حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم... مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين وتدمير البنية التحتية وتخريب الاقتصاد... ولا حلول في الأفق

TT

حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

تزداد الحرب السودانية، وهي تدخل اليوم عامها الثالث، بشاعة كل يوم بل كل ساعة؛ إذ ترتفع وتائر القتل الميداني، وتنتشر بكثافة مقاطع تصور المآسي والإعدامات الميدانية، وإطلاق الرصاص على الهوية والعِرق والجهة. الكل يقتل المواطن الذي لا يستطيع فتح عينيه ليرى، أو فمه ليقول، فهناك رصاصة في مكان ما، أو سكين ما تنتظره لتقتله.

الأرقام تشير إلى حقيقة ثابتة، وهي أن الحرب بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جانب، و«قوات الدعم السريع» من جانب آخر، والتي بدأت كمواجهة بين طرفين عسكريين، تحولت بسرعة إلى حرب يعاني من ويلاتها الشعب السوداني بأكمله على امتداد الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه. من يموت فيها في كلتا الحالتين هو المواطن... وتدمر مستشفياته ودور العلم والجسور وبنية الوطن التحتية.

«البندقية» لم تكن موجهة نحو الجنود فحسب، بل كانت موجهة أيضاً نحو المدنيين الأبرياء. فالجيشان لا يتواجهان في ساحة معركة تقليدية، فهي حرب مدن. كل منهما متحصن في معسكره، بينما يتم توجيه المدافع والبراميل المتفجرة الطائشة، إلى قلب المواطن المسكين... هي حرب على المواطن بجدارة، كما تقول الامم المتحدة ومنظماتها.

حصاد الدمار

قدرت تقارير أممية وإعلامية خسائر الحرب الاقتصادية الكلية بنحو 200 مليار دولار أميركي، والبشرية بمئات الآلاف من القتلى والجرحى، مع دمار لنحو 60 في المائة من البنية التحتية للدولة، وتشريد نحو ثلث السكان بين نازح ولاجئ (يقدر عدد السكان بنحو 42 مليون نسمة). أزمة إنسانية وصفها الإتحاد الأوروبي بأنها الأسوأ في القرن الواحد والعشرين.

تدخل حرب السودان عامها الثالث من دون حلول تلوح في الأفق القريب، على الرغم من «التقدم اللافت» الأخير للجيش. وألحقت الحرب دماراً غير مسبوق على المستويات كافة، فإضافة إلى إزهاق أرواح 60 ألفاً وعدد غير محصى من الجنود في الطرفين، وإصابة وإعاقة مئات الآلاف، وتشريد نحو ثلث سكان البلاد.دمرت الحرب أيضاً البنى الاقتصادية والتحتية للدولة، وأصبح نحو نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يهدد الجوع نحو 20 مليون شخص، وفقاً للأمم المتحدة، ونزوح ولجوء نحو 14 مليون مواطن داخلياً وإلى دول الجوار.

قتل المتعاونين من الجانبين

في بلدة «طيبة الحسناب»، جنوب الخرطوم، أودت رصاصات غاشمة بحياة شيخين في التسعين من عمرهما؛ لأنهما أفصحا عن انتمائهما الإثني، فتم «ذبحهما» بدم بارد من قبل «متطرفين» بتهمة «التعاون» مع «الآخر». ترجع أصول هذين الشيخين «عثمان محمد» وشهرته «شورى» ورفيق موته، حسب الله أبو طاقية، إلى غرب السودان، ويقيمان في بلدة طيبة الحسناب في منطقة جبل الأولياء (جنوب الخرطوم)، التي يقع جوارها أحد أهم معسكرات «قوات الدعم السريع»، وهو «معسكر طيبة»، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى ما قبل الحرب وقبل سقوط نظام الإسلامويين عام 2018.

الرجلان ورفاقهما لا يدرون أن مجرد الانتماء لجهة وإثنية سودانية، جريمة كافية للقتل والتصفية.

المتطرفون من الجانبين يعدّون كل من لم ينزح، أو من ينتمي عرقياً لواحد من المكونات المتهمة بتأييد «الآخر» «حواضن اجتماعية»، فيسارعون إلى سؤاله: «ما قبيلتك؟»، أو قد يكتفون بملامحه لإعدامه.

«المتطرفون» استباحوا الخرطوم، عوضاً عن «طمأنة» المواطنين الذين ذاقوا الأمرّين إبان سيطرة «الدعم السريع» على مناطقهم، شنت حرباً انتقامية عليهم. لا تشفع للمتهم بالتعاون مع الغير، لحيته البيضاء، أو صراخ أطفال للحيلولة دون تصفيته. لا شيء يوقف الرصاصات التي تتجه إلى الرؤوس والقلوب لتقتل «المتعاونين» من دون رحمة.

جنود يصلون إلى منطقة استعادها الجيش السوداني جنوب الخرطوم 27 مارس (أ.ب)

«الدعم السريع» قتل وانتهك الآلاف

أيام سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، أو المدن الأخرى في ولاية الجزيرة، لم تكن «الأفضل»، فكل من يؤيد الجيش هو «فلول» تتم تصفيته أيضاً، أو في الحد الأدنى يتم إلقاؤه في سجن «عشوائي»، يموت داخله جراء التعذيب والجوع والعطش. فـ«قوات الدعم السريع» هي الأخرى قتلت الآلاف بدءاً من غرب دارفور، واغتالت بدم بارد حاكم الولاية، وواصلت القتل في كل مكان سيطرت عليه، وأبشعها كانت «حملاتها الانتقامية» ضد سكان شرق الجزيرة، إثر انشقاق القائد، أبو عاقلة كيكل، عنها وانضمامه للجيش.

بعد استرداد الجيش للخرطوم، انتشرت مقاطع فيديو في غاية «البشاعة» تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي، لناجين من سجون «الدعم السريع» التصقت جلودهم بعظامهم من شدة الجوع وسوء التغذية والتعذيب. قال الجيش إنه «حررهم» من الأسر. كانوا في غاية الهزال، بل مات بعضهم بمجرد إطعامهم بصدمة التغذية. أحدهم ويبدو عليه الهزال الشديد، قال: «حشروني و25 سجيناً في غرفة ضيقة، وبالداخل إناء لقضاء الحاجة... حين يمتلئ نسبح في فضلاتنا؛ لأننا مضطرون للنوم عليها، ومع ذلك لا يتركوننا لبؤسنا، بل نخضع لتعذيب بدني ونفسي قاسٍ، يومياً... كان يموت أحدنا جراء التعذيب أو الجوع والمرض، وانعدام الأدوية».

أوضح الجيش أن من أسماهم «شراذم الدعم السريع»، كانوا يطعمونهم لقيمات من «عصيدة الذرة دون إدام» مرتين في اليوم، مع عدة جرعات من الماء للشرب والنظافة، وبالتأكيد هي لا تكفي للشرب ناهيك عن النظافة، ما أدى لانتشار القمل والحشرات في أجساد المساجين، المكومين فوق بعضهم البعض، مع الحرمان من النوم بسبب ضيق المكان أو رداءة البيئة، أو الإزعاج المنظم.

وتضج الميديا الشعبية السودانية أيضاً، بمقاطع فيديو وصور بالغة البشاعة، لعمليات تصفية جماعية وسط تهليل وتكبير، على مرأى ومسمع من الأطفال والنساء، حتى إن الموت بالدانات والصواريخ والمسيرات العشوائية والبراميل المتفجرة يبدو أكثر رحمة.

بهذا المحمول «البشع» تدخل حرب السودان «العبثية» - بحسب وصف قائد الجيش لها - عامها الثالث، وفي الواقع هي لم تعد حرباً بين جيشين، كما يزعم «الدعم السريع»، أو بين جيش وقوات متمردة عليه و«عميلة» كما يزعم الجيش، فقد تحولت لحرب استهداف للمواطن المسكين، جعلت منه هدفها وضحيتها، وحق للأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، وصفها بأنها «حرب على الناس».

انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي

المستشار الاقتصادي السوداني، عبد العظيم الأموي، قال في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الحرب أحدث دماراً هائلاً على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ما أدى لفقدان السودان نحو 25 المائة من رصيده الرأسمالي، بجانب التخريب الذي طال البنية التحتية الاقتصادية من طرق، ومطارات، وجسور، ومصانع، ومشروعات. وأوضح الأموي، وهو رئيس قسم أبحاث السوق في شركة «أسواق المال» الخليجية، أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تدهورت، وبلغ الانكماش 37.5، بينما ارتفع العجز المالي إلى مستويات قياسية بلغت 9.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع معدل التضخم إلى 245 في المائة في العام الأول بعد الحرب.

وقال المستشار الاقتصادي إن تركيبة الاقتصاد السوداني تعتمد على قطاع الخدمات بنسبة 46.3 في المائة، وعلى القطاع الزراعي 32.7 في المائة، والقطاع الصناعي بنسبة 21 في المائة من حجم الاقتصاد، وأضاف: «عند التدقيق في تركيبة هذه القطاعات، فإن القطاع الصناعي تستحوذ عليه ولاية الخرطوم بنسبة 85 في المائة، وقد تم تدمير كامل للمصانع في الخرطوم، وبذلك يكون القطاع الصناعي قد انهار بشكل شبه كامل في البلاد».

وفي مجال الطاقة، قال الأموي إن السودان كان يستورد 70 في المائة من احتياجاته من المواد البترولية، بينما يغطي الإنتاج المحلي، 30 في المائة المتبقية، لكن بعد الحرب وتدمير مصفاة الجيلي التي كانت تنتج يومياً 3.8 ألف طن من الجازولين و2.7 ألف طن من البنزين و0.8 ألف طن من غاز الطبخ، فقد توقفت عن العمل جراء تدميرها عن طريق القصف المتكرر، والآن أصبح السودان يستورد كل احتياجاته من البترول، ما شكل ضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي. وأشار إلى التراجع السلبي في القطاع الزراعي، الذي أدى لتراجع إنتاج الحبوب بنسبة 46 في المائة مقارنة بالإنتاج قبل الحرب، وإلى تدهور بنسبة 41 في المائة مقارنة بمتوسط الأعوام الخمسة الماضية. وتابع: «بتفصيل أكثر للأرقام تراجع إنتاج الذرة في عام 2023/2024 بنسبة 42 في المائة، وتراجع إنتاج الدخن بنسبة 64 في المائة، ما أدى لتفاقم أزمة الأمن الغذائي». ويقول الأموي إن آخر الأرقام تشير إلى أن 14 مليوناً نزحوا بسبب الحرب، وغادر نحو 1.7 مليون شخص البلاد، وبذلك أصبحت أزمة النزوح بسبب الحرب، هي الأكبر عالمياً.

تدهور العملة المحلية

وتوقف الأموي عند سعر صرف الجنيه السوداني، مشيراً إلى أنه تدهور بنسبة 74 في المائة في العام الأول من الحرب، «واستمر في التدهور ليصل إلى 81 في المائة في 2024». وقال إن سعر صرف الدولار الواحد يساوي 2107 جنيهات سودانية في السوق الموازية عام 2025، وتابع: «خلاصة القول، إن استمرار الحرب أدى لتدهور اقتصادي أفقد السلطة 85 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب بامتياز، وتمدد اقتصاد الظل غير المنظم في عدد كبير من ولايات السودان».

وأوضح أن الحرب تسببت في تجريف موارد السودان بالتهريب إلى دول الجوار، من ذهب أو ثروة حيوانية وموارد زراعية، وخرجت البلاد من الاقتصاد المنظم إلى دوائر اقتصاد السوق السوداء الخارجية.

تراجع الإنتاج الزراعي

رأى الخبير الاقتصادي، عمر سيد أحمد، في مقال على موقع «الراكوبة»، على الإنترنت، أن «القطاع الزراعي الذي يعد عموداً فقرياً لاقتصاد البلاد، ويعمل به نحو 80 في المائة من القوى العاملة، يسهم بنحو 32.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تدمر بنسبة تقدر بنحو 65 في المائة، ونزح المزارعون وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت مدخلاته من الوقود، والبذور، والأسمدة، وفقدت البلاد موسمين زراعيين، بينما يواجه الموسم المقبل تحديات كبيرة».

وعلى الرغم من أن سيد أحمد قدر الخسائر حتى نهاية عام 2024 بنحو 100 مليار دولار، فإن تقارير إعلامية تتحدث عن خسائر تجاوزت 200 مليار دولار.

وقال سيد أحمد: «في ظل استمرار الحرب وتواصل تدمير البني التحتية، فإن تقدير الخسائر مهمة بالغة الصعوبة؛ لأن الأضرار ليست ثابتة أو منتهية، بل متزايدة باضطراد».

الأزمة الصحية

تسببت الحرب في أزمة «صحية» كبيرة وغير مسبوقة، خرجت بسببها المستشفيات العامة والخاصة ومراكز الخدمات الصحية، عن الخدمة.

وزير الصحة الاتحادي المكلف، د. هيثم محمد إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن 70 في المائة من المستشفيات والمراكز الصحية في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار وبعض أجزاء النيلين». وأوضح أن «الميليشيا» - «قوات الدعم السريع» - قصفت المستشفيات مرات عديدة، خاصة مستشفيات النو والبلك والدايات في الخرطوم، وأن مستشفيات مدينة الفاشر تعرضت للقصف أكثر من 15 مرة، بينما تم تدمير المختبر الرئيسي للصحة العامة (استاك) واستخدامه «ثكنة عسكرية» منذ الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى تدمير المراكز الطبية المتخصصة. وقدر الوزير خسائر القطاع الطبي وحده بأكثر من 11 مليار دولار أميركي.

ووفقاً لوزير الصحة، قتلت «الميليشيا» أكثر من 60 طبيباً وكادراً طبياً، بينهم 7 من أطباء وكوادر غسيل الكلى في أثناء قيامهم بمداواة المرضى، وأشار إلى عجز كبير في الكادر الطبي بسبب اللجوء خارج البلاد، بيد أن الوزير أشار إلى منح وزراء الصحة العرب منح جائزة الطبيب العربي للطبيب السوداني، تقديراً لتضحياته في أثناء الحرب. وتسبب الدمار الذي تعرض له القطاع الصحي وخراب البيئة، وفقاً للوزير، في تفشي الأمراض والأوبئة مثل «الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا» التي فتكت بعشرات الآلاف.

المدارس تحولت لثكنات أو مقابر

المتحدث باسم لجنة المعلمين (نقابة طوعية) الأستاذ سامي الباقر، وصف الحرب بـ«الكارثة العظمى التي ضربت بنية التعليم في البلاد»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد إحصائيات بحجم الخسائر والدمار الذي أصاب التعليم... ولكن التقديرات تشير إلى أن 20 ألف مدرسة تأثرت بالحرب كلياً أو جزئياً، وإن 6 - 7 ملايين تلميذ من أصل 12 مليوناً قبل الحرب، أصبحوا خارج المدارس طوال عامي الحرب، وأن من استطاعوا مواصلة التعليم لا يزيد عددهم على 3 - 4 ملايين». وأضاف الباقر: «ومن المحزن أن بعض المدارس ومؤسسات التعليم تم تحويلها لثكنات عسكرية، أو استهدفت بالقصف، أو تحولت لدور إيواء، بل إن بعضها استخدم مقابر لدفن القتلى، وهو دمار يفوق قدرة السودان، ولن يستطيع استعادته في المستقبل القريب».

وحذر الخبير التربوي من تقسيم البلاد إلى مناطق تستمر فيها الدارسة، وأخرى بلا مدارس، وقال: «أخشى من تجزئة الوجدان السوداني»، إشارة إلى عقد «امتحانات الشهادة السودانية» في مناطق سيطرة الجيش فقط، وتابع: «المؤكد أن مستقبل من لم يجلسوا لامتحان الشهادة قد ضاع، سيما وأن عدد الممتحنين للشهادة السودانية في حدود 570 ألف تلميذ، لم يجلس مهم للامتحان سوى نحو 200 ألف».

معظم مدارس السودان أصابها الدمار... وفي الصورة طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان 28 ديسمبر (أ.ف.ب)

وأشار الباقر إلى الأوضاع المزرية التي يعيشها قطاع المعلمين في السودان، وقال إن جميع المعلمين على مستوى السودان «حرموا حتى من رواتبهم على ضعفها»، (الحد الأعلى لراتب المعلم 70 دولاراً، بينما الحد الأدنى في حدود 5 دولارات للمهن العمالية في التعليم). ونوه إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدارس، وما قد تترتب عليه من مخاطر، «كأن ينخرط بعض التلاميذ في الجريمة»، وأضاف: «تراكم الدفعات للقبول في المدارس يفوق السعة الاستيعابية للمدارس»، واستطرد: «كان نحو 1.2 مليون تلميذ يتم قبولهم سنوياً، والآن مع توقف المدارس عن العمل للعامين سيتضاعف الرقم، وهذا يفوق قدرة المدارس الاستيعابية». وتوقع الباقر أن يعود التلاميذ في الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية إلى أميين مجدداً؛ إذ «عملياً سيكون تلاميذ الصفوف من الأول حتى الثالث الابتدائي، قد عادوا أميين من جديد، بسبب غيابهم لفترة طويلة عن مقعد الدراسة».

أدت الحرب لتشريد أكثر من 15 مليوناً؛ بين نازح داخلياً ولاجئ لدول الجوار، بحسب منظمة الهجرة الدولية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها «أكبر كارثة نزوح في العالم»، ووفقاً لتقارير إعلامية أدت عمليات النزوح الواسعة إلى فقدان مصادر دخول الشرائح المنتجة، وأدت لتدمير الصحة النفسية والجسدية لأغلب السكان.

وذكرت مصفوفة تتبّع النزوح، التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، في آخر تحديث، أن 11.3 مليون، نازح داخلي، وقرابة 4 ملايين شخص عبروا الحدود ولجأوا إلى دول الجوار (مصر، جنوب السودان، تشاد، إثيوبيا، أوغندا، كينيا)، وأن أكثر من نصفهم «أطفال» 27 في المائة منهم دون الخامسة، و28 في المائة منهم فتيات تحت الثامنة عشرة، وهم يعيشون أوضاعاً متردية، لا تتوفر لهم فيها الخدمات الأساسية. وأوضحت المنظمة الدولية أن الحرب جعلت أكثر من 30.4 مليون شخص، أي نحو 3 أرباع عدد سكان البلاد المقدر بنحو 42 مليوناً، بحاجة لمساعدات إنسانية، بينهم 16 مليون طفل، بينما يواجه 20 مليوناً خطر المجاعة. بيد أن الهجرة الدولية ذكرت في آخر تقارير أن نحو 400 ألف شخص عادوا إلى منازل منهوبة ومحترقة، بعد أكثر من عام من النزوح، بعد استعادة الجيش للمدن التي كانت تحت سيطرة «الدعم السريع».

نهب المنازل والممتلكات

في عامها الثالث، فإن البنادق والمدافع والطائرات والدبابات والمدرعات، والبراميل المتفجرة، و«التاتشرات» (تسمية محلية لسيارات تايوتا لاندكروز بيك آب رباعية الدفع)، قتلت نحو 60 - 100 ألف مدني، بينما لم يمت من جنود الطرفين سوى أعداد تقدر بنحو 15 ألف قتيل.

ولم تقف الاعتداءات على المواطنين عند حد قتلهم وتشريدهم وطردهم، بل امتدت إلى ممتلكاتهم، فالمنازل دُمرت وسُرقت ونُهبت، واللافت أن كلا الطرفين حين يسيطر على منطقة، فإن عناصر من المنتشين يقتلون المدنيين نكاية بما يطلقون عليه «التعاون مع الطرف الآخر»، ثم ينهبون ممتلكاتهم الثمينة، ويدمرون بيوتهم، والحصيلة «أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، بحسب الأمم المتحدة، والاسوا في القرن الحالي حسب الاتحاد الأوروبي.

ففي أيام سيطرتها، نهب أفراد محسوبون على «قوات الدعم السريع» يرتدون أزياءها، السيارات والمقتنيات في المنازل، وقضى اللصوص المحليون، يطلق عليهم شعبياً «الشفشافة»، على ما تبقى من ممتلكات الناس.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وبعد «تحرير» الخرطوم والجزيرة، تعرض ما تبقى من ممتلكات المواطنين للنهب من لصوص جدد.

بدأت الحرب صراعاً على السلطة بين الجنرالين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان «حميدتي». قائد الجيش وصفها منذ البداية بأنها «حرب عبثية»، لكن حين طالت تحولت سريعاً إلى حرب ضد الشعب، وفي هذه المرحلة وصفها الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، في آخر تقاريره، بأنها «حرب على الناس»، وقال إن «أطرافها لا يفشلون فقط في حماية المدنيين، بل يفاقمون معاناتهم».

تنجو الأفيال وتدفع الحشائش الثمن

باستمرارها، أصبحت حرباً جوية وتكنولوجية، لا يتقاتل أطرافها مباشرة، فالطرفان يعتمدان على الطيران الحربي والمسيرات والمدفعية، وتسقط قذائفه وبراميله المتفجرة على المدنيين، وحين يرد «الآخر» بمسيراته «العمياء» أو مدفعيتها تسقط حمولاتها على صدور ورؤوس المواطنين «الدروع البشرية» التي يتقاتلان تحت حمايتها. فتنجو الأفيال وتدفع «الحشائش» الثمن.

العنف الجنسي وتقنيات القتال

القصف العشوائي، تحت ذريعة استهداف قوات الطرف الآخر يقتل المدني قبل العسكري، بجانب انتهاكات أخرى استخدمت لا تقل بشاعة، من القصف العشوائي، مثل استخدام «العنف الجنسي»؛ كأداة لإذلال السكان وإخضاعهم. وبحسب التقديرات، فإن نحو 12.1 مليون امرأة وفتاة، وعدداً من الرجال والفتيان يتهددهم خطر العنف الجنسي، وتوجهت أصابع الاتهام بها إلى «قوات الدعم السريع».

واعتمد في هذه الحرب أسلوب «الحصار والحرمان من الغذاء والدواء»، على المدن والبلدات، ما أدى لحرمان الناس من الغذاء والدواء والخدمات، إضافة إلى اعتماد تدمير البنية المدنية التحتية الحيوية، مثل المرافق الطبية والمدارس والمنشآت العامة، فمنذ أبريل (نيسان) 2023، تخضع مدينة الفاشر لحصار مطبق نتجت عنه أزمة إنسانية طاحنة، بينما كانت القوات الحكومية تمنع وصول المساعدات الإنسانية لمناطق سيطرة «الدعم السريع».

الحرب شردت الملايين من منازلهم ومناطقهم ... وفي الصورة امرأة سودانية في مخيم زمزم بشمال دارفور (رويترز)

من جهته، وصف الناشط الحقوقي عبد الرحمن خضر، ما يعانيه الناس بالكارثة الإنسانية، وقال: «القصف المدفعي والجوي يطال المدنيين الأبرياء، والمجتمع الدولي يتفرج»، ويتابع: «نحن بحاجة إلى تدخل عاجل لوقف هذه المأساة، قبل أن تفقد الأجيال القادمة أي أمل في المستقبل».

وأيدته الناشطة النسوية فاطمة محمود بالقول، إن النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من الحرب، وتابعت: «العنف الجنسي والاغتصاب تحوّلا لأسلحة في الحرب»، وأضافت: «نحن بحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية للمدنيين».

متلازمة الجوع والأوبئة

يهدد خطر المجاعة أكثر من نصف سكان البلاد، بينما تنتشر الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، نتيجة لدمار المنشآت الصحية، وتوقف توريد سلسلة الأدوية واللقاحات، وتتفاقم بسبب الحاجة للغذاء وتدهور البيئة الناتج عن القتال، ويزداد الأمر خطورة بدخول موسم الأمطار.

وفي السياق، ذكر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان الأسبوع الماضي، أن ما سماها «العراقيل المتعمدة» من الأطراف السودانية واقتراب موسم الأمطار ينذران بتعذر الوصول براً إلى مناطق واسعة في البلاد.

وحذر البيان من أن المكاسب الإنسانية «الهشة» في السودان معرضة للخطر ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة بشأن المساعدات الغذائية. وأشار إلى أنه تم تأكيد حدوث مجاعة في عشرة مواقع بالسودان، من بينها ثمانية في ولاية شمال دارفور ومنها مخيم زمزم، بينما تواجه 18 منطقة أخرى في البلاد خطر المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إنه يحتاج بشكل عاجل إلى 650 مليون دولار لمواصلة عملياته بالسودان في الأشهر الستة المقبلة، لافتاً إلى أنه يسعى لتوسيع نطاق مساعداته الغذائية لتقديمها إلى سبعة ملايين شخص شهرياً بحلول منتصف العام، بدلاً من نحو ثلاثة ملايين حالياً.

وتعدّ فئة الأطفال الأكثر تضرراً من الحرب؛ إذ يعاني نحو 1.3 مليون طفل المجاعة، ويتعرضون لمخاطر سوء التغذية الحاد، بينما خرج نحو 16.5 مليون طفل من صفوف الدراسة، وهو أمر يهدد أجيالاً بكاملها، ما لم تضع الحرب أوزارها أو يصحى ضمير المجتمع الدولي ويتذكر الحرب المنسية في السودان.


مقالات ذات صلة

أنباء عن قتلى وجرحى في هجوم جوي بشمال السودان

شمال افريقيا جنود بمطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أنباء عن قتلى وجرحى في هجوم جوي بشمال السودان

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أنباء عن سقوط عدد من القتلى والجرحى في أقصى شمال السودان جرّاء قصف جوي استهدف مناطق للتعدين «الأهلي» عن الذهب.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص حاكم إقليم دارفور مَنِّي أركو مناوي متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

خاص حاكم دارفور لـ«الشرق الأوسط»: التشكيلات العسكرية وتسليح القبائل يهددان وحدة السودان

رفض حاكم إقليم دارفور، مَنِّي أركو مناوي، إنشاء ميليشيات أو قوات «دروع» خارج مؤسسات الدولة، محذراً من أن تعدد التشكيلات العسكرية يهدد وحدة السودان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
العالم العربي أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا قوات عسكرية تظهر في مطار الخرطوم الدولي (أ.ف.ب)

السودان: 41 قتيلاً بقصف مركز للنازحين في النيل الأزرق... و«الدعم السريع» تنفي مسؤوليتها

قُتل 41 شخصاً وأُصيب آخرون بقصف استهدف مركز إيواء نازحين في إقليم النيل الأزرق، وفق مجموعة قانونية سودانية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس «حركة السودان» عبد الواحد النور مشاركاً في اجتماعات نيروبي «إعلام تحالف صمود»

عبد الواحد نور: لا حكم للبرهان وحميدتي بالبزة العسكرية

رفض عبد الواحد نور، رئيس حركة وجيش تحرير السودان، مشاركة البرهان وحميدتي في الحكم بصفتيهما العسكريتين، مشترطاً لخوض السياسة التخلي عن البزة العسكرية.

وجدان طلحة (الخرطوم)

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
TT

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)
الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي اختباراً صعباً في بلد تتشابك فيه أزمات السياسة والاقتصاد، وتتراجع فيه آمال الخروج من حالة الانقسام المستمرة منذ سنوات، بالتزامن مع تصاعد الضغوط المعيشية على المواطنين.

وتباينت القراءات حول أولويات الرئاسة الجديدة؛ إذ يتوقع فريق أن يتصدر ملف التسوية السياسية - وتحديداً تطبيق اتفاق «4+4» الذي أُبرم بين طرفي الصراع في البلاد برعاية أممية نهاية أغسطس (آب) - قائمة اهتماماتها، باعتباره مخرجاً لإنهاء الانقسام السياسي والحكومي المستمر منذ سنوات، عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تمهد للانتخابات خلال عامين.

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى التناغم بين الرئاسة الجديدة للبرلمان والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، التي تدعم بقوة تطبيق الاتفاق الذي وقّعه ممثلون عن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة والقيادة.

وفي المقابل، يرى آخرون أن وطأة الأزمات الاقتصادية اليومية على المواطن لن تغيب عن اهتمام رئاسة البرلمان، بل ستفرض نفسها بقوة، ما يدفعها إلى تفعيل دورها الرقابي والتشريعي للتخفيف من تداعياتها.

جلسة انتخاب الصالحين رئيساً لمجلس النواب الأسبوع الماضي (المجلس)

وتشهد ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في العاصمة طرابلس، وحكومة أسامة حماد المكلفة من البرلمان والمدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

ويستبعد الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد امطيريد، أن تتصدر «التشريعات والإجراءات اللازمة لتطبيق اتفاق (4+4) أولويات الرئاسة الجديدة للبرلمان دون سواها».

وقال امطيريد لـ«الشرق الأوسط» إن السعي لتضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري «هو ما عزز انطباعات البعض حيال انصراف الرئاسة الجديدة للبرلمان إلى الملفات السياسية، سواء اتفاق (4+4) أو ربما بدء مناقشة الاتفاقية البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019 بمعزل عن القوانين المتعلقة بحياة المواطن».

وفي ضوء تصريح مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس بأن مبادرة بلاده لتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية الليبية تتكامل مع خطوات البعثة الأممية، يرجّح كثيرون أن يكون «4+4» واجهة سياسية لتطبيقها، وهي مبادرة تردد أنها تفضي إلى صفقة لتقاسم السلطة، يتولى بموجبها صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل احتفاظ الدبيبة برئاسة الحكومة.

في المقابل، يرى رئيس حزب «المستقلين الديمقراطي» الليبي، سامي الصيد الرخصي، أن الرئاسة الجديدة للبرلمان، «في ظل الترحيب والدعم اللذين حظيت بهما من قيادة (الجيش الوطني)، ستجعل تطبيق اتفاق (4+4) أولوية مطلقة؛ لأنه سيفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية يُتوقع أن تتقاسمها تلك القيادة وحكومة (الوحدة)».

ورغم إقراره بأهمية الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان، استبعد الرخصي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يجري «تفعيل أي منهما بما يخفف معاناة الليبيين المعيشية، على الأقل في الوقت الراهن».

وحذَّر من أن «رفض بعض النواب الاعتراف بصحة الجلسة التي أُزيح فيها عقيلة صالح، قد يؤدي إلى تفكك صفوف البرلمان، وهو المؤسسة الوحيدة التي نجت من الانقسام الذي ضرب مؤسسات الدولة».

وتوسّط عضو مجلس النواب الليبي، عمار الأبلق، بين الرأيين السابقين، متوقعاً «موازنة الرئاسة الجديدة للمجلس بمهنية بين الاهتمام بالملفات السياسية، سواء اتفاق (4+4) أو التقارب مع المجلس الأعلى للدولة ومعالجة الانقسام في مؤسسات عدة، وبين الأزمات المعيشية التي تعصف بالليبيين».

واستشهد الأبلق بتصريحات رئيس المجلس الجديد، الصالحين عبد النبي، حول الاهتمام بملف الرواتب، بالنظر إلى وجود قرابة مليونين و200 ألف مواطن يعملون في مؤسسات الدولة، وارتفاع أسعار أغلب السلع والخدمات الرئيسية.

وأشار في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عمل البرلمان «لن يكون منفصلاً عن كثير من التأثيرات الموجودة في الساحة، سواء قوى اجتماعية أو عسكرية»، لافتاً إلى أنه «سيكون هناك قانون ميزانية موحد وواضح للجميع، ولا يمكن تجاوزه، بدلاً من الوضع الراهن، حيث يجري الإنفاق بتوسع من الحكومتين المتنازعتين على السلطة».

ورجح معالجة وتحسين بعض الخدمات، كالكهرباء والسيولة، بما يخفف بعض المعاناة، «وإن ظل الأمل بعيداً في إجراء الانتخابات».

وعقدت هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة اجتماعها الأول منتصف الأسبوع الماضي، وضم عبد النبي بالإضافة إلى نائبيه الأول والثاني طارق الأشتر ومصباح دومة. وتناول الاجتماع عمل هيئة رئاسة مجلس النواب والمجلس خلال الفترة المقبلة.


«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)
جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)
TT

«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)
جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

استمر إضراب المعلمين في ليبيا بتعطيل الدراسة في بعض المناطق، خصوصاً في غرب البلاد، الأحد، بعدما تمسك رئيس «حراك المعلمين» بمواصلة الاحتجاج لحين الاستجابة لجميع مطالبهم، رغم دعوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وقرار النقابة العامة رفع الاعتصام.

وقال رئيس «حراك المعلمين» أشرف الهادي، في تصريحات صحافية الأحد، إن الحراك «لن يتراجع عن الاعتصام والإضراب قبل الاستجابة رسمياً لمطالب المعلمين، وفي مقدمتها زيادة المرتبات وصرف الفروقات المالية المستحقة»، مشدداً على أن العودة إلى المدارس «لا يمكن أن تقوم على وعود جديدة من دون قرارات رسمية ملزمة وقابلة للتنفيذ».

وترك الخلاف موعد انتظام الدراسة غير واضح، بعد أكثر من 4 أسابيع على الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، حين بدأ الإضراب وتوسع ليشمل مدارس حكومية في مناطق مختلفة، إلى جانب وقفات احتجاجية أمام مقار حكومية.

لكن وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة» محمد القريو، أكد، الأحد، خلال تفقده بعض المدارس التابعة لمراقبة التربية والتعليم ببلدية تاجوراء في شمال غربي البلاد، حرص الوزارة والسلطات التنفيذية على «صون حقوق المعلمين والاهتمام بمتطلباتهم، تقديراً لمجهوداتهم في أداء رسالتهم التربوية».

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» يتفقد مدارس في تاجوراء يوم الأحد (الوزارة)

واعتبر أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة يمثلان الضمان الأساسي لحق الطلاب في تلقي تعليم شامل ومستدام يحمي مستقبلهم ويصون تحصيلهم العلمي.

وتسعى حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إلى انتظام الدراسة بعد تفاهمات مع النقابة العامة لمعلمي ليبيا، التي أعلنت رفع الاعتصام، لكن «حراك المعلمين» رفض اعتبار تلك التفاهمات تسوية نهائية، معتبراً أنها تفتقر إلى ضمانات كافية.

وكان اجتماع موسع، عُقد في طرابلس مساء السبت، بحضور وزراء المالية والحكم المحلي والتربية والتعليم والصحة والشباب والثقافة والصناعة والمعادن، وأمين عام مجلس الوزراء وعمداء بلديات ومراقبي تعليم، قد دعا إلى استئناف الدراسة بدءاً من الأحد.

ووصف المشاركون حق الطلاب في التعليم بأنه «أولوية وطنية»، وأشادوا بقرار النقابة رفع الاعتصام، ودعوا المعلمين إلى العودة إلى المدارس، محذرين من أن «استمرار التعطيل يفاقم الأضرار على الطلاب وأولياء أمورهم».

وفي تطور لافت يعكس دخول جهاز أمني على خط الأزمة التعليمية، أصدر جهاز الأمن الداخلي، مساء السبت، بياناً حذر فيه من إغلاق المؤسسات التعليمية ومقار مراقبات التربية والتعليم بالسلاسل الحديدية، وتعطيل الدراسة في عدة مناطق.

وأكد الجهاز أنه «لن يقف مكتوف الأيدي» إزاء ما وصفه بالاضطرابات، مشدداً على أن الأمن التعليمي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن اتخاذ المؤسسات التعليمية وسيلة للضغط يُعدّ تجاوزاً صريحاً للقانون.

وحمّل الجهاز «المتورطين في التحريض أو التنفيذ أو استغلال الحراك لأغراض سياسية، المسؤولية القانونية والأخلاقية»، معلناً التنسيق مع الجهات القضائية لاتخاذ إجراءات قانونية وأمنية حازمة بحق «من يثبت تورطه».

واعتبر مراقبون محليون أن البيان بمثابة رد فعل مباشر على استمرار الإغلاقات، ما يشير إلى انتقال التعامل مع الأزمة من الإطار النقابي والحكومي إلى البعد الأمني.

وفي تصريح لـ«وكالة الأنباء الليبية»، قال وكيل شؤون المعاهد الفنية والمتوسطة بوزارة التعليم التقني والفني، عبد القادر الزروق غنية، إن مطالب المعلمين أُحيلت رسمياً إلى الوزير المختص، وإنها قيد الدراسة.

وأضاف أن المطالب «مشروعة ويكفلها القانون»، داعياً إلى مواصلة الحوار لضمان حقوق المعلمين واستئناف الدراسة في أقرب وقت، ومؤكداً أن الوزارة لن تعلن مواعيد قبل استكمال الإجراءات والتوصل إلى قرار رسمي.

وفي بنغازي بشرق البلاد، أعرب مراقب التربية والتعليم بالمدينة، جمعة خليفة، عن دعمه لحقوق المعلمين خلال اجتماع السبت، مع نقيب معلمي المدينة ومديري مدارس ومندوبي النقابة، مشدداً على أهمية إنصافهم وتعزيز استقرارهم الوظيفي والمعيشي.

وتشمل مطالب الحراك توحيد جدول المرتبات، وصرف الفروقات المستحقة، وتفعيل التأمين الصحي وقانون حماية المعلم.

وكانت الحكومة قد تعهدت بالبدء في تطبيق جدول موحد مع مرتب أكتوبر (تشرين الأول)، وانتظام صرف علاوة الحصة، وحصر الفروقات، والعمل على إدراج العاملين في منظومة التأمين الصحي.

ورغم مواقف الحكومة والنقابة، ظل مدى انتظام الدراسة على الأرض غير واضح، في ظل تمسك حراك المعلمين باستمرار الاحتجاج.


الجزائر تجدد تحركها الدبلوماسي للمطالبة بمقعدين دائمين لأفريقيا بمجلس الأمن

جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)
جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر تجدد تحركها الدبلوماسي للمطالبة بمقعدين دائمين لأفريقيا بمجلس الأمن

جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)
جانب من اجتماع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي بطرابلس الأحد (الخارجية الجزائرية)

قالت الجزائر إن وزير خارجيتها أحمد عطاف، سيعرض رؤيتها حول إصلاح منظومة الأمم المتحدة وتعزيز تمثيل أفريقيا في هيئات صنع القرار الدولي، خلال مشاركته في «الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي»، الذي تجري أشغاله بالعاصمة الليبية طرابلس.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، أن موقفها بشأن إدخال إصلاحات على آليات صناعة القرار بالأمم المتحدة «يندرج ضمن ثوابت دبلوماسيتها التقليدية التي تؤكد احترام سيادة الدول، والتسوية السياسية للنزاعات، وتعزيز العمل متعدد الأطراف».

وعقد الوزير عطاف بعد وصوله إلى العاصمة الليبية، السبت، محادثات مع الطاهر الباعور، المكلف بتسيير ديوان وزارة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة «الوحدة الوطنية»، حسب الصور التي نشرتها وزارة الخارجية الجزائرية بحساباتها بالإعلام الاجتماعي، مشيرة إلى أن الاجتماع يشارك فيه ممثلو الدول الأعضاء في لجنة العشرة، المكلفة بالدفاع عن الموقف الأفريقي خلال المناقشات المتعلقة بإصلاح مجلس الأمن.

وزير خارجية الجزائر مع المكلَّف بتسيير ديوان وزارة الخارجية الليبية (الخارجية الجزائرية)

وكان الاتحاد الأفريقي قد أطلق عام 2005، ما سُمِّيت «لجنة العشرة الأفريقية» وعهد إليها صياغة تصور لإصلاح مجلس الأمن، وتتألف من 10 دول أفريقية، هي: الجزائر، وجمهورية الكونغو، وغينيا الاستوائية، وكينيا، وليبيا، وناميبيا، وأوغندا، وسيراليون، والسنغال، وزامبيا. وتتمثل مهمتها تحديداً في تعزيز ودعم الموقف الأفريقي الموحَّد المطالِب بتمثيل عادل للقارة الأفريقية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، من خلال المطالبة بمقعدين دائمين و5 مقاعد غير دائمة.

ووفق بيان الخارجية الجزائرية: «تتمحور القضية بالنسبة إلى الدول الأفريقية، على وجه الخصوص، حول ضمان تمثيلها في أحد الأجهزة المحورية للنظام الدولي الذي يتمتع أعضاؤه الدائمون بحق النقض»؛ مبرزة أن القارة الأفريقية «ترى أن مكانتها في المؤسسات متعددة الأطراف لا تعكس بالشكل الكافي ثقلها الديموغرافي وعدد الدول التي تمثلها».

وتدافع الجزائر منذ فترة طويلة عن إصلاح منظومة الأمم المتحدة، وتعزيز تمثيل أفريقيا في هيئات صنع القرار الدولي. ومن المنتظر أن يتيح اجتماع طرابلس للمشاركين مواصلة التنسيق بشأن مواقفهم، وتحديد الخطوات الكفيلة بدفع المطالب الأفريقية قُدماً في المفاوضات الدولية.

غير أن هذا الملف لا يزال معقداً؛ إذ يتطلب أي إصلاح لمجلس الأمن التوصل إلى توافق واسع بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، في ظل استمرار الخلافات بشأن عدد المقاعد الجديدة، وطبيعتها، وإمكانية منح أصحابها حق النقض (الفيتو).

وتعكس مشاركة عطاف حرص الجزائر على إبقاء هذا الملف ضمن أولويات سياستها الخارجية، كما تأتي في سياق تسعى فيه الدول الأفريقية إلى تعزيز قدرتها على التأثير جماعياً في القرارات الدولية الكبرى.

ورغم أهمية الاجتماع كمنصة لتنسيق المواقف، يبرز التحدي الحقيقي -حسب مراقبين- في مدى القدرة على تحويل هذا المطلب المشترك إلى مكاسب ملموسة؛ لا سيما في ظل خضوع المنظمة الدولية إلى حد بعيد لنفوذ أعضاء مجلس الأمن.

وكانت الجزائر قد كثَّفت، خلال سنة 2024، تحركاتها الدبلوماسية للدفاع عن إصلاح مجلس الأمن الدولي، والمطالبة بإنصاف القارة الأفريقية من خلال تعزيز تمثيلها في هذا الجهاز الأممي؛ لا سيما عبر منحها مقعدين على الأقل ضمن فئة المقاعد الدائمة.

وشارك وزير الخارجية الجزائري في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2024؛ حيث دعا إلى تصحيح ما وصفه بـ«الظلم التاريخي المسلَّط على أفريقيا» التي لا تزال محرومة من التمثيل ضمن فئة المقاعد الدائمة في مجلس الأمن، رغم ثقلها الديموغرافي وعدد الدول التي تمثلها.

كما شدَّد عطاف على ضرورة توسيع عضوية مجلس الأمن، وإضفاء مزيد من الديمقراطية على أساليب عمله، إلى جانب تعزيز دور الأعضاء غير الدائمين وتجاوز منطق الاستقطاب، بما يسمح بتحسين آليات اتخاذ القرار، وتعزيز قدرة المنظمة الأممية على الاستجابة للتحديات الدولية.

جانب من محادثات وزير خارجية الجزائر بوزارة الخارجية الليبية (الخارجية الجزائرية)

وتندرج هذه التحركات ضمن مساعي الجزائر، التي شغلت عضوية غير دائمة في مجلس الأمن خلال الفترة 2024-2025، للدفاع عن الموقف الأفريقي الموحد بشأن إصلاح المجلس، بالتنسيق مع لجنة العشرة التابعة للاتحاد الأفريقي، المكلفة بتنسيق الجهود الأفريقية، ودعم مطالب القارة في المفاوضات الحكومية الدولية.

ويأتي الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة، المنعقد في طرابلس، امتداداً لهذه المساعي الرامية إلى توحيد المواقف الأفريقية، وتعزيز حضور القارة في عملية إصلاح مجلس الأمن، في ظل استمرار الخلافات الدولية بشأن توسيع عضوية المجلس، وطبيعة المقاعد الجديدة، والصلاحيات المرتبطة بها.