حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم... مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين وتدمير البنية التحتية وتخريب الاقتصاد... ولا حلول في الأفق

TT

حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

تزداد الحرب السودانية، وهي تدخل اليوم عامها الثالث، بشاعة كل يوم بل كل ساعة؛ إذ ترتفع وتائر القتل الميداني، وتنتشر بكثافة مقاطع تصور المآسي والإعدامات الميدانية، وإطلاق الرصاص على الهوية والعِرق والجهة. الكل يقتل المواطن الذي لا يستطيع فتح عينيه ليرى، أو فمه ليقول، فهناك رصاصة في مكان ما، أو سكين ما تنتظره لتقتله.

الأرقام تشير إلى حقيقة ثابتة، وهي أن الحرب بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جانب، و«قوات الدعم السريع» من جانب آخر، والتي بدأت كمواجهة بين طرفين عسكريين، تحولت بسرعة إلى حرب يعاني من ويلاتها الشعب السوداني بأكمله على امتداد الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه. من يموت فيها في كلتا الحالتين هو المواطن... وتدمر مستشفياته ودور العلم والجسور وبنية الوطن التحتية.

«البندقية» لم تكن موجهة نحو الجنود فحسب، بل كانت موجهة أيضاً نحو المدنيين الأبرياء. فالجيشان لا يتواجهان في ساحة معركة تقليدية، فهي حرب مدن. كل منهما متحصن في معسكره، بينما يتم توجيه المدافع والبراميل المتفجرة الطائشة، إلى قلب المواطن المسكين... هي حرب على المواطن بجدارة، كما تقول الامم المتحدة ومنظماتها.

حصاد الدمار

قدرت تقارير أممية وإعلامية خسائر الحرب الاقتصادية الكلية بنحو 200 مليار دولار أميركي، والبشرية بمئات الآلاف من القتلى والجرحى، مع دمار لنحو 60 في المائة من البنية التحتية للدولة، وتشريد نحو ثلث السكان بين نازح ولاجئ (يقدر عدد السكان بنحو 42 مليون نسمة). أزمة إنسانية وصفها الإتحاد الأوروبي بأنها الأسوأ في القرن الواحد والعشرين.

تدخل حرب السودان عامها الثالث من دون حلول تلوح في الأفق القريب، على الرغم من «التقدم اللافت» الأخير للجيش. وألحقت الحرب دماراً غير مسبوق على المستويات كافة، فإضافة إلى إزهاق أرواح 60 ألفاً وعدد غير محصى من الجنود في الطرفين، وإصابة وإعاقة مئات الآلاف، وتشريد نحو ثلث سكان البلاد.دمرت الحرب أيضاً البنى الاقتصادية والتحتية للدولة، وأصبح نحو نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يهدد الجوع نحو 20 مليون شخص، وفقاً للأمم المتحدة، ونزوح ولجوء نحو 14 مليون مواطن داخلياً وإلى دول الجوار.

قتل المتعاونين من الجانبين

في بلدة «طيبة الحسناب»، جنوب الخرطوم، أودت رصاصات غاشمة بحياة شيخين في التسعين من عمرهما؛ لأنهما أفصحا عن انتمائهما الإثني، فتم «ذبحهما» بدم بارد من قبل «متطرفين» بتهمة «التعاون» مع «الآخر». ترجع أصول هذين الشيخين «عثمان محمد» وشهرته «شورى» ورفيق موته، حسب الله أبو طاقية، إلى غرب السودان، ويقيمان في بلدة طيبة الحسناب في منطقة جبل الأولياء (جنوب الخرطوم)، التي يقع جوارها أحد أهم معسكرات «قوات الدعم السريع»، وهو «معسكر طيبة»، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى ما قبل الحرب وقبل سقوط نظام الإسلامويين عام 2018.

الرجلان ورفاقهما لا يدرون أن مجرد الانتماء لجهة وإثنية سودانية، جريمة كافية للقتل والتصفية.

المتطرفون من الجانبين يعدّون كل من لم ينزح، أو من ينتمي عرقياً لواحد من المكونات المتهمة بتأييد «الآخر» «حواضن اجتماعية»، فيسارعون إلى سؤاله: «ما قبيلتك؟»، أو قد يكتفون بملامحه لإعدامه.

«المتطرفون» استباحوا الخرطوم، عوضاً عن «طمأنة» المواطنين الذين ذاقوا الأمرّين إبان سيطرة «الدعم السريع» على مناطقهم، شنت حرباً انتقامية عليهم. لا تشفع للمتهم بالتعاون مع الغير، لحيته البيضاء، أو صراخ أطفال للحيلولة دون تصفيته. لا شيء يوقف الرصاصات التي تتجه إلى الرؤوس والقلوب لتقتل «المتعاونين» من دون رحمة.

جنود يصلون إلى منطقة استعادها الجيش السوداني جنوب الخرطوم 27 مارس (أ.ب)

«الدعم السريع» قتل وانتهك الآلاف

أيام سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، أو المدن الأخرى في ولاية الجزيرة، لم تكن «الأفضل»، فكل من يؤيد الجيش هو «فلول» تتم تصفيته أيضاً، أو في الحد الأدنى يتم إلقاؤه في سجن «عشوائي»، يموت داخله جراء التعذيب والجوع والعطش. فـ«قوات الدعم السريع» هي الأخرى قتلت الآلاف بدءاً من غرب دارفور، واغتالت بدم بارد حاكم الولاية، وواصلت القتل في كل مكان سيطرت عليه، وأبشعها كانت «حملاتها الانتقامية» ضد سكان شرق الجزيرة، إثر انشقاق القائد، أبو عاقلة كيكل، عنها وانضمامه للجيش.

بعد استرداد الجيش للخرطوم، انتشرت مقاطع فيديو في غاية «البشاعة» تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي، لناجين من سجون «الدعم السريع» التصقت جلودهم بعظامهم من شدة الجوع وسوء التغذية والتعذيب. قال الجيش إنه «حررهم» من الأسر. كانوا في غاية الهزال، بل مات بعضهم بمجرد إطعامهم بصدمة التغذية. أحدهم ويبدو عليه الهزال الشديد، قال: «حشروني و25 سجيناً في غرفة ضيقة، وبالداخل إناء لقضاء الحاجة... حين يمتلئ نسبح في فضلاتنا؛ لأننا مضطرون للنوم عليها، ومع ذلك لا يتركوننا لبؤسنا، بل نخضع لتعذيب بدني ونفسي قاسٍ، يومياً... كان يموت أحدنا جراء التعذيب أو الجوع والمرض، وانعدام الأدوية».

أوضح الجيش أن من أسماهم «شراذم الدعم السريع»، كانوا يطعمونهم لقيمات من «عصيدة الذرة دون إدام» مرتين في اليوم، مع عدة جرعات من الماء للشرب والنظافة، وبالتأكيد هي لا تكفي للشرب ناهيك عن النظافة، ما أدى لانتشار القمل والحشرات في أجساد المساجين، المكومين فوق بعضهم البعض، مع الحرمان من النوم بسبب ضيق المكان أو رداءة البيئة، أو الإزعاج المنظم.

وتضج الميديا الشعبية السودانية أيضاً، بمقاطع فيديو وصور بالغة البشاعة، لعمليات تصفية جماعية وسط تهليل وتكبير، على مرأى ومسمع من الأطفال والنساء، حتى إن الموت بالدانات والصواريخ والمسيرات العشوائية والبراميل المتفجرة يبدو أكثر رحمة.

بهذا المحمول «البشع» تدخل حرب السودان «العبثية» - بحسب وصف قائد الجيش لها - عامها الثالث، وفي الواقع هي لم تعد حرباً بين جيشين، كما يزعم «الدعم السريع»، أو بين جيش وقوات متمردة عليه و«عميلة» كما يزعم الجيش، فقد تحولت لحرب استهداف للمواطن المسكين، جعلت منه هدفها وضحيتها، وحق للأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، وصفها بأنها «حرب على الناس».

انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي

المستشار الاقتصادي السوداني، عبد العظيم الأموي، قال في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الحرب أحدث دماراً هائلاً على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ما أدى لفقدان السودان نحو 25 المائة من رصيده الرأسمالي، بجانب التخريب الذي طال البنية التحتية الاقتصادية من طرق، ومطارات، وجسور، ومصانع، ومشروعات. وأوضح الأموي، وهو رئيس قسم أبحاث السوق في شركة «أسواق المال» الخليجية، أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تدهورت، وبلغ الانكماش 37.5، بينما ارتفع العجز المالي إلى مستويات قياسية بلغت 9.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع معدل التضخم إلى 245 في المائة في العام الأول بعد الحرب.

وقال المستشار الاقتصادي إن تركيبة الاقتصاد السوداني تعتمد على قطاع الخدمات بنسبة 46.3 في المائة، وعلى القطاع الزراعي 32.7 في المائة، والقطاع الصناعي بنسبة 21 في المائة من حجم الاقتصاد، وأضاف: «عند التدقيق في تركيبة هذه القطاعات، فإن القطاع الصناعي تستحوذ عليه ولاية الخرطوم بنسبة 85 في المائة، وقد تم تدمير كامل للمصانع في الخرطوم، وبذلك يكون القطاع الصناعي قد انهار بشكل شبه كامل في البلاد».

وفي مجال الطاقة، قال الأموي إن السودان كان يستورد 70 في المائة من احتياجاته من المواد البترولية، بينما يغطي الإنتاج المحلي، 30 في المائة المتبقية، لكن بعد الحرب وتدمير مصفاة الجيلي التي كانت تنتج يومياً 3.8 ألف طن من الجازولين و2.7 ألف طن من البنزين و0.8 ألف طن من غاز الطبخ، فقد توقفت عن العمل جراء تدميرها عن طريق القصف المتكرر، والآن أصبح السودان يستورد كل احتياجاته من البترول، ما شكل ضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي. وأشار إلى التراجع السلبي في القطاع الزراعي، الذي أدى لتراجع إنتاج الحبوب بنسبة 46 في المائة مقارنة بالإنتاج قبل الحرب، وإلى تدهور بنسبة 41 في المائة مقارنة بمتوسط الأعوام الخمسة الماضية. وتابع: «بتفصيل أكثر للأرقام تراجع إنتاج الذرة في عام 2023/2024 بنسبة 42 في المائة، وتراجع إنتاج الدخن بنسبة 64 في المائة، ما أدى لتفاقم أزمة الأمن الغذائي». ويقول الأموي إن آخر الأرقام تشير إلى أن 14 مليوناً نزحوا بسبب الحرب، وغادر نحو 1.7 مليون شخص البلاد، وبذلك أصبحت أزمة النزوح بسبب الحرب، هي الأكبر عالمياً.

تدهور العملة المحلية

وتوقف الأموي عند سعر صرف الجنيه السوداني، مشيراً إلى أنه تدهور بنسبة 74 في المائة في العام الأول من الحرب، «واستمر في التدهور ليصل إلى 81 في المائة في 2024». وقال إن سعر صرف الدولار الواحد يساوي 2107 جنيهات سودانية في السوق الموازية عام 2025، وتابع: «خلاصة القول، إن استمرار الحرب أدى لتدهور اقتصادي أفقد السلطة 85 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب بامتياز، وتمدد اقتصاد الظل غير المنظم في عدد كبير من ولايات السودان».

وأوضح أن الحرب تسببت في تجريف موارد السودان بالتهريب إلى دول الجوار، من ذهب أو ثروة حيوانية وموارد زراعية، وخرجت البلاد من الاقتصاد المنظم إلى دوائر اقتصاد السوق السوداء الخارجية.

تراجع الإنتاج الزراعي

رأى الخبير الاقتصادي، عمر سيد أحمد، في مقال على موقع «الراكوبة»، على الإنترنت، أن «القطاع الزراعي الذي يعد عموداً فقرياً لاقتصاد البلاد، ويعمل به نحو 80 في المائة من القوى العاملة، يسهم بنحو 32.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تدمر بنسبة تقدر بنحو 65 في المائة، ونزح المزارعون وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت مدخلاته من الوقود، والبذور، والأسمدة، وفقدت البلاد موسمين زراعيين، بينما يواجه الموسم المقبل تحديات كبيرة».

وعلى الرغم من أن سيد أحمد قدر الخسائر حتى نهاية عام 2024 بنحو 100 مليار دولار، فإن تقارير إعلامية تتحدث عن خسائر تجاوزت 200 مليار دولار.

وقال سيد أحمد: «في ظل استمرار الحرب وتواصل تدمير البني التحتية، فإن تقدير الخسائر مهمة بالغة الصعوبة؛ لأن الأضرار ليست ثابتة أو منتهية، بل متزايدة باضطراد».

الأزمة الصحية

تسببت الحرب في أزمة «صحية» كبيرة وغير مسبوقة، خرجت بسببها المستشفيات العامة والخاصة ومراكز الخدمات الصحية، عن الخدمة.

وزير الصحة الاتحادي المكلف، د. هيثم محمد إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن 70 في المائة من المستشفيات والمراكز الصحية في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار وبعض أجزاء النيلين». وأوضح أن «الميليشيا» - «قوات الدعم السريع» - قصفت المستشفيات مرات عديدة، خاصة مستشفيات النو والبلك والدايات في الخرطوم، وأن مستشفيات مدينة الفاشر تعرضت للقصف أكثر من 15 مرة، بينما تم تدمير المختبر الرئيسي للصحة العامة (استاك) واستخدامه «ثكنة عسكرية» منذ الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى تدمير المراكز الطبية المتخصصة. وقدر الوزير خسائر القطاع الطبي وحده بأكثر من 11 مليار دولار أميركي.

ووفقاً لوزير الصحة، قتلت «الميليشيا» أكثر من 60 طبيباً وكادراً طبياً، بينهم 7 من أطباء وكوادر غسيل الكلى في أثناء قيامهم بمداواة المرضى، وأشار إلى عجز كبير في الكادر الطبي بسبب اللجوء خارج البلاد، بيد أن الوزير أشار إلى منح وزراء الصحة العرب منح جائزة الطبيب العربي للطبيب السوداني، تقديراً لتضحياته في أثناء الحرب. وتسبب الدمار الذي تعرض له القطاع الصحي وخراب البيئة، وفقاً للوزير، في تفشي الأمراض والأوبئة مثل «الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا» التي فتكت بعشرات الآلاف.

المدارس تحولت لثكنات أو مقابر

المتحدث باسم لجنة المعلمين (نقابة طوعية) الأستاذ سامي الباقر، وصف الحرب بـ«الكارثة العظمى التي ضربت بنية التعليم في البلاد»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد إحصائيات بحجم الخسائر والدمار الذي أصاب التعليم... ولكن التقديرات تشير إلى أن 20 ألف مدرسة تأثرت بالحرب كلياً أو جزئياً، وإن 6 - 7 ملايين تلميذ من أصل 12 مليوناً قبل الحرب، أصبحوا خارج المدارس طوال عامي الحرب، وأن من استطاعوا مواصلة التعليم لا يزيد عددهم على 3 - 4 ملايين». وأضاف الباقر: «ومن المحزن أن بعض المدارس ومؤسسات التعليم تم تحويلها لثكنات عسكرية، أو استهدفت بالقصف، أو تحولت لدور إيواء، بل إن بعضها استخدم مقابر لدفن القتلى، وهو دمار يفوق قدرة السودان، ولن يستطيع استعادته في المستقبل القريب».

وحذر الخبير التربوي من تقسيم البلاد إلى مناطق تستمر فيها الدارسة، وأخرى بلا مدارس، وقال: «أخشى من تجزئة الوجدان السوداني»، إشارة إلى عقد «امتحانات الشهادة السودانية» في مناطق سيطرة الجيش فقط، وتابع: «المؤكد أن مستقبل من لم يجلسوا لامتحان الشهادة قد ضاع، سيما وأن عدد الممتحنين للشهادة السودانية في حدود 570 ألف تلميذ، لم يجلس مهم للامتحان سوى نحو 200 ألف».

معظم مدارس السودان أصابها الدمار... وفي الصورة طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان 28 ديسمبر (أ.ف.ب)

وأشار الباقر إلى الأوضاع المزرية التي يعيشها قطاع المعلمين في السودان، وقال إن جميع المعلمين على مستوى السودان «حرموا حتى من رواتبهم على ضعفها»، (الحد الأعلى لراتب المعلم 70 دولاراً، بينما الحد الأدنى في حدود 5 دولارات للمهن العمالية في التعليم). ونوه إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدارس، وما قد تترتب عليه من مخاطر، «كأن ينخرط بعض التلاميذ في الجريمة»، وأضاف: «تراكم الدفعات للقبول في المدارس يفوق السعة الاستيعابية للمدارس»، واستطرد: «كان نحو 1.2 مليون تلميذ يتم قبولهم سنوياً، والآن مع توقف المدارس عن العمل للعامين سيتضاعف الرقم، وهذا يفوق قدرة المدارس الاستيعابية». وتوقع الباقر أن يعود التلاميذ في الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية إلى أميين مجدداً؛ إذ «عملياً سيكون تلاميذ الصفوف من الأول حتى الثالث الابتدائي، قد عادوا أميين من جديد، بسبب غيابهم لفترة طويلة عن مقعد الدراسة».

أدت الحرب لتشريد أكثر من 15 مليوناً؛ بين نازح داخلياً ولاجئ لدول الجوار، بحسب منظمة الهجرة الدولية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها «أكبر كارثة نزوح في العالم»، ووفقاً لتقارير إعلامية أدت عمليات النزوح الواسعة إلى فقدان مصادر دخول الشرائح المنتجة، وأدت لتدمير الصحة النفسية والجسدية لأغلب السكان.

وذكرت مصفوفة تتبّع النزوح، التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، في آخر تحديث، أن 11.3 مليون، نازح داخلي، وقرابة 4 ملايين شخص عبروا الحدود ولجأوا إلى دول الجوار (مصر، جنوب السودان، تشاد، إثيوبيا، أوغندا، كينيا)، وأن أكثر من نصفهم «أطفال» 27 في المائة منهم دون الخامسة، و28 في المائة منهم فتيات تحت الثامنة عشرة، وهم يعيشون أوضاعاً متردية، لا تتوفر لهم فيها الخدمات الأساسية. وأوضحت المنظمة الدولية أن الحرب جعلت أكثر من 30.4 مليون شخص، أي نحو 3 أرباع عدد سكان البلاد المقدر بنحو 42 مليوناً، بحاجة لمساعدات إنسانية، بينهم 16 مليون طفل، بينما يواجه 20 مليوناً خطر المجاعة. بيد أن الهجرة الدولية ذكرت في آخر تقارير أن نحو 400 ألف شخص عادوا إلى منازل منهوبة ومحترقة، بعد أكثر من عام من النزوح، بعد استعادة الجيش للمدن التي كانت تحت سيطرة «الدعم السريع».

نهب المنازل والممتلكات

في عامها الثالث، فإن البنادق والمدافع والطائرات والدبابات والمدرعات، والبراميل المتفجرة، و«التاتشرات» (تسمية محلية لسيارات تايوتا لاندكروز بيك آب رباعية الدفع)، قتلت نحو 60 - 100 ألف مدني، بينما لم يمت من جنود الطرفين سوى أعداد تقدر بنحو 15 ألف قتيل.

ولم تقف الاعتداءات على المواطنين عند حد قتلهم وتشريدهم وطردهم، بل امتدت إلى ممتلكاتهم، فالمنازل دُمرت وسُرقت ونُهبت، واللافت أن كلا الطرفين حين يسيطر على منطقة، فإن عناصر من المنتشين يقتلون المدنيين نكاية بما يطلقون عليه «التعاون مع الطرف الآخر»، ثم ينهبون ممتلكاتهم الثمينة، ويدمرون بيوتهم، والحصيلة «أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، بحسب الأمم المتحدة، والاسوا في القرن الحالي حسب الاتحاد الأوروبي.

ففي أيام سيطرتها، نهب أفراد محسوبون على «قوات الدعم السريع» يرتدون أزياءها، السيارات والمقتنيات في المنازل، وقضى اللصوص المحليون، يطلق عليهم شعبياً «الشفشافة»، على ما تبقى من ممتلكات الناس.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وبعد «تحرير» الخرطوم والجزيرة، تعرض ما تبقى من ممتلكات المواطنين للنهب من لصوص جدد.

بدأت الحرب صراعاً على السلطة بين الجنرالين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان «حميدتي». قائد الجيش وصفها منذ البداية بأنها «حرب عبثية»، لكن حين طالت تحولت سريعاً إلى حرب ضد الشعب، وفي هذه المرحلة وصفها الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، في آخر تقاريره، بأنها «حرب على الناس»، وقال إن «أطرافها لا يفشلون فقط في حماية المدنيين، بل يفاقمون معاناتهم».

تنجو الأفيال وتدفع الحشائش الثمن

باستمرارها، أصبحت حرباً جوية وتكنولوجية، لا يتقاتل أطرافها مباشرة، فالطرفان يعتمدان على الطيران الحربي والمسيرات والمدفعية، وتسقط قذائفه وبراميله المتفجرة على المدنيين، وحين يرد «الآخر» بمسيراته «العمياء» أو مدفعيتها تسقط حمولاتها على صدور ورؤوس المواطنين «الدروع البشرية» التي يتقاتلان تحت حمايتها. فتنجو الأفيال وتدفع «الحشائش» الثمن.

العنف الجنسي وتقنيات القتال

القصف العشوائي، تحت ذريعة استهداف قوات الطرف الآخر يقتل المدني قبل العسكري، بجانب انتهاكات أخرى استخدمت لا تقل بشاعة، من القصف العشوائي، مثل استخدام «العنف الجنسي»؛ كأداة لإذلال السكان وإخضاعهم. وبحسب التقديرات، فإن نحو 12.1 مليون امرأة وفتاة، وعدداً من الرجال والفتيان يتهددهم خطر العنف الجنسي، وتوجهت أصابع الاتهام بها إلى «قوات الدعم السريع».

واعتمد في هذه الحرب أسلوب «الحصار والحرمان من الغذاء والدواء»، على المدن والبلدات، ما أدى لحرمان الناس من الغذاء والدواء والخدمات، إضافة إلى اعتماد تدمير البنية المدنية التحتية الحيوية، مثل المرافق الطبية والمدارس والمنشآت العامة، فمنذ أبريل (نيسان) 2023، تخضع مدينة الفاشر لحصار مطبق نتجت عنه أزمة إنسانية طاحنة، بينما كانت القوات الحكومية تمنع وصول المساعدات الإنسانية لمناطق سيطرة «الدعم السريع».

الحرب شردت الملايين من منازلهم ومناطقهم ... وفي الصورة امرأة سودانية في مخيم زمزم بشمال دارفور (رويترز)

من جهته، وصف الناشط الحقوقي عبد الرحمن خضر، ما يعانيه الناس بالكارثة الإنسانية، وقال: «القصف المدفعي والجوي يطال المدنيين الأبرياء، والمجتمع الدولي يتفرج»، ويتابع: «نحن بحاجة إلى تدخل عاجل لوقف هذه المأساة، قبل أن تفقد الأجيال القادمة أي أمل في المستقبل».

وأيدته الناشطة النسوية فاطمة محمود بالقول، إن النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من الحرب، وتابعت: «العنف الجنسي والاغتصاب تحوّلا لأسلحة في الحرب»، وأضافت: «نحن بحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية للمدنيين».

متلازمة الجوع والأوبئة

يهدد خطر المجاعة أكثر من نصف سكان البلاد، بينما تنتشر الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، نتيجة لدمار المنشآت الصحية، وتوقف توريد سلسلة الأدوية واللقاحات، وتتفاقم بسبب الحاجة للغذاء وتدهور البيئة الناتج عن القتال، ويزداد الأمر خطورة بدخول موسم الأمطار.

وفي السياق، ذكر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان الأسبوع الماضي، أن ما سماها «العراقيل المتعمدة» من الأطراف السودانية واقتراب موسم الأمطار ينذران بتعذر الوصول براً إلى مناطق واسعة في البلاد.

وحذر البيان من أن المكاسب الإنسانية «الهشة» في السودان معرضة للخطر ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة بشأن المساعدات الغذائية. وأشار إلى أنه تم تأكيد حدوث مجاعة في عشرة مواقع بالسودان، من بينها ثمانية في ولاية شمال دارفور ومنها مخيم زمزم، بينما تواجه 18 منطقة أخرى في البلاد خطر المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إنه يحتاج بشكل عاجل إلى 650 مليون دولار لمواصلة عملياته بالسودان في الأشهر الستة المقبلة، لافتاً إلى أنه يسعى لتوسيع نطاق مساعداته الغذائية لتقديمها إلى سبعة ملايين شخص شهرياً بحلول منتصف العام، بدلاً من نحو ثلاثة ملايين حالياً.

وتعدّ فئة الأطفال الأكثر تضرراً من الحرب؛ إذ يعاني نحو 1.3 مليون طفل المجاعة، ويتعرضون لمخاطر سوء التغذية الحاد، بينما خرج نحو 16.5 مليون طفل من صفوف الدراسة، وهو أمر يهدد أجيالاً بكاملها، ما لم تضع الحرب أوزارها أو يصحى ضمير المجتمع الدولي ويتذكر الحرب المنسية في السودان.


مقالات ذات صلة

غوتيريش يدين تصاعد هجمات المسيرات في السودان

شمال افريقيا سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

غوتيريش يدين تصاعد هجمات المسيرات في السودان

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشدة تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة في السودان والخسائر الكارثية التي تلحقها هذه الهجمات بالمدنيين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا من اللقاء في «الخارجية» السودانية مع سفراء دول عربية وأفريقية في الخرطوم (وكالة السودان للأنباء)

الحكومة السودانية: نمارس «ضبط النفس» في الرد على الاعتداءات الإثيوبية

قال وكيل وزارة الخارجية السودانية، معاوية عثمان خالد، إن بلاده تمارس أقصى درجات «ضبط النفس» في الرد على الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تنطلق من إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة متداولة لمحولات بمحطة «شندي» للكهرباء التي أصابها الضرر بسبب الهجوم بالمسيرات

«حرب المسيّرات» تضرب شندي السودانية وتغرقها في الظلام

تواصلت حرب المسيّرات على منشآت الطاقة في السودان لليوم الخامس على التوالي، إذ تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل، لهجوم أدى إلى تدمير محطتها التحويلية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء حرب السودان

أعلن الرئيس الروسي استعداده لمساعدة السودان لوقف الحرب، وسلم رئيس مجلس السيادة خريطة طريق للتعاون الثنائي، فيما دعا البرهان إلى علاقة استراتيجية مع موسكو.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الرئيسان السيسي وترمب بشرم الشيخ خلال «مؤتمر السلام» حول غزة في أكتوبر الماضي 2025 (رويترز)

مصر تشدد على أهمية الدور الأميركي في تسوية قضايا المنطقة

بدر عبد العاطي يجدد «التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
TT

السودان: مئات المدنيين قُتلوا بهجمات بمسيّرات انطلقت من إثيوبيا

 عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)
عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

قال مجلس السيادة السوداني، اليوم الأحد، إن أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الجاري، انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، فيما يتصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع".

ويتهم الجيش السوداني أديس أبابا بالوقوف إلى جانب "الدعم السريع"، التي يقاتلها منذ عام 2023، وقد انقسمت السودان إلى مناطق نفوذ بينهما.

من جانبها تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وأكد مجلس السيادة الانتقالي الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان رصد "70 هجوما" بين فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول) 2026 من "مناطق إطلاق إثيوبية" تتضمن "187 طائرة مسيرة".

وأوقعت تلك الهجمات، بحسب التقرير، 484 مدنيا بين قتيل ومصاب، وأسفرت عن مقتل 176 مجندا بالجيش، في النيل الأزرق والخرطوم وغيرها، مستهدفة مستشفيات ومناطق سكنية ومرافق للوقود والكهرباء.

ويعتمد طرفا الحرب في السودان بشكل كبير على الطائرات المسيرة، حيث تراجعت حدة المواجهات المباشرة وارتفعت وتيرة الهجمات الجوية في الغرب والجنوب.

وحذرت الأمم المتحدة من ارتفاع وتيرة هجمات الطائرات المسيرة التي تسببت في مقتل أكثر من 1,100 شخصا منذ بداية العام، بينهم أكثر من 300 خلال الشهر الماضي فقط.

وحملت الخرطوم في التقرير "إثيوبيا المسؤولية الدولية عن العمليات العابرة للحدود"، مطالبة "بالوقف الفوري للهجمات التي تُشنّ ضد أراضيها، وإغلاق المنشآت الإثيوبية التي تُستخدم من قِبل قوات الدعم السريع".

وأكد التقرير أن السودان يسعى إلى "المساءلة والحصول على تعويضات عن الأضرار والدمار الناجم عن تلك الأعمال".

وذكر التقرير هجوما استهدف عائلات نازحة في ود الماحي بولاية النيل الأزرق الشهر الماضي، مسفرا عن مقتل 30 مدنيا، بينهم 26 امرأة وأربعة أطفال.

واعتمد التقرير الذي أعدته وزارة الخارجية السودانية مع الاستخبارات العسكرية والعامة على أدلة من حطام المسيرات وبيانات الرحلات الجوية والسجلات العسكرية.

ومن بين الأدلة حاسوب تحكم خاص بأحدى المسيرات التي سقطت في الدمازين في النيل الأزرق في سبتمبر (أيلول)، ضم بيانات مسار الطائرة التي تشير إلى انطلاقها من نقطة على عمق 1,7 كيلومترا داخل الأراضي الإثيوبية.

وأسفرت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام عن مقتل عشرات الآلاف في السودان وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجه، إضافة إلى انتشار المجاعة في عدة مناطق.

وتسببت هجمات في الآونة الأخيرة على محطات الكهرباء في مناطق سيطرة الجيش عن انقطاع واسع للتيار في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض والقضارف.


بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
TT

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)
اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)

تحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، عن «إحراز تقدم في مسار التعاون العسكري بين شرق ليبيا وغربها»، في وقت تتسارع الاتصالات بشأن توحيد المؤسسة العسكرية، وسط تقارير عن تفاهمات أولية بين الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خليفة حفتر، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة «المؤقتة»، لكنها لم تسفر عن اتفاق نهائي بسبب «خلافات تتعلق بهيكل القيادة العسكرية وعلاقتها بالسلطة السياسية».

وقال بولس في بيان على منصة «إكس»، الأحد، إن الليبيين في شرق البلاد وغربها «أحرزوا تقدماً مهماً على مدى العام الماضي من خلال مبادرات عسكرية مشتركة تستهدف تعزيز التوحيد الوطني، شملت المشاركة في تمرين «فلينتلوك 2026» الذي استضافت مدينة سرت جزءاً منه، وإنشاء مركز عمليات مشترك، والالتزام بتشكيل قيادة جوية متكاملة».

الزوبي وصدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» خلال بدء «فلينتلوك 2026» في سرت الليبية منتصف أبريل الماضي (أفريكوم)

وشدّد على أن «توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ركيزة أساسية لتعزيز السيادة وضمان الاستقرار»، مؤكداً «ضرورة أن تتزامن هذه الجهود مع تقدم موازٍ في توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والقضائية». وأعرب عن تقديره «للشراكة المستمرة مع القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، ودورها في دعم هذه الجهود التي يقودها الليبيون».

يأتي هذا الحديث في سياق تحرك أميركي متواصل لدفع مسار توحيد المؤسسة العسكرية، بعد مشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها في تدريبات مشتركة، واستضافة البلاد جانباً من تمرين «فلينتلوك» الذي نظمته القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» بمشاركة أكثر من 30 دولة.

وتزامن إعلان بولس، مع تحركات تركية تمثلت باستضافة محادثات بين صدام حفتر، والزوبي، ناقشت مقترحات لإنشاء قيادة عسكرية مشتركة، وتوزيع الصلاحيات بين القيادات في الشرق والغرب.

صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» يتفقد قاعدة الواو العسكرية بالجنوب (الجيش الوطني)

وحسب تقارير محلية، فقد توصل الطرفان إلى «وثيقة تفاهمات مبدئية تتضمن إنشاء أربع رئاسات أركان للمناطق الشرقية والغربية والجنوبية والوسطى، وتشكيل هيئة قيادة مشتركة تضم وزير الدفاع ونائب القائد العام، مع تأجيل حسم مسائل متعلقة بصلاحيات القيادة العليا وتركيبتها».

لكن هذه التفاهمات لم تسفر بعد عن اتفاق نهائي، فقد «تمحورت الخلافات حول الجهة السياسية التي ستخضع لها القيادة العسكرية الموحدة، وطبيعة العلاقة بين وزارة الدفاع والمجلس الرئاسي، ومستقبل منصب القائد العام الذي يشغله خليفة حفتر في الشرق»، وفق التقارير... وبينما «تمسك وفد الزوبي بحصر التفاهمات في الجانب العسكري أولاً ، أصر الجانب الآخر على ربط المسارين العسكري والسياسي».

وترى مصادر عسكرية أن«الخلاف لا يتعلق فقط بتوزيع المناصب العسكرية، بل يمتد إلى شكل السلطة التي ستتولى الإشراف على الجيش، ومن يملك القرار النهائي في التعيينات والميزانيات والتسليح والعمليات».

جانب من لقاء صدام حفتر والزوبي في تركيا (أرشيفية)

وكان رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي طالب، بصفته القائد الأعلى للجيش، الزوبي ورئيس الأركان صلاح النمروش، بـ«عدم توقيع أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم أو محاضر ذات أثر ملزم، أو إقرار هياكل وترتيبات تنظيمية وقيادية تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية، قبل عرضها على وزير الدفاع والتنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5)، ثم إحالتها إلى القائد الأعلى للحصول على الاعتماد المسبق، وفق الإجراءات القانونية المقررة».

وأثارت هذه الخطوة خلافاً داخل «المجلس الرئاسي» نفسه، إذ اعترض عضو المجلس موسى الكوني، على الطلب، قائلاً إنه «لم يعرض على المجلس ولم تصدر بشأنه موافقة جماعية موثقة أو تفويض جماعي». ورغم تأكيد الكوني دعمه جهود توحيد المؤسسة العسكرية، فإنه حذر من «أن استمرار الانقسام يكرس تعدد مراكز القرار، ويضعف قدرة الدولة على صون سيادتها».

وفي مسار موازٍ، بحث رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، مساء السبت، مع تجار وممثلين عن غرف التجارة والصناعة في المنطقة الحرة بمصراتة، تداعيات الإجراءات الاقتصادية على السوق المحلية. وأسعار السلع وآليات فتح الاعتمادات المستندية وسعر صرف الدولار، إلى جانب ملف الدولار الجمركي، وقرار وزارة الاقتصاد والتجارة قصر عمليات الاستيراد على القنوات المصرفية.

وقال الدبيبة إن حكومته «تسعى إلى اتخاذ إجراءات متوازنة تضمن استقرار السوق، وتوافر السلع وانسياب عمليات الاستيراد، بما يحد من ارتفاع الأسعار ويخفف الأعباء عن المواطنين، ويحافظ على قدرتهم الشرائية».

ويأتي الاجتماع بعد اعتراضات من تجار على قرار قصر الاستيراد على القنوات المصرفية، إذ يقول بعضهم، إن «الإجراءات المصرفية الحالية لا تتيح لجميع المستوردين، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة، الحصول على التحويلات والتمويل اللازمين لتوفير السلع».


مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
TT

مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)
ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)

يتسع حضور المرأة الليبية تدريجياً في مواقع القيادة والعمل البرلماني، مع اختراقات لافتة حققتها أخيراً في المجالس البلدية، إلى جانب مشاركتها في مسارات الحوار السياسي والمجتمع المدني، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وعسكرياً منذ أكثر من عقد.

لكن هذا الحضور لا يزال دون ثقل المرأة الديمغرافي، إذ تمثل النساء نحو نصف سكان ليبيا، فيما تتحدث ناشطات عن استمرار ممارسات تحمل الإقصاء وعوائق اجتماعية وأمنية وسياسية، وسط مطالب بمشاركة أوسع في الحياة السياسية.

وتتمسك أكاديميات وناشطات تحدثن لـ«الشرق الأوسط»، بتوسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة، من المجالس المحلية إلى البرلمان ومواقع القيادة في الدولة، مع الإشارة إلى تفاوت الفرص والعقبات من منطقة إلى أخرى، فضلاً عن تعرض المرشحات وصانعات القرار لضغوط وحملات تشهير وتهديد عبر الإنترنت.

وحسب رئيسة «الاتحاد النسائي الليبي العام» فتحية البخبخي، فإن المرأة الليبية «وبجهد شاق وحراك سياسي ومدني متصل، أثبتت أنها قوية وقادرة على التغلب على التحديات والصعوبات أياً كان نوعها»، عادّةً، أن «ظروف الصراع والأيام الصعبة التي تعيشها ليبيا في الفترة الانتقالية، كانت مختبراً حقيقياً لقوة المرأة الليبية ومقدرتها على كسب الرهان».

ولفتت البخبخي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن النساء حققن حضوراً في المجتمع المدني والنقابات والعملية الانتخابية، فضلاً عن مشاركتهن في مسارات الحوار السياسي».

وتشغل النساء، خمس حقائب وزارية، إلى جانب عضويتهن في مجلسي النواب و«الأعلى للدولة». وخلال العامين الأخيرين، اتسع حضورهن في الإدارة المحلية، مع انتخاب امرأتين عميدتين للمرة الأولى في تاريخ ليبيا، هما الزائرة الفيتوري المقطوف في زلطن، وجميلة اللواطي في سلوق.

عميدة بلدية زلطن الليبية الزائرة المقطوف خلال متابعة أعمال الصيانة في محطة تحلية المياة بمدينتها (الصفحة الرسمية للبلدية)

وفي انتخابات المجالس المحلية الأخيرة، فازت 207 نساء بمقاعد، بما يمثل 23.8 في المائة من إجمالي الأعضاء المنتخبين، وفق بيانات «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»... وترى البخبخي، أن هذه النتائج «تعكس ارتفاعاً تدريجياً في حضور المرأة بالمجال العام والسياسي»، مؤكدة «استمرار السعي إلى زيادة تمثيلها في البرلمان والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلى جانب تمكينها في المجتمع المدني والأحزاب والنقابات والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات».

وتشكل النساء نحو 49.3 في المائة من إجمالي سكان ليبيا، بواقع 3 ملايين و638 ألفاً و621 امرأة من أصل 7 ملايين و384 ألفاً و208، وفق أحدث بيانات مصلحة «التعداد والإحصاء» (حكومية)، الصادرة في مايو (أيار) الماضي استناداً إلى حصر أجري عام 2024.

ويظهر التفاوت بين المناطق بوضوح أكبر في الجنوب الليبي، حيث تقول الناشطة المدنية ورئيسة منظمة «تصدق» للأعمال الإنسانية زينب أمحمد خميس، إن «التحديات المرتبطة بتهميش المرأة وترهيبها تبدو أوسع نطاقاً في الجنوب، في ظل الاعتبارات القبلية والاجتماعية المعقدة، رغم ما تبديه السلطات من دعم لمشاركة المرأة».

وتوضح زينب لـ«الشرق الأوسط»، أن وصول المرأة إلى منصب عميدة بلدية في الجنوب «لا يزال حلماً بعيد المنال»، بينما قد يؤدي «مجرد إعلان الرغبة في الترشح للبرلمان، إلى التعرض للتنمر والضغوط الاجتماعية من البعض».

وتضيف أن هذه الضغوط تمتد إلى الحياة اليومية، بما يمكن أن «يعطل قدرات النساء ويدفع بعضهن إلى النظر إلى المنزل بوصفه مكانهن الطبيعي»، لافتة إلى أن «منظمات المجتمع المدني والروابط المحلية تواصلان العمل على تغيير هذه الصورة وإتاحة مساحة أكبر للنساء في الحياة العامة».

وتختصر طموح الناشطات في الجنوب بالقول: «نحن متمسكون بحلمنا في تمكين المرأة بصورة تعكس وزنها الديمغرافي، وتولي مناصب قيادية في الدولة، وحتى الوصول إلى موقع الرئاسة».

ولا تقتصر العوائق على الضغوط الاجتماعية والجغرافية، إذ رصد تقرير لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، تصاعد العنف الإلكتروني ضد النساء المنخرطات في الانتخابات البلدية خلال 2025 بدءاً من التسجيل والترشح، وصولاً إلى الحملات وإعلان النتائج.

وزيرة الدولة لشؤون المرأة في غرب ليبيا رندة غريب خلال لقاء مع عضوات في «المجلس الأعلى للدولة» في طرابلس سبتمبر الماضي (صفحة الوزارة)

وسبق أن قالت بعثة الأمم المتحدة،في مارس (آذار) الماضي إن «النساء اللاتي يشغلن مناصب عامة يواجهن في كثير من الأحيان الترهيب والمضايقات»، مشيرة إلى أن «هذه الممارسات تقوض مشاركتهن في الحكم»، داعية إلى «إصلاحات قانونية تزيل العقبات أمام وصول النساء إلى الموارد ومواقع صنع القرار».

وهنا تشير البخبخي، إلى أن«دعم بعثة الأمم المتحدة كان له دور في مساعدة النساء الليبيات على تجاوز جانب من الصعوبات التي ظهرت بعد عام 2011»، لافتة إلى أن مشاركة النساء في «الحوار المهيكل، واللجنة الاستشارية التي رعتها الأمم المتحدة، وصلت إلى نحو 35 في المائة».

لكن النخب النسائية لا تبدو مستعدة للتوقف عند ما تحقق. فقد أثار الحوار الذي رعته الأمم المتحدة بين طرفي الصراع في شرق ليبيا وغربها، وأفضى إلى اتفاق بشأن التشريعات الانتخابية في نهاية أغسطس (آب) الماضي، انتقادات بسبب غياب أي تمثيل نسائي عن طاولة المفاوضات.

وترى الخبيرة القانونية الدكتورة جازية شعيتير، أن هذا الغياب «مخالف لكل السوابق الدستورية والقانونية وحتى الاتفاقات السياسية»، فضلاً عن كونه موضع انتقاد للسياسيين وللبعثة الأممية، التي كان يتعين عليها، حسب رأيها، اشتراط تمثيل نسائي في المفاوضات، بما يعزز مشاركة المرأة الليبية في مسار السلام، ويحترم قرار مجلس الأمن رقم 1325». وتؤكد لـ«الشرق الأوسط»، تمسك النساء الليبيات «بحقهن في تقرير مصير مستقبل البلاد».

في المقابل، تحذر الناشطة الحقوقية انتصار القليب، من «تعميم وصف المجتمع الليبي بأنه ذكوري»، مؤكدة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك «ممارسات اجتماعية خاطئة يجب مواجهتها بالقانون والوعي». كما تشير إلى أن تمكين المرأة يتطلب «قانوناً عادلاً، ومؤسسات تنصفها، ومجتمعاً يحترم حقوقها وكرامتها».