بتضخم مفرط وأزمة غذاء... كوبا تحيي ذكرى 65 عاماً على ثورة كاسترو

أشخاص يسيرون في شارع بوسط مدينة هافانا عاصمة كوبا، في 21 نوفمبر 2023 (رويترز)
أشخاص يسيرون في شارع بوسط مدينة هافانا عاصمة كوبا، في 21 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

بتضخم مفرط وأزمة غذاء... كوبا تحيي ذكرى 65 عاماً على ثورة كاسترو

أشخاص يسيرون في شارع بوسط مدينة هافانا عاصمة كوبا، في 21 نوفمبر 2023 (رويترز)
أشخاص يسيرون في شارع بوسط مدينة هافانا عاصمة كوبا، في 21 نوفمبر 2023 (رويترز)

احتفل الكوبيون بمرارة بمرور 65 عاماً على «انتصار» الثورة، بزعامة فيدل كاسترو، بينما تعاني بلادهم أزمة اقتصادية حادّة، سماتها البارزة تضخم مفرط، ونقص كبير بالمواد الغذائية والأدوية والمحروقات، حيث بات قسم كبير من الشعب يعيش في فقر مُدقع. وقد أعلن النظام الحاكم في كوبا مؤخراً خطة تقشّف غير مسبوقة؛ في محاولة لمعالجة التردي الاقتصادي الحادّ الذي تشهده البلاد منذ 3 سنوات؛ في محاولة لا تبدو سهلة التحقيق، وستزيد تكلفة المعيشة في هذه الجزيرة الواقعة على البحر الكاريبي.

أشخاص ينتظرون في طابور لدخول متجر في وسط مدينة هافانا بكوبا 3 أكتوبر 2022 (رويترز)

مع بزوغ فجر عام جديد، احتفل رفاق الزعيم الكوبي الراحل فيدل كاسترو، كما يفعلون في كل عام، في الأول والثاني من يناير (كانون الثاني) ﺑ«انتصار الثورة»، وفق التعبير المتعارف عليه، ومع ذلك فإن الثورة الكوبية تمرّ بمحنة، وأصبحت أسسها موضع تساؤل، وفق تقرير، الثلاثاء، لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

فيدل كاسترو (في الوسط يرفع يده) ورفاقه في الثورة يدخلون العاصمة الكوبية هافانا في 8 يناير 1959 (متداولة)

اقتصاد منهار

تعاني الجزيرة الشيوعية أزمة اقتصادية حادّة. خزائن الدولة فارغة، واقتصاد البلاد في تضخم مفرط، والبلاد على شفير المجاعة.

قال وزير الاقتصاد الكوبي، أليخاندرو غيل، في 20 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إن اقتصاد البلاد قد ينكمش على الأرجح، هذا العام، وإن التحول «الاقتصادي» المأمول لا يزال بعيد المنال في أزمة تسببت بازدياد الصعوبات والهجرة على مدى السنوات الثلاث الماضية.

بائع يعرض أوراق البيزو الكوبي في سوق عامة بهافانا كوبا 12 يونيو 2021... يساوي الدولار الأميركي 24 بيزو بسعر البيزو الرسمي وقد يصل سعر الدولار بالسوق السوداء إلى أكثر من 200 بيزو. شهد البيزو انهياراً كبيراً في قيمته عام 2023 نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد (رويترز)

وقال غيل، في جلسة نهاية العام للجمعية الوطنية: «من الممكن أن نشهد انكماشاً في الناتج المحلي الإجمالي، هذا العام، قد يتراوح بين 1 في المائة و2 في المائة»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت عائدات السياحة في كوبا لعام 2023 - قطاع السياحة من أبرز مصادر العائدات للدولة الكوبية - أقل بكثير من التوقعات، مع ما يناهز 2.45 مليون مسافر إلى البلاد، وفق شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية الدولية «دويتشه فيله»، الخميس، في حين وصلت أرقام السياح إلى كوبا في عام 2017، على سبيل المثال، إلى نحو 3.3 مليون سائح، نقلاً عن أرقام منصة «MacroTrends» البحثية الأميركية المختصة بالاقتصاد.

الرئيس الكوبي السابق راوول كاسترو خلال كلمته في احتفال الذكرى 65 ﻟ«انتصار» الثورة الكوبية في سانتياغو، كوبا، الاثنين 1 يناير 2024 (أ.ب)

أطفال جائعون

ظهرت كتائب من الرجال المُسنين الهزيلين والمُتسولين والنساء مع الأطفال الصغار الجائعين بشكل متزايد في العاصمة الكوبية هافانا، في الأشهر الأخيرة، وفق تقرير «لوفيغارو»، في بلد كان سكانه، على الرغم من فقرهم، مكتفين غذائياً، وكان التسول أمراً مرفوضاً تماماً.

امرأة تجرّ طفلتها بعربة أطفال وتبيع البسكويت وسط مدينة هافانا في كوبا 18 مايو 2021 (رويترز)

ويشكّك الكوبيون بفعالية الحصص التموينية التي أنشأتها الدولة، إذ انخفض عدد المواد الغذائية والمنتجات المنزلية الموزعة، بشكل حادّ، منذ إنشاء دفتر الحصص الغذائية «ليبريتا (Libreta)» في عام 1963، لكنهم يرون بشكل عام، أنه دون هذا النظام، سيموت الآلاف من الجوع من سكان الجزيرة الشيوعية، الأكبر سناً منهم، والذين ليس لديهم دعم مالي عائلي من الخارج.

تُظهر الصورة أشخاصاً معظمهم أطفال خارجين إلى الشارع احتجاجاً أثناء انقطاع التيار الكهربائي في أعقاب إعصار إيان بهافانا في كوبا، في 30 سبتمبر 2022 (رويترز)

نزيف الهجرة

تشير التقديرات إلى أنه رغم الغموض الدائم الذي يلف الأرقام في كوبا، فإنّ ما بين 500 ألف و700 ألف كوبي، أو أكثر، تركوا أرضهم في العامين الماضيين.

وجاء ما يقرب من 425 ألف مهاجر كوبي إلى الولايات المتحدة، خلال العامين الماليين 2022 و2023 - العام المالي الأميركي من 1 أكتوبر (تشرين الأول) كل عام إلى 30 سبتمبر (أيلول) من العام التالي، وفق أرقام «مكتب واشنطن لأميركا اللاتينية»، وهي منظمة بحث ومناصرة لحقوق الإنسان مركزها واشنطن.

مهاجرون كوبيون غير شرعيين يَعبرون نقطة دخول عبر سياج سِلكي على طول ضفة نهر ريو غراندي من المكسيك نحو الولايات المتحدة من المكسيك في إيغل باس بولاية تكساس الأميركية في 6 أكتوبر 2023 (رويترز)

تراجع المساعدات

إذا كان العنف المتفشي في كوبا يزعج المواطنين، فإن البيئة الجيوسياسية للجزيرة تُقلق قادتها. لقد ظلت «الكاستروية» على قيد الحياة دائماً بفضل تحالفاتها: الاتحاد السوفياتي منذ الثورة الكوبية (1959) حتى عام 1991 (تاريخ سقوط الاتحاد السوفياتي)، ثم الدول اليسارية في أميركا اللاتينية منذ نهاية التسعينات، وحتى الصين في منتصف عام 2010. وكان من السهل على الزعيم الكوبي فيدل كاسترو (توفي سنة 2016)، بفضل الظروف الدولية والكاريزما التي تمتّع بها، أن يحصل على مساعدات من الدول الحليفة.

سفينة تابعة للبحرية المكسيكية تستعد للرسو عند وصولها محملة بالمساعدات الإنسانية إلى ميناء هافانا في كوبا في 30 يوليو 2021 (رويترز)

لكن الرئيس الكوبي الحالي ميغيل دياز كانيل، الذي لا يتمتع بشخصية جذابة، لا ينجح دبلوماسياً كالزعيم الأسبق فيدل. ترسل روسيا قليلاً من المواد الغذائية إلى الجزيرة، لكن موسكو لن تلتزم بالمزيد ما دامت هافانا لم ترسل جنوداً للقتال إلى جانبها في أوكرانيا. وأدركت الصين أن قروضها إلى كوبا ضاعت، لذا تنأى بكين بنفسها عن إقراض كوبا. ومن المقرر أن تنتخب المكسيك، الداعم الرئيسي اليوم للمساعدات الغذائية للجزيرة، رئيساً جديداً في الأشهر المقبلة قد لا يستمر في دعم المساعدات، في حين تعاني دولتا فنزويلا ونيكاراغوا المقرّبتان من كوبا، حالة اقتصادية صعبة تماماً. أما البرازيل في عهد الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، فقد أصبحت أقل سخاءً مما كانت عليه في الماضي.

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل خلال اجتماع رسمي بالعاصمة الفيتنامية هانوي في 9 نوفمبر 2018 (أ.ف.ب)

إجراءات حكومية جديدة

في حديثه عن صعوبة الوضع الاقتصادي بالبلاد، قال رئيس الوزراء الكوبي مانويل ماريرو كروز، نهاية العام، متوجّهاً إلى نواب الجمعية الوطنية، إن الحكومة غير راضية عن «عدم إحراز التقدم اللازم» (الاقتصادي) لسنة 2023. وبعد إلقاء اللوم في وضع كوبا على الحظر الأميركي المستمر منذ عقود، وهو الاتهام المعتاد من قادة كوبا، وكذلك بعد أن ألقى ماريرو كروز اللوم على التأخير (بالعجلة الاقتصادية) الناجم عن وباء كورونا والأزمة العالمية، أقرّ ماريرو بأن كوبا فشلت في تحقيق زيادة مستدامة بالإنتاج الوطني، وأن الحكومة كان بإمكانها القيام بعمل أفضل، وفق صحيفة «إل باييس» الإسبانية.

وقال ماريرو كروز: «نعمل على سيناريو اقتصاد الحرب بكل تعقيداته مع الحظر الأميركي والتصدي للحملات المستمرة لأعداء الثورة الذين يقولون إن الحصار (الأميركي) لا علاقة له بالأزمة».

امرأة تحمل بضائع في شارع تجاري بهافانا في كوبا 16 أغسطس 2023 (رويترز)

وكشف رئيس الحكومة عن خطة اقتصادية صادمة وغير مسبوقة: زيادة بنسبة 25 في المائة بأسعار الكهرباء، فضلاً عن زيادات كبيرة بأسعار الغاز والمياه والبنزين والنقل العمومي، وحتى السيجار. وتعتزم الحكومة تخفيض عدد موظفي الخدمة المدنية، كما سيتم إجراء تخفيض كبير لقيمة عملة البيزو الكوبي.

وهذه الإجراءات من شأنها أن تزيد بشكل كبير تكلفة العيش في كوبا، في حين لا تزال القيود التي تفرضها الدولة الكوبية على القطاع الخاص كبيرة، مما يعوق نمو هذا القطاع.

وكانت كوبا قد رفعت، في عام 2021، الحظر المفروض على الشركات «الخاصة» الصغيرة والمتوسطة في البلاد، وفق شبكة «إن بي سي» الأميركية.

صبي يركض بالقرب من عَلَم كوبي مرسوم على كوخ مكتوب عليه عبارة «في حالة تأهب دائماً» في هافانا عاصمة كوبا (رويترز - أرشيفية)

وعلى الصعيد الدولي، لا تزال الصراعات العسكرية القائمة اليوم في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، وفي الشرق الأوسط بين إسرائيل وحركة «حماس»، والقرصنة التي يشنّها الحوثيون ضد التجارة العالمية في البحر الأحمر، تشكّل عوامل سلبية تؤرق الاقتصاد العالمي وتؤثّر على نموه، مما ينعكس حكماً على اقتصاد كوبا الذي تأثّر، ومرجّح أن يزداد تأثره بانعكاسات هذه الأزمات الكبيرة التي تلقي بظلالها على الاقتصاد، في حين أنه لا حل قريب يلوح في الأفق لإنهاء الصراع في أوكرانيا والشرق الأوسط، كي يرسل صدمات إيجابية للاقتصاد العالمي.

أشخاص يسيرون في شارع تجاري بهافانا في كوبا 16 أغسطس 2023 (رويترز)

وتُقدّر مراجع اقتصادية أنّ إجمالي الناتج المحلي «GDP» لدولة كوبا، الذي انكمش في السنوات الأخيرة، دون 100 مليار دولار، في بلد يبلغ تعداد سكانه نحو 11 مليون نسمة.

ووفق «مؤسسة التراث (Heritage Foundation)» الأميركية، وهي معهد بحثي مركزه واشنطن، فإن أداء الاقتصاد غير الفعال، الذي تديره الدولة في كوبا سيئ جداً، وسط غياب سلطة قضائية مستقلة ونزيهة تضعف سيادة القانون. وقد ظل القطاع الخاص مكبلاً منذ فترة طويلة بالرقابة الصارمة التي تمارسها الدولة، كما أن درجة نزاهة حكومة كوبا أقل من المتوسط العالمي، وفق «مؤشر الحرية الاقتصادية» لعام 2023 الذي تصدره «مؤسسة التراث» الأميركية سنوياً.

أشخاص يرددون شعارات مناهضة للحكومة خلال احتجاج ضد الحكومة وأخرى دعماً لها وسط تفشي جائحة كورونا بالعاصمة الكوبية هافانا 11 يوليو 2021 (رويترز)

عداوة كوبية وعقوبات أميركية

تفرض الولايات المتحدة عقوبات وحظراً اقتصادياً شاملاً على جمهورية كوبا. فوفق موقع وزارة الخارجية الأميركية، في فبراير (شباط) 1962، أعلن الرئيس جون كيندي فرض حظر على التجارة بين الولايات المتحدة وكوبا؛ رداً على بعض الإجراءات «العدائية» التي اتخذتها الحكومة الكوبية، ووجّه كيندي وزارتي التجارة والخزانة بتنفيذ الحظر، الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

أشخاص يسيرون تحت عَلَم كوبي معلق في وسط مدينة هافانا بكوبا 8 أكتوبر 2021 (رويترز)

وارتبطت كذلك العقوبات الأميركية على هافانا، بالتوجّه الشيوعي الذي اتخذه زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو (توفي سنة 2016)، ومعاداته للولايات المتحدة. وقد خففت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق (2009 - 2017) باراك أوباما من العقوبات المفروضة على كوبا، لتعود إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بتشديدها.

وتعزو الولايات المتحدة أيضاً انتهاكات حقوق الإنسان في كوبا، والميول الشيوعية، وتهديد الاستقرار الإقليمي، إلى أنها المحفزات الأساسية وراء العقوبات الاقتصادية الأميركية المستمرة على البلاد، أبرزها قطع العلاقات التجارية بين البلدين، وفق موقع مؤشّر «داو جونز» الصناعي الأميركي (مركزه نيويورك).

صورة أرشيفية التُقطت في مايو 1963 تُظهر السكرتير الأول للحزب الشيوعي الكوبي ورئيس مجلس الدولة فيدل كاسترو (يسار) والزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف خلال زيارة رسمية لكاسترو استمرت أربعة أسابيع إلى موسكو (أ.ف.ب)

وتهدف العقوبات الأميركية بشكل خاص إلى احتواء نظام كوبا الشيوعي المُعادي بشدة للولايات المتحدة ونموذجها الاقتصادي، سياسة انتهجها زعيم الثورة فيدل كاسترو الذي تحالف مع الاتحاد السوفياتي؛ الخصم اللدود للولايات المتحدة، في أوج الحرب الباردة. واستضافت كوبا على أراضيها صواريخ باليستية سوفياتية (قادرة على حمل رؤوس نووية)، صواريخ على مَقربة من البر الأميركي وقادرة على استهداف مدن الولايات المتحدة، مما خلق أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر سنة 1962 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، أزمة عالمية كان فيها العالم أقرب مرّة إلى صدام حرب نووية بين القوتين العظميين.

الرئيس الأميركي جون كيندي (يمين) يجتمع مع الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف بمقر سفارة الولايات المتحدة في فيينا بالنمسا يونيو 1961 (رويترز)

لكن الدولتين العظميين تمكّنتا من التوصّل إلى اتفاق تسحب موسكو بموجبه صواريخها من كوبا (بدأ التنفيذ في نوفمبر «تشرين الثاني» 1962)، مقابل تعهّد واشنطن بعدم اجتياح كوبا، وتعهّد سري من الرئيس الأميركي كيندي بأن تسحب الولايات المتحدة صواريخها النووية من تركيا المحاذية للاتحاد السوفياتي.

وقد استمرّت العلاقات المتوترة بين كوبا والولايات المتحدة، واستمر الحظر التجاري الأميركي على كوبا مع خليفتي فيدل كاسترو (استقال سنة 2008)، راوول كاسترو (2008 - 2018)، والرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل.

الرئيس الأميركي جون كيندي يخاطب الصحافيين خلال مؤتمر صحافي عام 1963 (متداولة)

انعكاسات تبدّل الظروف الدولية

اعتاد قادة كوبا إلقاء اللوم في أزمة البلاد الاقتصادية على الحظر الأميركي على الجزيرة، في حين تشير التحليلات الاقتصادية إلى عوامل عدة أساسية وراء الأزمة الاقتصادية الكوبية المستشرية، أبرزها سياسة كوبا تحت قيادة زعيم الثورة الراحل فيدل كاسترو، إذ انتهجت هافانا سياسة شيوعية راديكالية مُعادية للنظام الرأسمالي وللدول الليبرالية بقيادة الولايات المتحدة.

الرئيس الكوبي فيدل كاسترو يستمع إلى أحد المتحدثين خلال موكب عيد العمال في ساحة الثورة بهافانا في هذه الصورة الأرشيفية في الأول من مايو 2005 (رويترز)

ولعلّ أبرز نموذج على سياسة كوبا المعادية هو وضع الدولة الكوبية يدها بعد الثورة (في 6 يوليو/ تموز سنة 1960) على مشاريع الأميركيين التجارية في الجزيرة - الأميركيون كانوا المستثمرين الأكبر في كوبا آنذاك - وكان هذا الإجراء من أبرز الأسباب التي أضعفت الاستثمارات الأجنبية في البلاد، ودفعت الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي إلى فرض الحظر التجاري على كوبا في فبراير سنة 1962.

باعة متجولون يستخدمون ضوء الهاتف المحمول أثناء انقطاع التيار الكهربائي في هافانا عاصمة كوبا، في 29 سبتمبر 2022 (رويترز)

وفي حين نجحت السياسة الشيوعية المتّبعة في كوبا، بإشراف خبراء من الاتحاد السوفياتي، بتحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد، منذ سبعينات القرن الماضي، حيث استفادت هافانا من التجارة مع موسكو والمساعدات الكبيرة التي قدّمها الاتحاد السوفياتي لكوبا، إلا أن سقوط شريكها التجاري الأبرز، الاتحاد السوفياتي، مطلع التسعينات، شكّل ضربة كبيرة لعجلة الاقتصاد الكوبي.

وكذلك أسهمت ظروف عالمية كبرى في السنوات الأخيرة، أبرزها أزمة جائحة كورونا (بشكل عام بين سنتي 2020 و2022)، في التأثير الكبير على اقتصاد الجزيرة الكاريبية.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

الاقتصاد رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

أقر صندوق النقد بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان، وأن الجهود السياسية المبذولة في إطار برنامج «تسهيل الصندوق الممدد» ساعدت في استقرار الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

الهند والبرازيل توقّعان اتفاق تعاون في المعادن النادرة

وقَّعت الهند والبرازيل، السبت، اتفاقاً يهدف إلى تعزيز تعاونهما في مجال المعادن النادرة، وذلك إثر اجتماع في نيودلهي بين رئيس الوزراء الهندي والرئيس البرازيلي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شمال افريقيا الدبيبة خلال افتتاح الفندق البلدي بمصراتة نهاية الأسبوع (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يقلب الطاولة ويطالب بوقف التمويل «على الجميع»

طالب عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة طرابلس محافظ المركزي الليبي بـ«إيقاف الصرف على (الباب الثالث) فيما يخص تمويل المشروعات للعام المالي الجاري على الجميع».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد وزيرا الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان آل سعود والتركي ألب أرسلان بيرقدار شهدا توقيع اتفاقية شراء الطاقة بين تركيا وشركة «أكوا» السعودية في إسطنبول الجمعة (من حساب الوزير التركي في «إكس»)

تركيا والسعودية توقعان اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء

وقّعت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية اتفاقية شاملة لشراء الكهرباء مع شركة «أكوا» السعودية العملاقة للطاقة، تتضمن إنشاء محطات ومشروعات للطاقة الشمسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد ماروش شيفتشوفيتش قبل بدء اجتماع بمقر المفوضية الأوروبية في بروكسل يوم 18 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

مفوض التجارة الأوروبي: على الاتحاد الاستعداد لتفعيل اتفاقية «ميركوسور» رغم المعارضة

قال مفوض التجارة في المفوضية الأوروبية، ماروش شيفتشوفيتش، إن على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعداً لتفعيل اتفاقية التجارة الحرة المثيرة للجدل مع تكتل «ميركوسور».

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا )

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)
رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد الدولي يقر بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان

رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)
رجل يقطع اللحوم بمطعم محلي في كراتشي (إ.ب.أ)

أقر صندوق النقد الدولي بتحسن ملحوظ في التوقعات الاقتصادية لباكستان، مشيراً إلى أن الجهود السياسية المبذولة في إطار برنامج «تسهيل الصندوق الممدد»، ساعدت في استقرار الاقتصاد واحتواء التضخم وإعادة بناء الثقة، في الوقت الذي تستعد فيه البلاد لجولة جديدة من محادثات المراجعة في وقت لاحق من هذا الشهر.

وفي حديثها في مؤتمر صحافي واشنطن، قالت مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي جولي كوزاك، إن فريقاً من موظفي الصندوق سيزور باكستان بدءاً من 25 فبراير (شباط)، لإجراء مناقشات حول المراجعة الثالثة في إطار برنامج تسهيل الصندوق الممدد، والمراجعة الثانية في إطار برنامج تسهيل المرونة والاستدامة، حسب صحيفة «إكسبرس تريبيون» الباكستانية السبت.

ووصفت كوزاك الأداء المالي لباكستان في العام المالي 2025، بأنه «قوي»، مشيرة إلى أن البلاد حققت فائضاً مالياً أولياً بنسبة 1.3 من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يتماشى مع أهداف البرنامج المتفق عليها.

وكانت باكستان قد توصلت إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قروض بقيمة 1.2 مليار دولار ضمن برنامجين منفصلين.

وستحصل البلاد على دفعة بقيمة مليار دولار ضمن برنامج «تسهيل الصندوق الممدد»، و200 مليون دولار ضمن برنامج «تسهيل المرونة والاستدامة» الذي يدعم أجندتها لإصلاح المناخ.

وكان محافظ البنك المركزي الباكستاني، جميل أحمد، قد أكد أن الانتعاش الاقتصادي في باكستان واسع النطاق ومستدام، رغم ضعف الصادرات، مشدداً على أن الإصلاحات الهيكلية ستظل ضرورية لضمان استمرار هذا النمو.

وأوضح محافظ البنك، في تصريحات منذ أيام، وفقاً لوكالة «رويترز»، أن الاقتصاد من المتوقع أن يسجل نمواً يصل إلى 4.75 في المائة، خلال السنة المالية الحالية، وذلك رداً على خفض التصنيف الائتماني الأخير من قِبل صندوق النقد الدولي. وأضاف أن الانتعاش يغطي جميع القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وأن النشاط الزراعي صامد؛ بل تجاوز أهدافه، رغم الفيضانات الأخيرة.

وأشار إلى أن الأوضاع المالية تحسنت بشكل ملحوظ، بعد خفض سعر الفائدة الأساسي بمقدار 1150 نقطة أساس منذ يونيو (حزيران) 2024، مع استمرار تأثير هذا التخفيض في دعم النمو، مع الحفاظ على استقرار الأسعار والاقتصاد. وفي ضوء ذلك، أبقى البنك المركزي، الشهر الماضي، سعر الفائدة القياسي عند 10.5 في المائة، مخالِفاً التوقعات بخفضه، في خطوة تعكس الحذر تجاه استدامة النمو.

ورفع بنك الدولة الباكستاني توقعاته للنمو في السنة المالية 2026، إلى نطاق بين 3.75 في المائة و4.75 في المائة؛ أيْ بزيادة قدرها 0.5 نقطة مئوية على تقديراته السابقة، على الرغم من انكماش الصادرات، في النصف الأول من العام، واتساع العجز التجاري. وأوضح المحافظ أن الفروقات بين التوقعات الاقتصادية للبنك وصندوق النقد الدولي ليست غير معتادة، وتعكس عوامل التوقيت المختلفة، بما في ذلك إدراج تقييمات الفيضانات في أحدث تقديرات الصندوق.

وأشار أحمد إلى أن انخفاض الصادرات، خلال النصف الأول من السنة المالية، يعكس بالأساس تراجع الأسعار العالمية واضطرابات الحدود، وليس تباطؤ النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، عزّزت التحويلات المالية القوية استقرار الاحتياطات الأجنبية، وتجاوزت الأهداف المحددة ضمن برنامج صندوق النقد الدولي البالغ 7 مليارات دولار، مع توقعات بمزيد من المكاسب خلال الفترة المقبلة، لا سيما مع التدفقات المرتبطة بعيد الفطر.

كما أشار محافظ البنك إلى أن المؤشرات عالية التردد، إلى جانب نمو الصناعات التحويلية بنسبة 6 في المائة، خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى نوفمبر (تشرين الثاني)، تدعم الطلب المحلي، في حين ظل القطاع الزراعي صامداً، رغم الفيضانات الأخيرة. وأضاف أن أي إصدار محتمل لسندات دَين في الأسواق العالمية سيكون له أثر إيجابي على الاقتصاد، في الوقت الذي تخطط فيه باكستان لإصدار سندات باندا باليوان في السوق الصينية، ضِمن جهودها لتنويع مصادر التمويل الخارجي وتوسيع قاعدة المستثمرين.

وأكد أحمد أن البنك المركزي يواصل شراء الدولار من سوق ما بين البنوك لتعزيز الاحتياطات الأجنبية، مع نشر البيانات بانتظام. وأضاف أن الإصلاحات الهيكلية تبقى أساسية لدعم نمو أقوى، وزيادة الإنتاجية، وضمان استدامة الانتعاش الاقتصادي.


الهند والبرازيل توقّعان اتفاق تعاون في المعادن النادرة

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الهند والبرازيل توقّعان اتفاق تعاون في المعادن النادرة

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وقَّعت الهند والبرازيل، السبت، اتفاقاً يهدف إلى تعزيز تعاونهما في مجال المعادن النادرة، وذلك إثر اجتماع في نيودلهي بين رئيس الوزراء ناريندرا مودي، والرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

وقال مودي إن هذا الاتفاق «خطوة رئيسية نحو بناء سلاسل إمداد تتصف بالمرونة».

وأكد لولا، الذي وصل إلى نيودلهي الأربعاء يرافقه 12 وزيراً ووفد كبير يضم رؤساء مجالس إدارات أكبر الشركات البرازيلية، أن «زيادة الاستثمارات، والتعاون حول الطاقات المُتجدِّدة والمعادن النادرة في صلب الاتفاق الرائد الذي وقعناه اليوم». لكن لم تُعلن تفاصيل الاتفاق.

وتملك البرازيل ثاني أكبر احتياطي عالمي لهذه المعادن الضرورية لمنتجات عدة، مثل السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، والهواتف الذكية، إضافة إلى محركات الطائرات والصواريخ الموجهة.

وتسعى الهند إلى تقليص اعتمادها على الصين، وقد طوَّرت إنتاجها الوطني وأنشطتها على صعيد إعادة التدوير، في موازاة بحثها عن موردين جدد للمعادن النادرة.

شريك تجاري رئيسي

شدَّد مودي على أن «البرازيل هي الشريك التجاري الرئيسي للهند في أميركا الجنوبية»، مضيفاً: «نحن ملتزمون بزيادة حجم تجارتنا الثنائية إلى ما يفوق 20 مليار دولار خلال الأعوام الـ5 المقبلة».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية إنه تم السبت أيضاً إنجاز 9 اتفاقات وبروتوكولات تعاون، تشمل التعاون الرقمي والصحة وريادة الأعمال وميادين أخرى.

وأوضح ريشاب جاين الخبير في «مجلس الطاقة والبيئة والمياه» ومقره نيودلهي أن التعاون المتنامي بين الهند والبرازيل في مجال المعادن النادرة يكمّل الالتزامات الأخيرة على صعيد سلاسل الإمداد مع الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي.

وإذا كانت هذه الشراكات تتيح للهند الوصول إلى تقنيات متقدمة وعمليات تمويل، وتزودها بقدرات على المعالجة المتطورة، فإن «هذه التحالفات مع دول الجنوب تظلّ ركيزةً أساسيةً لضمان تنوّع مصادر الموارد على الأرض، والمساهمة في صياغة القواعد الجديدة للتجارة العالمية»، وفقاً لما قاله جاين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُشكِّل الهند التي تضم أكبر عدد من السكان في العالم، السوق العاشرة للصادرات البرازيلية، مع تجارة ثنائية تجاوزت قيمتها 15 مليار دولار عام 2025.

وتشمل الصادرات البرازيلية الرئيسية إلى الهند: السكّر، والنفط الخام، والزيوت النباتية، والقطن، وخام الحديد. وازداد الطلب عليها في ضوء التوسُّع السريع للبنى التحتية والنمو الصناعي في الهند التي تطمح إلى أن تكون رابع اقتصاد في العالم.

وأبدى وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جيشانكار، ثقته بأن المحادثات بين لولا ومودي «ستمنح علاقاتنا دفعاً جديداً».

ولاحظ مودي أن «تعاوننا في مجال الدفاع يتطوِّر باستمرار»، مشيداً بشراكة تُحقِّق مكاسب للبلدين على السواء.

بدورها، تُعزِّز الشركات البرازيلية حضورها في الهند. ووقَّعت مجموعة «أداني وإمبراير» في يناير (كانون الثاني) الماضي اتفاقاً لتصنيع مروحيات.

وتحدَّث لولا، الخميس، خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي، داعياً إلى وضع إطار متعدد الطرف للحوكمة العالمية يشمل الذكاء الاصطناعي. ويتوجَّه الرئيس البرازيلي بعدها إلى كوريا الجنوبية حيث يلتقي رئيسها لي جاي ميونغ، ويشارك في منتدى اقتصادي.


نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
TT

نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)

في ختام استثنائي حبس أنفاس الأوساط التقنية والسياسية العالمية، أسدل الستار على «قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي» بصدور وثيقة تاريخية حظيت بدعم 86 دولة ومنظمتين دوليتين، أطلقت من خلالها دعوة عالمية لبناء ذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي» بوصفه ركيزة أساسية لمستقبل البشرية. ورغم أن القمة نجحت في حشد تعهدات استثمارية بلغت 270 مليار دولار، فإن كواليسها شهدت صراعاً مريراً حول «هوية المستقبل»؛ حيث اصطدمت طموحات الأمم المتحدة في الحوكمة المركزية بجدار «التحرر التقني» الذي شيدته واشنطن، في مواجهة أعادت رسم خريطة النفوذ الرقمي بين القوى العظمى.

كواليس المخاض العسير

لم يكن تأخير إعلان البيان الختامي لعدة ساعات مجرد عطل بروتوكولي، بل كان انعكاساً لمخاض عسير وتباين حاد في الرؤى بين واشنطن وبكين من جهة، وبين التوجهات الأممية والقطاع الخاص من جهة أخرى.

وكشفت مصادر من داخل الغرف المغلقة عن أن مسودة البيان تعرضت لتعديلات جوهرية في اللحظات الأخيرة، بعد أن اصطدمت مطالب الأمم المتحدة بفرض «رقابة مركزية» بـ«فيتو» أميركي صارم قاده مايكل كراتسيوس.

وبينما كانت المنظمة الدولية، بقيادة أنطونيو غوتيريش، تسعى لتأسيس هيئة رقابية عالمية للذكاء الاصطناعي تحاكي نموذج «لجنة المناخ»، فجر كراتسيوس، مستشار التكنولوجيا في البيت الأبيض، مفاجأة سياسية كبرى بإعلانه الصريح: «نحن نرفض تماماً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

كلمات كراتسيوس لم تكن موقفاً عابراً، بل كانت إعلاناً عن سقوط «الوفاق الرقمي» التقليدي لصالح «سيادة الابتكار».

«عقيدة كراتسيوس»

برز مايكل كراتسيوس خلال القمة بوصفه أحد أبرز المخططين الاستراتيجيين في إدارة ترمب، متجاوزاً دور رئيس الوفد ليكون «رأس الحربة» في صياغة عقيدة تقنية أميركية جديدة. يرى كراتسيوس أن إخضاع الذكاء الاصطناعي لبيروقراطية دولية هو «وصفة لقتل الإبداع»، وتحويل التكنولوجيا إلى أدوات لـ«السيطرة الطاغية» بيد مؤسسات مركزية غير منتخبة.

مستشار التكنولوجيا في البيت الأبيض يتحدث في قمة نيودلهي (إ.ب.أ)

وفي هجوم لاذع، انتقد كراتسيوس المنتديات الدولية التي تبالغ في التركيز على «المخاطر الوجودية» والمخاوف المناخية، واصفاً إياها بـ«الأعذار الآيديولوجية» التي تهدف لفرض وصاية تعيق تقدم الدول النامية وتثبت نفوذ الهياكل البيروقراطية القائمة. بالنسبة لكراتسيوس، المعركة هي صراع على «التحرر التقني»، حيث يجب أن تظل التكنولوجيا وسيلة لتحقيق الرخاء لا قيداً تُكبّل به الاقتصادات الناشئة.

رؤية مودي «الإنسانية»

وسط هذا الاستقطاب الحاد، نجحت الدبلوماسية الهندية في طرح مخرج توافقي أرضى كل الأطراف. وأعلن وزير تكنولوجيا المعلومات الهندي، أشويني فايشناو، أن الإعلان الختامي حاز على موافقة 86 دولة ومنظمتين دوليتين هما الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، واستند إلى رؤية رئيس الوزراء ناريندرا مودي للذكاء الاصطناعي «المتمحور حول الإنسان».

وقد اعتمد الإعلان مبادئ «الرفاه للجميع» و«السعادة للجميع»، مع التركيز على «ديمقراطية الموارد» لضمان وصول التكنولوجيا إلى كل فئات المجتمع. وبناءً على هذا الحل، وافقت دول متنافسة مثل (الولايات المتحدة، الصين، المملكة المتحدة، كندا، ألمانيا، إندونيسيا) على إطار يوازن بين النمو الاقتصادي والانسجام الاجتماعي، دون الحاجة إلى هيئة رقابة مركزية خانقة.

يصطف الزوار في طابور أمام كشك «أوبن إيه آي» للحصول على صورة مطبوعة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي خلال قمة نيودلهي (رويترز)

الأرقام التي هزت نيودلهي

بعيداً عن السياسة، تحولت القمة إلى منصة لأضخم الالتزامات المالية في تاريخ التكنولوجيا الحديثة، حيث كشف فايشناو عن أرقام تعكس الثقة العالمية في «المحرك الهندي»:

- 250 مليار دولار: تعهدات موجهة حصراً للبنية التحتية، تشمل بناء مراكز بيانات فائقة القدرة وشبكات حوسبة سحابية عملاقة.

- 20 مليار دولار: ضخ مباشر في رأس المال الجريء والتقنيات العميقة لدعم الشركات الناشئة المتخصصة في الخوارزميات المتقدمة.

- السيادة المحلية: أعلنت مجموعات وطنية مثل «ريلاينس» و«أداني» عن مشاريع ذاتية تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار، مما يؤكد رغبة الهند في امتلاك «السيادة التقنية» الكاملة على بياناتها.

محور واشنطن-نيودلهي الجديد

لم يخلُ المشهد من إعادة ترتيب أوراق القوى الكبرى؛ حيث شهدت القمة حضور «جبابرة التقنية» مثل سوندار بيتشاي (غوغل)، وسام ألتمان (أوبن إيه آي)، وبراد سميث (مايكروسوفت). وتوج هذا الحضور بتوقيع اتفاقية «باكس سيليكا» (Pax Silica) بين واشنطن ونيودلهي.

هذه الاتفاقية تهدف لتأمين سلاسل إمداد تكنولوجيا السيليكون، وهو ما يمثل رداً استراتيجياً مباشراً لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد. ورغم أن بكين وقعت على البيان العام للقمة، فإن «باكس سيليكا» خلقت محوراً تقنياً مغلقاً يضمن تدفق الرقائق والخبرات الأميركية نحو الهند، مما يجعل نيودلهي الحصن الرقمي الأول في آسيا.