حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم... مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين وتدمير البنية التحتية وتخريب الاقتصاد... ولا حلول في الأفق

TT

حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

تزداد الحرب السودانية، وهي تدخل اليوم عامها الثالث، بشاعة كل يوم بل كل ساعة؛ إذ ترتفع وتائر القتل الميداني، وتنتشر بكثافة مقاطع تصور المآسي والإعدامات الميدانية، وإطلاق الرصاص على الهوية والعِرق والجهة. الكل يقتل المواطن الذي لا يستطيع فتح عينيه ليرى، أو فمه ليقول، فهناك رصاصة في مكان ما، أو سكين ما تنتظره لتقتله.

الأرقام تشير إلى حقيقة ثابتة، وهي أن الحرب بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جانب، و«قوات الدعم السريع» من جانب آخر، والتي بدأت كمواجهة بين طرفين عسكريين، تحولت بسرعة إلى حرب يعاني من ويلاتها الشعب السوداني بأكمله على امتداد الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه. من يموت فيها في كلتا الحالتين هو المواطن... وتدمر مستشفياته ودور العلم والجسور وبنية الوطن التحتية.

«البندقية» لم تكن موجهة نحو الجنود فحسب، بل كانت موجهة أيضاً نحو المدنيين الأبرياء. فالجيشان لا يتواجهان في ساحة معركة تقليدية، فهي حرب مدن. كل منهما متحصن في معسكره، بينما يتم توجيه المدافع والبراميل المتفجرة الطائشة، إلى قلب المواطن المسكين... هي حرب على المواطن بجدارة، كما تقول الامم المتحدة ومنظماتها.

حصاد الدمار

قدرت تقارير أممية وإعلامية خسائر الحرب الاقتصادية الكلية بنحو 200 مليار دولار أميركي، والبشرية بمئات الآلاف من القتلى والجرحى، مع دمار لنحو 60 في المائة من البنية التحتية للدولة، وتشريد نحو ثلث السكان بين نازح ولاجئ (يقدر عدد السكان بنحو 42 مليون نسمة). أزمة إنسانية وصفها الإتحاد الأوروبي بأنها الأسوأ في القرن الواحد والعشرين.

تدخل حرب السودان عامها الثالث من دون حلول تلوح في الأفق القريب، على الرغم من «التقدم اللافت» الأخير للجيش. وألحقت الحرب دماراً غير مسبوق على المستويات كافة، فإضافة إلى إزهاق أرواح 60 ألفاً وعدد غير محصى من الجنود في الطرفين، وإصابة وإعاقة مئات الآلاف، وتشريد نحو ثلث سكان البلاد.دمرت الحرب أيضاً البنى الاقتصادية والتحتية للدولة، وأصبح نحو نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يهدد الجوع نحو 20 مليون شخص، وفقاً للأمم المتحدة، ونزوح ولجوء نحو 14 مليون مواطن داخلياً وإلى دول الجوار.

قتل المتعاونين من الجانبين

في بلدة «طيبة الحسناب»، جنوب الخرطوم، أودت رصاصات غاشمة بحياة شيخين في التسعين من عمرهما؛ لأنهما أفصحا عن انتمائهما الإثني، فتم «ذبحهما» بدم بارد من قبل «متطرفين» بتهمة «التعاون» مع «الآخر». ترجع أصول هذين الشيخين «عثمان محمد» وشهرته «شورى» ورفيق موته، حسب الله أبو طاقية، إلى غرب السودان، ويقيمان في بلدة طيبة الحسناب في منطقة جبل الأولياء (جنوب الخرطوم)، التي يقع جوارها أحد أهم معسكرات «قوات الدعم السريع»، وهو «معسكر طيبة»، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى ما قبل الحرب وقبل سقوط نظام الإسلامويين عام 2018.

الرجلان ورفاقهما لا يدرون أن مجرد الانتماء لجهة وإثنية سودانية، جريمة كافية للقتل والتصفية.

المتطرفون من الجانبين يعدّون كل من لم ينزح، أو من ينتمي عرقياً لواحد من المكونات المتهمة بتأييد «الآخر» «حواضن اجتماعية»، فيسارعون إلى سؤاله: «ما قبيلتك؟»، أو قد يكتفون بملامحه لإعدامه.

«المتطرفون» استباحوا الخرطوم، عوضاً عن «طمأنة» المواطنين الذين ذاقوا الأمرّين إبان سيطرة «الدعم السريع» على مناطقهم، شنت حرباً انتقامية عليهم. لا تشفع للمتهم بالتعاون مع الغير، لحيته البيضاء، أو صراخ أطفال للحيلولة دون تصفيته. لا شيء يوقف الرصاصات التي تتجه إلى الرؤوس والقلوب لتقتل «المتعاونين» من دون رحمة.

جنود يصلون إلى منطقة استعادها الجيش السوداني جنوب الخرطوم 27 مارس (أ.ب)

«الدعم السريع» قتل وانتهك الآلاف

أيام سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، أو المدن الأخرى في ولاية الجزيرة، لم تكن «الأفضل»، فكل من يؤيد الجيش هو «فلول» تتم تصفيته أيضاً، أو في الحد الأدنى يتم إلقاؤه في سجن «عشوائي»، يموت داخله جراء التعذيب والجوع والعطش. فـ«قوات الدعم السريع» هي الأخرى قتلت الآلاف بدءاً من غرب دارفور، واغتالت بدم بارد حاكم الولاية، وواصلت القتل في كل مكان سيطرت عليه، وأبشعها كانت «حملاتها الانتقامية» ضد سكان شرق الجزيرة، إثر انشقاق القائد، أبو عاقلة كيكل، عنها وانضمامه للجيش.

بعد استرداد الجيش للخرطوم، انتشرت مقاطع فيديو في غاية «البشاعة» تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي، لناجين من سجون «الدعم السريع» التصقت جلودهم بعظامهم من شدة الجوع وسوء التغذية والتعذيب. قال الجيش إنه «حررهم» من الأسر. كانوا في غاية الهزال، بل مات بعضهم بمجرد إطعامهم بصدمة التغذية. أحدهم ويبدو عليه الهزال الشديد، قال: «حشروني و25 سجيناً في غرفة ضيقة، وبالداخل إناء لقضاء الحاجة... حين يمتلئ نسبح في فضلاتنا؛ لأننا مضطرون للنوم عليها، ومع ذلك لا يتركوننا لبؤسنا، بل نخضع لتعذيب بدني ونفسي قاسٍ، يومياً... كان يموت أحدنا جراء التعذيب أو الجوع والمرض، وانعدام الأدوية».

أوضح الجيش أن من أسماهم «شراذم الدعم السريع»، كانوا يطعمونهم لقيمات من «عصيدة الذرة دون إدام» مرتين في اليوم، مع عدة جرعات من الماء للشرب والنظافة، وبالتأكيد هي لا تكفي للشرب ناهيك عن النظافة، ما أدى لانتشار القمل والحشرات في أجساد المساجين، المكومين فوق بعضهم البعض، مع الحرمان من النوم بسبب ضيق المكان أو رداءة البيئة، أو الإزعاج المنظم.

وتضج الميديا الشعبية السودانية أيضاً، بمقاطع فيديو وصور بالغة البشاعة، لعمليات تصفية جماعية وسط تهليل وتكبير، على مرأى ومسمع من الأطفال والنساء، حتى إن الموت بالدانات والصواريخ والمسيرات العشوائية والبراميل المتفجرة يبدو أكثر رحمة.

بهذا المحمول «البشع» تدخل حرب السودان «العبثية» - بحسب وصف قائد الجيش لها - عامها الثالث، وفي الواقع هي لم تعد حرباً بين جيشين، كما يزعم «الدعم السريع»، أو بين جيش وقوات متمردة عليه و«عميلة» كما يزعم الجيش، فقد تحولت لحرب استهداف للمواطن المسكين، جعلت منه هدفها وضحيتها، وحق للأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، وصفها بأنها «حرب على الناس».

انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي

المستشار الاقتصادي السوداني، عبد العظيم الأموي، قال في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الحرب أحدث دماراً هائلاً على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ما أدى لفقدان السودان نحو 25 المائة من رصيده الرأسمالي، بجانب التخريب الذي طال البنية التحتية الاقتصادية من طرق، ومطارات، وجسور، ومصانع، ومشروعات. وأوضح الأموي، وهو رئيس قسم أبحاث السوق في شركة «أسواق المال» الخليجية، أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تدهورت، وبلغ الانكماش 37.5، بينما ارتفع العجز المالي إلى مستويات قياسية بلغت 9.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع معدل التضخم إلى 245 في المائة في العام الأول بعد الحرب.

وقال المستشار الاقتصادي إن تركيبة الاقتصاد السوداني تعتمد على قطاع الخدمات بنسبة 46.3 في المائة، وعلى القطاع الزراعي 32.7 في المائة، والقطاع الصناعي بنسبة 21 في المائة من حجم الاقتصاد، وأضاف: «عند التدقيق في تركيبة هذه القطاعات، فإن القطاع الصناعي تستحوذ عليه ولاية الخرطوم بنسبة 85 في المائة، وقد تم تدمير كامل للمصانع في الخرطوم، وبذلك يكون القطاع الصناعي قد انهار بشكل شبه كامل في البلاد».

وفي مجال الطاقة، قال الأموي إن السودان كان يستورد 70 في المائة من احتياجاته من المواد البترولية، بينما يغطي الإنتاج المحلي، 30 في المائة المتبقية، لكن بعد الحرب وتدمير مصفاة الجيلي التي كانت تنتج يومياً 3.8 ألف طن من الجازولين و2.7 ألف طن من البنزين و0.8 ألف طن من غاز الطبخ، فقد توقفت عن العمل جراء تدميرها عن طريق القصف المتكرر، والآن أصبح السودان يستورد كل احتياجاته من البترول، ما شكل ضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي. وأشار إلى التراجع السلبي في القطاع الزراعي، الذي أدى لتراجع إنتاج الحبوب بنسبة 46 في المائة مقارنة بالإنتاج قبل الحرب، وإلى تدهور بنسبة 41 في المائة مقارنة بمتوسط الأعوام الخمسة الماضية. وتابع: «بتفصيل أكثر للأرقام تراجع إنتاج الذرة في عام 2023/2024 بنسبة 42 في المائة، وتراجع إنتاج الدخن بنسبة 64 في المائة، ما أدى لتفاقم أزمة الأمن الغذائي». ويقول الأموي إن آخر الأرقام تشير إلى أن 14 مليوناً نزحوا بسبب الحرب، وغادر نحو 1.7 مليون شخص البلاد، وبذلك أصبحت أزمة النزوح بسبب الحرب، هي الأكبر عالمياً.

تدهور العملة المحلية

وتوقف الأموي عند سعر صرف الجنيه السوداني، مشيراً إلى أنه تدهور بنسبة 74 في المائة في العام الأول من الحرب، «واستمر في التدهور ليصل إلى 81 في المائة في 2024». وقال إن سعر صرف الدولار الواحد يساوي 2107 جنيهات سودانية في السوق الموازية عام 2025، وتابع: «خلاصة القول، إن استمرار الحرب أدى لتدهور اقتصادي أفقد السلطة 85 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب بامتياز، وتمدد اقتصاد الظل غير المنظم في عدد كبير من ولايات السودان».

وأوضح أن الحرب تسببت في تجريف موارد السودان بالتهريب إلى دول الجوار، من ذهب أو ثروة حيوانية وموارد زراعية، وخرجت البلاد من الاقتصاد المنظم إلى دوائر اقتصاد السوق السوداء الخارجية.

تراجع الإنتاج الزراعي

رأى الخبير الاقتصادي، عمر سيد أحمد، في مقال على موقع «الراكوبة»، على الإنترنت، أن «القطاع الزراعي الذي يعد عموداً فقرياً لاقتصاد البلاد، ويعمل به نحو 80 في المائة من القوى العاملة، يسهم بنحو 32.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تدمر بنسبة تقدر بنحو 65 في المائة، ونزح المزارعون وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت مدخلاته من الوقود، والبذور، والأسمدة، وفقدت البلاد موسمين زراعيين، بينما يواجه الموسم المقبل تحديات كبيرة».

وعلى الرغم من أن سيد أحمد قدر الخسائر حتى نهاية عام 2024 بنحو 100 مليار دولار، فإن تقارير إعلامية تتحدث عن خسائر تجاوزت 200 مليار دولار.

وقال سيد أحمد: «في ظل استمرار الحرب وتواصل تدمير البني التحتية، فإن تقدير الخسائر مهمة بالغة الصعوبة؛ لأن الأضرار ليست ثابتة أو منتهية، بل متزايدة باضطراد».

الأزمة الصحية

تسببت الحرب في أزمة «صحية» كبيرة وغير مسبوقة، خرجت بسببها المستشفيات العامة والخاصة ومراكز الخدمات الصحية، عن الخدمة.

وزير الصحة الاتحادي المكلف، د. هيثم محمد إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن 70 في المائة من المستشفيات والمراكز الصحية في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار وبعض أجزاء النيلين». وأوضح أن «الميليشيا» - «قوات الدعم السريع» - قصفت المستشفيات مرات عديدة، خاصة مستشفيات النو والبلك والدايات في الخرطوم، وأن مستشفيات مدينة الفاشر تعرضت للقصف أكثر من 15 مرة، بينما تم تدمير المختبر الرئيسي للصحة العامة (استاك) واستخدامه «ثكنة عسكرية» منذ الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى تدمير المراكز الطبية المتخصصة. وقدر الوزير خسائر القطاع الطبي وحده بأكثر من 11 مليار دولار أميركي.

ووفقاً لوزير الصحة، قتلت «الميليشيا» أكثر من 60 طبيباً وكادراً طبياً، بينهم 7 من أطباء وكوادر غسيل الكلى في أثناء قيامهم بمداواة المرضى، وأشار إلى عجز كبير في الكادر الطبي بسبب اللجوء خارج البلاد، بيد أن الوزير أشار إلى منح وزراء الصحة العرب منح جائزة الطبيب العربي للطبيب السوداني، تقديراً لتضحياته في أثناء الحرب. وتسبب الدمار الذي تعرض له القطاع الصحي وخراب البيئة، وفقاً للوزير، في تفشي الأمراض والأوبئة مثل «الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا» التي فتكت بعشرات الآلاف.

المدارس تحولت لثكنات أو مقابر

المتحدث باسم لجنة المعلمين (نقابة طوعية) الأستاذ سامي الباقر، وصف الحرب بـ«الكارثة العظمى التي ضربت بنية التعليم في البلاد»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد إحصائيات بحجم الخسائر والدمار الذي أصاب التعليم... ولكن التقديرات تشير إلى أن 20 ألف مدرسة تأثرت بالحرب كلياً أو جزئياً، وإن 6 - 7 ملايين تلميذ من أصل 12 مليوناً قبل الحرب، أصبحوا خارج المدارس طوال عامي الحرب، وأن من استطاعوا مواصلة التعليم لا يزيد عددهم على 3 - 4 ملايين». وأضاف الباقر: «ومن المحزن أن بعض المدارس ومؤسسات التعليم تم تحويلها لثكنات عسكرية، أو استهدفت بالقصف، أو تحولت لدور إيواء، بل إن بعضها استخدم مقابر لدفن القتلى، وهو دمار يفوق قدرة السودان، ولن يستطيع استعادته في المستقبل القريب».

وحذر الخبير التربوي من تقسيم البلاد إلى مناطق تستمر فيها الدارسة، وأخرى بلا مدارس، وقال: «أخشى من تجزئة الوجدان السوداني»، إشارة إلى عقد «امتحانات الشهادة السودانية» في مناطق سيطرة الجيش فقط، وتابع: «المؤكد أن مستقبل من لم يجلسوا لامتحان الشهادة قد ضاع، سيما وأن عدد الممتحنين للشهادة السودانية في حدود 570 ألف تلميذ، لم يجلس مهم للامتحان سوى نحو 200 ألف».

معظم مدارس السودان أصابها الدمار... وفي الصورة طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان 28 ديسمبر (أ.ف.ب)

وأشار الباقر إلى الأوضاع المزرية التي يعيشها قطاع المعلمين في السودان، وقال إن جميع المعلمين على مستوى السودان «حرموا حتى من رواتبهم على ضعفها»، (الحد الأعلى لراتب المعلم 70 دولاراً، بينما الحد الأدنى في حدود 5 دولارات للمهن العمالية في التعليم). ونوه إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدارس، وما قد تترتب عليه من مخاطر، «كأن ينخرط بعض التلاميذ في الجريمة»، وأضاف: «تراكم الدفعات للقبول في المدارس يفوق السعة الاستيعابية للمدارس»، واستطرد: «كان نحو 1.2 مليون تلميذ يتم قبولهم سنوياً، والآن مع توقف المدارس عن العمل للعامين سيتضاعف الرقم، وهذا يفوق قدرة المدارس الاستيعابية». وتوقع الباقر أن يعود التلاميذ في الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية إلى أميين مجدداً؛ إذ «عملياً سيكون تلاميذ الصفوف من الأول حتى الثالث الابتدائي، قد عادوا أميين من جديد، بسبب غيابهم لفترة طويلة عن مقعد الدراسة».

أدت الحرب لتشريد أكثر من 15 مليوناً؛ بين نازح داخلياً ولاجئ لدول الجوار، بحسب منظمة الهجرة الدولية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها «أكبر كارثة نزوح في العالم»، ووفقاً لتقارير إعلامية أدت عمليات النزوح الواسعة إلى فقدان مصادر دخول الشرائح المنتجة، وأدت لتدمير الصحة النفسية والجسدية لأغلب السكان.

وذكرت مصفوفة تتبّع النزوح، التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، في آخر تحديث، أن 11.3 مليون، نازح داخلي، وقرابة 4 ملايين شخص عبروا الحدود ولجأوا إلى دول الجوار (مصر، جنوب السودان، تشاد، إثيوبيا، أوغندا، كينيا)، وأن أكثر من نصفهم «أطفال» 27 في المائة منهم دون الخامسة، و28 في المائة منهم فتيات تحت الثامنة عشرة، وهم يعيشون أوضاعاً متردية، لا تتوفر لهم فيها الخدمات الأساسية. وأوضحت المنظمة الدولية أن الحرب جعلت أكثر من 30.4 مليون شخص، أي نحو 3 أرباع عدد سكان البلاد المقدر بنحو 42 مليوناً، بحاجة لمساعدات إنسانية، بينهم 16 مليون طفل، بينما يواجه 20 مليوناً خطر المجاعة. بيد أن الهجرة الدولية ذكرت في آخر تقارير أن نحو 400 ألف شخص عادوا إلى منازل منهوبة ومحترقة، بعد أكثر من عام من النزوح، بعد استعادة الجيش للمدن التي كانت تحت سيطرة «الدعم السريع».

نهب المنازل والممتلكات

في عامها الثالث، فإن البنادق والمدافع والطائرات والدبابات والمدرعات، والبراميل المتفجرة، و«التاتشرات» (تسمية محلية لسيارات تايوتا لاندكروز بيك آب رباعية الدفع)، قتلت نحو 60 - 100 ألف مدني، بينما لم يمت من جنود الطرفين سوى أعداد تقدر بنحو 15 ألف قتيل.

ولم تقف الاعتداءات على المواطنين عند حد قتلهم وتشريدهم وطردهم، بل امتدت إلى ممتلكاتهم، فالمنازل دُمرت وسُرقت ونُهبت، واللافت أن كلا الطرفين حين يسيطر على منطقة، فإن عناصر من المنتشين يقتلون المدنيين نكاية بما يطلقون عليه «التعاون مع الطرف الآخر»، ثم ينهبون ممتلكاتهم الثمينة، ويدمرون بيوتهم، والحصيلة «أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، بحسب الأمم المتحدة، والاسوا في القرن الحالي حسب الاتحاد الأوروبي.

ففي أيام سيطرتها، نهب أفراد محسوبون على «قوات الدعم السريع» يرتدون أزياءها، السيارات والمقتنيات في المنازل، وقضى اللصوص المحليون، يطلق عليهم شعبياً «الشفشافة»، على ما تبقى من ممتلكات الناس.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وبعد «تحرير» الخرطوم والجزيرة، تعرض ما تبقى من ممتلكات المواطنين للنهب من لصوص جدد.

بدأت الحرب صراعاً على السلطة بين الجنرالين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان «حميدتي». قائد الجيش وصفها منذ البداية بأنها «حرب عبثية»، لكن حين طالت تحولت سريعاً إلى حرب ضد الشعب، وفي هذه المرحلة وصفها الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، في آخر تقاريره، بأنها «حرب على الناس»، وقال إن «أطرافها لا يفشلون فقط في حماية المدنيين، بل يفاقمون معاناتهم».

تنجو الأفيال وتدفع الحشائش الثمن

باستمرارها، أصبحت حرباً جوية وتكنولوجية، لا يتقاتل أطرافها مباشرة، فالطرفان يعتمدان على الطيران الحربي والمسيرات والمدفعية، وتسقط قذائفه وبراميله المتفجرة على المدنيين، وحين يرد «الآخر» بمسيراته «العمياء» أو مدفعيتها تسقط حمولاتها على صدور ورؤوس المواطنين «الدروع البشرية» التي يتقاتلان تحت حمايتها. فتنجو الأفيال وتدفع «الحشائش» الثمن.

العنف الجنسي وتقنيات القتال

القصف العشوائي، تحت ذريعة استهداف قوات الطرف الآخر يقتل المدني قبل العسكري، بجانب انتهاكات أخرى استخدمت لا تقل بشاعة، من القصف العشوائي، مثل استخدام «العنف الجنسي»؛ كأداة لإذلال السكان وإخضاعهم. وبحسب التقديرات، فإن نحو 12.1 مليون امرأة وفتاة، وعدداً من الرجال والفتيان يتهددهم خطر العنف الجنسي، وتوجهت أصابع الاتهام بها إلى «قوات الدعم السريع».

واعتمد في هذه الحرب أسلوب «الحصار والحرمان من الغذاء والدواء»، على المدن والبلدات، ما أدى لحرمان الناس من الغذاء والدواء والخدمات، إضافة إلى اعتماد تدمير البنية المدنية التحتية الحيوية، مثل المرافق الطبية والمدارس والمنشآت العامة، فمنذ أبريل (نيسان) 2023، تخضع مدينة الفاشر لحصار مطبق نتجت عنه أزمة إنسانية طاحنة، بينما كانت القوات الحكومية تمنع وصول المساعدات الإنسانية لمناطق سيطرة «الدعم السريع».

الحرب شردت الملايين من منازلهم ومناطقهم ... وفي الصورة امرأة سودانية في مخيم زمزم بشمال دارفور (رويترز)

من جهته، وصف الناشط الحقوقي عبد الرحمن خضر، ما يعانيه الناس بالكارثة الإنسانية، وقال: «القصف المدفعي والجوي يطال المدنيين الأبرياء، والمجتمع الدولي يتفرج»، ويتابع: «نحن بحاجة إلى تدخل عاجل لوقف هذه المأساة، قبل أن تفقد الأجيال القادمة أي أمل في المستقبل».

وأيدته الناشطة النسوية فاطمة محمود بالقول، إن النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من الحرب، وتابعت: «العنف الجنسي والاغتصاب تحوّلا لأسلحة في الحرب»، وأضافت: «نحن بحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية للمدنيين».

متلازمة الجوع والأوبئة

يهدد خطر المجاعة أكثر من نصف سكان البلاد، بينما تنتشر الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، نتيجة لدمار المنشآت الصحية، وتوقف توريد سلسلة الأدوية واللقاحات، وتتفاقم بسبب الحاجة للغذاء وتدهور البيئة الناتج عن القتال، ويزداد الأمر خطورة بدخول موسم الأمطار.

وفي السياق، ذكر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان الأسبوع الماضي، أن ما سماها «العراقيل المتعمدة» من الأطراف السودانية واقتراب موسم الأمطار ينذران بتعذر الوصول براً إلى مناطق واسعة في البلاد.

وحذر البيان من أن المكاسب الإنسانية «الهشة» في السودان معرضة للخطر ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة بشأن المساعدات الغذائية. وأشار إلى أنه تم تأكيد حدوث مجاعة في عشرة مواقع بالسودان، من بينها ثمانية في ولاية شمال دارفور ومنها مخيم زمزم، بينما تواجه 18 منطقة أخرى في البلاد خطر المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إنه يحتاج بشكل عاجل إلى 650 مليون دولار لمواصلة عملياته بالسودان في الأشهر الستة المقبلة، لافتاً إلى أنه يسعى لتوسيع نطاق مساعداته الغذائية لتقديمها إلى سبعة ملايين شخص شهرياً بحلول منتصف العام، بدلاً من نحو ثلاثة ملايين حالياً.

وتعدّ فئة الأطفال الأكثر تضرراً من الحرب؛ إذ يعاني نحو 1.3 مليون طفل المجاعة، ويتعرضون لمخاطر سوء التغذية الحاد، بينما خرج نحو 16.5 مليون طفل من صفوف الدراسة، وهو أمر يهدد أجيالاً بكاملها، ما لم تضع الحرب أوزارها أو يصحى ضمير المجتمع الدولي ويتذكر الحرب المنسية في السودان.


مقالات ذات صلة

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)
TT

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)

أصدر قاضٍ بالقطب القضائي المالي في تونس، الثلاثاء، حكماً يقضي بسجن المحامي والرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، لاتهامه بارتكاب مخالفات إدارية، وفق ما ذكره محامون ووسائل إعلام محلية لوكالة الصحافة الألمانية.

وشوقي الطبيب هو عميد سابق للمحامين بتونس، وكان قد شغل منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد في 2016 حتى تاريخ تجميد أعمالها، بعد إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 من يوليوز (تموز)2021.

ويحقق القضاء معه في جرائم ترتبط بالإدارة والتزوير في أثناء توليه منصبه في الهيئة، كما يلاحَق أيضاً في قضية أخرى منفصلة لاتهامات بفساد مالي.

كان الطبيب قد خضع للإقامة الجبرية لمدة 40 يوماً بين شهري سبتمبر (أيلول) وأغسطس (آب) 2021. في المقابل، تقول هيئة الدفاع عنه إنه يواجه «قضايا كيدية وسياسية» بسبب انتقاداته حكم الرئيس قيس سعيد. كما أعلنت في وقت سابق أنّه تمت مجدداً إحالة الطبيب إلى التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي من أجل تهم «التدليس من موظف عمومي، ومسك واستعمال مدلس، وإذاعة مضمون مكتوب للغير من دون رخصة من صاحبه».

وأضافت الهيئة، في بيان لها، أنه «بالاطلاع على الملف، اتضح أنّه يتعلق بشكاية كيدية تقدم بها سنة 2020 وكيل شركات مساهم فيها رئيس حكومة أسبق، تعهد العميد الطبيب خلال اضطلاعه بمسؤولية رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالتقصي في شبهات تضارب مصالح، واستغلال نفوذ تعلقت به»، معقبةً بأنّ هذا الملف هو الثالث الذي تتم فيه إحالة شوقي الطبيب إلى القضاء خلال المدة الأخيرة.

كما ذكرت هيئة الدفاع أنه «تم منع السفر على شوقي الطبيب من طرف قاضي التحقيق في ملف مشابه منذ 8 يناير (كانون الثاني) 2024، لكن لم يتم إلى اليوم سماعه وتلقي دفاعه»، مشيرةً إلى أنه «في المقابل صدر قرار آخر بالتحقيق في مكاسبه، فضلاً عن إخضاعه خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2021 للإقامة الجبرية، مما ألحق ضرراً كبيراً بمصالحه المهنية، نتيجة الوصم الذي نتج عن ذلك»، حسبما جاء في نص البيان.


«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
TT

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية، تتهمه فيها بممارسة العنف، وإطلاق النار، وأعمال قرصنة في البحر، داعية إلى إنهاء التعاون الأوروبي معه، بحسب أوردته تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وتستند دعاوى المنظمة إلى حادثة اعتراض عنيفة تعرضت لها سفينة الإنقاذ التابعة لها «سي ووتش5»، في 26 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أثناء عملية إنقاذ لـ66 شخصاً بسبب مناورات خطيرة، وإطلاق نار من قبل زورق ليبي، رغم أن العملية جرت في المياه الدولية، وبموجب القانون الدولي، وفق ما أشارت إليه. وتابعت المنظمة موضحة أن الزورق المهاجم لم ينسحب إلا بعد وصول طائرة تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وأشارت في بيان نشرته على موقعها الرسمي إلى حادثة أخرى، وقعت يوم 24 أغسطس (آب) الماضي أيضاً 2025، كاشفة عن أن خفر السواحل الليبي أطلق النار على سفينة الإنقاذ «أوشن فايكنج»، التابعة لمنظمة «إس أو إس ميديتيراني» غير الحكومية لمدة 20 دقيقة. وتطالب «سي ووتش»، ضمن الدعاوى المرفوعة، السلطات في إيطاليا وألمانيا بإنهاء جميع أشكال التعاون مع خفر السواحل الليبي، لأنه يتحمل في تقديرها مسؤولية مباشرة، من خلال إضفاء الشرعية على القوات المتورطة في العنف، ودعمها. وبحسب المنظمة أيضاً، فقد قررت الحكومة الألمانية في 2025 السماح للجيش الألماني بتدريب خفر السواحل الليبي، بينما قدمت الحكومة الإيطالية زورقاً جرى استخدامه في إحدى حوادث الاعتراض ضد سفن الإنقاذ. وأودعت المنظمة الشكاوى في الوقت الذي تحتجز فيه سفينتا إنقاذ تابعتان لها، «سي ووتش 5» و«أورورا» في إيطاليا لرفضهما التواصل مع خفر السواحل الليبي في عمليات الإنقاذ في البحر.


موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

رفض حزب «الإنصاف»، الحاكم في موريتانيا، اتهامه من طرف حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)» المعارض بعرقلة الحوار الوطني، بعد عقد جلسات تحضيرية لإطلاقه. وقال الحزبُ الحاكم إن الجلسات جرى تعليقها بطلب من حزب «تواصل».

ويأتي تبادل الاتهامات بين أكبر حزبين في البلاد ليثير الشكوك حول إمكانية تنظيم حوار وطني، سبق أن دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من أجل تهدئة الساحة الداخلية، في ظلِّ تصاعد التوتر في المحيط الإقليمي، والتقلبات في الساحة الدولية.

ويعد حزب «الإنصاف» الحاكم، أكبر حزب في البلاد، حيث يسيطر وحده على قرابة ثلثي مقاعد البرلمان، ويهيمن بذلك على النسبة الكبرى من مقاعد الحكومة، أما حزب «تواصل»، الذي يرتبط بحركة الإخوان المسلمين، فهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، ويتولَّى زعامة مؤسسة المعارضة الديمقراطية.

عرقلة الحوار

خلال الأسابيع الماضية عقد ممثلون عن الطيف السياسي في موريتانيا جلسات مغلقة؛ بهدف تحديد النقاط التي ستناقَش في الحوار، وتحديد موعد ثابت له، ثم آلية لتنفيذ النتائج التي سيسفر عنها، لكن هذه الجلسات سرعان ما توقفت؛ بسبب خلاف حاد حول نقطة تتعلق بالولايات الرئاسية.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

واتهمت المعارضة معسكر الأغلبية الرئاسية بالسعي إلى نقاش تعديل دستوري، سيفضي إلى منح الرئيس الحالي إمكانية الترشُّح لولاية رئاسية ثالثة عام 2029، وهو ما عدّته خطاً أحمر، أما أحزاب الأغلبية فقد رفضت هذه التهمة، وشدَّدت على أنَّ المأموريات تأتي على هامش الإصلاح المؤسسي، وقالت إن المعارضة تسعى للتأويل من أجل عرقلة الحوار.

وعقد المكتب السياسي لحزب «تواصل» المعارض، الاثنين اجتماعاً، أكد في ختامه أنَّ موريتانيا تعيش «ظرفاً وطنياً بالغ الحساسية»؛ بسبب ما سماه «تفاقم أزمة المحروقات، وتعاظم الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظلِّ عجز حكومي وفشل في إدارة الأزمة».

وأدان الحزب «الطريقة المرتبكة والمرتجلة التي أدارت بها السلطة أزمة المحروقات»، وحمَّل الحكومة «المسؤولية الكاملة عن موجة الغلاء، التي تضرب البلاد»، داعياً إلى «التراجع الفوري عن السياسات التي أثقلت كاهل المواطنين، وجعلتهم يتحملون وحدهم النصيب الأوفر من تبعات الأزمة».

وفيما يتعلق بالوضع السياسي، قال الحزب المعارض إنه «يحمِّل أحزاب الموالاة المسؤولية المباشرة عن تعطيل الحوار، وافتعال مطبات؛ بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي، يخدم المصلحة الوطنية»، مشدداً على أنَّ «أي حوار لا تتوفر له ضمانات الجدية والالتزام المسبق بمخرجاته، لن يكون سوى مضيعة للوقت، وتكريس للأزمة القائمة»، داعياً في السياق ذاته إلى «الارتقاء بالتنسيق بين قوى المعارضة إلى مستوى الفعل المشترك، وبناء موقف موحد قادر على فرض التوازن المطلوب في المشهد السياسي».

رد التهمة

رداً على تصريحات حزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» الحاكم، (الاثنين)، إنه «متمسك بخيار الحوار الوطني»، وأكد أنَّ «تعليق الحوار تمَّ بطلب من حزب (تواصل)، ولأسباب تفتقر إلى الوجاهة»، مشيراً إلى أنَّ هذا الطلب جاء «خلافاً لما عبَّر عنه داخل قاعة النقاش عددٌ من قادة أحزاب المعارضة، الذين دعوا إلى مواصلة المسار الحواري».

الرئيس الموريتاني حسم الجدل بخصوص ترشُّحه لولاية ثالثة (الرئاسة)

وبخصوص اتهامه بالسعي لتعديل الدستور ونقاش مواد الولايات الرئاسية خلال الحوار، قال الحزب الحاكم إن الأغلبية الرئاسية «قدَّمت ورقةً سياسيةً اتسمت بالجدية والانفتاح والمسؤولية، واضعةً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار».

في السياق ذاته، قال الحزب إنه «يرفض بشكل قاطع التأويلات المغلوطة، التي استند إليها البعض، بخصوص الرسالة الموجهة إلى منسِّق الحوار»، في إشارة إلى الفقرة المتعلقة بالإصلاح المؤسسي، والتي تضمَّنت عبارة «المأموريات».

وأشار الحزب الحاكم إلى أنَّه «يثمن المقاربة الشاملة، التي اعتمدها صاحب الفخامة، من خلال إتاحة حوار لا يستثني طرفاً ولا يقصي موضوعاً». وشدَّد على أنَّ الرئيس ولد الغزواني «ليس طرفاً في هذا الحوار، بل ضامن له وميسر لمساره». وذلك في إشارة إلى سعي أطراف في المعارضة لتدخل الرئيس من أجل إزالة العقبات المتعلقة بجدول أعمال الحوار، خصوصاً النقطة المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، ورغم أنَّ ولد الغزواني حسم الجدل بخصوص ترشحه شخصياً لولاية رئاسية ثالثة، فإنه رفض التدخل في جدول أعمال الحوار ليضيف أو يحذف أي نقطة.

مستعدون للعودة

وأكد حزب «الإنصاف» أن «محاولات تعطيل الحوار أو التشكيك فيه ليست وليدة اللحظة، بل تندرج ضمن ممارسات معروفة، تسعى من خلالها بعض الأطراف إلى عرقلة أي مسار توافقي، خدمةً لحسابات ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية».

وفي اتهام ضمني لحزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» في بيانه: «من غير المقبول أن تنخرط بعض التشكيلات السياسية في أدوار لا تنسجم مع طبيعتها، من خلال توفير غطاء لمثل هذه السلوكيات»، وذلك في إشارة إلى مساعي تعطيل الحوار.

ودعا حزب «الإنصاف» الأقطاب والتشكيلات السياسية كافة إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في هذه المرحلة الدقيقة، من خلال العمل على تشجيع شركائها وحلفائها على الانخراط الإيجابي في مسار الحوار، بدل الانجرار وراء مواقف التعطيل أو التردد».

وخلص الحزب إلى تأكيد أنه «من غير المنطقي محاولة إقناع الرأي العام بأنَّ الأغلبية الرئاسية يمكن أن تكون عائقاً أمام حوار دعا إليه رئيس الجمهورية»، وجدَّد الحزب «استعداده الكامل للدخول في أي مشاورات جادة، واستئناف الجلسات التحضيرية للحوار».