«الاغتيالات الغامضة»... جرائم يغذيها التناحر المسلح في ليبيا

منظمات حقوقية تتحدث عن «ازدياد» انتهاكات حقوق الإنسان

انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)
انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)
TT

«الاغتيالات الغامضة»... جرائم يغذيها التناحر المسلح في ليبيا

انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)
انتشار أمني بعد العثور على جثة فتاة بمدينة تاجوراء الليبية (مديرية أمن تاجوراء)

«جثة عليها آثار رصاص أو تعذيب»... جملة مكررة تلخّص مشهد العثور على قتيل من وقت لآخر في ليبيا، وذلك منذ الانفلات الأمني الذي ضربها بعد إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي وحتى الآن.

فخلال السنوات التي تلت «ثورة 17 فبراير» عام 2011، تبدّل المشهد العام في ليبيا، ونمت في قلبه جماعات مصالح وميليشيات مسلحة اتسعت بينها رقعة التناحر، مُخلّفةً جرائم عديدة تُفجع الليبيين، فيما بات يُعرف بـ«الاغتيالات الغامضة».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

أعداد كبيرة من القتلى يُعثر عليهم داخل أحراش بمزارع أو بالطرق، وعلى جثثهم آثار رصاص، وجلُّهم - وفقاً لجهات التحقيق - ينتمون إلى مدن ومناطق بغرب ليبيا، آخرهم علاء ميلود الغويل، الملقب بـ«الشايطة»، الذي تمت تصفيته بمنطقة الركينة بمدينة الزاوية بغرب ليبيا.

وغالباً ما يجري التحقيق في مثل هذه الجرائم من قِبل النيابة العامة، لكن عادة لا يتم التوصل إلى نتيجة، فتُضاف الحادثة إلى سجل قضايا «الاغتيالات الغامضة» التي تشهدها ليبيا، ومن ضمنها مقتل عسكريين وأمنيين كبار.

ويقول جمال المبروك، رئيس منظمة «التعاون والإغاثة الليبية»، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «غالبية جرائم التصفيات التي تشهدها ليبيا تقع بين أفراد من ميليشيات بينهم خلافات تتعلق بمكاسب تهريب البشر والمخدرات والهجرة غير النظامية».

مجموعات مسلحة

وفيما لم تصدر عن النيابة العامة أي إفادة حول مقتل «الشايطة» في مدينة الزاوية، تتجه جلّ تفسيرات من كانوا قريبين من الحادث إلى أنه قُتل على يد مجموعة مسلحة قريبة الصلة بقائد إحدى الميليشيات.

والتفسيرات المتعاقبة على جريمة مقتل «الشايطة» تلفت إلى تغوّل جماعات المصالح والتشكيلات المسلحة. ويرى الناشط الليبي حسام القماطي أنها تأتي «في ظل تصاعد وتيرة العنف والفوضى الأمنية التي تشهدها مدينة الزاوية».

ويُرجع القماطي في إدراج له عبر صفحته على «فيسبوك» مثل هذه الجرائم إلى «ازدياد النفوذ المسلح للجماعات التابعة لأمراء الحرب؛ في غياب أي تحرك حقيقي من السلطات لفرض النظام ومحاسبة المتورطين».

وبجانب مقتل «الشايطة»، أبلغ مواطنون الأجهزة الأمنية في الثالث من الشهر الحالي أنهم عثروا على جثة مواطن ملقاة في منطقة الهضبة بالعاصمة طرابلس و«عليها آثار رصاص»، تبين لاحقاً أنها لشاب يُدعى شاكر سالم.

كما ذكرت أجهزة الأمن في مدينة درج بغرب ليبيا أنها أُبلغت بعثور مواطنين على جثة داخل سيارة بطريق درج وعليها آثار رصاص، وتبين بعد فحصها أنها تعود للمواطن أحمد سليمان هبو.

فوضى السلاح

ويرى المستشار القانوني والباحث في قضايا حقوق الإنسان الليبي إحميد الزيداني أن عمليات القتل والتصفيات التي تشهدها البلاد من وقت لآخر «ترجع في غالبيتها لأسباب جنائية، بعيداً عن كونها سياسية؛ ويدعم ذلك ويغذيه انتشار السلاح، وعدم حصره في قبضة الدولة».

وتعاني ليبيا من ظاهرة انتشار «السلاح السائب». وخلال السنوات الماضية دخلت البلاد حقبة فوضى أمنية عارمة، انتشر خلالها نحو 29 مليون قطعة سلاح بين خفيفة ومتوسطة وثقيلة، وفق تقارير دولية.

ويلفت الزيداني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الأزمات السياسية المتعاقبة وتأثيراتها من فوضى وانقسام في الدولة خلقت أجواءً اعتبرها الجناة بيئة مواتية تشجعهم على ارتكاب مثل هذه الجرائم».

وأرجع ذلك إلى «ضعف المؤسسات الأمنية وما واكبه من ضعف إنفاذ القانون وعدم قدرة تلك المؤسسات على بسط الأمن».

أسباب جنائية أم سياسية؟

بجانب عمليات القتل العديدة، رصد نشطاء حقوقيون وصفحات داعمة لـ«ثورة 17 فبراير» على مواقع التواصل الاجتماعي تورط مجموعة مسلحة - لم يسموها - بخطف الشاب أحمد الشلحي، الذي ينتمي إلى حي أبوسليم بطرابلس، وذلك قبل أربعة أيام.

وعلى عكس وجهة النظر التي تُرجع مثل هذه الجرائم لأسباب جنائية، تعيش ليبيا على وقع كابوس دائم يتمثل في وقوع محاولة اغتيال قادة سياسيين وعسكريين.

فسبق وأعلن وزير الداخلية ورئيس الوزراء السابق، فتحي باشاغا، أنه تعرض لمحاولة اغتيال. كما نجا مستشار رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة رئيس هيئة السلامة الوطنية بالحكومة، عبد المجيد مليقطة، من محاولة مماثلة.

عبد المجيد مليقطة (صفحته على فيسبوك)

وكان مليقطة قد تعرض لمحاولة اغتيال في 14 من يونيو (حزيران) 2024، عبر استهدافه بعبوة ناسفة زُرعت في سيارة وُضعت في مسار مروره في طرابلس، ما أسفر عن إصابته بجروح قبل أن يفر المتهمون إلى تونس.

وتداولت صفحات ليبية على مواقع التواصل العثور على جثة في مدينة تاجوراء بطرابلس، لفتاة يُعتقد أنها مصرية الجنسية في نهاية العقد الثاني من عمرها، وعليها آثار رصاص، فيما لا تزال الأجهزة الأمنية تحقق في الجريمة.

وتحدثت منظمات حقوقية ليبية عن ازدياد معدل الجرائم المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. ووثقت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» في تقريرها السنوي الأخير «استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الدولية في مختلف أنحاء البلاد، وسط غياب أي جهود فعالة لمحاسبة الجناة».

589 انتهاكاً عام 2024

ويرصد التقرير 589 انتهاكاً وقع خلال عام 2024، ويستند بشكل رئيسي إلى 62 ملف توثيق وشهادة حية لضحايا وناجين وشهود، قالت المنظمة إن فريق الرصد والتوثيق الميداني جمعها خلال العام.

ويغطي التقرير 24 مدينة من شرق ليبيا وجنوبها وغربها، ويسلط الضوء على استمرار ما سمَّاه بـ«أنماط انتهاكات ممنهجة»، من بينها اعتقالات تعسفية، وإخفاء قسري، وتعذيب في السجون ومراكز الاحتجاز، وجرائم قتل خارج نطاق القانون؛ كما يوثق انتهاكات واسعة النطاق ضد مهاجرين وطالبي لجوء ولاجئين.

العثور على مقبرة في مدينة زلة تضم 4 جثث لمهاجرين غير نظاميين (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

ومن وقت إلى آخر يُعلن عن العثور على العديد من الجثث لمهاجرين غير نظاميين في «مقابر جماعية». وأحدث هذه الجرائم كشفت عنها «لجنة إعادة تنظيم الجنوب»، مساء الأحد، بعد اعتراف أحد مهربي البشر بقتل أربعة مهاجرين ودفنهم في صحراء مدينة زلة، جنوب شرقي طرابلس.


مقالات ذات صلة

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا المنفي في لقاء مع سفراء «مسار برلين» بتاريخ 16 مارس الحالي (مكتب المنفي)

نشاط دبلوماسي يعيد «مسار برلين» للواجهة لحلحلة الأزمة الليبية

يرى سياسيون ليبيون أن «مسار برلين»، الذي انطلق عام 2020، يسعى راهناً إلى استعادة حضوره من خلال تحركات دبلوماسية؛ سعياً لكسر الجمود وتحريك العملية السياسية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الزوبي وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» يتوسط جمع من قوات غرب ليبيا (وزارة الدفاع بغرب ليبيا)

الاشتباكات المسلّحة تعيد التوتر إلى الزاوية الليبية

تجددت الاشتباكات، مساء الأحد، في مناطق متفرقة من مدينة الزاوية بين مجموعتين محليتين، هما «أبناء الجن» و«أبناء المداح»، استخدمت فيها أسلحة خفيفة.

خالد محمود (القاهرة)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.