من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

محاولات حكومية لإعادة الحياة في ظل مواجهة السكان لأزمات الكهرباء والخدمات في رحلة تعافٍ طويلة

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

من قلب الدمار... الخرطوم تبحث عن فرحها المفقود

سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانيون في سوق بأم درمان الذي دبت فيه الحياة 26 أبريل 2026 (أ.ب)

بعد سنوات من الحرب التي تركت وراءها دماراً هائلاً وفراغاً واسعاً في الشوارع، بدأت العاصمة الخرطوم تستفيق من غفوتها، وتعيد شيئاً من ألقها المفقود، وسط محاولات حكومية لإعادة الأنشطة الرياضية إلى الملاعب، واستئناف الفرق الموسيقية لعروضها الفنية، وفتح صالات الأفراح أبوابها مرة أخرى، إلى جانب تجمعات الشباب في أندية مشاهدة مباريات كأس العالم، وهي ملامح شاحبة في مدينة أنهكتها الحرب.

وبين ركام المباني وآثار التخريب، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، ومصاعب الحياة الأخرى، يحاول السكان استعادة تفاصيل حياتهم اليومية وصناعة مساحات للأمل، في مشهد يعكس رغبة قوية في تجاوز آثار الصراع والعودة إلى الحياة الطبيعية رغم التحديات الكبيرة التي لا تزال قائمة.

ذكريات جميلة

عاد استاد الخرطوم إلى الواجهة الرياضية من جديد باحتضانه أول ديربي بين الهلال والمريخ (أكبر ناديين في السودان)، بحضور رئيس الوزراء كامل إدريس، الذي بذلت حكومته جهوداً من أجل إبراز هذه الجوانب. وشكلت المباراة حدثاً استثنائياً؛ لأنها أعادت كرة القدم إلى أحد أبرز ملاعب السودان بعد توقف دام أكثر من ثلاث سنوات. ورغم الأوضاع الصعبة وارتفاع درجات الحرارة، حرصت الجماهير على الحضور إلى استاد الخرطوم لاستعادة ذكريات جميلة، غيبتها الحرب.

مشهد من مباراة الهلال والمريخ بأستاذ الخرطوم الذي أعيد تأهيله (الشرق الأوسط)

يقول المواطن عيسى إبراهيم إن مشاعر الفرح غمرته مع عودة النشاط الرياضي إلى الخرطوم، مؤكداً أن رؤية لاعبي فريقه الهلال على أرض استاد الخرطوم أعادت إليه ذكريات جميلة، وأشعرته بأن الحياة بدأت تستعيد إيقاعها الطبيعي من جديد.

من جانبه، يرى المواطن مصطفى عبد الجليل أن عودة المنافسات الرياضية إلى العاصمة تمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار التعافي المجتمعي، معرباً عن سعادته بمشاهدة لاعبي فريقه المريخ وهم يخوضون مبارياتهم داخل البلاد بعد فترة طويلة من الغياب. ويقول إن الرياضة تمنح الناس متنفساً يحتاجون إليه بشدة في ظل الظروف المعيشية الصعبة، بما في ذلك الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف الحياة.

لكن المواطن موسى الضو، وآخرين، يرون أن هذه الخطوة هي الأولى في مسيرة المليون خطوة لاستعادة الحياة بالكامل. ويرون أن وقف الحرب، ومعالجة آثارها، واستعادة الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والنقل، وتوفير المتطلبات الضرورية، كل ذلك يشكل الأولوية القصوى.

مشاهدة كأس العالم

وفي مؤشر آخر، تحاول حكومة إدريس الدفع به، وهو إعادة نشاط أندية المشاهدة، تدريجياً، حيث فتحت أبوابها في قصر الشباب والأطفال وعدد من المناطق لاستقبال الجماهير الراغبة في متابعة منافسات كأس العالم. وتحولت هذه المساحات إلى نقاط تجمع اجتماعي يلتقي فيها الشباب حول شاشات العرض.

وحرم الآلاف من سكان العاصمة والمدن الأخرى، من مشاهدة مباريات كأس العالم بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الذي يمتد يومياً لساعات طويلة. لذا فقد جاءت خطوة فتح بعض الأندية للجمهور الرياضي، لتعيد بعض الفرح في بلد خيم عليه الحزن منذ سنوات.

كما عاد المواطنون إلى تنظيم حفلات الأعراس داخل الصالات المغلقة بعد سنوات من التوقف والاضطراب. وتصدح الموسيقى مجدداً في مناسبات طال انتظارها.

الفنان التشكيلي عثمان حسين أمام أحد المعارض في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وفي جانب آخر، يقول الفنان التشكيلي عثمان حسين إن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب إعادة بناء المشهد التشكيلي عبر المعارض والجداريات والأنشطة الفنية التي تعيد الحياة إلى الفضاء العام، مشيراً إلى أنه ظل في الخرطوم طوال سنوات الحرب إيماناً منه بدور الفن في توثيق ذاكرة الصمود والأمل.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال حسين إن الفنانين يتجهون حالياً نحو الفضاءات العامة والمواقع السياحية القريبة من المجتمع، لما توفره من فرص للتفاعل مع الأسر والأطفال والزوار، مستشهداً بمعرض الزهور الذي أقيم الفترة الماضية في حديقة مارينا بوصفه نموذجاً يجمع بين الجمال والطابع الثقافي والترفيهي.

ويرى حسين أن الفن التشكيلي يمثل وسيلة للتعبير عن آمال السودانيين وتطلعاتهم، كما يسهم في الدعم النفسي والترويح عن الذات، مؤكداً أن الألوان تحمل أثراً إيجابياً يساعد على التعافي من آثار الحرب. وأشار إلى أن أعماله تستلهم ملامح البيت السوداني وتراث مناطق السودان المختلفة، سعياً لإبراز القيم الجمالية والإنسانية التي تعكس تنوع الثقافة السودانية وثرائها.

عودة الفرق الموسيقية

وعادت «فرقة جاز الديوم» إلى الخرطوم بعد سنوات الحرب التي تسببت في توقف نشاطها وفقدان جزء كبير من معداتها وتشتيت أعضائها، حاملةً إيمانها بأن الفن قادر على مواجهة الخراب واستعادة نبض الحياة.

وتُعد الفرقة من أبرز رموز «العصر الذهبي» لموسيقى الجاز السوداني؛ إذ تأسست بين عامي 1965 و1966، ونجحت في تقديم تجربة موسيقية مميزة مزجت بين السلم الخماسي السوداني والآلات الغربية، لتصنع هوية فنية أفرو سودانية خاصة.

أعضاء فرقة «جاز الديوم» خلال إحدى البروفات (الشرق الأوسط)

يقول رئيس الفرقة إبراهيم حسين، الذي تولى قيادتها منذ عام 1983، إن الحرب أوقفت نشاطها لنحو ثلاثة أعوام، قبل أن تستأنف أعمالها بخطط لإحياء عدد من أغنياتها الشهيرة، مثل «إشراقة» و«براي يا خِلة» و«ساكن قصاد الدار»، إلى جانب تقديم أعمال جديدة أبرزها أغنية «أنساها».

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الفرقة فقدت العديد من آلاتها الموسيقية بسبب أعمال النهب، ما اضطرهم إلى إعادة بناء تجربتهم من الصفر. ورغم الخسائر المادية والنفسية، نجحت مؤخراً في تنظيم حفل جماهيري حظي بتفاعل واسع داخل السودان وخارجه، في مؤشر على عودة الحياة الثقافية والفنية إلى العاصمة.

ورغم أن آثار الحرب لا تزال حاضرة في الشوارع والأحياء وعلى وجوه كثير من السكان، فإن عودة المباريات إلى الملاعب، وامتلاء الصالات بالأفراح، واحتشاد الجماهير حول شاشات متابعة كأس العالم، تمثل مؤشرات واضحة على تمسك أهل الخرطوم بالحياة؛ فبين أنقاض الدمار، يواصل السكان كتابة فصل جديد عنوانه الأمل والتعافي، مؤمنين بأن المدينة التي صمدت في وجه الحرب قادرة أيضاً على استعادة نبضها واسترجاع مكانتها بوصفها عاصمة نابضة بالحركة والثقافة والفرح.


مقالات ذات صلة

مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

مصر وإثيوبيا... هل تنطبق المادة الأممية 51 على نزاع «سد النهضة»؟

تلويح مصري جديد باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة» جاء مشفوعاً بالتأكيد على «استخدام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة»...

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان دفع بضمانات قانونية للسماح لمعارضين في الخارج للمشاركة في الحوار (أ.ف.ب)

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة متسلحاً بضمانات البرهان

أفادت مصادر مطلعة بأن اللجنة المعنية بالحوار السوداني باشرت إعداد الخطوات الأولية والترتيبات لبدء عملية الحوار، وبدأت مشاورات لتحديد مكان وموعد الانطلاق

وجدان طلحة (الخرطوم)
خاص نازحات من شمال كردفان مع أطفالهن (الشرق الأوسط)

خاص رحلة الموت من كردفان تنتهي بالجوع في أم درمان

نزحت أكثر من ثلاثة آلاف أسرة إلى أم درمان بالعاصمة الخرطوم، بعد تجدد القتال بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في شمال كردفان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب) p-circle

البرهان يدعو إلى عدم الالتفات للدعوات بفرض حظر على السودان

دعا رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى عدم الالتفات لما يُروَّج له بشأن فرض حظر جوي على البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مقاتلون من «قوات الدعم السريع» في بلدة بشمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

واشنطن تقترح توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان

تقدمت واشنطن بمقترح أمام الأمم المتحدة، الاثنين، لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

مقتل 12 شخصاً جراء حرائق الغابات في الجزائر

فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)
فرق الإطفاء تحاول إخماد النيران في برج أوخريس بضواحي العاصمة الجزائر (أرشيفية - د.ب.أ)

أعلن وزير الداخلية الجزائرية، سعيد سعيود، مساء الأربعاء، مقتل 12 شخصاً جراء موجة حرائق الغابات التي اندلعت في عدد من مدن شرق البلاد.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن سعيود، قوله إن 5 أشخاص لقوا حتفهم بولاية جيجل، و4 بولاية بجاية، و3 بولاية تيزي وزو.

كان جهاز الدفاع المدني الجزائري أعلن مساء الأربعاء، تسجيل 173 حريقا جرى إخماد 56 منها، بينما لا يزال 75 حريقا مشتعلا أغلبها بولايات بجاية، وتيزي وزو، وسكيكدة، وجيجل، والطارف، وميلة، وسطيف، كما كشف عن عمليات إجلاء وقائية للسكان بولايات جيجل وبجاية والطارف.

من جهته، أعلن جهاز الدرك الوطني غلق عدد من الطرق الوطنية بولايات سطيف وبجاية وجيجل.

ووصل سعيود، مساء الأربعاء إلى ولاية بجاية، للوقوف ميدانيا على عمليات إخماد الحرائق، يرافقه كل من وزير الصحة، محمد الصديق آيت مسعودان، والمدير العام للأمن الوطني، علي بداوي، والمدير العام للحماية المدنية العقيد بوعلام بوغلاف.

وكانت مصالح الأرصاد الجوية حذرت، الثلاثاء من موجة حر وارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة بعدد من مناطق البلاد، وسط ظروف مناخية تساعد على انتشار الحرائق، لا سيما مع اشتداد الرياح.


«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
TT

«الحوار السوداني» يطرق أبواب المعارضة

متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب
متداولة لعضو لجنة الحوار السوداني المحامي نبيل أديب

تستعد لجنة وطنية مستقلة في السودان، لإطلاق الترتيبات لحوار سوداني - سوداني من الخرطوم، مطلع الأسبوع المقبل، على أن يُحدَّد موعد هذا الجلسات بعد مشاورات مع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية.

وقال عضو اللجنة، القانوني نبيل أديب، لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة تتمثل في هيئة الحوار وإزالة العقبات، من دون فرض قرارات على المشاركين، مؤكداً عدم صلتها بالحكومة.

وتعتزم اللجنة، التي تضم 18 عضواً وقابلة للتوسّع، طرق أبواب المعارضة في الخارج، في مقدمها تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك؛ لإقناعها بالمشاركة، متسلحة بضمانات أطلقها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان بعدم تدخل الدولة في تحديد الأطراف أو الأجندة والمخرجات، وتوفير الحماية القانونية والأمنية للمعارضين. لكن قوى مدنية ترفض حواراً يُعقد في مناطق سيطرة طرفي الحرب.

وستعرض اللجنة تفاصيل خطتها خلال مؤتمر صحافي في الخرطوم الأسبوع المقبل، وسط استمرار الخلافات بشأن مشاركة الحركة الإسلامية وحزبها «المؤتمر الوطني» المعزول.


الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الدور السياسي لـ«العلمين» المصرية يتسع بموازاة ازدهارها السياحي

الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري وملك البحرين في القصر الرئاسي بالعلمين (الرئاسة المصرية)

رسخّت مدينة «العلمين الجديدة» المصرية، مكانتها السياسية مع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي فيها لقادة دول ومسؤولين، فضلاً عن اجتماعاته المستمرة مع وزراء الحكومة، لتتجاوز المدينة بذلك الصورة التقليدية عن كونها «مصيفاً فاخراً»، إلى كونها مدينة لـ«صناعة القرار»، وفق مراقبين.

وتعد مدينة «العلمين» الساحلية، أبرز الوجهات السياحية في مصر راهناً، وهي تقع في الساحل الشمالي، وتمتد على مساحة أكثر من 48 ألف فدان، وتشتهر بأبراجها الفارهة، فنادقها وشواطئها، وتعد مقصداً للمشاهير والسياح.

وقد صُنفت في العام الماضي 2025 على أنها «عاصمة المصايف العربية» من قبل «المنظمة العربية للسياحة».

في الأسابيع الماضية، طفا على السطح دور المدينة السياسي إلى جانب ازدهارها السياحي. فعلى هفيف هوائها تُفتح النقاشات حول ليبيا وغزة وتطورات «حرب إيران» وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، وتدار ملفات التعليم والطرق والتموين والطاقة.

وفي العلمين استقبل الرئيس السيسي، رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 12 يوليو (تموز) الماضي، وفي الشهر ذاته استقبل رئيس جمهورية مدغشقر الأفريقية، ميكائيل راندريانيرينا، واستقبل ملك البحرين حمد بن عيسي في 5 أغسطس (آب) الحالي.

ويعتبر رئيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» سابقاً والمفكر السياسي، عبد المنعم سعيد، أن العلمين حالياً يمكن اعتبارها «العاصمة الساحلية لمصر، وهو أمر ليس بالجديد، فقد كان وجود مثل هذه العواصم غير الرسمية دارجاً في حقب سابقة»، لافتاً إلى ميزة العلمين باعتبارها «مدينة معروفة عالمياً مرتبطة بمعارك العلمين خلال الحرب العالمية الثانية، وبها مقابر ألمان وإيطاليين، ما يجعلها مقصداً سياحياً للكثيرين»، معتقداً أن التركيز الإعلامي على وجود الرئيس فيها يهدف بالأساس إلى الترويج للمدينة باعتبارها وجهة سياحية واستثمارية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

السيسي يستقبل رئيس دولة الإمارات في العلمين منتصف يوليو 2026 (الرئاسة المصرية)

وناقش السيسي تطورات اتفاق «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، بعد التوصل لتفاهمات بشأن «سلاح المقاومة»، واستقبل في 16 أغسطس الحالي، صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، وكذلك فإن قضية توحيد المؤسسات الليبية كانت حاضرة خلال استقباله قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر، في 19 الشهر الجاري، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من استقباله رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، عبد الحميد الدبيبة في 30 يوليو الماضي بالمدينة نفسها.

المدينة ذاتها كانت شاهدة على محادثات واجتماعات أخرى بعيداً عن اللقاءات الرئاسية، حيث شهدت هذا الشهر اجتماعات للفصائل الفلسطينية هدفت إلى توحيد الصف والاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، وبالتزامن معها جرت لقاءات بين مسؤولين مصريين وفلسطينيين.

وشهدت المدينة لقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، مع نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول صدام حفتر يوم 22 أغسطس الجاري، للتباحث بشأن الجهود المبذولة لدفع مسار التسوية السياسية في ليبيا.

مصايف الرؤساء

وضع الرئيس المصري حجر أساس تدشين «مدينة العلمين» في مارس (آذار) من عام 2018. وآنذاك «لم يرتبط اسم السيسي بمصيف مفضل، كما كان لغيره من الرؤساء»، وفق الباحث في علم الاجتماع عصام فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة وجود عاصمة صيفية للأنظمة السياسية حول العالم موجودة منذ القدم، هرباً من الحرارة، ولم تختفِ الفكرة في زمن المكيفات، بل تطورت لأغراض أخرى».

وأضاف: «في روسيا توجد عاصمة شتوية وأخرى صيفية، وكذلك في مصر منذ العهد الملكي حيث مدينة الإسكندرية (شمالاً) التي كان الملك ينتقل إليها في فصل الصيف ويقيم بقصر التين... وشرم الشيخ (على ساحل البحر الأحمر) في عصر الرئيس الراحل حسني مبارك».

وأضاف فوزي أن «العلمين بذلك تختلف عن شرم الشيخ، فالأخيرة اقتصر دورها على عرض القرارات، أي إقامة مؤتمرات واجتماعات، أكثر من كونها مركزاً لصناعة قرار سياسي مثل العلمين حالياً».

وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في العلمين (مدينة العلمين الجديدة)

ومنذ 26 يوليو الماضي، يوجد الرئيس المصري بصورة مستمرة في العلمين، حيث دارت كل اجتماعاته بالوزراء المصريين، كان آخرها ترأس اجتماع حضره رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والرئيس التنفيذي لشركة «إيني» الإيطالية كلاوديو ديسكالزي، الثلاثاء، وكان السيسي قد استقبل في المدينة المنتخب الوطني عقب عودته من كأس العالم في 11 يوليو الماضي.

واللافت في مدينة «العلمين الجديدة» أنها مدينة حديثة وليدة النظام الحالي، في «انعكاس لفلسفة التوسع وتدشين المدن الجديدة»، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس «يتبنى المدن الجديدة باعتبارها حلاً هيكلياً لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا بإنشاء مراكز حضرية جديدة، بداية من العاصمة الإدارية، ثم العلمين وغيرهما من مدن الجيل الرابع»، معتبراً أن «العلمين هي النسخة الساحلية للعاصمة الإدارية».

العمل الميداني

وأضاف صادق، أن «وجود الحكومة في العلمين يعكس أيضاً فلسفة الوجود الرمزي في مواقع التنمية، على اعتبار أن الحكومة لا تدير من المكاتب فقط، بل من مواقع التنفيذ، ما يعزز صورة الدولة التي تبني والقيادة التي تتابع»، لافتاً إلى أنه «في الوقت الذي يحتفي بعض المواطنين بالمدينة باعتبارها مركزاً حضارياً جديداً، يراها قطاع آخر من الطبقات الأقل دخلاً، انعكاساً لاتساع الهوة المجتمعية».

مدينة «طول العام»

منذ مرحلة التأسيس، استهدفت الحكومة المصرية بناء مدينة تضم مراكز صناعية وسكنية وتعليمية، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، خلال جولة منتصف الشهر الماضي، لتفقد مشروعين غذائيين في المدينة، قائلاً إنها «تشهد طفرة كبيرة في المشروعات، وتسليم الوحدات السكنية فيها»، لافتاً كذلك إلى «محطة الضبعة النووية» التي توجد في المدينة، وستبدأ العمل في غضون عامين.

السيسي مستقبلاً المنتخب الوطني بعد مشاركته في كأس العالم بمدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

ويؤكد أستاذ الاقتصاد والخبير العقاري، ماجد عبد العظيم، أن «عقد الرئيس لقاءاته فيها، يوجه الأنظار عالمياً لها، ويقدمها بوصفها مدينة مكتملة وليس مجرد مصيف»، خصوصاً مع «تدشين 4 جامعات فيها، ستبدأ الدراسة فيها بعد الإجازة الصيفية، أي أننا أمام حركة مستمرة في المدينة».

وأضاف عبد العظيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الامتداد العمراني في المدينة ووجود مراكز للحكم بها مثل القصر الرئاسي ومقر الحكومة، من عوامل جذب للاستثمار أكثر، خصوصاً من الخليج. ويضيف المفكر السياسي عبد المنعم سعيد، أن «العلمين تعكس بشكل رئيسي التوجه الحكومي المصري في تنمية السواحل الشاطئية»، معتبراً أن «الهدف من العلمين ليس المدينة فقط، ولكن باعتبارها مدخلاً للساحل الشمالي المصري الذي يشهد حركة تنمية غير مسبوقة».