

وخلصت الأحمر إلى أن «تطبيق الاستراتيجية قد يسهم في زيادة عدد وكفاءة محطات التحلية، وتوفير مياه نظيفة بشكل أوسع»، لكنها شددت على أن «نجاح أي خطة طويلة المدى يبقى مرهوناً بتوافر الاستقرار السياسي واستمرار الدعم الحكومي، في بلد تتغير فيه الأولويات بتغير الحكومات».


بعد 30 عاماً على مقتلهم... الغموض ما زال يلف قضية رهبان تيبحيرين بالجزائر

صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)
TT

بعد 30 عاماً على مقتلهم... الغموض ما زال يلف قضية رهبان تيبحيرين بالجزائر

صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية للرهبان السبعة التقطت لهم عام 1996 في تيبحيرين (أ.ف.ب)

يصادف السبت 30 من مايو (أيار)، ذكرى العُثور على رؤوس سبعة رهبان من تيبحيرين على طريق في الجزائر سنة 1996؛ وهو ما أثار صدمة كبيرة، في حين لا يزال الغموض يكتنف قضية مقتلهم التي يواصل القضاء الفرنسي التحقيق فيها حتى الآن، والتي تُعدّ موضوعاً بالغ الحساسية في العلاقات بين باريس والجزائر.

كانت فرنسواز بويجا، ابنة أخت أحد الضحايا، وهو الأخ بول فافر-ميفيل، تبلغ 29 عاماً عندما علمت باختطافهم عبر الراديو، ولا تزال تتذكر ذلك بوضوح بعد ثلاثة عقود. تقول بويجا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سمعتُ أن الرهبان قد اختُطفوا. وفهمت على الفور أنها كانت جماعة تيبحيرين حيث كان يعيش خالي».

صورة لواجهة دير سيدة الأطلس في تيبحيرين (أ.ف.ب)

اختُطف الرهبان السبعة من الرهبنة السيسترسية ليلة 26 -27 مارس (آذار) 1996 من دير سيدة الأطلس في تيبحيرين، في التلال المطلة على مدينة المدية الواقعة على بعد نحو 80 كيلومتراً جنوب الجزائر العاصمة. وكانت الجزائر آنذاك غارقة في الحرب الأهلية. وقد شكّل ذلك فاتحة مرحلة انتظار مؤلمة للعائلات.

جاء أول إعلان للمسؤولية بعد شهر موقّعاً من أمير الجماعة الإسلامية المسلحة، جمال زيتوني، في 26 أبريل (نيسان). وبعد شهر آخر، صدر بيان يفيد بأن الرهبان الترابيست قُتلوا ذبحاً في 21 مايو، وعُثر على رؤوسهم في 30 من الشهر، لكن لم يُعثر على جثثهم.

لا تزال العائلات تتمسك بأمل ضعيف في معرفة من قتل الرهبان، في حين أن النظرية الرسمية للسلطات الجزائرية بشأن مسؤولة الجماعة الإسلامية المسلحة تعرضت للتشكيك، خصوصاً من خلال شهادات، وإن كان يصعب إثباتها، لأعضاء سابقين في الجيش الجزائري تفيد بتورط الاستخبارات العسكرية.

* احتمال فبركة الذبح

في عام 2018، تعززت الشكوك إثر صدور تقرير لخبراء فحصوا عينات أُخذت عام 2014 من جماجم الرهبان المدفونة في تيبحيرين، ونُقلت إلى باريس عام 2016 بعد خلاف مع الجزائر. ورأى الخبراء أن فرضية حدوث الوفيات قبل تاريخها الرسمي «معقولة». وأشاروا إلى أن آثار قطع الحلق تظهر في جمجمتي راهبين فقط، وأن جميعها تظهر عليها علامات على «قطع الرأس بعد الوفاة»؛ ما أثار الشكوك حول احتمال أن يكون الذبح مفبركاً.

ومنذ تقييم الخبراء «لم تظهر أي معلومات جديدة» وفق فرنسواز بويجا، التي تؤكد أن «الأهم هو أن يظل التحقيق مفتوحاً؛ حتى تتسنى مواصلته في حال ظهور أدلة جديدة» مثل «شهادة أو دليل تم الاحتفاظ به».

من جانبها، ترى إليزابيت بونبان، شقيقة الراهب كريستوف لوبروتون، أن «كثيرين يعرفون، لكنهم لا يجرؤون على الكلام، وأنا أتفهمهم».

الرهبان السبعة اختُطفوا من الرهبنة السيسترسية ليلة 26 - 27 مارس 1996 من دير سيدة الأطلس في تيبحيرين (أ.ف.ب)

أما بالنسبة لباتريك بودوان، محامي الكثير من العائلات، فإن «ما يمنح بعض الأمل هو تحسن العلاقات بين فرنسا والجزائر. ففي كل مرة تتحسن فيها العلاقات، تظهر بعض الانفتاحات الصغيرة».

ويأمل المحامي الذي تحدث قبل بضعة أشهر مع قاضي التحقيق الجديد المسؤول عن القضية، أن يتم تنفيذ «الإنابة القضائية الدولية الصادرة في عام 2022، لعقد جلسات استماع، وإجراء المزيد من التحقيقات في الموقع».

* «رسالة إنسانية»

خلال زيارته للجزائر في 18 مايو الماضي، طلب وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان شخصياً من نظيره الموافقة على زيارة القضاة، حسبما صرحت وزارة العدل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وقد رحب المحامي بودوان بهذا «الخبر السار».

ورغم مرور كل هذه السنوات الطويلة، لا تزال رسالة الرهبان الذين ألهم مصيرهم المأسوي فيلماً حمل توقيع المخرج كزافييه بوفوا سنة 2010، وفاز بالجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي، حاضرة في الأذهان. فقد كان الرهبان الذين رفضوا المغادرة رغم انعدام الأمن، يتشاركون الخضر التي كانوا يزرعونها في حديقتهم مع السكان المحليين، في حين كان الأخ لوك يقدّم لهؤلاء العلاج الطبي.

دير سيدة الأطلس في تيبحيرين حيث تم اختطاف الرهبان السبعة (أ.ف.ب)

وتراوحت أعمارهم بين 45 و82 عاماً عند مقتلهم، وتم تطويبهم في أواخر عام 2018 في وهران، إلى جانب اثني عشر راهباً آخر قُتلوا في الجزائر خلال «العشرية السوداء» للحرب الأهلية، التي أودت بنحو 200 ألف شخص بين عامي 1992 و2002.

الغموض ما زال يلف قضية رهبان تيبحيرين بالجزائر رغم مرور 30 عاماً على مقتلهم (أ.ف.ب)

تقول فرنسواز بويجا: «كانت رسالتهم رسالة أخوّة وسلام وإنسانية ومصالحة مع الجزائر؛ لأنهم أحبوا العيش جنباً إلى جميع الجزائريين، وكانوا ملتزمين البقاء حتى النهاية تضامناً مع جيرانهم. هؤلاء الرهبان العاديون يعلموننا أنه حتى في الأمور العادية يمكننا تحقيق أشياء استثنائية؛ ولهذا السبب أعتقد أن اغتيالهم أثّر في الكثيرين».

بدورها، تقول إليزابيت بونبان: «كان كل هذا واضحاً في رسائلهم: لم يكن بإمكانهم المغادرة، وقد أصبحوا يقبلون الموت بدافع الحب لأولئك الذين التقوا بهم».