إسرائيل تتقدم في خان يونس... لكنها تواجه معضلة في رفح

نتنياهو يقول إنه لا توجد مقترحات من «حماس»... وأهالي المحتجزين يطالبون باتفاق

TT

إسرائيل تتقدم في خان يونس... لكنها تواجه معضلة في رفح

نزوح من خان يونس الاثنين (أ.ف.ب)
نزوح من خان يونس الاثنين (أ.ف.ب)

عمّقت إسرائيل عمليتها في خان يونس جنوب قطاع غزة، واقتحمت مناطق سكنية لم تصل إليها منذ بداية الحرب، في خطوة أجبرت مئات الفلسطينيين هناك على النزوح إلى رفح المكتظة بالسكان، التي أصبحت تُشكل معضلة بالنسبة إلى إسرائيل؛ إذ إن قادتها الأمنيين يعتقدون أن بعض قادة «حماس» ربما انتقلوا إلى هناك مع بعض المحتجزين والرهائن الإسرائيليين، وأصبحوا أقرب للانتقال إلى مصر أو الاختباء في أنفاق على الحدود.

وتوغل الجيش الإسرائيلي في عمق خان يونس في الساعات الماضية، وشوهدت دبابات للمرة الأولى في غرب المدينة عند مستشفى «الخير» الذي اقتحمه الجيش الإسرائيلي لاحقاً في وقت حاصر فيه مستشفيي ناصر الطبي والأمل ومناطق سكنية عدة.

جاء ذلك في ظل مؤشرات على أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى حسم معركة خان يونس بعدما دفع بـ4 ألوية للمشاركة في اقتحامها. وفيما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن 4 ألوية بقيادة «الفرقة 98» تشارك في الهجوم الجديد على خان يونس، أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الاثنين، مقتل 3 ضباط من «لواء المظليين» في جنوب قطاع غزة.

دبابات إسرائيلية على الحدود مع وسط قطاع غزة الاثنين (رويترز)

وكان الجيش الإسرائيلي تحوّل إلى عملية قصف مكثفة على خان يونس منذ فجر الاثنين، وشمل ذلك استهداف مربعات سكنية ومراكز إيواء بينها مركز إيواء جامعة الأقصى، ومركز إيواء مدرسة المواصي، ومركز إيواء صناعة خان يونس، ما خلّف كثيراً من الضحايا.

وقالت وزارة الصحة في غزة إن الاحتلال ارتكب جرائم مروعة غرب خان يونس، مخلّفاً عشرات الجثث في الشوارع والأماكن المستهدفة.

وأصدرت «حركة حماس»، من جهتها، بياناً اتهمت فيه الجيش الإسرائيلي بارتكاب جريمة جديدة في خان يونس عبر «استهدافه لخمسة مراكز إيواء بشكلٍ مباشر ومتعمّد، وبشتى أنواع الأسلحة، ما أدّى إلى سقوط العشرات من الشهداء والجرحى».

وقالت «حماس» إن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يتحمّلان «مسؤولية سياسية وتاريخية عن استمرار الجرائم الصهيونية المروّعة بحق المدنيين الآمنين».

وقدّرت مصادر طبية أن إسرائيل قتلت 50 على الأقل في قصف طال أحد مراكز الإيواء في خان يونس.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف وقتل مسلحين في خان يونس، وسيطر على مقرات قيادة تابعة لـ«حركة حماس»، في عملية مستمرة وستتعمق أكثر.

شهدت خان يونس موجة نزوح جديدة مع توغل القوات الإسرائيلية في المدينة الاثنين (أ.ف.ب)

وكانت إسرائيل قد بدأت نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي عملية واسعة في خان يونس بهدف الوصول إلى قيادة «حركة حماس» ومحتجزين إسرائيليين، لكنها واجهت مقاومة شرسة، وتفاجأت بقدرات «حماس» وعدد مقاتليها وحجم إنفاقها مما يشبه المتاهة التي لا تنتهي، بخلاف الوضع في شمال القطاع.

وقالت «قناة 12» الإسرائيلية إن الجيش الإسرائيلي هزم 3 من 4 كتائب لـ«حماس» في خان يونس، لكن التقديرات لدى قادة الجيش تفيد بأن القتال في خان يونس المستمر منذ شهر ونصف الشهر فوق الأرض وتحتها في وقت واحد، سيشتد ولن يتوقف.

وتقدّر المؤسسة الأمنية أن الأمر سيستغرق بضعة أسابيع أخرى لإكمال العملية فوق الأرض، أما تحت الأرض فالوضع معقد إلى حد ما.

لكن حتى إذا نجح الجيش في التقدم أكثر في خان يونس، فتظهر منطقة رفح عقدة جديدة أمام إسرائيل. وتقول مصادر إسرائيلية إنه تم تسجيل فرار مئات الفلسطينيين الإضافيين من خان يونس إلى رفح الصغيرة يوم الاثنين. وفي الصور القادمة من خان يونس، يظهر كثير من السكان وهم يستقلون المركبات ويحملون ما أمكن من أمتعتهم نحو الجنوب.

ويخشى الجيش الإسرائيلي أن عدداً من قادة «حماس» نجحوا في الانتقال إلى رفح المكتظة بالفلسطينيين وربما نقلوا معهم محتجزين ورهائن.

فلسطينيون ينزحون من خان يونس الاثنين (رويترز)

ويوجد في رفح الصغيرة، النقطة الأقرب لمصر، مليون و200 ألف فلسطيني غالبيتهم من النازحين، ما يجعل الهجوم هناك معقداً للغاية.

وقالت «قناة 12» إن منطقة رفح هي في الحقيقة آخر المعاقل «الكبرى» لـ«حماس»، والتي لم يتعامل معها الجيش الإسرائيلي بعد، ما يضعه أمام تحد كبير، يشمل كذلك إنشاء واقع جديد في منطقة فيلادلفيا مع مصر.

ويوجد أمام جيش الاحتلال عدة تحديات هناك، من بينها أنه يوجد لـ«حماس» ما بين 3 إلى 4 كتائب في رفح، وأن المنطقة تقع بجوار مصر، وتوجد هناك صناعة تهريب تقليدية، ثم إن أي عملية هناك تحتاج إلى التنسيق مع مصر.

ومقابل التقدم الإسرائيلي، أعلنت «كتائب القسام» استهداف مزيد من القوات الإسرائيلية في خان يونس وتدمير دبابات هناك.

ومع مواصلة القتال البري، واصلت إسرائيل قصف مناطق واسعة في القطاع. وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن «عدد الشهداء منذ بدء العدوان (...) في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ارتفع إلى نحو 25 ألفاً و300 شهيد، و63 ألف مصاب، أغلبيتهم من النساء والأطفال، وآلاف الضحايا الذين ما زالوا تحت الركام».

وجاءت التطورات في جنوب غزة، في وقت يحاول فيه الوسطاء دفع اتفاق ينهي الحرب، وقدموا خطة من 90 يوماً لكن إسرائيل لم توافق عليها.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لممثلي عائلات المحتجزين الذين التقاهم الاثنين: «خلافاً لما يقال، لا يوجد أي اقتراح حقيقي من (حماس)، هذا غير صحيح. سأقول ذلك بكل وضوح قدر استطاعتي لأن هناك كثيراً من البنود غير الصحيحة التي تسبب لكم الألم بالتأكيد. ومن ناحية أخرى، هناك اقتراح خاص بنا، ولن أخوض في تفاصيل عنه».

وكانت تقارير قد أفادت بأن نتنياهو رفض، الأحد، شروطاً قدمتها «حماس» لإنهاء الحرب وإطلاق سراح المحتجزين التي تتضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، وترك الحركة على رأس السلطة في القطاع.

لكن أهالي المحتجزين صعّدوا، واقتحمت مجموعة منهم اجتماعاً للجنة المالية في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، للمطالبة باتفاق يعيد لهم أحبتهم. وصرخ المقتحمون في النواب قائلين: «لن تجلسوا هنا، بينما هم يقبعون هناك (في أنفاق غزة)».

ويخيّم متظاهرون أيضاً أمام منزل نتنياهو في قيساريا، وكذلك أمام مبنى الكنيست، ويطالب بعضهم بإنهاء الحرب من جانب واحد أو إجراء انتخابات. وهتف متظاهرون في تل أبيب السبت من أجل إسقاط الحكومة.


مقالات ذات صلة

بعد تهديد إسرائيلي... تحذيرات لأطفال غزة من إطلاق الطائرات الورقية

المشرق العربي أطفال فلسطينيون يصنعون الطائرات الورقية ويطلقونها في غزة (د.ب.أ) p-circle

بعد تهديد إسرائيلي... تحذيرات لأطفال غزة من إطلاق الطائرات الورقية

تلقى أولياء الأمور في غزة تحذيراً من السماح لأطفالهم بإطلاق الطائرات الورقية في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل فلسطيني مكبل اليدين يُحتجز من قبل ضباط شرطة الحدود الإسرائيلية خلال عملية للجيش في مخيم قلنديا للاجئين في الضفة الغربية (أ.ب)

بن غفير يعلن بدء إخلاء مركز تدريب تابع لـ«الأونروا» في القدس الشرقية

أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أن الشرطة التي يشرف عليها تعمل، الثلاثاء، على «إزالة» مركز تدريب مهني تديره وكالة «الأونروا».

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي جدة الفتاة أمال أبو خاطر (10 سنوات) التي أصيبت برصاصة في خيمتها وتوفيت لاحقاً في مستشفى ناصر بخان يونس تبكي خلال جنازتها (رويترز) p-circle

مقتل 5 فلسطينيين بينهم طفلان في غارات إسرائيلية على قطاع غزة

قتل خمسة فلسطينيين بينهم طفلان وأصيب آخرون في سلسلة غارات جوية إسرائيلية على قطاع غزة، حسب مصادر طبية والدفاع المدني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون الدمار عقب غارة على مخيم المغازي بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)

مسؤولون من أوغندا وبوروندي بحثوا في إسرائيل نشر قوات بغزة

زار مسؤولون عسكريون من أوغندا وبوروندي إسرائيل الأسبوع الماضي لمناقشة نشر قوات في غزة، وذلك في إطار قوة أمنية دولية وضع تصورها «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» ( تل أبيب)

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
TT

الكرملين: الرئيسان الروسي والسوري يناقشان «مذكرة التفاهم» بشأن «حميميم»

جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)
جولة ميدانية لوزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق داخل ميناء طرطوس للاطلاع على المنشآت والمرافق التي شملتها «مذكرة التفاهم» بين سوريا وروسيا (الخارجية السورية)

أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال محادثة هاتفية مع نظيره السوري، أحمد الشرع، الموقف المبدئي الداعم وحدة الجمهورية وسيادتها وسلامة أراضيها.

وجاء في بيان من المكتب الصحافي للكرملين بهذا الصدد، نقلته وكالة «تاس» الروسية: «خلال تبادل وجهات النظر بشأن الوضع في سوريا، أكد فلاديمير بوتين الموقف المبدئي الداعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها وسيادتها، وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق استقرار طويل الأمد وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع».

وأشار الرئيسان؛ الروسي فلاديمير بوتين، والسوري أحمد الشرع، إلى أهمية مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين البلدين بشأن إعادة تنظيم «قاعدة حميميم الجوية» و«مركز الدعم اللوجستي» في محافظة طرطوس، وفق ما أفاد به المكتب الصحافي للكرملين عقب محادثة هاتفية بين الرئيسين الأربعاء.

وجاء في بيان الكرملين: «أشار الجانبان إلى أهمية مذكرة التفاهم الموقعة في 9 أغسطس (آب) الحالي بشأن إعادة تنظيم (قاعدة حميميم الجوية) و(مركز طرطوس اللوجستي)».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع في الكرملين بموسكو يوم 15 أكتوبر 2025 (أرشيفية - وكالة الأنباء الألمانية)

وفي السياق، أعرب كل من الرئيسين؛ الروسي فلاديمير بوتين، والسوري أحمد الشرع، عن استعدادهما لتعميق الحوار السياسي، والتعاون بين البلدين، خصوصاً في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية، وفق ما أفاد به المكتب الصحافي للكرملين.

وجاء في بيان الكرملين: «جرى التعبير عن الاستعداد لتعميق الحوار السياسي والتعاون في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية وغيرها.

جانب من منشأة البحرية الروسية في طرطوس الساحلية بسوريا يوم 14 ديسمبر 2024 (رويترز)

وقد دشن الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين دمشق وموسكو، في 9 أغسطس الحالي، تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، ومرحلة جديدة في علاقات البلدين تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وتكتسب «قاعدة حميميم» و«ميناء طرطوس» أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري، إذ يمثل «مطار حميميم» منشأة جوية رئيسية، بينما يرتبط «ميناء طرطوس» بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا خلال السنوات الماضية.

وبموجب التفاهم سوف تبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها «مطار حميميم» و«الرصيف التجاري الرابع» في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية. ‏

وبالنسبة إلى القواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فقد أفادت وزارة الخارجية السورية بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة». وحددت مذكرة التفاهم سقفاً زمنياً لا يتجاوز 3 أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ.

يعدّ التطور الأخير الخطوةَ الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف العام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏


خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
TT

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)
حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

من أكثر ما تحمله مذكرات نائب الرئيس السوري الراحل عبدالحليم خدام حساسية في باب المال والسلطة، روايته أن احتياطي الدولة السورية، البالغ آنذاك اثني عشر مليار دولار بحسب النص، كان مسجلًا باسم الرئيس الراحل حافظ الأسد لا باسم مؤسسات الدولة.

يكتب خدام في المذكرات التي حررها وقدّمها الزميل إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة»، وتصدر مطلع سبتمبر (أيلول) عن دار «رف» التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام SRMG: «لم يخطر في بال أحد أن يوضع مبلغ بهذا الحجم بالاسم الشخصي لرئيس الدولة، وهو مبلغ للدولة السورية وليس له».

غلاف الكتاب

وفي رواية خدام، لم تبقَ المسألة شكلية، بل تحولت إلى أزمة داخلية حين وصلت إلى الرئيس وثيقة تفيد بسحب مبلغ من الحساب المودع باسمه في الخارج. استغرب الأسد الأمر وطلب من البنك كتاب التحويل، وبعد أيام وصلت صورة الطلب، ولدى تدقيق التوقيع تبين أنه مزوّر. سُئل البنك عن الجهة التي حُوّل إليها المبلغ (65 مليون دولار) فتبين أنها عائدة لرئيس الحكومة محمود الزعبي. يروي خدام أن «ثائرة» حافظ الأسد ثارت، وأنه طلب إلى أحد رؤساء أجهزة الأمن استدعاء الزعبي وإنذاره بإعادة المبلغ وإلا أُعدم، وبالفعل أُعيد المال إلى المصرف.

وتضع المذكرات الواقعة في سياق مسار الزعبي نفسه الذي بقي في رئاسة الحكومة من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 حتى مارس (آذار) 2000، في أطول رئاسة حكومة منذ ولادة الدولة السورية عام 1918.

يرسم خدام صورة قاسية للرجل الذي «انزلق ليس فقط في تسهيل الفساد وإنما ممارسته أيضاً»، ويروي كيف بنى شبكة ثقته صعوداً نحو مكتب باسل الأسد ومحمد مخلوف، فيما كان هو نفسه يفتح ملف الفساد مع حافظ الأسد منذ 1989 ليأتيه الجواب: «من أين تأتي بهذه المعلومات؟ الواقع مختلف عما تقول».

حافظ الأسد وإلى جانبه رئيس الوزراء الراحل محمود الزعبي (أ.ف.ب)

ثم يروي خدام النهاية من الداخل: في منتصف مايو (أيار) 2000 دعا الرئيس الراحل، وقد بدت عليه «علائم الموت»، عدداً من أعضاء قيادة حزب «البعث» الحاكم إلى منزله، وقال لهم: «لقد خانني محمود الزعبي. حققوا معه وحاسبوه»، من دون أن يكشف الموضوع.

أُقيل الزعبي من الحزب وتقررت إحالته إلى التحقيق، وحين أُبلغ القرار أخذ يردد: «أنا ماذا فعلت؟»، ثم قال لخدام: «إذا دعوني إلى التحقيق سأنتحر». وفي 24 مايو 2000، وعندما جاء قائد شرطة دمشق ومعه ضابطان لاصطحابه إلى التحقيق، صعد الزعبي إلى الطابق الثاني في منزله وأطلق النار على رأسه. ويكتب خدام أنه علم بواقعة التزوير والاحتياطي «بعد مدة وجيزة» من الانتحار.

وتحيط المذكرات الواقعة بملفات أخرى من عهدة الزعبي، أبرزها عقد شراء طائرات «إيرباص» مطلع التسعينيات: لجنة برئاسة رئيس الحكومة، ووزير نقل استُبعد منها بعدما اتصل بالشركة الفرنسية «للحصول على عمولة»، وعقد أقرّته الحكومة رغم اعتراضات موثقة «بعد أن أوحى لها الزعبي بأن الرئيس قد وافق عليه».

حافظ الأسد وإلى يساره عبد الحليم خدام عام 1999 (غيتي)

ويسجل خدام مفارقة: بعد انتحار الزعبي ببضعة أيام أُوقف نائب رئيس الحكومة سليم ياسين ووزير النقل مفيد عبدالكريم، وهما من اعترضا على العقد، «ظلماً»، وحُكم عليهما بالسجن خمسة عشر عاماً وبغرامة تفوق قيمة الطائرات.

ويروي في السياق نفسه أن دراسة إصلاح اقتصادي أعدها خبراء كلفهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري بموافقة الرئيس، وكلفت ثلاثة ملايين دولار، «لم يقرأها أحد سواي من أعضاء الحكومة والقيادة».

لم يتسنَّ التحقق المستقل من الوثائق المصرفية المشار إليها، وتبقى الرواية على مسؤولية صاحبها. تفاصيل الواقعة، وسياق حكومة الزعبي وملفات الفساد التي رافقتها، ترد في فصل «انتحار محمود الزعبي» من الكتاب.


الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
TT

الزنداني: لن نسمح للحوثيين وإيران بابتزاز اليمن

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)
رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (سبأ)

شدد رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني على أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، وأنها لن تسمح للحوثيين وإيران بابتزاز الدولة اليمنية.

وقال الزنداني في حوار مع «الشرق الأوسط» إن التصعيد الحوثي الأخير يكشف استهداف الجماعة مقوّمات الحياة والاقتصاد الوطني، وسعيها إلى تحويل الأراضي اليمنية والموانئ والممرات البحرية إلى أدوات تخدم مشروعاً إقليمياً يتجاوز حدود البلاد. وأكد أن اليمن لا يريد من العالم أن يخوض الحرب نيابة عن اليمنيين، وإنما أن يدعمهم في استعادة دولتهم، وبناء قدراتهم.

وأوضح رئيس الوزراء أن التنسيق اليمني - السعودي يتطور باستمرار ويتجاوز التعامل مع تصعيد عسكري طارئ، ويستند إلى شراكة استراتيجية راسخة بين بلدين يجمعهما الجوار والأمن والمصير والمصالح المشتركة، مشيراً إلى أن الرياض تعدّ استقرار اليمن جزءاً من أمن المملكة والمنطقة.

وقال الزنداني إن الحكومة لا تتعامل مع ميناء المخا بوصفه مجرد منشأة محلية، بل على أنه جزء من منظومة اقتصادية وملاحية أوسع، مشيراً إلى أن استهدافه تترتب عليه تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية. وأضاف أن حماية الموانئ والمنشآت الاقتصادية مسؤولية وطنية، وهي في الوقت نفسه جزء من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه أمن الملاحة والتجارة الدولية.