غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: عناصر حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني لم تكتمل بعد

اتفاق «الطائف» اللبناني ليس كتاباً مقدساً... و«موسيقى ناعمة» تسمع من بكين

TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: عناصر حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني لم تكتمل بعد

غسان سلامة خلال الحوار مع "الشرق الأوسط"
غسان سلامة خلال الحوار مع "الشرق الأوسط"

كما في نهاية كل عام، ثمة وقفة يُطرح خلالها كثير من الأسئلة حول ما حملته أشهر العام الماضي من أحداث ستبقى في الأذهان، وسيكون لها أثرها على المقبل من الأيام. ولكن أيضاً حول ما حضرته للعام الجديد من مفاجآت وتحديات ومصائب. وللتوقف عند ما قضى، واستجلاء ما سيأتي، قصدنا الدكتور غسان سلامة، الوزير السابق والأستاذ الجامعي وصاحب المؤلفات الكثيرة في العلاقات الدولية، والذي عمل للأمم المتحدة في العراق وليبيا وميانمار.

والحوار مع الدكتور سلامة ليس عملاً مثرياً بذاته بالنظر لقدراته التحليلية المرتكزة إلى متابعة دقيقة واتصالات رفيعة المستوى، بل هو أيضاً متعة حقيقية بفضل وضوح الرؤية لديه ووضوح ودقة التعبير. وفي جلسة مطولة استضاف خلالها «الشرق الأوسط» بباريس، كانت جولة واسعة على شؤون العالم العربي وعلى حالة العالم اليوم وما ستكون عليه غداً: من حرب غزة إلى حرب أوكرانيا مروراً بأوجاع العالم العربي، وصولاً الى المنافسة البنيوية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وتحول الثقل العالمي نحو الشرق وفشل مجلس الأمن الدولي في القيام بالمهمة المنوطة به منذ تأسيسه؛ وهي الحفاظ على السلم العالمي وأسباب تقاعسه، كلها ملفات طرحت مع الدكتور غسان سلامة الذي تناولها بعمق. وفيما يلي نص الحوار:

نظرة سريعة على عام 2023

* بعد أيام قليلة نودع عام 2023 ونستقبل عام 2024. سنغوص لاحقاً في التحديات التي يطرحها العام الجديد أكان بالنسبة للعالم العربي أو بشكل عام. ولكن قبل ذلك؛ سؤالي الأول يتناول المحطات اللافتة التي توقفت أو تتوقف عندها في العام المنتهي...

- في العام المنتهي يكاد يكون استمراراً لما سبقه أكثر مما هو انفتاح على ما هو لاحق. أولاً، من الناحية الاقتصادية نرى أن العام المذكور كان إجمالاً إيجابياً بعد سنة 2022 التي كانت سلبية للغاية بالنسبة للاقتصاد العالمي. فقد شهدنا عودة الصين إلى السوق العالمية، ورأينا نمواً ولو ضعيفاً في الدول الغربية بالتوازي مع محاربة كثيفة للتضخم في مختلف اقتصادات العالم. واللافت أن الدول النامية لم تتأثر كثيراً بحرب أوكرانيا، لأن موسم 2023 من الحبوب كان جيداً للغاية. لذلك فإن عدم تمكن روسيا، خصوصاً أوكرانيا من تصدير الحبوب بصورة كافية لم يؤثر كثيراً على أسعار الحبوب، لا سيما أسعار القمح. وبالطبع، هذا أمر مهم لأن عدم توافر القمح وارتفاع أسعاره يفضيان، في كثير من الدول، إلى انتفاضات وثورات واضطرابات بالشارع.

غسان سلامة خلال الحوار مع "الشرق الأوسط"

إذن أعتقد أن الحكومات نجحت في تجنب هذا الهم الكبير باعتبار أن موسم الحبوب في السنتين الماضيتين كان جيداً في كل أنحاء العالم. من ناحية أخرى، رأينا أن حرب أوكرانيا التي انطلقت في شهر فبراير (شباط) من عام 2022، وتواصلت في العام الذي يليه دون توقف، تميزت بأمر أساسي؛ وهو أن الهجوم المضاد الذي حاولت أوكرانيا أن تقوم به ضد القوات الروسية في الدونباس فشل، ولم تتمكن أوكرانيا إلا من استعادة مساحات قليلة، ما يعني أن وضع الرئيس الأوكراني الذي كان يراهن كثيراً على نجاح هذا الهجوم المضاد قد ضعف. هو اليوم في فوهة المدفع كما يقال. وشهدنا، من الناحية الأخرى، تمكن بوتين من القضاء على نوع من الانتفاضة التي قام بها مؤسس حركة «فاغنر»، التي فاجأت الجميع بحصولها وبسهولة انطلاقها من جنوب روسيا نحو موسكو دون أن يوقفها أحد. لكنه بعد شهرين من ذلك، توفي مؤسس «فاغنر» في حادث جوي.

من جانبه، استمر الرئيس بوتين باللعب على ورقة يعدّها رابحة، وهو الوقت الذي يرى أنه يعمل لصالحه، إذ إن لديه إمكانات صناعية ذاتية لتأمين جيشه، بينما لأوكرانيا إمكانات خارجية فقط، حيث إنها تعتمد على الدعم الخارجي في الأعتدة والسلاح.

عام 2023 شهد أيضاً أمراً مهماً في أفريقيا؛ وهو عودة الانقلابات العسكرية في 8 من دولها، ما يعني أن أفريقيا تتراجع في الديمقراطية لمصلحة الأنظمة التسلطية العسكرية. ومعظم هذه الأنظمة التي تم الانقلاب عليها عسكرياً في منطقة الساحل. والجزء الثاني من الصورة هناك هو، عملياً، طرد الوجود العسكري الفرنسي من دول مثل بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وغيرها، وهو أمر له بعد تاريخي لأن عدداً من القواعد العسكرية الفرنسية التي أقفلت عمرها أكثر من 30 أو 40 عاماً. إذن هناك انحسار حقيقي للنفوذ الفرنسي في منطقة الساحل. وآخر تجلياته بالأمس انتهاء الانسحاب العسكري الفرنسي من النيجر وإغلاق السفارة.

من العناصر الأخرى المثيرة للانتباه طبعاً عودة الشعبوية بكثرة إلى أميركا اللاتينية، لا سيما في انتخابات الأرجنتين التي جاءت بشخص شعبوي بامتياز إلى رئاسة الجمهورية. لكن الحدث الأبرز بالنسبة لنا، عربياً، كان ولا شك حرب غزة التي سنتوقف لاحقاً ملياً عندها.

أما في أنحاء العالم الأخرى فالجميع يتهيأ للعام المقبل الذي سيكون بامتياز عام الانتخابات، إذ سيحصل أكثر من 60 انتخاباً وطنياً؛ في الولايات المتحدة، في الهند، في جنوب أفريقيا، وفي دول كثيرة بالعالم. أما في الاتحاد الأوروبي، فستحصل انتخابات البرلمان الأوروبي. إذن السنة المقبلة هي سنة الانتخابات الكبيرة، وبالتالي هي سنة تأثر السياسة الخارجية بالحسابات الانتخابية الداخلية، وهو ما لم نعرفه كثيراً في 2023.

أمراض البلدان العربية

* بالنظر لمنطقتنا من لبنان إلى سوريا إلى العراق وليبيا واليمن وتونس وحتى السودان، لوجدنا أزمات متعددة ومختلفة. هل هناك علة واحدة يمكن أن تبين أسباب هذه التمزقات أم هناك مجموعة من العلل؟ ما هي؟ وكيف الخروج منها؟

- حقيقة الأمر أن هناك جوانب متشابهة لعدد من الأزمات، ولكن أيضاً هناك جوانب خاصة بكل بلد. فيما خص الجوانب المتشابهة، علينا أن نشير أولاً إلى أننا ندفع ثمن الانفجار السكاني الذي حصل في القرن العشرين بمختلف هذه البلدان. هذا الانفجار تضاءل بعض الشيء في القرن الحادي والعشرين، لكن أنت تشعر بخطورته عندما تصل أجيال ذلك الانفجار إلى سن العشرين أو سن الثلاثين، وتجد صعوبة في العثور على عمل. لذا، نحن نشهد وندفع أولاً وأساساً كلفة الانفجار السكاني الذي حصل في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والذي حمل إلى سوق العمل شباباً وشابات مؤهلين تلقوا تعليمهم في الجامعات والمعاهد... ولذلك فإن اشمئزازهم من عجزهم عن الحصول على العمل أكبر من اشمئزاز الذين لم يتعلموا ولم يتدربوا.

هذا أمر عام في أنحاء المنطقة من المغرب إلى العراق، مروراً بمصر وتونس وغيرها من البلدان. وهناك سبب ثانٍ مهم في نظري؛ وهو أن العقد السابق من القرن الحادي والعشرين شهد نوعاً من الأمل بالتغيير من خلال ما سمي «الربيع العربي» الذي رأينا تداعياته تقريباً في نصف الدول العربية بينها مصر وتونس والجزائر وسوريا واليمن وغيرها من البلدان. هذا الأمل تحطم. ربما كان أملاً كاذباً منذ اليوم الأول.

أنا لا أريد الدخول بالتفاصيل هنا، ولكن من دون أي شك كان هناك أمل خصوصاً بالنسبة للشباب. وهذا الأمل تحطم، وحل مكان الأنظمة التي كان يسعى هؤلاء الشبان إلى تغييرها؛ إما أنظمة أكثر تسلطية من الأنظمة التي سقطت في الربيع العربي، أو اندلعت حروب أهلية دامية في عدد من البلدان وما زال بعضها جارياً حتى الساعة، لا سيما في دول مثل سوريا واليمن وغيرهما. هذا هو العنصر الثاني الجامع أو لنسميه «العابر للحدود» العربية كلها. والعنصر الثالث هو الدور الصعب الذي لعبه الإسلام السياسي في عدد من هذه البلدان، بمعنى أن الإسلام السياسي تمكن من الوصول إلى عتبة السلطة بالانتخاب، كما انتخاب محمد مرسي في مصر مثلاً، أو فوز النهضة بالانتخابات في تونس، أو عبر وسائل وطرق أخرى. ولكن الإسلام السياسي بدا كأنه على الخواء نفسه الذي نجده عند الأحزاب الأخرى أو عند الأنظمة القائمة: الخواء في المشروعات الاقتصادية والإنمائية، الخواء في المشروعات الاجتماعية... لا يكفي أن تقول إن الإسلام هو الحل. يجب أن يعرض الحلول العملية التي يقدمها. ورأينا ذلك مثلاً في مصر أو في تونس. أما الأحزاب العلمانية أو غير الإسلامية فقد بدت لنا أنها خاوية أيضاً. هذه بنظري العناصر العابرة لمختلف الدول العربية.

بيد أنني أريد أن أسأل: هل الأزمات التي تلم بهذه البلدان أمر طبيعي أم غير طبيعي؟ أنا أعتقد أن الأمر طبيعي أكثر مما نعترف به. علينا أن نسأل: بمن نقارن هذه الدول لنقول إنها دول مأزومة؟ هل لم تكن مأزومة في السابق وأصبحت مأزومة الآن؟ جوابي بالنفي. لقد كانت ربما مستقرة وهادئة ولكنها مأزومة. ما حصل الآن أن هذه الأزمات ظهرت إلى السطح وأضحت مجال تناول وبحث وتمحيص.

لا شك أن لكل بلد هناك خصوصياته. ولكن ما يتعين التوقف عنده أن رد الأزمات إلى التدخلات الخارجية من أسهل الأمور لأنها قابلة للرصد بسهولة. ولكنني تعلمت من تجاربي في العراق ولبنان وليبيا، أمراً مهماً؛ وهو أن الديناميات الداخلية أصعب قراءة من التدخلات الخارجية. هي في معظم الأحيان أساسية وأكثر خطورة على تطور البلدان. هذا ما يحصل في قراءة الأحداث بالمنطقة العربية حيث نركز على التدخلات الخارجية، لأننا نتمكن بسهولة من رصدها فيما فهم الديناميات الداخلية أساسي، لأنها في معظم الأحيان جوهر الموضوع أكبر بكثير من التدخلات الخارجية، لا سيما أن القوى الداخلية في الدول المأزومة أو الدول التي تمر بحروب هي التي تستدعي التدخلات الخارجية، وتوفر لها التربة الخصبة وهي التي تضع حداً لها إذا شاءت، وبالتالي فإن التدخلات الخارجية لا تحصل من فراغ. لذلك على الإعلام، وأيضاً على المراقبين السياسيين والدبلوماسيين، أن يكسروا هذه الآلية السهلة.

مصير الصيغة اللبنانية

* سنترك القراءة العامة وسندخل في التفاصيل بدءاً بلبنان حيث الأزمات تتراكم: دستورية، ومؤسساتية، وسياسية، واجتماعية، ومالية... سؤالي جذري: هل يعني تتابع وتوالي واستمرار هذه الأزمات أن ما يسمى «الصيغة اللبنانية» لم تعد قابلة للحياة وما يمكن أن يكون البديل عنها؟

- سؤالك جذري، وجوابي لن يكون أقل جذرية. لقد شاءت الظروف أن يكون لي دور متواضع في بلورة اتفاق الطائف، حيث عملت إلى جانب اللجنة العربية التي كانت تبحث آنذاك في عام 1989 عن حل. وأود التأكيد بادئ ذي بدء أنه لم يخطر ببالنا أبداً، لا اللجنة العربية ولا موفدها السيد الأخضر الإبراهيمي ولا مستشارها غسان سلامة يوماً، أننا نعمل للتوصل إلى النموذج الدستوري المثالي والأفضل للبنان. كنا نسعى للخروج من الحرب، لوضع حد للقصف العنيف والقتل والدمار. باختصار، كنا نبحث عن صيغة انتقالية تسمح بوقف الحرب من خلال تهدئة الميليشيات المتقاتلة، وأيضاً الطرف السوري الذي كان منخرطاً فيها.

من هنا، أرى أن التمسك اللاهوتي باتفاق الطائف في غير مكانه. في الطائف، كنا نأمل، بعد وقف الحرب، أن يدخل لبنان في مرحلة سلم واستقرار وبحبوحة تسمح لأبنائه بأن يفكروا بما هو النظام الأمثل الذي يصبون إليه. هذا التصحيح ضروري، لأن هناك من حول اتفاق الطائف إلى كتاب مقدس. هو ليس كتاباً مقدساً، هو مفيد وكان مفيداً في حينه، وأنا فخور بأنني شاركت فيه.

ثانياً، إن بلداً يحتاج لسنة أو سنتين أو 3 ليختار رئيساً للجمهورية في كل مرة يشغر ذلك المنصب، ويحتاج لأشهر وأشهر لتأليف حكومته، ويحتاج لأشهر وأشهر للتفاهم على التمديد لقائد جيش، كما يحتاج لأشهر لتعيين موظف على رأس مصرفه المركزي، هذا البلد يعاني من نظام لا يناسبه. النظام الحالي في لبنان لا يناسب مصلحة اللبنانيين. هذا جوابي الجذري على سؤالك الجذري.

أما البديل، فالمشكلة ليست فيه، بل في إيجاد الوقت والظروف المناسبين لفتح هذا الملف. ثمة حاجة لتوافر ظروف من الاستقرار الداخلي ومن الاحتضان الخارجي ومن تغير الأفئدة والأفكار التي تسمح بالتوافق على نظام جديد. الآن، تسود في لبنان ظروف لم تعد مناسبة لفتح هذا الملف. لذلك أنا لا أعترض على حلول ترقيعية مثل انتخاب رئيس جمهورية بما تيسر، أو تأليف حكومة بما تيسر. لكن يتعين أن تكون مهمتهم الأولى، بعد إعادة تسيير المؤسسات، العمل على فتح الملف الدستوري من أساسه: هل نريد فعلاً نظاماً أكثر لامركزية أو نظاماً أكثر مركزية؟ يتضمن اتفاق الطائف دعوة للامركزية. لكن ثمة من يتخوف من تفتت الدولة ويتمسك بالمركزية.

ثم هناك سؤال آخر مهم خصوصاً في جو طائفي مشحون. صحيح، إن اتفاق الطائف يقول بإلغاء الطائفية السياسية وإن هذا يبدأ من مجلس النواب. ورأيي أن هذا خطأ، إذ أرى أن يبدأ إلغاء الطائفية أولاً من الإدارة العامة ومن الحكومة ثانياً ومن الرئاسات ثالثاً، وأخيراً من مجلس النواب. لماذا؟ لأن مجلس النواب هو السلطة الوحيدة المنتخبة وبالتالي، في مرحلة الانتقال من نظام طائفي إلى نظام لا طائفي، نحن بحاجة لهيئة دستورية يعترف بها الناس ويعدّون أنها من صنعهم لكي تحميهم في هذه المرحلة الانتقالية التي قد تثير القلق لدى كثير منهم.

هناك موضوع ثالث لا يقل أهمية؛ وهو أن الخلاف في لبنان على المواضيع الكبرى وليس على المواضيع الصغرى. لذلك من يدعو اليوم مثلاً لإلغاء إحدى الطبقات في الإدارة العامة (القضاء أو المحافظة لأن البلد صغير) ربما لا يجيب عن السؤال الأساسي الذي يتناول الثقافة السياسية في لبنان التي هي في حالة مزرية، لدرجة أنها غير قادرة على تقبل فكرة الدولة. ربما أن اللبنانيين تعودوا، أكثر من اللازم، على الحياة من دون دولة وعلى مجتمع من دون دولة.

* لكن اللبنانيين نزلوا بعشرات الآلاف إلى الشوارع والساحات احتجاجاً على غياب الدولة والفساد وأزمة المصارف...

- صحيح أن الآلاف من الأشخاص نزلوا إلى الشوارع والساحات لكنه ليس أمراً خاصاً بلبنان. ما نراه الآن في مختلف أنحاء العالم هو أن وسائل التواصل الاجتماعي تسهل جداً تعبئة الناس وإنزالهم إلى الشارع، لكنها أيضاً وسائل كاذبة. قد تتمكن من إنزال الملايين في بلد ما ولا تصل إلى نتيجة. لماذا؟ لأن التعبئة المجتمعية على أساس التواصل الاجتماعي تؤدي إلى نوع من التعبئة الأفقية، ولكنها لا تؤدي إلى ظهور قيادات ولا تؤدي إلى تبني برامج واضحة بديلة عن برامج السلطة القائمة، وبالتالي هي مثيرة للإعجاب بحجمها أو بقدرتها على تعبئة أكبر عدد ممكن من الناس، ولكنها تثير الخيبة والمرارة لأنها عاجزة عن أن تتوصل إلى برنامج حكم أو إلى إفراز قادة جدد.

وإجمالاً، التركيز على الجانب الأفقي وعلى التعاضد الأفقي يصبح نوعاً من المرض الواسع في وسط هذه المظاهرات. هم لا يريدون أن يظهر قادة يأخذون مكان القادة الموجودين. لكن لا مناص في أي تغيير سياسي من وجوه جديدة تحل محل من هم في السلطة، ولا مناص من وجود برنامج متفق عليه يختلف عن برنامج المتربعين في السلطة. التعبئة على أساس «السوشيال ميديا» تعبئة سهلة مثيرة للإعجاب، ولكنها في معظم الأحيان دون نتيجة.

حرب غزة وحل الدولتين

* لو جئنا إلى حرب غزة، لدي سؤال مثلث الأضلع: أولاً؛ كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟ ثانياً؛ هل عودة الحديث عن حل الدولتين أمر جدي أم بيع أوهام للفلسطينيين؟ ثالثاً؛ هل يمكن الرهان على وجود إرادة أميركية حقيقية للذهاب إلى حل سياسي معروفة محدداته؟

- بدوري أطرح تساؤلاً: هل الطرف الفلسطيني جاهز لكي يلعب هذا الدور التاريخي كحاضن لدولة فلسطينية ممكنة؟ جوابي هو لا. «حماس» غير مقبولة، والسلطة غير قادرة، وبالتالي نحن أمام خواء فلسطيني. ثمة حاجة لمخاطبة طرف فلسطيني جديد مقبول، لديه صدقية وليس فقط لديه شرعية السلطة الفلسطينية (وفقاً لاتفاقات أوسلو). لكن الواقعية تقضي بأن نقول إنه ليست لديها صدقية.

وفي الجانب المقابل، ثمة حاجة أيضاً لطرف إسرائيلي. والحال أنه غير موجود، إذ هناك حكومة متطرفة جداً تتبنى رفض فكرة الدولتين بصورة واضحة وصريحة، ليس فقط على لسان المتطرفين فيها مثل سموتريتش، ولكن على لسان رئيسها بنفسه. وهناك أيضاً مجلس حرب يتميز بالتشدد الكبير. وفي زيارته إلى إسرائيل في الأسبوع الأول من الحرب، فوجئ الرئيس بايدن بأن النظرية القديمة التي تقول إن جنرالات إسرائيل هم أقل تطرفاً من السياسيين ليست صحيحة في هذه الحرب، إذ إن الجنرالات الذين دخلوا إلى مجلس الحرب قد يكونون أكثر تطرفاً من نتنياهو نفسه في تحديد أهداف الحرب. لماذا؟ لأن هؤلاء مهووسون باستعادة قدرة الردع التي فقدها الجيش الإسرائيلي، وهو أمر قد لا يهم نتنياهو كثيراً.

ثالثاً، الحل بحاجة لوسيط لأمور الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. الوسيط الوحيد اليوم الذي لديه وسائل ضغط على الطرف الإسرائيلي هو الولايات المتحدة. نشرت حاملات طائرات لردع خصوم إسرائيل كما قررت أن تمدها، إلى جانب المليارات الأربع السنوية بـ14 مليار إضافية. وهي، ثالثاً، تمنع تكراراً مجلس الأمن من أن يصوت على مشروع قرار يقبله الأعضاء الـ14 بالنسبة وترفضه هي. إذن لدى واشنطن وسائل ضغط حقيقية ليست موجودة عند أي طرف آخر، لا الصين ولا أوروبا.

لكن المشكلة أن الوسيط (أي الأميركي) مفقود. لماذا؟ أولاً لأن بايدن تميز كسيناتور، خلال 40 عاماً من حياته، بالاصطفاف المطلق وراء مصالح إسرائيل، وهو لم يتغير كرئيس رغم البرنامج الذي أوصله إلى الحكم. بايدن شخص مؤيد لإسرائيل أكثر من كل معاونيه دون استثناء. وإني أتحدث في هذا المجال عن معرفة وليس عن تبصر. وبايدن مكبل اليدين لأنه دخل في السنة الأخيرة من ولايته الأولى وولج المعركة الانتخابية، حيث هناك أصوات شبابية تدعوه إلى أن يكون أقل تطرفاً في الصراع. ولكن، بالمقابل، هو بحاجة لتمويل قد يأتي أو سيأتي من مصادر تدعوه للاستمرار في هذا الموقف المتشدد إلى جانب إسرائيل.

البحث عن «أفق سياسي» للفلسطينيين بحاجة لـ3 أطراف، ليس هناك أي منها في حالة مناسبة لكي يلعب الدور المنوط به. لذلك أنا أميل للتشاؤم، كما أتخوف من توسع رقعة الحرب بحيث تستمر في غزة لأسابيع وأسابيع مقبلة، وأن تنتقل أيضاً إلى الضفة الغربية، حيث التوتر بلغ أوجه، لا سيما بعد قتل أكثر من 300 فلسطيني وطرد الفلسطينيين من عدد من القرى. وقد تنطلق الحرب أيضاً بجنوب لبنان، لأن في إسرائيل هناك من يقول اليوم إن الحالة ممتازة للقيام بحرب في لبنان: 80 ألف إسرائيلي أجلوا عن الجليل الأعلى، وعدد كبير من المدنيين غادروا منازلهم في جنوب لبنان، بحيث أصبحت الساحة خالية من المدنيين.

في إسرائيل أصوات ترتفع وتدعو للحرب في لبنان، ومنها وزير الدفاع يوآف غالانت. لكن الأميركيين، حتى الساعة رغم تأييدهم لإسرائيل واستمرارها في الحرب في غزة، ما زالوا يعارضون فتح جبهة الشمال. بايدن أبلغهم بذلك في الأسبوع الأول من الحرب وعندما عادت نغمتها مجدداً للتداول منذ نحو أسبوعين، كررت الإدارة الأميركية رسمياً أنها ما زالت عند موقفها المعارض لفتح جبهة لبنان. لكن الخطر يبقى قائماً أولاً، لأن إسرائيل لا تطيع أميركا في كل الحالات، وثانياً لأن المناوشات الجارية في لبنان يومياً قد تتجاوز رغبة الطرفين بإبقاء النار هادئة أو بإبقاء النار تحت السيطرة وقد يحصل سوء تفاهم أو سوء تفسير، ويتم تجاوز الخطوط الحمر لقواعد الاشتباك التي تم التوصل إليها.

إصلاح مجلس الأمن

* بعد ما يزيد على 70 يوماً على حرب غزة وسقوط ما يزيد على 20 ألف قتيل وآلاف الجرحى، وتدمير المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس، عجز مجلس الأمن عن وقف المجزرة من خلال إصدار قرار بوقف إطلاق النار ولو لأغراض إنسانية. والحال أن الأمم المتحدة أوجدت أساساً للحفاظ على السلم في العالم. فما فائدة هذه المنظمة الدولية اليوم؟

- هذا سؤال يطرح لدى اندلاع كل أزمة ويطرح اليوم في موضوع غزة بصورة أوضح، إذ حصلت محاولات للتوصل إلى وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، من قبل البرازيل ومن قبل روسيا ومن قبل دولة الإمارات، ولم تصل إلى نتيجة. الأمم المتحدة أرخبيل من المؤسسات التي لا تعمل بالضرورة بالتنسيق فيما بينها. أنا أنظر إلى غزة وأشيد بالدور الذي تقوم به منظمات الأمم المتحدة. كذلك أريد تحية أمينها العام أنطونيو غوتيريش الذي قامت الدنيا عليه ولم تقعد حتى الساعة بسبب جملة واحدة قالها، وهي أن هجوم «حماس» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) «لم يحصل من فراغ».

منظمات الأمم المتحدة المختلفة تنشط في غزة، وهي جزء حقيقي من الأمم المتحدة. وفي الجمعية العامة تحظى فلسطين بأكثرية مؤيدة لها. لسوء الحظ، قرارات الجمعية العامة ليست تنفيذية، ولكنّ لديها قدراً من الوزن السياسي، وبالتالي فإن الارتقاء بهذه المؤسسة إلى شيء آخر أمر يبدو ضرورياً يوماً بعد يوم، لكي تكون منظمة الأمم المتحدة أكثر تمثيلاً للعالم، كما هو اليوم، وليس كما أريد له أن يكون عام 1945.

بقي مجلس الأمن وخطيئته الأصلية اسمها «الفيتو». هذا «الفيتو»، بمعنى من المعاني، جعل الدول الكبرى تهتم بمجلس الأمن وتريده أن يبقى قلب نظام الأمم المتحدة. لكننا دفعنا لهذه الدول ثمناً غالياً بمنحها حق «الفيتو». أزمة غزة وقبلها أزمة أوكرانيا زادتا من الشعور بضرورة تغيير تركيبة مجلس الأمن، إما بحصر حق «الفيتو» بحالات معينة أو بمنعه تماماً في حالات إنسانية صعبة، أو بإعطاء عدد محدود من إمكانات استعماله خلال السنة الواحدة لكل دولة أو بإعطاء حق «الفيتو» لدول جديدة لديها وزن في النظام العالمي مثل الهند أو البرازيل أو الاتحاد الأفريقي، جرت محاولات عديدة لإصلاح مجلس الأمن، لكنها فشلت لأن الدول الخمس صاحبة حق «الفيتو» عارضتها. كثيرة هي الدول التي ترى أن نظام مجلس الأمن غير تمثيلي وغير عادل، بل إنه يعمل بمبدأ التمايز بين الدول.

* لكن ضمن أي شروط وفي أي ظروف يمكن أن يحصل الإصلاح المطلوب، علماً بأن هناك العشرات من مشروعات الإصلاح طرحت من 30 أو 40 سنة حتى اليوم...

- هناك نوع من غضبة عالمية على المنظمات الدولية، وهذا لا ينحصر فقط بمجلس الأمن، ولكن يتناول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهما أيضاً نشآ في عام 1945، وهما أيضاً قائمان على اللامساواة بين الدول في إداراتها، وهناك غضبة تحملها دول مثل الصين والبرازيل، وطبعاً الهند ودول أخرى مما يسمى «الجنوب الشامل». ولكن المشكلة الكبرى أن بين هذه الدول كم من الخلافات المتعددة: بين الصين والهند ثمة أكثر من 30 نقطة خلافية على حدودهما، وهناك تنافس على النفوذ بينهما في المحيطين الهندي والهادي. وهناك تشجيع هائل حالياً من الغرب للهند لكي تقف بوجه الصين. ولو جئنا لتمثيل الأفارقة فأنا أسأل: هل يمثلهم الاتحاد الأفريقي؟ الاتحاد الأفريقي فشل في حل كثير من المشاكل. هل تتمثل أفريقيا بدولة، وما هذه الدولة؟ جنوب أفريقيا، نيجيريا، إثيوبيا، مصر؟ ثم ننتقل إلى أوروبا ونسأل: هل يتعين ضم ألمانيا؟ وهل تقبل إيطاليا بذلك؟ ثم هناك 3 دول أوروبية دائمة العضوية (فرنسا وبريطانيا وروسيا التي هي دولة أوروبية أيضاً) فهل يتعين ضم دولة رابعة؟

ثمة مشاكل كبيرة بين الدول الراغبة في إحداث تغيير بالمجلس المذكور بشأن مواضيع قد تكون أكثر أهمية لهم مما يمنعهم من التفاهم على التوافق إزاء إصلاح المنظمات الدولية. لذلك بدأنا نسمع نوعاً من «الموسيقى الناعمة» في أنحاء العالم التي انطلقت من بكين، وهي أن كل هذه الأنظمة قد لا تكون قابلة للإصلاح، وبالتالي لماذا لا نقوم بإنشاء صندوق نقد خاص بالدول النامية وبنك دولي بديل عن البنك الدولي؟ ولماذا، في حالة أخرى لا ننشئ ربما مجلساً للأمن يوازي في تمثيله أو يتفوق على مجلس الأمن الراهن؟

تعريف «الجنوب الشامل» مرتبك

* يكثر الحديث منذ سنوات قليلة عن مفهوم «الجنوب الشامل». ما المقصود به؟ هل هو النموذج المناقض للنموذج الغربي الليبرالي؟ وما يمكن أن يؤدي إليه بشكل عملي؟

- تعريف مفهوم «الجنوب الشامل» ما زال مرتبكاً، إذ توضع فيه دول لا علاقة لها ببعضها. الصين أصبحت دولة عظمى. فهل هي جزء من الجنوب مثل زيمبابوي أو لبنان؟ هل روسيا جزء من الجنوب رغم أنها، ديموغرافياً، دولة بيضاء وجغرافياً أكثر من نصفها في أوروبا، فضلاً عن أنها تملك سلاحاً نووياً؟

في الحقيقة هناك صيغ أخرى استعملت للتعبير عن الشيء نفسه مثل دول عدم الانحياز أو مجموعة 127 في الجمعية العامة، ثم سميت كذلك «الجنوب الشامل» في تعبير شهير للويس أندرسن، حيث يعني «ما تبقى» من دول العالم. قيل إن «البريكس» هو التعبير المؤسسي عن الجنوب الشامل. والحال هناك خلافات بين الهند والصين وروسيا. الصين تريد أن توسع الإطار والهند تريد أن تبقيه ضيقاً. ثم إن «البريكس» نشأ سنة 2009 وليس لديه حتى اليوم موقع إلكتروني يمكن أن تعتمد عليه، كما أنه يفتقر لأمانة عامة دائمة. كذلك ليس لـ«البريكس» برنامج ولا حد أدنى من التوافق، باستثناء نوع من الخيبة أو من الغضب على الغرب، وهو يفتقر لرابط كافٍ سياسياً ومؤسسياً.

الآن، هناك دول مصرة على فكرة «الجنوب الشامل»، لا سيما الهند، لأنها تعطيها دوراً رائداً، وهي تريد تحديده باستثناء الغرب منه واستثناء الدول الكبرى منه، لا سيما روسيا والصين لتبقى هي في موقع متميز داخل هذه المجموعة.

حرب أوكرانيا على طريق التجميد

* كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا هشاشة البنية الأمنية في أوروبا، وبينت مخاوف موسكو من جهة، وطموحاتها من جهة أخرى. بعد أقل من عامين قليلاً على اندلاعها، ما التحولات العميقة البنيوية التي ستفضي إليها؟ وما صورة الهندسة الأمنية المقبلة في القارة القديمة؟

- أعتقد أن الرئيس بوتين مصيب في حساباته، بمعنى أن الوقت يعمل لصالحه، لأن الإمدادات العسكرية متوافرة، ولأن إمكانية تعبئة عدد أكبر من الناس، على صعوبته في روسيا، أقل صعوبة مما هو في أوكرانيا. وميدانياً، تبدو استعادة كييف، الدونباس وشبه جزيرة القرم، في المرحلة الحالية، أمراً يصعب تصوره، وبالتالي ما سيحصل، على الأرجح، في هذه المناطق التي ضمت شكلاً إلى روسيا ولم يعترف بضمها أحد باستثناء بيلاروس وسوريا، هو التوجه نحو ما يسمى «تجميد النزاع».

حماسة الغربيين لدعم أوكرانيا بالسلاح والمال تراجعت، وهناك تيار قوي في الولايات المتحدة لا يريد استمرار الحرب، فضلاً عن احتمال انتخاب ترمب مجدداً للرئاسة. وبوتين يعلم تماماً أن من أولى أولوياته، عند وصوله، توقيف أي دعم لأوكرانيا. وربما يراهن بوتين على انتخاب بايدن، وقد يضع الحرب على نار هادئة حتى تاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

أما بالنسبة لأوروبا فقد رأينا، من جهة أولى، أن هذه الأزمة حملت الاتحاد الأوروبي للمرة الأولى في تاريخه أن يوحد عملية شراء السلاح لإعطائه لأوكرانيا، رغم أن أمراً كهذا سيادي بامتياز. لذا، يمكن القول إن حرب أوكرانيا عززت وحدة الاتحاد الأوروبي. وثانياً، الحرب أنعشت الحلف الأطلسي بدخول فنلندا وبطلب انضمام السويد المتعثر حالياً بسبب رفض هنغاريا وتركيا لدخولها. وثالثاً أخرجت الحرب ألمانيا وعدداً من الدول الأخرى في أوروبا، لا سيما في أوروبا الشمالية من وهم نهاية التاريخ. وأعني بذلك أن هذه الدول كانت عملياً تنفق 1 في المائة من ناتجها القومي على الدفاع، وكانت تعد أن الحرب قد غادرت القارة العجوز نهائياً. لذا حرب أوكرانيا جعلتها تستفيق وتستعيد وعيها لتلمس أن نظرية «نهاية التاريخ» التي روج لها فوكوياما كانت مضللة.

هذا الوهم الأوروبي سقط. حرب أوكرانيا كانت هجوماً روسياً من دولة نووية تسعى في الأرجح؛ ليس فقط لزعزعة أوكرانيا، وإنما فكفكة الاتحاد الأوروبي من أساسه. الهجوم الروسي على أوكرانيا أخذ بعداً جيو استراتيجياً مباشراً، لأن دولة عظمى تسعى لاستعادة موضعها في النظام العالمي هاجمت بصورة واضحة دولة أوروبية.

* لكن ماذا بالنسبة للهندسة الأوروبية الأمنية المستقبلية؟ هل يمكن تصور شيء جديد في السنوات المقبلة؟

- هناك فكرة فرنسية قديمة تعود للجنرال ديغول؛ وهي فكرة «الاستقلال الاستراتيجي» التي تبناها ماكرون منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة. لكن يجب علينا أن نعترف بأن فرنسا عجزت عن تسويقها في مختلف دول أوروبا، لأنه عند الحديث عن الأمن والاستراتيجية، هناك إقرار مسبق بضعف أوروبا بمواجهة روسيا أو بمواجهة الصين، وبالتالي تبرز الحاجة لاحتماء شبه تلقائي تحت المظلة الأميركية.

واضح الاختلاف في وجهات النظر الذي لم تنجح فرنسا في تجاوزه باستثناءات قليلة هنا وهناك. هناك أصداء قليلة في القارة العجوز تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر فرنسا. لكن ما يثير انتباهي أن استطلاعات الرأي في فرنسا باتت تميل أيضاً إلى الاحتماء بحلف شمال الأطلسي، رغم أن لفرنسا قدرة ردع نووية، لكنها متواضعة (نحو 60 رأساً نووياً)، ولا توازي هول المخزون الأميركي والروسي أو حتى الصيني. الصين لديها حالياً برنامج طموح لزيادة رؤوسها النووية إلى الضعفين قبل عام 2030.

الطموحات الصينية

* بعد فترة من التوتر الشديد، عاد التواصل الدبلوماسي والاجتماعات الرسمية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين. هل هذا يعني أن التنافس المنهجي بين الجانبين يمكن احتواؤه؟ أم أن الأمور بين هاتين القوتين ذاهبة إلى مزيد من التصعيد؛ إن بسبب تايوان أو لأسباب أخرى متعددة؟

- بدأ عام 2023 بـ«البالون الصيني» فوق أميركا وكندا، وزعمت بكين أنه لأغراض مناخية، بينما الجانب الأميركي كان متأكداً أنه بالون تجسس، وما زال عند هذا الرأي. وانتهى العام المذكور بلقاء في نوفمبر الماضي، على هامش قمة «أبيك»، باجتماع الرئيسين بايدن وتشي جينبينغ. المتفائلون يقولون بدأ بسوء تفاهم، وانتهى العام بقدر من التفاهم. لكن الأسس البنيوية للتنافس الحاد بين الولايات المتحدة والصين ما زالت هي هي.

أعداء الصين يتخوفون من الشعور القومي النافر لدى الرئيس الصيني وطموحاته النووية ومن تعزيز بحريته العسكرية التي تتفوق راهناً على البحرية الأميركية بالعدد، وليس من ناحية القدرات أو التقدم. أما بالنسبة لتايوان، فلا أعتقد أنها السبب الرئيسي للتوتر بين الجانبين، أو أنها جوهر الموضوع. قد تكون فتيلاً، لكن جوهر الموضوع يكمن في مكان آخر وعنوانه مسيرة العولمة.

الولايات المتحدة، كما قال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي والرجل القوي في البيت الأبيض، بصريح العبارة مراراً وتكراراً خلال العام الماضي، ما معناه، إننا توصلنا إلى قناعة بأن العولمة عملت ضد مصلحتنا لأنها قوت دولاً دون أن تؤدي إلى تبنيهم أنظمتنا السياسية الديمقراطية، وبالتالي أدت إلى متانة اقتصادية لدول تسلطية، وأدت أيضاً إلى شيء ثانٍ مهم؛ وهو معاقبة العامل أو الموظف في الدول المتقدمة، لأن العولمة أدخلته في تنافس غير شريف مع العامل أو الموظف في الدول النامية، فتراجع مدخوله وغضب على حكامه، وصوت لمن يسعى إلى سياسات حمائية وإلى إقفال الحدود وإلى معاقبة المهاجرين، وخصوصاً إلى وضع مكوس وضرائب على الواردات من الدول النامية.

الصين، في نظري، هي النموذج الأكبر لانتقال الأوزان في النظام العالمي من الغرب نحو آسيا، بسبب العولمة. ثم إن هناك أيضاً سنة انتخابية حاسمة في أميركا، حيث يعلم بايدن كما يعلم ترمب والمرشحون الآخرون أن الرأي العام الأميركي يؤيد تواصل التوتر واستمرار فرض الضرائب على البضائع الصينية، واستمرار تقليص رقع التعاون التكنولوجي والجامعي والبحثي بين البلدين، واستمرار اعتبار الصين المنافس الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة. إذن كان هناك أمر واحد يتفق عليه الحزبان الجمهوري والديمقراطي اليوم؛ هو موضوع الصين. ولأننا ندخل في عام انتخابي فلا أتوقع أن تتراجع خلال العام المقبل هذه العداوة للصين، لأن لديها صدى كبيراً لدى الناخب الأميركي، لا سيما لدى الموظف أو العامل في المؤسسات الاقتصادية الأميركية.


مقالات ذات صلة

نقلة نوعية للاقتصاد الرقمي السعودي في 2024

خاص السعودية تعزز ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي في قطاع الاتصالات والمعلومات (الشرق الأوسط)

نقلة نوعية للاقتصاد الرقمي السعودي في 2024

ما لا شك فيه أن الفرص السانحة في المملكة العربية السعودية لا تعد ولا تحصى، إلا أن التوجهات التي سترسم ملامح عام 2024، وما بعده ستتخطى التقنيات والحلول الجديدة.

إياد مرعي
خاص أهم 6 توجهات لتقنيات «ويب 3.0» و«بلوك تشين» والعملات الرقمية

خاص أهم 6 توجهات لتقنيات «ويب 3.0» و«بلوك تشين» والعملات الرقمية

خوارزميات الـ«بلوك تشين» يمكن استخدامها لتعزيز أمان الشبكات والمساعدة في اكتشاف مشكلات الأمان المحتملة بشكل أكثر كفاءة من المنهجيات التقليدية.

بن تشو
خاص ثورة المدفوعات الرقمية  في السعودية تعزز فرص التجارة الإلكترونية

خاص ثورة المدفوعات الرقمية في السعودية تعزز فرص التجارة الإلكترونية

يشكّل التحول نحو وسائل الدفع الرقمية محفزاً لتحول أوسع في قطاعات التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجيستية في المملكة العربية السعودية.

إيمان الغامدي
خاص الاتصالات المعزَّزة تعد بنقلة في قطاع السيارات

خاص الاتصالات المعزَّزة تعد بنقلة في قطاع السيارات

تواجه مسألة التحضُّر المدني والنمو الاقتصادي السريع في العصر الحالي عدّة تحدّيات رئيسية، من أبرزها الازدحام المروري الخانق الذي تتسبّب به الزيادة السكانية.

لويس دي لا كروز
خاص بزوغ عصر اقتصاد التجربة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي

خاص بزوغ عصر اقتصاد التجربة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي

في حين يقف العالم على أبواب مرحلة اقتصادية جديدة حافلة بالفرص والتحديات على كل المستويات، بدأت ملامح «اقتصاد التجربة Experience Economy» في الاكتمال في عدد من…

نضال أبو لطيف

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي في السودان... اعتداء منهجي وسلاح حرب يقتل مراراً

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة قصص نساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكن نجاتهن لم تكتمل بعد. فبين ذاكرة مثقلة بالصدمة وخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

استند هذا التحقيق إلى مقابلات أجرتها «الشرق الأوسط» مع عدد من الناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إلى جانب مراجعة تقارير أممية ووثائق صادرة عن منظمات دولية وخبراء قانونيين ونفسيين. وتم حجب أسماء الناجيات وبعض التفاصيل التعريفية حفاظاً على سلامتهن وخصوصيتهن.

في بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية والدعم النفسي بفعل الحرب، تصبح فرص التعافي محدودة أو غائبة، ما يترك الناجيات في مواجهة آثار مركبة تمتد من الجسد إلى النفس، ومن الفرد إلى الأسرة، وصولاً إلى النسيج الاجتماعي الأوسع.

هكذا يتحول العنف الجنسي من فعلٍ يقع في سياق الحرب إلى أزمة ممتدة، تتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن الإنصاف، لتبقى الناجيات عالقات بين ما حدث لهن، وبين مجتمع لم ينجح بعد في الاعتراف الكامل به أو احتوائه.

سيدة سودانية في موقع نزوح في الخرطوم (غيتي)

«والدتي بالكاد تعرّفت عليّ»

تبدأ إحدى الشهادات من حي الأزهري، جنوب الخرطوم، حيث كانت الناجية تعيش مع أسرتها منذ اندلاع الحرب. مثل آلاف الأسر، اضطرت العائلة للنزوح بين مناطق مختلفة قبل أن تستقر مؤقتاً في دار السلام بمدينة أم درمان. خلال هذه الفترة، كانت المرأة تساهم في إعالة الأسرة عبر بيع سلع تُجلب من «سوق صابرين»، وكان والدها أيضاً يعمل في بيع السلع ما أتاح للأسرة دخلاً معقولاً.

لكن حياتها انقلبت، بعد توقيفها أثناء عودتها من السوق برفقة شقيقها في رمضان 2024. ففي طريق العودة استقلّا مركبة متجهة نحو منطقة سكنهما، ليبدأ بعض الركاب في استجوابهما حول مكان السكن وعمل الوالد.

وتقول الشابة إن المجموعة اقتادتهما لاحقاً إلى منطقة دار السلام بغرض التحري. حاولت هي إنكار بعض المعلومات، لكن شقيقها كان قد أدلى بتفاصيل عن الأسرة، لتُنقل بعد ذلك إلى مقر النيابة في منطقة سوق ليبيا، حيث خضعت للتحقيق على يد أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي أمر باحتجازها.

بقيت محتجزة يومين، قبل أن تُنقل في اليوم الثالث إلى منزل القائد نفسه، حيث تعرضت لأول واقعة اغتصاب. وبعد أيام قليلة نُقلت إلى موقع آخر حيث فرضت عليها أعمال سخرة من تنظيف وكي ملابس وغير ذلك، فيما الانتهاكات الجنسية استمرت بصورة متكررة.

وتضيف: «كانوا يأتون إلينا ليلاً، وعندما نرفض نتعرض للضرب. ما زالت آثار التعذيب واضحة على جسدي حتى اليوم. كانوا يطفئون أعقاب السجائر على أجسادنا، وأصبحت ساقاي تحملان آثاراً وتشوهات دائمة».

سيدة من ام درمان تخفي وجهها عن الكاميرا وقد تحدثت عن اختطافها واغتصابها على يد قوات الدعم السريع ودفع مبلغ مالي مقابل الافراج عنها ( أ ب)

وتؤكد أن الاعتداءات لم تكن حوادث فردية أو معزولة، بل تكررت بشكل شبه يومي على مدى أشهر. وتقول إن «بعض الضحايا كن يتعرضن للاغتصاب عدة مرات في اليوم، وأحياناً من أكثر من شخص»، معتبرة أنه لا جدوى من الشكوى أو طلب المساعدة في ظل غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها.

حسب الشابة، استمرت فترة احتجازها نحو أربعة أشهر، لم تعرف خلالها ما جرى لأخيها، إلى أن صادفت شخصاً تعرفه أسرتها. وعلى الرغم من أنه لم يتعرف عليها في البداية بسبب التغير الكبير الذي طرأ على ملامحها وحالتها الجسدية، تمكنت من لفت انتباهه وطلبت منه التواصل مع أسرتها، فساعدها في الوصول إلى آخر نقطة أمنية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، ومنها تمكنت من العودة إلى منطقة سوق الحر ثم إلى أسرتها.

كانت العائلة تعتقد أنها فقدت ابنتها إلى الأبد، وتقول: «حتى والدتي بالكاد تعرفت عليّ للوهلة الأولى بسبب النحول الشديد والتغيرات الهائلة التي طرأت على شكلي ونفسيتي».

وبعد بضعة أيام من الراحة، أخذتها أمها إلى المستشفى للخضوع لفحوصات طبية، فيما تولّت بطريقتها إبلاغ الوالد بتفاصيل ما جرى خوفاً عليه من صدمة مضاعفة.

وتختتم الشابة شهادتها بالقول إن قصتها ليست استثناءً، بل تشبه قصص فتيات أخريات جرى احتجازهن، لافتة إلى أن هذه التجربة لم تسلبها حريتها وأمنها فحسب، بل أثرت أيضاً على مستقبلها إذ كانت مخطوبة قبل اختطافها، ولم تتمكن حتى الآن من مقابلة خطيبها أو الحديث معه بشأن ما تعرضت له.

لعل ما يلفت في هذه الشهادة ليس فقط حجم الانتهاكات، بل البنية المتسلسلة لها، من اعتقال عشوائي، وتنقل بين مواقع احتجاز غير رسمية، وانعدام الرقابة، ثم نقل إلى مواقع شبه رسمية حيث انتهاكات ممنهجة داخل فضاء مغلق بالكامل. هذه البنية تتكرر في إفادات أخرى، ما يؤكد فرضية النمط وليس الاستثناء.

ولا تبدو هذه الرواية حالة معزولة، إذ تتقاطع مع عدد من الشهادات التي جمعتها «الشرق الأوسط» من مناطق مختلفة، وتكشف أنماطاً متشابهة من الاحتجاز والانتهاكات المرتكبة بحق النساء خلال فترة النزاع في السودان.

سيدان تعبران خطوط النار في أحد أحياء الخرطوم المهدمة (أ ف ب- غيتي)

«سيّدة سلّمتني وحملي لم يشفع لي»

تروي إحدى السيدات من حي بانت شرق بمدينة أم درمان تفاصيل تجربة قاسية عاشتها خلال الأشهر الأولى من الحرب، حين كانت تقيم مع زوجها فيما طفلهما يتلقى العلاج في مستشفى السلاح الطبي.

تقول السيدة إن الأوضاع المعيشية كانت بالغة الصعوبة، وعانت الأسرة نقص الغذاء ومقومات الحياة الأساسية، فيما الرحلة إلى سوق ليبيا، أقصى غرب أم درمان، تشكّل مخاطرة كبيرة بسبب انتشار نقاط التفتيش وحالات الاعتقال والضرب والإهانة التي يتعرض لها المدنيون أثناء تنقلهم.

ولم يشفع للسيدة أنها كانت ترافق طفلها المريض إلى المستشفى وهي حامل بشهرها الثاني؛ فهناك في المستشفى نفسه، تعرّفت إلى امرأة بدا أنها تشارك العائلة الظروف نفسها، لتقوم بالوشاية عليها وتسليمها لـ«قوات الدعم السريع»، مستغلة معرفتها بأن زوج الضحية ضابط في الجيش السوداني.

وتقول الناجية: «سلمتني تلك المرأة إلى عناصر (الدعم السريع) في قسم الراشدين، وأبلغتهم بأنني زوجة ضابط. وهناك تم احتجازي نحو شهر كامل». وتؤكد أنها أخبرتهم منذ البداية بأنها متزوجة وحامل، متوسلة إليهم ألا تتعرض للتعذيب أو الضرب، لكنهم أبلغوها بأنهم سيتخذون إجراءات بعد الولادة.

وبعد فترة من الاحتجاز، نُقلت إلى قسم آخر يُعرف بـ«القسم 18»، حيث كانت محتجزة مع نحو 15 امرأة من زوجات العسكريين، إضافة إلى 12 امرأة أخريات من المدنيين، معظمهن من سكان حي بانت.

أطفال سودانيون يلعبون خارج مدرستهم في مخيم للاجئين شرقي طرابلس الليبية يوم 18 مايو 2026 (أ ب)

وتروي كيف أن الحوامل كن يُستثنين أحياناً من الضرب المباشر، بينما كانت الأخريات يتعرضن لسوء المعاملة بشكل متكرر، منها اعتداءات وانتهاكات جنسية طالت فتيات صغيرات في السن، لكنها تقول إن الخوف حال دون قدرة المحتجزات على الاعتراض أو حتى السؤال عما يحدث.

وتضيف أن المحتجزات من زوجات العسكريين تعرضن لضغوط وإجبار على الزواج من عناصر في «قوات الدعم السريع»، بلا شهود أو إجراءات قانونية، فيما المسؤولون عن الاحتجاز أخبروهن صراحة بأنهم لم يتمكنوا من قتل أزواجهن بالسلاح، فسيؤذونهم بهذه الطريقة.

وتؤكد السيدة أنها حاولت مراراً إقناعهم بأنها متزوجة أصلاً، لكن جميع محاولاتها قوبلت بالرفض. وفي نهاية المطاف، أُجبرت على الزواج من أحد قادة «قوات الدعم السريع»، الذي نقلها إلى منطقة دار السلام غرب أم درمان.

وخلال فترة وجودها في دار السلام، احتجزت في غرفة حيث منعت الطعام والشراب ولكن كان يتم تخديرها بانتظام، ما يفقدها القدرة على الحركة والتركيز وجعل تلك الفترة مشوشة في ذهنها. ولا تزال حتى اليوم بعدما نجحت في الهرب من قبضة الخاطفين والعودة إلى أسرتها، تعيش حالة من الشك والقلق بشأن ما إذا كانت قد تعرضت لاعتداءات جنسية خلال فترة احتجازها الطويلة، مؤكدةً أن تأثير العقاقير والحقن التي أُجبرت على تناولها جعلها غير واعية لكثير مما جرى حولها في تلك الفترة.

فجوة العدالة وتحديات الدعم

في حين يصعب توثيق حالات الانتهاك الجنسي لأسباب شتّى، فإن الإحصاءات الرسمية المسجلة منذ اندلاع الحرب في السودان بلغت نحو 2200 حالة، حسب وزيرة الدولة للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحق، التي لفتت أيضاً إلى أن الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، خصوصاً في مناطق دارفور التي تعاني صعوبة الوصول إلى الضحايا.

سيدات سودانيات في طابور أمام أحد مراكز الدعم وتقديم المساعدات (أ ف ب- غيتي)

ولفتت الوزيرة في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعامل مع هذه القضايا يتم عبر شراكات مع منظمات وطنية ودولية ووكالات أممية.

وأضافت أن ثلاث قضايا فقط وصلت إلى القضاء، جميعها بحق أفراد من الجيش السوداني، بعد رفع الحصانة عنهم، وصدرت بحقهم أحكام في ولايتي الأبيض والنيل الأبيض.

أما بالنسبة للانتهاكات المنسوبة لـ«قوات الدعم السريع»، فقد أوضحت إسحق أن ملاحقتها قانونياً في الوقت الراهن غير ممكنة، داعية إلى توثيق الانتهاكات لضمان عدم الإفلات من العقاب مستقبلاً.

وكان تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة كشف أن مفوضية حقوق الإنسان وثّقت خلال عام 2025 أكثر من 500 حالة عنف جنسي، شملت الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والتعذيب الجنسي، والاستعباد الجنسي، وهي انتهاكات أفضت في بعض الحالات إلى الوفاة.

كما أفاد أحدث تقارير منظمة «أطباء بلا حدود» بأن المنظمة قدّمت الرعاية لأكثر من 3396 ناجية من العنف الجنسي في ولايتي شمال وجنوب دارفور، خلال الفترة بين يناير 2024 ونوفمبر 2025. ونقل التقرير عن مسؤولين معنيين بمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي تسجيل زيادة في الحوادث بأشكال متعددة، من بينها العنف المنزلي، والتحرش، والاستغلال الجنسي.

كانت «أطباء بلا حدود» وصفت هذه الجرائم بأنها أصبحت «علامة مميزة» للنزاع في السودان، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل على الأرجح سوى «قمة جبل الجليد».

أزهار عبدالله، سيدة سودانية خطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه في أم درمان، السودان في أبريل 2026 (أ ب)

وأشارت الوزيرة إلى أن وزارة الصحة توفر بروتوكولات الدعم الطبي والنفسي قدر المستطاع، بينما يتم تقديم الدعم القانوني بالتنسيق مع النيابة العامة، مع وجود تفاوت بين الولايات في مستوى الخدمات والاستجابة، خصوصاً مع ضعف التمويل الذي يمثل أحد أبرز التحديات؛ «على الرغم من أن قضايا العنف ضد النساء مسألة إنقاذ حياة وليست قضية ثانوية»، على حد تعبيرها.

كذلك كشفت إسحق عن خطة لإنشاء مراكز حماية وإيواء جديدة، تقوم على الدمج بين الخدمات دون تعريض الناجيات لمخاطر الوصمة أو فقدان الخصوصية، في محاولة لتجاوز إخفاقات التجارب السابقة.

وأكدت أن اللجوء إلى القضاء يبقى خياراً شخصياً للناجيات، في ظل مخاوف اجتماعية وأمنية تعيق الإبلاغ، مشددة على أهمية توفير بيئة آمنة تضمن السرية والحماية خصوصاً في مجتمع محافظ مثل السودان.

«لن أتخلى عن طفلي»

في صلب هذه المخاوف، تقع قصة ناجية من مدينة بحري، تم اعتقالها خلال الأشهر الأولى من الحرب، عاشت تجربة مريرة وقاسية من الاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة، انتهت بحمل وضغوط مجتمعية هائلة.

تقول الناجية في شهادتها إن معاناتها لم تنتهِ بخروجها من المعتقل، بل بدأت مرحلة جديدة من الضغوط النفسية والاجتماعية بعد عودتها إلى أسرتها حيث واجهت مطالبات والدتها المتكررة بالتخلي عن الطفل وتسليمه إلى دور الرعاية، بينما رفضت هي وتمسكت بحقها بالاحتفاظ بطفلها، مؤكدة أن لا ذنب له بما جرى.

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

وأضافت: «كيف أتخلى عن قطعة من نفسي؟ سأواجه مشكلتي وأدافع عن طفلي بكل ما أوتيت من قوة».

وتشير الشابة إلى أن قرارها بالاحتفاظ بطفلها وضعها في مواجهة دائمة مع أسرتها والمجتمع ومواقف سيئة من بعض المقربين منها، في وقت كانت تحاول التعافي من آثار التجربة الأليمة التي مرت بها.

وتلفت إلى أن أكثر ما يثقل كاهلها ليس فقط ذكريات الاحتجاز والانتهاكات التي تعود إليها باستمرار، بل اضطرارها الدائم والمستميت للدفاع عن حق طفلها في الحياة والبقاء إلى جانبها، بينما تواصل هي نفسها رحلة التعافي من آثار حرب كارثية دمرت حياتها بالكامل.

العنف الجنسي سلاح حرب

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى أحمد تقد لسان، وهو المتحدث باسم تحالف «تأسيس»، عن تعرض نساء للاغتصاب في مناطق تحت «قوات الدعم السريع»، وموقف التحالف من الاتهامات المتعلقة باستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، فقال المتحدث إنه «اطلع على السؤال، لكنه لم يجد دليلاً مادياً يدعم هذه الاتهامات، ولا يرى سبباً يدعو إلى التعليق عليها».

علماً بأنه، حسب تعريف رسمي على موقع التحالف السياسي المعروف بـ«تأسيس»، فإن «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) هو ائتلاف يضم فصائل سياسية سودانية، وحركات مسلحة، ومهنيين، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، توحّدهم إرادة مشتركة راسخة لتحقيق السلام الدائم، وإرساء الحكم الديمقراطي، وبناء وحدة حقيقية وشاملة في كامل أنحاء السودان».

عمال يحمّلون السلع الغذائية على عربات برنامج الأغذية العالمي في قاعدة الخدمات اللوجستية بجنوب السودان (أ.ف.ب)

في المقابل، يرى الخبير القانوني معز حضرة، أن اتفاقات جينيف الأربع لعام 1949 نصّت بوضوح على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وجرّمت استخدام العنف الجنسي باعتباره انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني. ويشير إلى أن هذه المبادئ جرى تضمينها أيضاً في القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، الذي يجرّم الاعتداءات الجنسية والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن السودان يواجه أزمة حقيقية في مسار العدالة، في ظل غياب نظام عدلي فعّال قادر على محاسبة المتورطين، إلى جانب انهيار المؤسسات القضائية وضعف أدوات العدالة الوطنية. كما لفت إلى أن مجلس حقوق الإنسان شكّل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الانتهاكات، إلا أن الحكومة السودانية لم توافق على دخولها، ما عقّد فرص التحقيق والمساءلة.

وأوضح حضرة أن الآليات الوطنية والدولية الحالية تبدو عاجزة عن القيام بدورها الكامل في المحاسبة، في وقت يشهد فيه النظام العدلي الداخلي انهياراً واسعاً. وأشار إلى أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقتصر حالياً على الجرائم المرتكبة في إقليم دارفور، داعياً إلى توسيع هذا الاختصاص ليشمل جميع أنحاء السودان، بما يضمن ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أينما وقعت.

ويعكس العدد المحدود للقضايا التي وصلت إلى القضاء مقارنة بحجم الانتهاكات المبلغ عنها حجم الفجوة القائمة بين توثيق الجرائم وإمكانية ملاحقة مرتكبيها، في ظل تحديات أمنية وقانونية ومؤسسية فرضتها الحرب المستمرة.

إحصاءات صادمة

قدّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن 12.7 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات، بحاجة إلى دعم يتعلق بالعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في عام 2026 وحده، ويمثل هذا الرقم ارتفاعاً من 3.1 ملايين في عام 2023، وزيادة بأكثر من 500 ألف شخص منذ عام 2025، كما أنه يقارب ضعف العدد المسجل في عام 2024، وأربعة أضعاف العدد ما قبل اندلاع النزاع في السودان.

وفقاً لدراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، فإن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، قالت هيئة الأمم المتحدة إن العنف الجنسي الذي شهد زيادة مطردة في عام 2025، تصاعد بشكل حاد خلال العام الحالي، وسط ارتفاع معدلات حوادث التحرش والاستغلال والعنف المنزلي.

ونشرت الهيئة تنبيهاً سلّط الضوء على الأثر غير المتناسب لثلاث سنوات من الحرب على النساء والفتيات، استند إلى بيانات استطلاع شمل 85 منظمة تقودها نساء، ومنظمات تُعنى بحقوق المرأة، إلى جانب مجموعتي نقاش وتقارير صادرة عن وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية.

وأفادت الهيئة في تقريرها بأن «ثلثي النساء العاملات في الخطوط الأمامية أبلغن عن زيادة ملحوظة في العنف الجنسي خلال عام 2025، فيما أشارت نصف المشاركات إلى تصاعده خلال عام 2026».

سيدتان سودانيتان تقيمان في إحدى المدارس في الخرطوم هرباً من القتال (غيتي)

انعدام شعور الأمان

«تروي النساء والفتيات في جميع أنحاء السودان قصص تجارب مستمرة من الخطر؛ إذ يشكّل العنف القائم على النوع الاجتماعي جزءاً من حياتهن اليومية، سواء كان ذلك على طول الطرقات أثناء محاولتهن الفرار من النزاع الدائر، أو عند وصولهن إلى مخيمات النزوح».

هذا ما أكدته فابريزيا فالشيوني، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، خلال حديثها للصحافيين في نيويورك، 17 أبريل (نيسان) 2026، عبر الفيديو من العاصمة الخرطوم، حيث سلطت الضوء على تدهور أوضاع النساء والفتيات في البلاد، مشيرةً إلى أن النساء «يشعرن بعدم الأمان في أي مكان يقمن فيه».

ويستند هذا التقييم إلى دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان بمشاركة نحو ألف امرأة وفتاة في 16 ولاية من أصل 18 ولاية. وأظهرت النتائج أن 76 في المائة من النساء بين 25 و49 عاماً يشعرن بعدم الأمان، سواء داخل مواقع النزوح أو خارجها، بما في ذلك الأسواق ونقاط المياه ومناطق جمع الحطب والطرقات، خصوصاً خلال الليل.

وأكدت المسؤولة الأممية أن انعدام الأمن يطول أيضاً الحياة اليومية، مشيرةً إلى أن «الشعور بانعدام الأمان» يتضاعف في ظل انقطاع الكهرباء وظلام المدن ليلاً. وأفادت بأن الإبلاغ عن حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال محدوداً، بسبب وصمة العار والخوف من الانتقام والقيود المالية وبُعد مراكز الخدمات.

سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

جروح نفسية عميقة

قالت الاختصاصية النفسية خديجة محمد العبيد، إن الناجيات من العنف الجنسي في سياق النزاعات المسلحة والحروب يواجهن آثاراً نفسية معقدة وعميقة، إذ تمتد آثار الصدمة إلى ما بعد الاعتداء نفسه، وتتفاقم بفعل النزوح والحرب وفقدان الإحساس بالأمان.

وأوضحت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن من أبرز الآثار النفسية التي قد تعاني منها الناجيات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، الذي يظهر في صورة استرجاع متكرر للحدث المؤلم، وكوابيس وأحلام مزعجة، إضافة إلى الميل لتجنب الأشخاص أو الأماكن أو المواقف التي تذكر بالحادثة. كما قد تعاني الناجيات من حالة مستمرة من فرط اليقظة والخوف والقلق، ما يؤثر بصورة مباشرة على حياتهن اليومية وعلاقاتهن الاجتماعية.

وشددت العبيد على أهمية توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من العنف الجنسي عبر مساحات آمنة تحفظ الخصوصية والكرامة الإنسانية، مع ضرورة ربطهن بشبكات الدعم والخدمات المتخصصة لضمان الحصول على الرعاية والعلاج المناسبين، بما يسهم في التعافي واستعادة القدرة على مواصلة الحياة بصورة طبيعية.

من تظاهرة في لندن دعماً للسودان حملت فيها لافتة "أكثر من 130 امرأة فضّلن الموت على الاغتصاب" (غيتي)

فراغ الدعم النفسي

لا تبدو الانتهاكات الجنسية المرتبطة بالحرب مجرد وقائع عابرة، بل جراح ممتدة تعيد تشكيل حياة الناجيات، في ظل تحديات مستمرة تتعلق بالدعم والحماية والعدالة.

ما تكشفه الشهادات ليس فقط حجم الانتهاك، بل عمق الفراغ الذي يتركه خلفه: فراغ في الدعم النفسي، وفي الحماية القانونية، وفي الاستجابة المجتمعية التي ما زالت في كثير من الحالات تميل إلى الصمت بدل المواجهة. وبينما تتعدد الجهات الفاعلة في مسار الحرب، تبقى النساء في قلبها الأكثر هشاشةً، والأقل قدرةً على الوصول إلى الإنصاف.

إن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الناجيات وحدهن، بل يكرّس دائرة العنف ويحول الجريمة إلى نمط قابل للتكرار. لذلك فإن مواجهة هذه الانتهاكات لا تتعلق بالماضي فقط، بل بالمستقبل أيضاً: مستقبل العدالة، ومصداقية المؤسسات، وقدرة المجتمع على التعافي من آثار الحرب.

وبينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل حياة ملايين السودانيين، تظل معاناة الناجيات من العنف الجنسي واحدةً من أكثر تداعياتها قسوة وأقلها ظهوراً إلى العلن.


الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».


هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».