حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم... مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين وتدمير البنية التحتية وتخريب الاقتصاد... ولا حلول في الأفق

TT

حرب السودان في عامها الثالث... «البندقية» تلاحق المدنيين

عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)
عناصر في الجيش السوداني يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم 21 مارس (أ.ب)

تزداد الحرب السودانية، وهي تدخل اليوم عامها الثالث، بشاعة كل يوم بل كل ساعة؛ إذ ترتفع وتائر القتل الميداني، وتنتشر بكثافة مقاطع تصور المآسي والإعدامات الميدانية، وإطلاق الرصاص على الهوية والعِرق والجهة. الكل يقتل المواطن الذي لا يستطيع فتح عينيه ليرى، أو فمه ليقول، فهناك رصاصة في مكان ما، أو سكين ما تنتظره لتقتله.

الأرقام تشير إلى حقيقة ثابتة، وهي أن الحرب بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه من جانب، و«قوات الدعم السريع» من جانب آخر، والتي بدأت كمواجهة بين طرفين عسكريين، تحولت بسرعة إلى حرب يعاني من ويلاتها الشعب السوداني بأكمله على امتداد الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه. من يموت فيها في كلتا الحالتين هو المواطن... وتدمر مستشفياته ودور العلم والجسور وبنية الوطن التحتية.

«البندقية» لم تكن موجهة نحو الجنود فحسب، بل كانت موجهة أيضاً نحو المدنيين الأبرياء. فالجيشان لا يتواجهان في ساحة معركة تقليدية، فهي حرب مدن. كل منهما متحصن في معسكره، بينما يتم توجيه المدافع والبراميل المتفجرة الطائشة، إلى قلب المواطن المسكين... هي حرب على المواطن بجدارة، كما تقول الامم المتحدة ومنظماتها.

حصاد الدمار

قدرت تقارير أممية وإعلامية خسائر الحرب الاقتصادية الكلية بنحو 200 مليار دولار أميركي، والبشرية بمئات الآلاف من القتلى والجرحى، مع دمار لنحو 60 في المائة من البنية التحتية للدولة، وتشريد نحو ثلث السكان بين نازح ولاجئ (يقدر عدد السكان بنحو 42 مليون نسمة). أزمة إنسانية وصفها الإتحاد الأوروبي بأنها الأسوأ في القرن الواحد والعشرين.

تدخل حرب السودان عامها الثالث من دون حلول تلوح في الأفق القريب، على الرغم من «التقدم اللافت» الأخير للجيش. وألحقت الحرب دماراً غير مسبوق على المستويات كافة، فإضافة إلى إزهاق أرواح 60 ألفاً وعدد غير محصى من الجنود في الطرفين، وإصابة وإعاقة مئات الآلاف، وتشريد نحو ثلث سكان البلاد.دمرت الحرب أيضاً البنى الاقتصادية والتحتية للدولة، وأصبح نحو نصف السكان تحت خط الفقر، بينما يهدد الجوع نحو 20 مليون شخص، وفقاً للأمم المتحدة، ونزوح ولجوء نحو 14 مليون مواطن داخلياً وإلى دول الجوار.

قتل المتعاونين من الجانبين

في بلدة «طيبة الحسناب»، جنوب الخرطوم، أودت رصاصات غاشمة بحياة شيخين في التسعين من عمرهما؛ لأنهما أفصحا عن انتمائهما الإثني، فتم «ذبحهما» بدم بارد من قبل «متطرفين» بتهمة «التعاون» مع «الآخر». ترجع أصول هذين الشيخين «عثمان محمد» وشهرته «شورى» ورفيق موته، حسب الله أبو طاقية، إلى غرب السودان، ويقيمان في بلدة طيبة الحسناب في منطقة جبل الأولياء (جنوب الخرطوم)، التي يقع جوارها أحد أهم معسكرات «قوات الدعم السريع»، وهو «معسكر طيبة»، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى ما قبل الحرب وقبل سقوط نظام الإسلامويين عام 2018.

الرجلان ورفاقهما لا يدرون أن مجرد الانتماء لجهة وإثنية سودانية، جريمة كافية للقتل والتصفية.

المتطرفون من الجانبين يعدّون كل من لم ينزح، أو من ينتمي عرقياً لواحد من المكونات المتهمة بتأييد «الآخر» «حواضن اجتماعية»، فيسارعون إلى سؤاله: «ما قبيلتك؟»، أو قد يكتفون بملامحه لإعدامه.

«المتطرفون» استباحوا الخرطوم، عوضاً عن «طمأنة» المواطنين الذين ذاقوا الأمرّين إبان سيطرة «الدعم السريع» على مناطقهم، شنت حرباً انتقامية عليهم. لا تشفع للمتهم بالتعاون مع الغير، لحيته البيضاء، أو صراخ أطفال للحيلولة دون تصفيته. لا شيء يوقف الرصاصات التي تتجه إلى الرؤوس والقلوب لتقتل «المتعاونين» من دون رحمة.

جنود يصلون إلى منطقة استعادها الجيش السوداني جنوب الخرطوم 27 مارس (أ.ب)

«الدعم السريع» قتل وانتهك الآلاف

أيام سيطرة «قوات الدعم السريع» على الخرطوم، أو المدن الأخرى في ولاية الجزيرة، لم تكن «الأفضل»، فكل من يؤيد الجيش هو «فلول» تتم تصفيته أيضاً، أو في الحد الأدنى يتم إلقاؤه في سجن «عشوائي»، يموت داخله جراء التعذيب والجوع والعطش. فـ«قوات الدعم السريع» هي الأخرى قتلت الآلاف بدءاً من غرب دارفور، واغتالت بدم بارد حاكم الولاية، وواصلت القتل في كل مكان سيطرت عليه، وأبشعها كانت «حملاتها الانتقامية» ضد سكان شرق الجزيرة، إثر انشقاق القائد، أبو عاقلة كيكل، عنها وانضمامه للجيش.

بعد استرداد الجيش للخرطوم، انتشرت مقاطع فيديو في غاية «البشاعة» تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي، لناجين من سجون «الدعم السريع» التصقت جلودهم بعظامهم من شدة الجوع وسوء التغذية والتعذيب. قال الجيش إنه «حررهم» من الأسر. كانوا في غاية الهزال، بل مات بعضهم بمجرد إطعامهم بصدمة التغذية. أحدهم ويبدو عليه الهزال الشديد، قال: «حشروني و25 سجيناً في غرفة ضيقة، وبالداخل إناء لقضاء الحاجة... حين يمتلئ نسبح في فضلاتنا؛ لأننا مضطرون للنوم عليها، ومع ذلك لا يتركوننا لبؤسنا، بل نخضع لتعذيب بدني ونفسي قاسٍ، يومياً... كان يموت أحدنا جراء التعذيب أو الجوع والمرض، وانعدام الأدوية».

أوضح الجيش أن من أسماهم «شراذم الدعم السريع»، كانوا يطعمونهم لقيمات من «عصيدة الذرة دون إدام» مرتين في اليوم، مع عدة جرعات من الماء للشرب والنظافة، وبالتأكيد هي لا تكفي للشرب ناهيك عن النظافة، ما أدى لانتشار القمل والحشرات في أجساد المساجين، المكومين فوق بعضهم البعض، مع الحرمان من النوم بسبب ضيق المكان أو رداءة البيئة، أو الإزعاج المنظم.

وتضج الميديا الشعبية السودانية أيضاً، بمقاطع فيديو وصور بالغة البشاعة، لعمليات تصفية جماعية وسط تهليل وتكبير، على مرأى ومسمع من الأطفال والنساء، حتى إن الموت بالدانات والصواريخ والمسيرات العشوائية والبراميل المتفجرة يبدو أكثر رحمة.

بهذا المحمول «البشع» تدخل حرب السودان «العبثية» - بحسب وصف قائد الجيش لها - عامها الثالث، وفي الواقع هي لم تعد حرباً بين جيشين، كما يزعم «الدعم السريع»، أو بين جيش وقوات متمردة عليه و«عميلة» كما يزعم الجيش، فقد تحولت لحرب استهداف للمواطن المسكين، جعلت منه هدفها وضحيتها، وحق للأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، وصفها بأنها «حرب على الناس».

انهيار شبه كامل للقطاع الصناعي

المستشار الاقتصادي السوداني، عبد العظيم الأموي، قال في إفادة لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الحرب أحدث دماراً هائلاً على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ما أدى لفقدان السودان نحو 25 المائة من رصيده الرأسمالي، بجانب التخريب الذي طال البنية التحتية الاقتصادية من طرق، ومطارات، وجسور، ومصانع، ومشروعات. وأوضح الأموي، وهو رئيس قسم أبحاث السوق في شركة «أسواق المال» الخليجية، أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تدهورت، وبلغ الانكماش 37.5، بينما ارتفع العجز المالي إلى مستويات قياسية بلغت 9.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع معدل التضخم إلى 245 في المائة في العام الأول بعد الحرب.

وقال المستشار الاقتصادي إن تركيبة الاقتصاد السوداني تعتمد على قطاع الخدمات بنسبة 46.3 في المائة، وعلى القطاع الزراعي 32.7 في المائة، والقطاع الصناعي بنسبة 21 في المائة من حجم الاقتصاد، وأضاف: «عند التدقيق في تركيبة هذه القطاعات، فإن القطاع الصناعي تستحوذ عليه ولاية الخرطوم بنسبة 85 في المائة، وقد تم تدمير كامل للمصانع في الخرطوم، وبذلك يكون القطاع الصناعي قد انهار بشكل شبه كامل في البلاد».

وفي مجال الطاقة، قال الأموي إن السودان كان يستورد 70 في المائة من احتياجاته من المواد البترولية، بينما يغطي الإنتاج المحلي، 30 في المائة المتبقية، لكن بعد الحرب وتدمير مصفاة الجيلي التي كانت تنتج يومياً 3.8 ألف طن من الجازولين و2.7 ألف طن من البنزين و0.8 ألف طن من غاز الطبخ، فقد توقفت عن العمل جراء تدميرها عن طريق القصف المتكرر، والآن أصبح السودان يستورد كل احتياجاته من البترول، ما شكل ضغطاً إضافياً على موارد النقد الأجنبي. وأشار إلى التراجع السلبي في القطاع الزراعي، الذي أدى لتراجع إنتاج الحبوب بنسبة 46 في المائة مقارنة بالإنتاج قبل الحرب، وإلى تدهور بنسبة 41 في المائة مقارنة بمتوسط الأعوام الخمسة الماضية. وتابع: «بتفصيل أكثر للأرقام تراجع إنتاج الذرة في عام 2023/2024 بنسبة 42 في المائة، وتراجع إنتاج الدخن بنسبة 64 في المائة، ما أدى لتفاقم أزمة الأمن الغذائي». ويقول الأموي إن آخر الأرقام تشير إلى أن 14 مليوناً نزحوا بسبب الحرب، وغادر نحو 1.7 مليون شخص البلاد، وبذلك أصبحت أزمة النزوح بسبب الحرب، هي الأكبر عالمياً.

تدهور العملة المحلية

وتوقف الأموي عند سعر صرف الجنيه السوداني، مشيراً إلى أنه تدهور بنسبة 74 في المائة في العام الأول من الحرب، «واستمر في التدهور ليصل إلى 81 في المائة في 2024». وقال إن سعر صرف الدولار الواحد يساوي 2107 جنيهات سودانية في السوق الموازية عام 2025، وتابع: «خلاصة القول، إن استمرار الحرب أدى لتدهور اقتصادي أفقد السلطة 85 في المائة من إجمالي الإيرادات، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب بامتياز، وتمدد اقتصاد الظل غير المنظم في عدد كبير من ولايات السودان».

وأوضح أن الحرب تسببت في تجريف موارد السودان بالتهريب إلى دول الجوار، من ذهب أو ثروة حيوانية وموارد زراعية، وخرجت البلاد من الاقتصاد المنظم إلى دوائر اقتصاد السوق السوداء الخارجية.

تراجع الإنتاج الزراعي

رأى الخبير الاقتصادي، عمر سيد أحمد، في مقال على موقع «الراكوبة»، على الإنترنت، أن «القطاع الزراعي الذي يعد عموداً فقرياً لاقتصاد البلاد، ويعمل به نحو 80 في المائة من القوى العاملة، يسهم بنحو 32.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، تدمر بنسبة تقدر بنحو 65 في المائة، ونزح المزارعون وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت مدخلاته من الوقود، والبذور، والأسمدة، وفقدت البلاد موسمين زراعيين، بينما يواجه الموسم المقبل تحديات كبيرة».

وعلى الرغم من أن سيد أحمد قدر الخسائر حتى نهاية عام 2024 بنحو 100 مليار دولار، فإن تقارير إعلامية تتحدث عن خسائر تجاوزت 200 مليار دولار.

وقال سيد أحمد: «في ظل استمرار الحرب وتواصل تدمير البني التحتية، فإن تقدير الخسائر مهمة بالغة الصعوبة؛ لأن الأضرار ليست ثابتة أو منتهية، بل متزايدة باضطراد».

الأزمة الصحية

تسببت الحرب في أزمة «صحية» كبيرة وغير مسبوقة، خرجت بسببها المستشفيات العامة والخاصة ومراكز الخدمات الصحية، عن الخدمة.

وزير الصحة الاتحادي المكلف، د. هيثم محمد إبراهيم، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن 70 في المائة من المستشفيات والمراكز الصحية في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار وبعض أجزاء النيلين». وأوضح أن «الميليشيا» - «قوات الدعم السريع» - قصفت المستشفيات مرات عديدة، خاصة مستشفيات النو والبلك والدايات في الخرطوم، وأن مستشفيات مدينة الفاشر تعرضت للقصف أكثر من 15 مرة، بينما تم تدمير المختبر الرئيسي للصحة العامة (استاك) واستخدامه «ثكنة عسكرية» منذ الأيام الأولى للحرب، إضافة إلى تدمير المراكز الطبية المتخصصة. وقدر الوزير خسائر القطاع الطبي وحده بأكثر من 11 مليار دولار أميركي.

ووفقاً لوزير الصحة، قتلت «الميليشيا» أكثر من 60 طبيباً وكادراً طبياً، بينهم 7 من أطباء وكوادر غسيل الكلى في أثناء قيامهم بمداواة المرضى، وأشار إلى عجز كبير في الكادر الطبي بسبب اللجوء خارج البلاد، بيد أن الوزير أشار إلى منح وزراء الصحة العرب منح جائزة الطبيب العربي للطبيب السوداني، تقديراً لتضحياته في أثناء الحرب. وتسبب الدمار الذي تعرض له القطاع الصحي وخراب البيئة، وفقاً للوزير، في تفشي الأمراض والأوبئة مثل «الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا» التي فتكت بعشرات الآلاف.

المدارس تحولت لثكنات أو مقابر

المتحدث باسم لجنة المعلمين (نقابة طوعية) الأستاذ سامي الباقر، وصف الحرب بـ«الكارثة العظمى التي ضربت بنية التعليم في البلاد»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد إحصائيات بحجم الخسائر والدمار الذي أصاب التعليم... ولكن التقديرات تشير إلى أن 20 ألف مدرسة تأثرت بالحرب كلياً أو جزئياً، وإن 6 - 7 ملايين تلميذ من أصل 12 مليوناً قبل الحرب، أصبحوا خارج المدارس طوال عامي الحرب، وأن من استطاعوا مواصلة التعليم لا يزيد عددهم على 3 - 4 ملايين». وأضاف الباقر: «ومن المحزن أن بعض المدارس ومؤسسات التعليم تم تحويلها لثكنات عسكرية، أو استهدفت بالقصف، أو تحولت لدور إيواء، بل إن بعضها استخدم مقابر لدفن القتلى، وهو دمار يفوق قدرة السودان، ولن يستطيع استعادته في المستقبل القريب».

وحذر الخبير التربوي من تقسيم البلاد إلى مناطق تستمر فيها الدارسة، وأخرى بلا مدارس، وقال: «أخشى من تجزئة الوجدان السوداني»، إشارة إلى عقد «امتحانات الشهادة السودانية» في مناطق سيطرة الجيش فقط، وتابع: «المؤكد أن مستقبل من لم يجلسوا لامتحان الشهادة قد ضاع، سيما وأن عدد الممتحنين للشهادة السودانية في حدود 570 ألف تلميذ، لم يجلس مهم للامتحان سوى نحو 200 ألف».

معظم مدارس السودان أصابها الدمار... وفي الصورة طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان 28 ديسمبر (أ.ف.ب)

وأشار الباقر إلى الأوضاع المزرية التي يعيشها قطاع المعلمين في السودان، وقال إن جميع المعلمين على مستوى السودان «حرموا حتى من رواتبهم على ضعفها»، (الحد الأعلى لراتب المعلم 70 دولاراً، بينما الحد الأدنى في حدود 5 دولارات للمهن العمالية في التعليم). ونوه إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدارس، وما قد تترتب عليه من مخاطر، «كأن ينخرط بعض التلاميذ في الجريمة»، وأضاف: «تراكم الدفعات للقبول في المدارس يفوق السعة الاستيعابية للمدارس»، واستطرد: «كان نحو 1.2 مليون تلميذ يتم قبولهم سنوياً، والآن مع توقف المدارس عن العمل للعامين سيتضاعف الرقم، وهذا يفوق قدرة المدارس الاستيعابية». وتوقع الباقر أن يعود التلاميذ في الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية إلى أميين مجدداً؛ إذ «عملياً سيكون تلاميذ الصفوف من الأول حتى الثالث الابتدائي، قد عادوا أميين من جديد، بسبب غيابهم لفترة طويلة عن مقعد الدراسة».

أدت الحرب لتشريد أكثر من 15 مليوناً؛ بين نازح داخلياً ولاجئ لدول الجوار، بحسب منظمة الهجرة الدولية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها «أكبر كارثة نزوح في العالم»، ووفقاً لتقارير إعلامية أدت عمليات النزوح الواسعة إلى فقدان مصادر دخول الشرائح المنتجة، وأدت لتدمير الصحة النفسية والجسدية لأغلب السكان.

وذكرت مصفوفة تتبّع النزوح، التابعة لمنظمة الهجرة الدولية، في آخر تحديث، أن 11.3 مليون، نازح داخلي، وقرابة 4 ملايين شخص عبروا الحدود ولجأوا إلى دول الجوار (مصر، جنوب السودان، تشاد، إثيوبيا، أوغندا، كينيا)، وأن أكثر من نصفهم «أطفال» 27 في المائة منهم دون الخامسة، و28 في المائة منهم فتيات تحت الثامنة عشرة، وهم يعيشون أوضاعاً متردية، لا تتوفر لهم فيها الخدمات الأساسية. وأوضحت المنظمة الدولية أن الحرب جعلت أكثر من 30.4 مليون شخص، أي نحو 3 أرباع عدد سكان البلاد المقدر بنحو 42 مليوناً، بحاجة لمساعدات إنسانية، بينهم 16 مليون طفل، بينما يواجه 20 مليوناً خطر المجاعة. بيد أن الهجرة الدولية ذكرت في آخر تقارير أن نحو 400 ألف شخص عادوا إلى منازل منهوبة ومحترقة، بعد أكثر من عام من النزوح، بعد استعادة الجيش للمدن التي كانت تحت سيطرة «الدعم السريع».

نهب المنازل والممتلكات

في عامها الثالث، فإن البنادق والمدافع والطائرات والدبابات والمدرعات، والبراميل المتفجرة، و«التاتشرات» (تسمية محلية لسيارات تايوتا لاندكروز بيك آب رباعية الدفع)، قتلت نحو 60 - 100 ألف مدني، بينما لم يمت من جنود الطرفين سوى أعداد تقدر بنحو 15 ألف قتيل.

ولم تقف الاعتداءات على المواطنين عند حد قتلهم وتشريدهم وطردهم، بل امتدت إلى ممتلكاتهم، فالمنازل دُمرت وسُرقت ونُهبت، واللافت أن كلا الطرفين حين يسيطر على منطقة، فإن عناصر من المنتشين يقتلون المدنيين نكاية بما يطلقون عليه «التعاون مع الطرف الآخر»، ثم ينهبون ممتلكاتهم الثمينة، ويدمرون بيوتهم، والحصيلة «أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، بحسب الأمم المتحدة، والاسوا في القرن الحالي حسب الاتحاد الأوروبي.

ففي أيام سيطرتها، نهب أفراد محسوبون على «قوات الدعم السريع» يرتدون أزياءها، السيارات والمقتنيات في المنازل، وقضى اللصوص المحليون، يطلق عليهم شعبياً «الشفشافة»، على ما تبقى من ممتلكات الناس.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وبعد «تحرير» الخرطوم والجزيرة، تعرض ما تبقى من ممتلكات المواطنين للنهب من لصوص جدد.

بدأت الحرب صراعاً على السلطة بين الجنرالين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان «حميدتي». قائد الجيش وصفها منذ البداية بأنها «حرب عبثية»، لكن حين طالت تحولت سريعاً إلى حرب ضد الشعب، وفي هذه المرحلة وصفها الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير، في آخر تقاريره، بأنها «حرب على الناس»، وقال إن «أطرافها لا يفشلون فقط في حماية المدنيين، بل يفاقمون معاناتهم».

تنجو الأفيال وتدفع الحشائش الثمن

باستمرارها، أصبحت حرباً جوية وتكنولوجية، لا يتقاتل أطرافها مباشرة، فالطرفان يعتمدان على الطيران الحربي والمسيرات والمدفعية، وتسقط قذائفه وبراميله المتفجرة على المدنيين، وحين يرد «الآخر» بمسيراته «العمياء» أو مدفعيتها تسقط حمولاتها على صدور ورؤوس المواطنين «الدروع البشرية» التي يتقاتلان تحت حمايتها. فتنجو الأفيال وتدفع «الحشائش» الثمن.

العنف الجنسي وتقنيات القتال

القصف العشوائي، تحت ذريعة استهداف قوات الطرف الآخر يقتل المدني قبل العسكري، بجانب انتهاكات أخرى استخدمت لا تقل بشاعة، من القصف العشوائي، مثل استخدام «العنف الجنسي»؛ كأداة لإذلال السكان وإخضاعهم. وبحسب التقديرات، فإن نحو 12.1 مليون امرأة وفتاة، وعدداً من الرجال والفتيان يتهددهم خطر العنف الجنسي، وتوجهت أصابع الاتهام بها إلى «قوات الدعم السريع».

واعتمد في هذه الحرب أسلوب «الحصار والحرمان من الغذاء والدواء»، على المدن والبلدات، ما أدى لحرمان الناس من الغذاء والدواء والخدمات، إضافة إلى اعتماد تدمير البنية المدنية التحتية الحيوية، مثل المرافق الطبية والمدارس والمنشآت العامة، فمنذ أبريل (نيسان) 2023، تخضع مدينة الفاشر لحصار مطبق نتجت عنه أزمة إنسانية طاحنة، بينما كانت القوات الحكومية تمنع وصول المساعدات الإنسانية لمناطق سيطرة «الدعم السريع».

الحرب شردت الملايين من منازلهم ومناطقهم ... وفي الصورة امرأة سودانية في مخيم زمزم بشمال دارفور (رويترز)

من جهته، وصف الناشط الحقوقي عبد الرحمن خضر، ما يعانيه الناس بالكارثة الإنسانية، وقال: «القصف المدفعي والجوي يطال المدنيين الأبرياء، والمجتمع الدولي يتفرج»، ويتابع: «نحن بحاجة إلى تدخل عاجل لوقف هذه المأساة، قبل أن تفقد الأجيال القادمة أي أمل في المستقبل».

وأيدته الناشطة النسوية فاطمة محمود بالقول، إن النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من الحرب، وتابعت: «العنف الجنسي والاغتصاب تحوّلا لأسلحة في الحرب»، وأضافت: «نحن بحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية للمدنيين».

متلازمة الجوع والأوبئة

يهدد خطر المجاعة أكثر من نصف سكان البلاد، بينما تنتشر الأمراض والأوبئة بشكل مخيف، نتيجة لدمار المنشآت الصحية، وتوقف توريد سلسلة الأدوية واللقاحات، وتتفاقم بسبب الحاجة للغذاء وتدهور البيئة الناتج عن القتال، ويزداد الأمر خطورة بدخول موسم الأمطار.

وفي السياق، ذكر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان الأسبوع الماضي، أن ما سماها «العراقيل المتعمدة» من الأطراف السودانية واقتراب موسم الأمطار ينذران بتعذر الوصول براً إلى مناطق واسعة في البلاد.

وحذر البيان من أن المكاسب الإنسانية «الهشة» في السودان معرضة للخطر ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة بشأن المساعدات الغذائية. وأشار إلى أنه تم تأكيد حدوث مجاعة في عشرة مواقع بالسودان، من بينها ثمانية في ولاية شمال دارفور ومنها مخيم زمزم، بينما تواجه 18 منطقة أخرى في البلاد خطر المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إنه يحتاج بشكل عاجل إلى 650 مليون دولار لمواصلة عملياته بالسودان في الأشهر الستة المقبلة، لافتاً إلى أنه يسعى لتوسيع نطاق مساعداته الغذائية لتقديمها إلى سبعة ملايين شخص شهرياً بحلول منتصف العام، بدلاً من نحو ثلاثة ملايين حالياً.

وتعدّ فئة الأطفال الأكثر تضرراً من الحرب؛ إذ يعاني نحو 1.3 مليون طفل المجاعة، ويتعرضون لمخاطر سوء التغذية الحاد، بينما خرج نحو 16.5 مليون طفل من صفوف الدراسة، وهو أمر يهدد أجيالاً بكاملها، ما لم تضع الحرب أوزارها أو يصحى ضمير المجتمع الدولي ويتذكر الحرب المنسية في السودان.


مقالات ذات صلة

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

شمال افريقيا البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

بحث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، الجهود الرامية لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
العالم العربي وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا «الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت «قوات الدعم السريع» في ولاية النيل الأزرق السيطرة على محلية الكرمك الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا سودانية تتلقى العلاج فى أحد مستشفيات أم درمان (رويترز)

مقتل أكثر من 500 مدني بضربات بمسيّرات في السودان هذا العام

أعلنت الأمم المتحدة أنَّ أكثر من 500 مدني قُتلوا بضربات نُفِّذت بمسيّرات في السودان بين يناير (كانون الثاني) ومنتصف مارس (آذار)، قضى معظمهم في منطقة كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون في تشاد (رويترز - أرشيفية)

تشاد تنقل لاجئين سودانيين بشكل طارئ من منطقة حدودية

قال مسؤول في وكالة معنية بشؤون اللاجئين في تشاد لوكالة «رويترز» للأنباء، الاثنين، إن بلاده بدأت نقل لاجئين بشكل طارئ من منطقة محاذية لحدودها مع السودان.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.


وزير الخارجية المصري: نقلنا «خطة ترمب» لطهران وهي قيد الدراسة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

وزير الخارجية المصري: نقلنا «خطة ترمب» لطهران وهي قيد الدراسة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن بلاده كانت حلقة وصل بين الولايات المتحدة وإيران بالتعاون مع دول صديقة «للعمل على فتح المجال للتفاوض وإحياء الجهود الدبلوماسية».

وقال عبد العاطي، في مؤتمر صحافي للإعلام العربي والدولي الأربعاء، إنه «تم نقل مشروع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للجانب الإيراني».

ورغم أن التلفزيون الإيراني الرسمي نقل عن مسؤول لم يكشف اسمه، الأربعاء، رفض طهران للخطة الأميركية المقترحة لإنهاء الحرب، فإن عبد العاطي أشار إلى أنه «تجري دراسة هذه الخطة أملاً في أن تفضي لبدء عملية تفاوض مباشرة بين الجانبين».

وتابع وزير الخارجية المصرية قائلاً: «علينا أن نستمر في بذل الجهود... الأمر يتعلق بالدبلوماسية والمفاوضات، وسنستمر في العمل لدفع الطرفين للجلوس على مائدة المفاوضات». وأضاف: «نعمل على تشجيع الطرفين على الحوار وجسر الهوة بينهما لأن الحل العسكري لم يكن تاريخياً الحل الأمثل»، مستطرداً: «لدينا قناعة بوجود نوايا طيبة يمكن أن تسفر عن حل لو جلس الطرفان معاً».

الحلول الدبلوماسية

وأكد وزير الخارجية المصري، خلال المؤتمر الذي شارك فيه عدد كبير من الصحافيين الأجانب، أن «بلاده تبذل كل جهد ممكن من خلال قنوات التواصل المتاحة لإنجاح هذا المسعى، وفتح المجال أمام الحلول الدبلوماسية»، محذراً من «مغبة استمرار الوضع الحالي وما يحمله التصعيد من مخاطر على الوضع الإقليمي والعالمي».

وأضاف: «نسعى، بالتعاون مع تركيا وباكستان وبالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية، إلى ترك الباب موارباً للحوار والتفاوض، وكلنا رغبة في بدء تفاوض مباشر يشكل أساساً للحوار وخفض التصعيد ووقف وإنهاء الحرب»، مشيراً إلى «استعداد مصر لاستضافة أي اجتماعات بشأن إيران ما دامت تخدم التهدئة».

ورفض عبد العاطي الخوض في تفاصيل الخطة الأميركية بشأن إيران، قائلاً: «نحن على تواصل يومي الآن، ونبذل جهداً كبيراً بالتعاون مع دول صديقة وشقيقة بما فيها دول الخليج والأطراف الإقليمية والولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي من أجل خفض التصعيد».

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز»، تحدثت الثلاثاء، عن مضامين مقترح قدمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إيران لوقف الحرب المستمرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي، يتضمن 15 بنداً، من بينها تفكيك برنامج طهران النووي، ووقف تخصيب اليورانيوم، مقابل رفع كامل للعقوبات.

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

وأشار وزير الخارجية المصري إلى أن بلاده «تؤيد مبادرة ترمب بفتح باب الحوار مع إيران من أجل تجنيب المنطقة فوضى شاملة، وتدعم تلك المبادرة الحكيمة بشدة، وتبذل جهوداً لعقد اجتماعات مباشرة بين الطرفين في أقرب وقت ممكن».

وبشأن قنوات التواصل المتاحة، قال عبد العاطي إنّ «مصر تتواصل مع وزارة الخارجية الإيرانية والقنوات الرسمية الإيرانية والأميركية وهذا ليس سراً».

وأكد أن «مصر منذ اليوم الأول لا تملك سوى الانحياز قلباً وقالباً للأشقاء في الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «ما تعرضوا له من هجمات واعتداءات لا يمكن القبول به تحت أي مبرر». وقال: «نستخدم قنوات التواصل المتاحة لوقف الاعتداءات، على أساس أن دول الخليج غير منخرطة في الحرب، ولا يمكن القبول بأي ذرائع لاستهدافها».

جولة السيسي

وأضاف: «نقدم كل أشكال الدعم المادي والسياسي والدبلوماسي لدول الخليج، ويتم الاستجابة لأي طلبات من منطلق مسؤوليتنا القومية»، مشيراً إلى أن العلاقات مع دول الخليج قوية، وأن جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة لتأكيد الدعم والتضامن.

وحول «القوة العربية المشتركة»، قال عبد العاطي: «مقترح تم التوافق عليه في القمة العربية بشرم الشيخ عام 2015، وهناك نقاش مستمر بشأنها وكذلك ما يتعلق بترتيبات ما بعد الأزمة»، مشيراً إلى «احتمال أن يناقش اجتماع وزراء الخارجية العرب الأسبوع المقبل الأمر بشكل أكبر».

كان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».