حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم... مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين وتدمير البنية التحتية وتخريب الاقتصاد... ولا حلول في الأفق

TT

حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

تزداد الحرب السودانية، وهي تدخل اليوم عامها الثالث، بشاعة كل يوم بل كل ساعة؛ إذ ترتفع وتائر القتل الميداني، وتنتشر بكثافة مقاطع تصور المآسي والإعدامات الميدانية، وإطلاق الرصاص على الهوية والعِرق والجهة. الكل يقتل المواطن الذي لا يستطيع فتح عينيه ليرى، أو فمه ليقول، فهناك رصاصة في مكان ما، أو سكين ما تنتظره لتقتله.

الأرقام تشير إلى حقيقة ثابتة، وهي أن الحرب بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جانب، و«قوات الدعم السريع» من جانب آخر، والتي بدأت كمواجهة بين طرفين عسكريين، تحولت بسرعة إلى حرب يعاني من ويلاتها الشعب السوداني بأكمله على امتداد الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه. من يموت فيها في كلتا الحالتين هو المواطن... وتدمر مستشفياته ودور العلم والجسور وبنية الوطن التحتية.

«البندقية» لم تكن موجهة نحو الجنود فحسب، بل كانت موجهة أيضاً نحو المدنيين الأبرياء. فالجيشان لا يتواجهان في ساحة معركة تقليدية، فهي حرب مدن. كل منهما متحصن في معسكره، بينما يتم توجيه المدافع والبراميل المتفجرة الطائشة، إلى قلب المواطن المسكين... هي حرب على المواطن بجدارة، كما تقول الامم المتحدة ومنظماتها.

حصاد الدمار

قدرت تقارير أممية وإعلامية خسائر الحرب الاقتصادية الكلية بنحو 200 مليار دولار أميركي، والبشرية بمئات الآلاف من القتلى والجرحى، مع دمار لنحو 60 في المائة من البنية التحتية للدولة، وتشريد نحو ثلث السكان بين نازح ولاجئ (يقدر عدد السكان بنحو 42 مليون نسمة). أزمة إنسانية وصفها الإتحاد الأوروبي بأنها الأسوأ في القرن الواحد والعشرين.

تدخل حرب السودان عامها الثالث من دون حلول تلوح في الأفق القريب، على الرغم من «التقدم اللافت» الأخير للجيش. وألحقت الحرب دماراً غير مسبوق على المستويات كافة، فإضافة إلى إزهاق أرواح 60 ألفاً وعدد غير محصى من الجنود في الطرفين، وإصابة وإعاقة مئات الآلاف، وتشريد نحو ثلث سكان البلاد.دمرت الحرب أيضاً البنى الاقتصادية والتحتية للدولة، وأصبح نحو نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يهدد الجوع نحو 20 مليون شخص، وفقاً للأمم المتحدة، ونزوح ولجوء نحو 14 مليون مواطن داخلياً وإلى دول الجوار.

قتل المتعاونين من الجانبين

في بلدة «طيبة الحسناب»، جنوب الخرطوم، أودت رصاصات غاشمة بحياة شيخين في التسعين من عمرهما؛ لأنهما أفصحا عن انتمائهما الإثني، فتم «ذبحهما» بدم بارد من قبل «متطرفين» بتهمة «التعاون» مع «الآخر». ترجع أصول هذين الشيخين «عثمان محمد» وشهرته «شورى» ورفيق موته، حسب الله أبو طاقية، إلى غرب السودان، ويقيمان في بلدة طيبة الحسناب في منطقة جبل الأولياء (جنوب الخرطوم)، التي يقع جوارها أحد أهم معسكرات «قوات الدعم السريع»، وهو «معسكر طيبة»، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى ما قبل الحرب وقبل سقوط نظام الإسلامويين عام 2018.

الرجلان ورفاقهما لا يدرون أن مجرد الانتماء لجهة وإثنية سودانية، جريمة كافية للقتل والتصفية.

المتطرفون من الجانبين يعدّون كل من لم ينزح، أو من ينتمي عرقياً لواحد من المكونات المتهمة بتأييد «الآخر» «حواضن اجتماعية»، فيسارعون إلى سؤاله: «ما قبيلتك؟»، أو قد يكتفون بملامحه لإعدامه.

«المتطرفون» استباحوا الخرطوم، عوضاً عن «طمأنة» المواطنين الذين ذاقوا الأمرّين إبان سيطرة «الدعم السريع» على مناطقهم، شنت حرباً انتقامية عليهم. لا تشفع للمتهم بالتعاون مع الغير، لحيته البيضاء، أو صراخ أطفال للحيلولة دون تصفيته. لا شيء يوقف الرصاصات التي تتجه إلى الرؤوس والقلوب لتقتل «المتعاونين» من دون رحمة.

جنود يصلون إلى منطقة استعادها الجيش السوداني جنوب الخرطوم 27 مارس (أ.ب)

«الدعم السريع» قتل وانتهك الآلاف

أيام سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، أو المدن الأخرى في ولاية الجزيرة، لم تكن «الأفضل»، فكل من يؤيد الجيش هو «فلول» تتم تصفيته أيضاً، أو في الحد الأدنى يتم إلقاؤه في سجن «عشوائي»، يموت داخله جراء التعذيب والجوع والعطش. فـ«قوات الدعم السريع» هي الأخرى قتلت الآلاف بدءاً من غرب دارفور، واغتالت بدم بارد حاكم الولاية، وواصلت القتل في كل مكان سيطرت عليه، وأبشعها كانت «حملاتها الانتقامية» ضد سكان شرق الجزيرة، إثر انشقاق القائد، أبو عاقلة كيكل، عنها وانضمامه للجيش.

بعد استرداد الجيش للخرطوم، انتشرت مقاطع فيديو في غاية «البشاعة» تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي، لناجين من سجون «الدعم السريع» التصقت جلودهم بعظامهم من شدة الجوع وسوء التغذية والتعذيب. قال الجيش إنه «حررهم» من الأسر. كانوا في غاية الهزال، بل مات بعضهم بمجرد إطعامهم بصدمة التغذية. أحدهم ويبدو عليه الهزال الشديد، قال: «حشروني و25 سجيناً في غرفة ضيقة، وبالداخل إناء لقضاء الحاجة... حين يمتلئ نسبح في فضلاتنا؛ لأننا مضطرون للنوم عليها، ومع ذلك لا يتركوننا لبؤسنا، بل نخضع لتعذيب بدني ونفسي قاسٍ، يومياً... كان يموت أحدنا جراء التعذيب أو الجوع والمرض، وانعدام الأدوية».

أوضح الجيش أن من أسماهم «شراذم الدعم السريع»، كانوا يطعمونهم لقيمات من «عصيدة الذرة دون إدام» مرتين في اليوم، مع عدة جرعات من الماء للشرب والنظافة، وبالتأكيد هي لا تكفي للشرب ناهيك عن النظافة، ما أدى لانتشار القمل والحشرات في أجساد المساجين، المكومين فوق بعضهم البعض، مع الحرمان من النوم بسبب ضيق المكان أو رداءة البيئة، أو الإزعاج المنظم.

وتضج الميديا الشعبية السودانية أيضاً، بمقاطع فيديو وصور بالغة البشاعة، لعمليات تصفية جماعية وسط تهليل وتكبير، على مرأى ومسمع من الأطفال والنساء، حتى إن الموت بالدانات والصواريخ والمسيرات العشوائية والبراميل المتفجرة يبدو أكثر رحمة.

بهذا المحمول «البشع» تدخل حرب السودان «العبثية» - بحسب وصف قائد الجيش لها - عامها الثالث، وفي الواقع هي لم تعد حرباً بين جيشين، كما يزعم «الدعم السريع»، أو بين جيش وقوات متمردة عليه و«عميلة» كما يزعم الجيش، فقد تحولت لحرب استهداف للمواطن المسكين، جعلت منه هدفها وضحيتها، وحق للأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، وصفها بأنها «حرب على الناس».

انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي

المستشار الاقتصادي السوداني، عبد العظيم الأموي، قال في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الحرب أحدث دماراً هائلاً على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ما أدى لفقدان السودان نحو 25 المائة من رصيده الرأسمالي، بجانب التخريب الذي طال البنية التحتية الاقتصادية من طرق، ومطارات، وجسور، ومصانع، ومشروعات. وأوضح الأموي، وهو رئيس قسم أبحاث السوق في شركة «أسواق المال» الخليجية، أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تدهورت، وبلغ الانكماش 37.5، بينما ارتفع العجز المالي إلى مستويات قياسية بلغت 9.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع معدل التضخم إلى 245 في المائة في العام الأول بعد الحرب.

وقال المستشار الاقتصادي إن تركيبة الاقتصاد السوداني تعتمد على قطاع الخدمات بنسبة 46.3 في المائة، وعلى القطاع الزراعي 32.7 في المائة، والقطاع الصناعي بنسبة 21 في المائة من حجم الاقتصاد، وأضاف: «عند التدقيق في تركيبة هذه القطاعات، فإن القطاع الصناعي تستحوذ عليه ولاية الخرطوم بنسبة 85 في المائة، وقد تم تدمير كامل للمصانع في الخرطوم، وبذلك يكون القطاع الصناعي قد انهار بشكل شبه كامل في البلاد».

وفي مجال الطاقة، قال الأموي إن السودان كان يستورد 70 في المائة من احتياجاته من المواد البترولية، بينما يغطي الإنتاج المحلي، 30 في المائة المتبقية، لكن بعد الحرب وتدمير مصفاة الجيلي التي كانت تنتج يومياً 3.8 ألف طن من الجازولين و2.7 ألف طن من البنزين و0.8 ألف طن من غاز الطبخ، فقد توقفت عن العمل جراء تدميرها عن طريق القصف المتكرر، والآن أصبح السودان يستورد كل احتياجاته من البترول، ما شكل ضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي. وأشار إلى التراجع السلبي في القطاع الزراعي، الذي أدى لتراجع إنتاج الحبوب بنسبة 46 في المائة مقارنة بالإنتاج قبل الحرب، وإلى تدهور بنسبة 41 في المائة مقارنة بمتوسط الأعوام الخمسة الماضية. وتابع: «بتفصيل أكثر للأرقام تراجع إنتاج الذرة في عام 2023/2024 بنسبة 42 في المائة، وتراجع إنتاج الدخن بنسبة 64 في المائة، ما أدى لتفاقم أزمة الأمن الغذائي». ويقول الأموي إن آخر الأرقام تشير إلى أن 14 مليوناً نزحوا بسبب الحرب، وغادر نحو 1.7 مليون شخص البلاد، وبذلك أصبحت أزمة النزوح بسبب الحرب، هي الأكبر عالمياً.

تدهور العملة المحلية

وتوقف الأموي عند سعر صرف الجنيه السوداني، مشيراً إلى أنه تدهور بنسبة 74 في المائة في العام الأول من الحرب، «واستمر في التدهور ليصل إلى 81 في المائة في 2024». وقال إن سعر صرف الدولار الواحد يساوي 2107 جنيهات سودانية في السوق الموازية عام 2025، وتابع: «خلاصة القول، إن استمرار الحرب أدى لتدهور اقتصادي أفقد السلطة 85 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب بامتياز، وتمدد اقتصاد الظل غير المنظم في عدد كبير من ولايات السودان».

وأوضح أن الحرب تسببت في تجريف موارد السودان بالتهريب إلى دول الجوار، من ذهب أو ثروة حيوانية وموارد زراعية، وخرجت البلاد من الاقتصاد المنظم إلى دوائر اقتصاد السوق السوداء الخارجية.

تراجع الإنتاج الزراعي

رأى الخبير الاقتصادي، عمر سيد أحمد، في مقال على موقع «الراكوبة»، على الإنترنت، أن «القطاع الزراعي الذي يعد عموداً فقرياً لاقتصاد البلاد، ويعمل به نحو 80 في المائة من القوى العاملة، يسهم بنحو 32.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تدمر بنسبة تقدر بنحو 65 في المائة، ونزح المزارعون وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت مدخلاته من الوقود، والبذور، والأسمدة، وفقدت البلاد موسمين زراعيين، بينما يواجه الموسم المقبل تحديات كبيرة».

وعلى الرغم من أن سيد أحمد قدر الخسائر حتى نهاية عام 2024 بنحو 100 مليار دولار، فإن تقارير إعلامية تتحدث عن خسائر تجاوزت 200 مليار دولار.

وقال سيد أحمد: «في ظل استمرار الحرب وتواصل تدمير البني التحتية، فإن تقدير الخسائر مهمة بالغة الصعوبة؛ لأن الأضرار ليست ثابتة أو منتهية، بل متزايدة باضطراد».

الأزمة الصحية

تسببت الحرب في أزمة «صحية» كبيرة وغير مسبوقة، خرجت بسببها المستشفيات العامة والخاصة ومراكز الخدمات الصحية، عن الخدمة.

وزير الصحة الاتحادي المكلف، د. هيثم محمد إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن 70 في المائة من المستشفيات والمراكز الصحية في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار وبعض أجزاء النيلين». وأوضح أن «الميليشيا» - «قوات الدعم السريع» - قصفت المستشفيات مرات عديدة، خاصة مستشفيات النو والبلك والدايات في الخرطوم، وأن مستشفيات مدينة الفاشر تعرضت للقصف أكثر من 15 مرة، بينما تم تدمير المختبر الرئيسي للصحة العامة (استاك) واستخدامه «ثكنة عسكرية» منذ الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى تدمير المراكز الطبية المتخصصة. وقدر الوزير خسائر القطاع الطبي وحده بأكثر من 11 مليار دولار أميركي.

ووفقاً لوزير الصحة، قتلت «الميليشيا» أكثر من 60 طبيباً وكادراً طبياً، بينهم 7 من أطباء وكوادر غسيل الكلى في أثناء قيامهم بمداواة المرضى، وأشار إلى عجز كبير في الكادر الطبي بسبب اللجوء خارج البلاد، بيد أن الوزير أشار إلى منح وزراء الصحة العرب منح جائزة الطبيب العربي للطبيب السوداني، تقديراً لتضحياته في أثناء الحرب. وتسبب الدمار الذي تعرض له القطاع الصحي وخراب البيئة، وفقاً للوزير، في تفشي الأمراض والأوبئة مثل «الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا» التي فتكت بعشرات الآلاف.

المدارس تحولت لثكنات أو مقابر

المتحدث باسم لجنة المعلمين (نقابة طوعية) الأستاذ سامي الباقر، وصف الحرب بـ«الكارثة العظمى التي ضربت بنية التعليم في البلاد»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد إحصائيات بحجم الخسائر والدمار الذي أصاب التعليم... ولكن التقديرات تشير إلى أن 20 ألف مدرسة تأثرت بالحرب كلياً أو جزئياً، وإن 6 - 7 ملايين تلميذ من أصل 12 مليوناً قبل الحرب، أصبحوا خارج المدارس طوال عامي الحرب، وأن من استطاعوا مواصلة التعليم لا يزيد عددهم على 3 - 4 ملايين». وأضاف الباقر: «ومن المحزن أن بعض المدارس ومؤسسات التعليم تم تحويلها لثكنات عسكرية، أو استهدفت بالقصف، أو تحولت لدور إيواء، بل إن بعضها استخدم مقابر لدفن القتلى، وهو دمار يفوق قدرة السودان، ولن يستطيع استعادته في المستقبل القريب».

وحذر الخبير التربوي من تقسيم البلاد إلى مناطق تستمر فيها الدارسة، وأخرى بلا مدارس، وقال: «أخشى من تجزئة الوجدان السوداني»، إشارة إلى عقد «امتحانات الشهادة السودانية» في مناطق سيطرة الجيش فقط، وتابع: «المؤكد أن مستقبل من لم يجلسوا لامتحان الشهادة قد ضاع، سيما وأن عدد الممتحنين للشهادة السودانية في حدود 570 ألف تلميذ، لم يجلس مهم للامتحان سوى نحو 200 ألف».

معظم مدارس السودان أصابها الدمار... وفي الصورة طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان 28 ديسمبر (أ.ف.ب)

وأشار الباقر إلى الأوضاع المزرية التي يعيشها قطاع المعلمين في السودان، وقال إن جميع المعلمين على مستوى السودان «حرموا حتى من رواتبهم على ضعفها»، (الحد الأعلى لراتب المعلم 70 دولاراً، بينما الحد الأدنى في حدود 5 دولارات للمهن العمالية في التعليم). ونوه إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدارس، وما قد تترتب عليه من مخاطر، «كأن ينخرط بعض التلاميذ في الجريمة»، وأضاف: «تراكم الدفعات للقبول في المدارس يفوق السعة الاستيعابية للمدارس»، واستطرد: «كان نحو 1.2 مليون تلميذ يتم قبولهم سنوياً، والآن مع توقف المدارس عن العمل للعامين سيتضاعف الرقم، وهذا يفوق قدرة المدارس الاستيعابية». وتوقع الباقر أن يعود التلاميذ في الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية إلى أميين مجدداً؛ إذ «عملياً سيكون تلاميذ الصفوف من الأول حتى الثالث الابتدائي، قد عادوا أميين من جديد، بسبب غيابهم لفترة طويلة عن مقعد الدراسة».

أدت الحرب لتشريد أكثر من 15 مليوناً؛ بين نازح داخلياً ولاجئ لدول الجوار، بحسب منظمة الهجرة الدولية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها «أكبر كارثة نزوح في العالم»، ووفقاً لتقارير إعلامية أدت عمليات النزوح الواسعة إلى فقدان مصادر دخول الشرائح المنتجة، وأدت لتدمير الصحة النفسية والجسدية لأغلب السكان.

وذكرت مصفوفة تتبّع النزوح، التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، في آخر تحديث، أن 11.3 مليون، نازح داخلي، وقرابة 4 ملايين شخص عبروا الحدود ولجأوا إلى دول الجوار (مصر، جنوب السودان، تشاد، إثيوبيا، أوغندا، كينيا)، وأن أكثر من نصفهم «أطفال» 27 في المائة منهم دون الخامسة، و28 في المائة منهم فتيات تحت الثامنة عشرة، وهم يعيشون أوضاعاً متردية، لا تتوفر لهم فيها الخدمات الأساسية. وأوضحت المنظمة الدولية أن الحرب جعلت أكثر من 30.4 مليون شخص، أي نحو 3 أرباع عدد سكان البلاد المقدر بنحو 42 مليوناً، بحاجة لمساعدات إنسانية، بينهم 16 مليون طفل، بينما يواجه 20 مليوناً خطر المجاعة. بيد أن الهجرة الدولية ذكرت في آخر تقارير أن نحو 400 ألف شخص عادوا إلى منازل منهوبة ومحترقة، بعد أكثر من عام من النزوح، بعد استعادة الجيش للمدن التي كانت تحت سيطرة «الدعم السريع».

نهب المنازل والممتلكات

في عامها الثالث، فإن البنادق والمدافع والطائرات والدبابات والمدرعات، والبراميل المتفجرة، و«التاتشرات» (تسمية محلية لسيارات تايوتا لاندكروز بيك آب رباعية الدفع)، قتلت نحو 60 - 100 ألف مدني، بينما لم يمت من جنود الطرفين سوى أعداد تقدر بنحو 15 ألف قتيل.

ولم تقف الاعتداءات على المواطنين عند حد قتلهم وتشريدهم وطردهم، بل امتدت إلى ممتلكاتهم، فالمنازل دُمرت وسُرقت ونُهبت، واللافت أن كلا الطرفين حين يسيطر على منطقة، فإن عناصر من المنتشين يقتلون المدنيين نكاية بما يطلقون عليه «التعاون مع الطرف الآخر»، ثم ينهبون ممتلكاتهم الثمينة، ويدمرون بيوتهم، والحصيلة «أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، بحسب الأمم المتحدة، والاسوا في القرن الحالي حسب الاتحاد الأوروبي.

ففي أيام سيطرتها، نهب أفراد محسوبون على «قوات الدعم السريع» يرتدون أزياءها، السيارات والمقتنيات في المنازل، وقضى اللصوص المحليون، يطلق عليهم شعبياً «الشفشافة»، على ما تبقى من ممتلكات الناس.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وبعد «تحرير» الخرطوم والجزيرة، تعرض ما تبقى من ممتلكات المواطنين للنهب من لصوص جدد.

بدأت الحرب صراعاً على السلطة بين الجنرالين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان «حميدتي». قائد الجيش وصفها منذ البداية بأنها «حرب عبثية»، لكن حين طالت تحولت سريعاً إلى حرب ضد الشعب، وفي هذه المرحلة وصفها الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، في آخر تقاريره، بأنها «حرب على الناس»، وقال إن «أطرافها لا يفشلون فقط في حماية المدنيين، بل يفاقمون معاناتهم».

تنجو الأفيال وتدفع الحشائش الثمن

باستمرارها، أصبحت حرباً جوية وتكنولوجية، لا يتقاتل أطرافها مباشرة، فالطرفان يعتمدان على الطيران الحربي والمسيرات والمدفعية، وتسقط قذائفه وبراميله المتفجرة على المدنيين، وحين يرد «الآخر» بمسيراته «العمياء» أو مدفعيتها تسقط حمولاتها على صدور ورؤوس المواطنين «الدروع البشرية» التي يتقاتلان تحت حمايتها. فتنجو الأفيال وتدفع «الحشائش» الثمن.

العنف الجنسي وتقنيات القتال

القصف العشوائي، تحت ذريعة استهداف قوات الطرف الآخر يقتل المدني قبل العسكري، بجانب انتهاكات أخرى استخدمت لا تقل بشاعة، من القصف العشوائي، مثل استخدام «العنف الجنسي»؛ كأداة لإذلال السكان وإخضاعهم. وبحسب التقديرات، فإن نحو 12.1 مليون امرأة وفتاة، وعدداً من الرجال والفتيان يتهددهم خطر العنف الجنسي، وتوجهت أصابع الاتهام بها إلى «قوات الدعم السريع».

واعتمد في هذه الحرب أسلوب «الحصار والحرمان من الغذاء والدواء»، على المدن والبلدات، ما أدى لحرمان الناس من الغذاء والدواء والخدمات، إضافة إلى اعتماد تدمير البنية المدنية التحتية الحيوية، مثل المرافق الطبية والمدارس والمنشآت العامة، فمنذ أبريل (نيسان) 2023، تخضع مدينة الفاشر لحصار مطبق نتجت عنه أزمة إنسانية طاحنة، بينما كانت القوات الحكومية تمنع وصول المساعدات الإنسانية لمناطق سيطرة «الدعم السريع».

الحرب شردت الملايين من منازلهم ومناطقهم ... وفي الصورة امرأة سودانية في مخيم زمزم بشمال دارفور (رويترز)

من جهته، وصف الناشط الحقوقي عبد الرحمن خضر، ما يعانيه الناس بالكارثة الإنسانية، وقال: «القصف المدفعي والجوي يطال المدنيين الأبرياء، والمجتمع الدولي يتفرج»، ويتابع: «نحن بحاجة إلى تدخل عاجل لوقف هذه المأساة، قبل أن تفقد الأجيال القادمة أي أمل في المستقبل».

وأيدته الناشطة النسوية فاطمة محمود بالقول، إن النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من الحرب، وتابعت: «العنف الجنسي والاغتصاب تحوّلا لأسلحة في الحرب»، وأضافت: «نحن بحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية للمدنيين».

متلازمة الجوع والأوبئة

يهدد خطر المجاعة أكثر من نصف سكان البلاد، بينما تنتشر الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، نتيجة لدمار المنشآت الصحية، وتوقف توريد سلسلة الأدوية واللقاحات، وتتفاقم بسبب الحاجة للغذاء وتدهور البيئة الناتج عن القتال، ويزداد الأمر خطورة بدخول موسم الأمطار.

وفي السياق، ذكر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان الأسبوع الماضي، أن ما سماها «العراقيل المتعمدة» من الأطراف السودانية واقتراب موسم الأمطار ينذران بتعذر الوصول براً إلى مناطق واسعة في البلاد.

وحذر البيان من أن المكاسب الإنسانية «الهشة» في السودان معرضة للخطر ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة بشأن المساعدات الغذائية. وأشار إلى أنه تم تأكيد حدوث مجاعة في عشرة مواقع بالسودان، من بينها ثمانية في ولاية شمال دارفور ومنها مخيم زمزم، بينما تواجه 18 منطقة أخرى في البلاد خطر المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إنه يحتاج بشكل عاجل إلى 650 مليون دولار لمواصلة عملياته بالسودان في الأشهر الستة المقبلة، لافتاً إلى أنه يسعى لتوسيع نطاق مساعداته الغذائية لتقديمها إلى سبعة ملايين شخص شهرياً بحلول منتصف العام، بدلاً من نحو ثلاثة ملايين حالياً.

وتعدّ فئة الأطفال الأكثر تضرراً من الحرب؛ إذ يعاني نحو 1.3 مليون طفل المجاعة، ويتعرضون لمخاطر سوء التغذية الحاد، بينما خرج نحو 16.5 مليون طفل من صفوف الدراسة، وهو أمر يهدد أجيالاً بكاملها، ما لم تضع الحرب أوزارها أو يصحى ضمير المجتمع الدولي ويتذكر الحرب المنسية في السودان.


مقالات ذات صلة

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

خاص سيدتان تتجولان في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ.ف.ب)

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً، بدأت العاصمة الخرطوم تستعيد نضبها بعودة بعض الأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب بالسودان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

خاص حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

في أرفف مغطاة بالتراب، يُحيط بها الركام والغبار من كل جانب، تقبع ملايين الوثائق المهمة التي تسجل أكثر من 500 عام من تاريخ السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
الاقتصاد هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية

محمد أمين ياسين (نيروبي)

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً وفراغاً واسعاً في الشوارع، بدأت العاصمة الخرطوم تستفيق من غفوتها، وتعيد شيئاً من ألقها المفقود، وسط محاولات حكومية لإعادة الأنشطة الرياضية إلى الملاعب، واستئناف الفرق الموسيقية لعروضها الفنية، وفتح صالات الأفراح أبوابها مرة أخرى، إلى جانب تجمعات الشباب في أندية مشاهدة مباريات كأس العالم، وهي ملامح شاحبة في مدينة أنهكتها الحرب.

وبين ركام المباني وآثار التخريب، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، ومصاعب الحياة الأخرى، يحاول السكان استعادة تفاصيل حياتهم اليومية وصناعة مساحات للأمل، في مشهد يعكس رغبة قوية في تجاوز آثار الصراع والعودة إلى الحياة الطبيعية رغم التحديات الكبيرة التي لا تزال قائمة.

ذكريات جميلة

عاد استاد الخرطوم إلى الواجهة الرياضية من جديد باحتضانه أول ديربي بين الهلال والمريخ (أكبر ناديين في السودان)، بحضور رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي بذلت حكومته جهوداً من أجل إبراز هذه الجوانب. وشكلت المباراة حدثاً استثنائياً؛ لأنها أعادت كرة القدم إلى أحد أبرز ملاعب السودان بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات. ورغم الأوضاع الصعبة وارتفاع درجات الحرارة، حرصت الجماهير على الحضور إلى استاد الخرطوم لاستعادة ذكريات جميلة، غيبتها الحرب.

مشهد من مباراة الهلال والمريخ بأستاذ الخرطوم الذي أعيد تأهيله (الشرق الأوسط)

يقول المواطن عيسى إبراهيم إن مشاعر الفرح غمرته مع عودة النشاط الرياضي إلى الخرطوم، مؤكداً أن رؤية لاعبي فريقه الهلال على أرض استاد الخرطوم أعادت إليه ذكريات جميلة، وأشعرته بأن الحياة بدأت تستعيد إيقاعها الطبيعي من جديد.

من جانبه، يرى المواطن مصطفى عبد الجليل أن عودة المنافسات الرياضية إلى العاصمة تمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار التعافي المجتمعي، معرباً عن سعادته بمشاهدة لاعبي فريقه المريخ وهم يخوضون مبارياتهم داخل البلاد بعد فترة طويلة من الغياب. ويقول إن الرياضة تمنح الناس متنفساً يحتاجون إليه بشدة في ظل الظروف المعيشية الصعبة، بما في ذلك الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف الحياة.

لكن المواطن موسى الضو، وآخرين، يرون أن هذه الخطوة هي الأولى في مسيرة المليون خطوة لاستعادة الحياة بالكامل. ويرون أن وقف الحرب، ومعالجة آثارها، واستعادة الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والنقل، وتوفير المتطلبات الضرورية، كل ذلك يشكل الأولوية القصوى.

مشاهدة كأس العالم

وفي مؤشر آخر، تحاول حكومة إدريس الدفع به، وهو إعادة نشاط أندية المشاهدة، تدريجياً، حيث فتحت أبوابها في قصر الشباب والأطفال وعدد من المناطق لاستقبال الجماهير الراغبة في متابعة منافسات كأس العالم. وتحولت هذه المساحات إلى نقاط تجمع اجتماعي يلتقي فيها الشباب حول شاشات العرض.

وحرم الآلاف من سكان العاصمة والمدن الأخرى، من مشاهدة مباريات كأس العالم بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الذي يمتد يومياً لساعات طويلة. لذا فقد جاءت خطوة فتح بعض الأندية للجمهور الرياضي، لتعيد بعض الفرح في بلد خيم عليه الحزن منذ سنوات.

كما عاد المواطنون إلى تنظيم حفلات الأعراس داخل الصالات المغلقة بعد سنوات من التوقف والاضطراب. وتصدح الموسيقى مجدداً في مناسبات طال انتظارها.

الفنان التشكيلي عثمان حسين أمام أحد المعارض في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وفي جانب آخر، يقول الفنان التشكيلي عثمان حسين إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب إعادة بناء المشهد التشكيلي عبر المعارض والجداريات والأنشطة الفنية التي تعيد الحياة إلى الفضاء العام، مشيراً إلى أنه ظل في الخرطوم طوال سنوات الحرب إيماناً منه بدور الفن في توثيق ذاكرة الصمود والأمل.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال حسين إن الفنانين يتجهون حالياً نحو الفضاءات العامة والمواقع السياحية القريبة من المجتمع، لما توفره من فرص للتفاعل مع الأسر والأطفال والزوار، مستشهداً بمعرض الزهور الذي أقيم الفترة الماضية في حديقة مارينا بوصفه نموذجاً يجمع بين الجمال والطابع الثقافي والترفيهي.

ويرى حسين أن الفن التشكيلي يمثل وسيلة للتعبير عن آمال السودانيين وتطلعاتهم، كما يسهم في الدعم النفسي والترويح عن الذات، مؤكداً أن الألوان تحمل أثراً إيجابياً يساعد على التعافي من آثار الحرب. وأشار إلى أن أعماله تستلهم ملامح البيت السوداني وتراث مناطق السودان المختلفة، سعياً لإبراز القيم الجمالية والإنسانية التي تعكس تنوع الثقافة السودانية وثرائها.

عودة الفرق الموسيقية

وعادت «فرقة جاز الديوم» إلى الخرطوم بعد سنوات الحرب التي تسببت في توقف نشاطها وفقدان جزء كبير من معداتها وتشتيت أعضائها، حاملةً إيمانها بأن الفن قادر على مواجهة الخراب واستعادة نبض الحياة.

وتُعد الفرقة من أبرز رموز «العصر الذهبي» لموسيقى الجاز السوداني؛ إذ تأسست بين عامي 1965 و1966، ونجحت في تقديم تجربة موسيقية مميزة مزجت بين السلم الخماسي السوداني والآلات الغربية، لتصنع هوية فنية أفرو سودانية خاصة.

أعضاء فرقة «جاز الديوم» خلال إحدى البروفات (الشرق الأوسط)

يقول رئيس الفرقة إبراهيم حسين، الذي تولى قيادتها منذ عام 1983، إن الحرب أوقفت نشاطها لنحو ثلاثة أعوام، قبل أن تستأنف أعمالها بخطط لإحياء عدد من أغنياتها الشهيرة، مثل «إشراقة» و«براي يا خِلة» و«ساكن قصاد الدار»، إلى جانب تقديم أعمال جديدة أبرزها أغنية «أنساها».

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الفرقة فقدت العديد من آلاتها الموسيقية بسبب أعمال النهب، ما اضطرهم إلى إعادة بناء تجربتهم من الصفر. ورغم الخسائر المادية والنفسية، نجحت مؤخراً في تنظيم حفل جماهيري حظي بتفاعل واسع داخل السودان وخارجه، في مؤشر على عودة الحياة الثقافية والفنية إلى العاصمة.

ورغم أن آثار الحرب لا تزال حاضرة في الشوارع والأحياء وعلى وجوه كثير من السكان، فإن عودة المباريات إلى الملاعب، وامتلاء الصالات بالأفراح، واحتشاد الجماهير حول شاشات متابعة كأس العالم، تمثل مؤشرات واضحة على تمسك أهل الخرطوم بالحياة؛ فبين أنقاض الدمار، يواصل السكان كتابة فصل جديد عنوانه الأمل والتعافي، مؤمنين بأن المدينة التي صمدت في وجه الحرب قادرة أيضاً على استعادة نبضها واسترجاع مكانتها بوصفها عاصمة نابضة بالحركة والثقافة والفرح.


«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
TT

«غِش» عصير القصب لم «يُزعزِع» ثقة المصريين بمشروبهم الشعبي المفضل

الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)
الإقبال على محال عصير القصب لم يتأثر رغم الإعلان مؤخراً عن حالات غش (الشرق الأوسط)

اعتادت محلات «عصير القصب» في مصر أن تفترش موائد أمامها وعلى أرصفتها، كي تتيح لقاصديها تناول مشروبهم الشعبي المفضل في أجواء صيفية حارة، يقتنصون خلالها دقائق معدودة يمتزج فيها مذاق العصير المثلج مع شعور منعش بذهاب الظمأ، بينما يتسلل في الخلفية -في أحيان كثيرة- صوت المنشد ياسين التهامي وهو يشدو «أكادُ من فرطِ الجمالِ أذوبُ»، كأنه يصف حالهم مع مشروبهم.

المشهد المعتاد لا يزال محتفظاً بتفاصيله، إلا أنه بات مهدداً بأن يفقد «جماله» مع ما أثير خلال الأيام الماضية عن «غش» عصير القصب، عبر إذابة مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» فيه لإكسابه لوناً أبيض.

وتصدَّر الإعلان عن ضبط هذه المادة في عدد من المحلات بمحافظات مختلفة اهتمام وسائل الاعلام المصرية، مع توالي الضبطيات.

عامل يعصر أعواد القصب أمام أعين الزبائن (الشرق الأوسط)

وانتشر الجدل حول المادة الكيميائية مع ضبط كميات منها نهاية الأسبوع الماضي بمحافظة القليوبية شمالي القاهرة، وتكرار الأمر في محافظة أسيوط بصعيد البلاد، حيث ضُبطت المادة نفسها داخل أحد محال بيع عصير القصب.

ومع شن الأجهزة الرقابية حملات تفتيش مفاجئة بمختلف المحافظات، تم ضبط 18 كيلوغراماً من «ثاني أُكسيد التيتانيوم» بمحافظة بني سويف، الواقعة على بعد 120 كيلومتراً إلى الجنوب من القاهرة، و4 كيلوغرامات بمحافظة الغربية بدلتا النيل، وفق وسائل إعلام محلية.

هل تأثر المشهد؟

ولا تكاد شوارع المدن المصرية والأحياء الشعبية بالقاهرة تخلو من محال وعصّارات القصب التي تصطف على مسافات متقاربة، فيما يتزاحم عليها الزبائن العطشى. لكن هل تأثر مشهد الزحام بما أثير مؤخراً عن «غش» القصب؟

لا يبدو ثمة تأثر رصدته «الشرق الأوسط» في جولة بين عدد من المحال والعصارات. ففي منطقة الإسعاف بوسط القاهرة، وقف عشرات الزبائن بأكواب القصب أمام محلين شهيرين متجاورين، دون أن يختلف المشهد عما هو معتاد.

من بين الزبائن، قال محمد سامي الذي أوصى البائع بعصّر أعواد قصب لا تتضمن «الزَّعزوعة»، وهي الجزء العلوي غير السكري: «عصير القصب بالنسبة لي طقس يومي في الصيف منذ الصغر، ولن أوقف عادتي بسبب واقعة أثيرت حوله. هناك كلام كثير يُقال، لكننا نستطيع تمييز القصب الطبيعي من المغشوش. أعتقد هناك مبالغة، ولا أصدق كل ما يتردد».

عصير القصب خيار صحي ومنعش لدى المصريين (الشرق الأوسط)

ومن وسط القاهرة إلى وسط دلتا النيل، وتحديداً مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية، لم يختلف مشهد الزبائن أمام محلات العصائر التي قال أحد أصحابها، جمال العجواني، إن الإقبال على المشروب الشعبي لم يتأثر، مؤكداً أن حركة البيع تسير بمعدلاتها الطبيعية.

وأضاف: «بعض الزبائن يُبدون مخاوفهم، والاطمئنان يأتي عبر التجربة المباشرة، حيث نطلب منهم ترك كوب العصير 10 ثوانٍ قبل تناوله، فإذا بدأ اللون في التغير نحو الأغمق، فهذا دليل قاطع على أنه عصير طبيعي؛ أما إذا ظل الكوب محتفظاً بلونه الأبيض، فهذا يعني وجود إضافات غير طبيعية».

وهو يرى أن الهجوم الأخير على محلات عصير القصب ليس عفوياً، بل «حملة ممنهجة» قال إن بعض شركات المشروبات الغازية تقف وراءها للتغلب على تراجع مبيعاتها نتيجة الارتفاع الكبير في أسعارها.

يتفق معه مصطفى خليل، وهو تاجر قصب بصعيد مصر وصاحب محلات للعصائر بعدة محافظات، مُرجحاً أن ما يُروَّج يستهدف التشكيك في سلامة عصير القصب «كمحاولة من بعض الشركات لصالح مشروباتها، التي يُحذر منها الأطباء، ويقاطعها المستهلك».

ويضيف: «على غير المتوقع، هذه الضجة الأخيرة أحدثت أثراً إيجابياً، وأسهمت في فرز السوق، حيث تراجعت حركة البيع في المحلات التي كانت تعتمد على الإضافات المبيضّة، بينما شهدت المحلات الموثوقة زيادة في الإقبال». وتابع: «الناس أصبحوا أكثر وعياً، وبدأوا يميزون بين العصير الطبيعي والمغشوش».

العصر أمام الزبائن

وتحظر الهيئة القومية لسلامة الغذاء في مصر، استخدام مادة «ثاني أكسيد التيتانيوم» كمادة مضافة إلى العصائر الطبيعية. وبشأن ما أثير عن إضافتها إلى عصير القصب، طمأنت الهيئة المصريين بالقول في بيان يوم الأحد: «لا توجد حتى تاريخه مؤشرات تدل على انتشار هذه الممارسة»، لافتةً إلى أن احتمالية وقوع بعض الممارسات المخالفة من جانب عدد محدود من متداولى الغذاء تظل قائمة.

حركة بيع عصير القصب تسير بمعدلات طبيعية وفق تأكيدات أصحاب المحلات (الشرق الأوسط)

ويؤكد الدكتور أيمن حسني، المدير السابق لمعهد المحاصيل السكرية، لـ«الشرق الأوسط» أن ما يُتداول حول استخدام إضافات مثل «أكسيد التيتانيوم» يمثل في جوهره حالات فردية استثنائية لا تعكس الواقع العام للصناعة.

ويُرجع حسني ثقة المستهلك في عصير القصب إلى طبيعته كمنتَج يُحضَّر طازجاً أمام أعين الزبائن، قائلاً: «المواطن يراقب عملية العصر لحظة بلحظة، وهذا يختلف جذرياً عن المنتجات المعبأة مسبقاً التي لا يمكن للزبون التأكد من سلامة مراحل تصنيعها».

كما يلفت إلى أن عصير القصب بما يمثله من مصدر طبيعي للطاقة وما يزخر به من عناصر غذائية يجعله خياراً صحياً ومنعشاً، إذا ما قورن بكثير من المشروبات المصنعة.

Your Premium trial has ended


الجزائر تعلن الحرب على عصابات الشوارع لتعزيز الأمن

عناصر الشرطة قبل تنفيذ مداهمة حي بشرق البلاد تسيطر عليه عصابة (الشرطة الجزائرية)
عناصر الشرطة قبل تنفيذ مداهمة حي بشرق البلاد تسيطر عليه عصابة (الشرطة الجزائرية)
TT

الجزائر تعلن الحرب على عصابات الشوارع لتعزيز الأمن

عناصر الشرطة قبل تنفيذ مداهمة حي بشرق البلاد تسيطر عليه عصابة (الشرطة الجزائرية)
عناصر الشرطة قبل تنفيذ مداهمة حي بشرق البلاد تسيطر عليه عصابة (الشرطة الجزائرية)

بحث وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود، أمس الاثنين، بالعاصمة، مع مسؤولين حكوميين تسريع تفعيل «استراتيجية أمنية» تم إطلاقها في أبريل (نيسان) الماضي، تتعلق بمواجهة عصابات الأحياء وسيطرتها على المناطق الحضرية، وانتشار المخدرات والعقاقير السامة.

وزير الداخلية خلال اجتماعه بأعضاء مشروع خطة مواجهة العصابات (وزارة الداخلية)

وأكد بيان لوزارة الداخلية أن سعيود ترأس بقصر الحكومة اجتماعاً لـ«اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها»، خُصص لدراسة ومناقشة «مشروع الاستراتيجية الوطنية للوقاية من هذه العصابات، ومكافحتها للفترة 2026 - 2029»، موضحاً أن هذا المشروع يأتي في إطار الأمر 03-20 المتعلق بالوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، والذي «يتضمن مقاربة شاملة تجمع بين الردع والوقاية، بهدف تعزيز الأمن والسكينة العموميين، والحفاظ على أمن الأشخاص والممتلكات».

ونقل البيان إشادة الوزير بـ«الجهود المبذولة من طرف أعضاء اللجنة بشأن إعداد وإثراء هذا المشروع»، مؤكداً أن الاستراتيجية الوطنية «تعد ثمرة عمل تشاركي متكامل ارتكز على تشخيص دقيق لظاهرة عصابات الأحياء، واستشراف مختلف أبعادها الأمنية والاجتماعية، مع اقتراح آليات عملية للوقاية منها ومجابهتها بفاعلية».

تفتيش شخصين مشبوهين بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة (جهاز الشرطة الجزائرية)

وبحسب سعيود، فإن الاستراتيجية «تعتمد مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الجوانب الأمنية والوقائية والاجتماعية والتعليمية، بما يسمح بمعالجة جذور الظاهرة، وليس الاكتفاء بمظاهرها، وذلك من خلال تعزيز دور مؤسسات الدولة وتقوية العمل الجواري والتوعوي، إلى جانب دعم آليات الإنذار المبكر، وترسيخ ثقافة المواطنة والوعي المجتمعي لدى فئة الشباب».

وأضاف البيان أن الوزير حث على «الانخراط الفعلي والمنسق لجميع الفاعلين، من هيئات ومؤسسات وقطاعات وزارية، في مجهود مكافحة عصابات الإحياء، إضافة إلى المجتمع المدني والفاعلين المحليين، باعتبار أن مكافحة هذه الظاهرة مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود وتكامل الأدوار»، مؤكداً أيضاً «أهمية مباشرة العمل على المدى القريب، من خلال إطلاق مبادرات تحسيسية واسعة، إلى غاية تنفيذ محتوى الاستراتيجية، مع مواصلة العمل الميداني والتنسيق المستمر عبر اجتماعات دورية وتعزيز آليات المتابعة والتقييم»، مشدداً على أن تطور الظواهر الإجرامية، وسرعة تحولها «يفرضان يقظة دائمة واستجابة سريعة وفعالة».

عناصر من نخبة الشرطة في حي شعبي (جهاز الشرطة الجزائرية)

وتعهد وزير الداخلية بأن أمن المواطنين داخل الأحياء «يمثل أولوية وطنية ثابتة لدى الدولة، تتطلب مشاركة الجميع بالنظر إلى الدور المحوري للجانب الأمني في تعزيز الاستقرار داخل المجتمع».

وتفيد تقارير وزارة الداخلية بأن عصابات الأحياء، التي باتت مصدر قلق للسلطات، تنتظم في مجموعات، كل مجموعة تضم شخصين أو أكثر، يسعون لنشر مناخ من عدم الأمن، أو فرض سيطرتهم على حيّ سكني، أو ارتكاب أعمال عنف ضد الأشخاص والممتلكات، وغالباً ما يكون ذلك باستخدام أو حمل الأسلحة البيضاء.

وحسب تحليلات السلطات والعديد من وسائل الإعلام، فقد أضحى هذا الانحراف السلوكي يثير قلقاً كبيراً، بعدما تطورت هذه المجموعات من مناوشات ظرفية بين الشباب إلى شبكات أكثر تنظيماً؛ حيث باتت تتورط في مشاجرات وعنف جماعي، وترهيب السكان، وصراعات النفوذ والمجال، والاتجار بالمخدرات والحبوب المهلوسة، زيادة على الفرض القسري للسيطرة، والاستغلال غير القانوني لبعض المساحات والساحات العمومية. ولهذا السبب، تصنف وزارة الداخلية هذه الظاهرة تهديداً مباشراً للأمن العام والتماسك الاجتماعي».

وتتضمن نفس التقارير تفسيراً للعنف في الأحياء، مستندة إلى ما تسميه «عوامل حاسمة» تسببت فيها، وهي البطالة والتهميش، الذي يطال فئات من الشباب، والفشل والترسب المدرسي، وتنامي استهلاك السموم والمخدرات، وكذا نقص الفضاءات والمرافق الرياضية والثقافية والترفيهية، وظهور مجمعات سكنية جديدة تفتقر أحياناً للروابط الاجتماعية المتينة، ودور منصات التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة العنف وتأجيج سلوكيات المجموعات.

وتقر النصوص الردعية الجديدة عقوبات سالبة للحرية، وأحكاماً بالسجن النافذ ضد أفراد هذه المجموعات والمخططين لها، والذين يعملون على تجنيد الشباب، مع تشديد العقوبات على رؤساء العصابات، وإقرار حماية قانونية للضحايا والشهود، فضلاً عن تأسيس لجنة وطنية ولجان ولائية لمرافقة هذه الورشة وتسيير ملف الوقاية.

توقيف شخص بشبهة حيازة سلاح ناري وترويج المخدرات (جهاز الشرطة الجزائرية)

ومع ذلك، فإن «الاستراتيجية الوطنية» لا تقتصر على الردع القضائي الصارم فحسب، بل تضع الوقاية في مقدمة أولوياتها عبر آليات تكاملية، تتجلى في إطلاق حملات تحسيسية وتوعوية مستمرة في المدارس وداخل الأحياء، وإشراك جمعيات المجتمع المدني والفاعلين المحليين، بالإضافة إلى تفعيل دور وسائل الإعلام في نشر الوعي الجمعي، والرصد والتشخيص المبكر للسلوكيات الانحرافية لدى المراهقين، وصولاً إلى تحقيق الإدماج والترفيق الاجتماعي والاقتصادي للشباب الهش.

أما ميدانياً، فتشن مصالح الأمن والدرك الوطني بانتظام عمليات نوعية ومداهمات استباقية لتفكيك هذه الشبكات؛ وكانت قيادة الدرك الوطني قد أعلنت عن شل نشاط 120 عصابة أحياء خلال سنة 2025، ما أسفر عن توقيف ومتابعة أكثر من 600 شخص ومصادرة ترسانة من الأسلحة البيضاء.