هل تحولت مزادات الأعمال الفنية لعرض تلفزيوني لا بدّ من مشاهدته؟

الدُّور باتت تبث مزاداتها مباشرةً أمام أعين ملايين المشاهدين حول العالم

بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)
بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)
TT

هل تحولت مزادات الأعمال الفنية لعرض تلفزيوني لا بدّ من مشاهدته؟

بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)
بدء التجهيزات بغرفة التحكم في «كريستيز» للعمل خلال ليالي المزادات (كريستيز)

تستعد دار «سوذبيز» ودار «كريستيز» لإطلاق مجموعة من المزادات الكبرى في نيويورك، تُعنى بأعمال فنية تنتمي إلى مدارس الانطباعية والحداثة والمعاصرة. ومن المتوقع أن تجلب خلال هذه المزادات إحدى لوحات بابلو بيكاسو، التي أبدعها عام 1932، أكثر من 120 مليون دولار. وفي خضم ذلك، تُجري فرق من الخبراء الفنيين والمنتجين والمخرجين استعداداته داخل صالات البيع، كما لو كانوا من أفراد فريق عمل محطة «سي إن إن».

وحرص أفراد هذه الفرق على توفير مساحات أكبر لكاميرات الفيديو، وشاشات «ليد»، ومعدات الإضاءة المتخصصة، وذلك من خلال تقليص المساحة التي لطالما كانت قيمة للغاية ومخصَّصة لجلوس هواة جمع الأعمال الفنية والتجار المهتمين بها، وذلك بنسبة تقارب 30 في المائة.

رئيس مجلس إدارة «سوذبيز» يشرف على مزاد فريدي ميركوري (سوذبيز)

وكما هي الحال داخل أي محطة تلفزيونية، أضافت كل من «سوذبيز» و«كريستيز» غرف تحكّم تعجّ بمنتجين ومخرجين يراقبون كل زاوية للكاميرا، ويتابعون ما يجري داخل صالة البيع. ولا يتركز اهتمامهم على المشاركين بالمزاد فحسب، بل على الخبراء الممثلين للمشاركين في المزاد عبر الهاتف، والذين يقودون الدراما الدائرة داخل صالة البيع، ويقدمون المشورة لعملائهم من لندن إلى هونغ كونغ إلى الدوحة.

وعن ذلك، قالت غيليان غورمان راوند، مسؤولة التسويق في دار «كريستيز»، إن عمليات البث المباشر تلك بإمكانها «التقاط الطاقة الكامنة في اللحظة».

ومع ذلك، لا تصب هذه الاستعدادات الهائلة في صالح عالم الفن وكبار العملاء، فاليوم، أصبحت دور المزادات تبث مزاداتها مباشرةً أمام أعين ملايين المشاهدين في مختلف أرجاء العالم. كما تُبثّ وقائع المزادات مباشرةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها «يوتيوب»، و«تيك توك»، و«فيسبوك»، و«إنستغرام لايف»، إلى جانب المواقع الإلكترونية الخاصة بالدور نفسها. ويجد المشاهدون العاديون أنفسهم مصدومين من كيفية إنفاق صفوة الـ1 في المائة من المجتمع العالمي لأموالهم.

اللافت أن الأسلوب الذي بدأ كطريقة لممارسة الأعمال التجارية في أثناء فترة الجائحة، تحوّل اليوم إلى فقرة ترفيه مسائية يستمتع بها المتلصصون الجدد خلال المواسم الكبرى لمبيعات دور المزادات في مايو (أيار) ونوفمبر (تشرين الثاني).

أوليفر باركر بائع مزادات «سوذبيز» يتلقى عروضاً خلال مزاد لـ«مجموعة إميلي فيشر لانداو»... (أ.ف.ب)

من جهته، قال أدريان ماير، رئيس قسم المبيعات الخاصة لدى «كريستيز»، وأحد كبار التجار في مزادات الدار: «قبل 20 عاماً، ساد اعتقاد بين الناس أنه يجب عليك أن تكون أحد أفراد النخبة كي تتمكن من مجرد المرور عبر باب دار المزادات. الآن، تمكنك مشاهدة عملية بيع وأنت جالس على أريكتك».

ومع أن الكثير من المشترين ما زالوا يحضرون عمليات البيع -ويراقب بعضهم من خلال صناديق مرتفعة مريحة أعلى صالة المزاد- فإن المشاهدة عبر الإنترنت تجذب الأشخاص الذين لا يريدون ببساطة الجلوس في غرفة المبيعات لمدة 3 ساعات، وهي المدة المعتادة لأي مزاد كبير.

واعترفت كل من «كريستيز» و«سوذبيز» بأن عدداً أقل من كبار هواة جمع الأعمال الفنية يفدون إلى المزادات، مفضلين مشاهدة أبرز الأحداث عبر الإنترنت في المنزل. وقالت ساندي هيلر، المستشارة الفنية المخضرمة التي ساعدت في تكوين بعض المجموعات الكبرى في العالم: «هذا هو عصر التكتم. وما هو الأمر الأكثر تكتماً من أن تتابع عملية بيع وأنت في منزلك عبر شاشة هاتفك؟».

حتى أحد رواد المزادات المخضرمين، ستيفن كوهين، الملياردير الذي يعمل في مجال صناديق التحوط ومالك «ميتس»، قال: «بالتأكيد القدرة على مشاهدة هذه المبيعات عبر الإنترنت تجعل الحياة أسهل».

وعبّر تشارلز ستيوارت، الرئيس التنفيذي لدار «سوذبيز»، عن اعتقاده أن دور المزادات عززت مبيعاتها عبر البث المباشر خلال فترة الإغلاق بسبب الجائحة عام 2020، عندما لم يتمكن الناس من رؤية الأعمال الفنية أو الذهاب إلى المزاد. لقد كانت لحظة مهمة طال انتظارها بالنسبة لنا من أجل التوسع رقمياً، وإعادة التفكير في تجربة المزادات الفعلية».

جدير بالذكر أن أول مزاد نظمته «كريستيز» وبُثّ على الهواء مباشرة خلال الجائحة، جذب نحو 100.000 شخص، طبقاً لما أعلنته الدار. وتحدث مارك بورتر، رئيس عمليات «كريستيز» بالأميركتين، عن المزاد الذي جرى في يوليو (تموز) 2020، وتضمن أعمالاً فنية تنتمي للمدارس الانطباعية والحديثة وما بعد الحرب والمعاصرة. وأوضح أن الإنتاج كان بسيطاً، وجرى التصوير باستخدام كاميرا واحدة فقط. إلا أنه استطرد بأن هذا المزاد ساعد على «إطلاق ما أصبح الآن أشبه بعرض في برودواي».

موظفو «سوذبيز» يتلقون مزايدات عبر الهاتف (أ.ف.ب)

ومنذ ذلك الحين، استعانت دور المزادات الثلاث الكبرى (كريستيز، سوذبيز وفيليبس) بشركات إنتاج، وأضافت المزيد من القنوات، وحوّلت هذه الأحداث إلى ما سمّاه ستيوارت «عملاً تلفزيونياً تجب مشاهدته»، مستعيراً الشعار الإعلاني الشهير الخاص بشبكة «إن بي سي». ورغم أن «فيليبس»، دار المزادات الأصغر، لم تقلّص قاعات مبيعاتها، فإنها حرصت في الوقت نفسه على إتاحة مزاداتها الكبيرة عبر «يوتيوب»، و«فيسبوك»، و«تويتر»، و«إنستغرام»، و«لينكد إن»، علاوة على إتاحتها داخل الصين عبر «وي تشات» و«ويبو» و«ريد».

وجاء الاستقبال العالمي المرحِّب بمثابة مفاجأة للخبراء في كل مكان. ومن مايو 2022 حتى مايو الماضي، ارتفعت مشاهدات مزادات «كريستيز» بنسبة 25 في المائة، من 3.7 مليون إلى 4.6 مليون، مع وجود 10 كاميرات تتولى تصوير وقائع المزادات. (لا تشمل هذه الأرقام الأشخاص الذين يشاهدون المزادات في وقت لاحق عبر «يوتيوب»). من ناحيتها، قالت بوني برينان، رئيسة «كريستيز» في الأميركتين: «لم نتوقع هذه الأرقام قط، وهي تعكس قوة وسائل التواصل الاجتماعي».

ومع وجود مثل هذا العدد الكبير من الجماهير والكثير من الأمور على المحكّ، فإن بائعي مزادات «سوذبيز» أصبحوا حريصين اليوم على تقليص أي أحاديث لهم من دون ترتيب مسبق. في الوقت نفسه، يتولى فريقُ تحريرٍ كتابةَ نصوص المبيعات الكبرى مع وصف موجز لكل عمل فني معروض عبر جهاز ملقّن.

قال أوليفر باركر، رئيس دار «سوذبيز» في أوروبا وأحد أبرز التجار بها، الذي يقدم الآن عروضاً ليس فقط من داخل صالات المبيعات ومع المزايدين عبر الهاتف، بل كذلك عبر الإنترنت، ما يجعل العملية أكثر سهولة بكثير: «إن التحدث باستخدام الملقن يجعل الأمر أكثر سلاسة واحترافية، وكذلك أكثر تحدياً من ذي قبل».

يُذكر أن البائعين في مزادات «كريستيز» يجابهون التعقيدات نفسها، لكنهم يستخدمون الملقن للإعلان عن بيانات تخص صالة المبيعات، وليس بالمزادات الفعلية.

وتوفر دور المزادات خبراء في تصفيف الشعر والمكياج للبائعين في المزادات والمتعاونين مع المشاركين في المزادات عبر الهاتف. عن هذا، قالت غورمان راوند: «أشدّد على الخبراء بضرورة ألا يَظهروا بوجوه عابسة أو يأتوا بأي سلوك سيئ».

ومثلما هي الحال لدى البرامج التلفزيونية، فلدى «سوذبيز» أيضاً معلنون. ويمكن رؤية عبارة «بالتعاون مع سامسونغ» داخل صالة مزادات «سوذبيز»، وعبر مواقعها الإلكترونية وفي مقاطع الفيديو الترويجية. وتلتزم شركة الإلكترونيات العملاقة دفع مبلغ مالي ثابت لا تكشف عنه، نظير ذلك.

وفي سياق متصل، أوضحت دار «كريستيز» أنها لا تملك النوع نفسه من الإعلانات، ولكن خلال فترة الجائحة ارتدى البائعون الذكور لديها بدلات «بريوني»، بينما ارتدت السيدات ملابس من «ألكسندر ماكوين». ويتبع «بريوني» و«ألكسندر ماكوين»، مؤسسة «كيرينغ»، وهي بدورها جزء من مجموعة «أرتيميس غروب»، الشركة القابضة المالكة لدار «كريستيز».

ومثلما الحال مع مباريات كرة القدم، تزداد حفلات المزاد شعبية يوماً بعد آخر، وأصبحت محط حديث مرتادي شبكات التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي تحوّل البائعون في المزادات إلى نجوم عبر هذه الشبكات.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

يوميات الشرق ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

معرض يقدّم لك الطبيعة مطرَّزة على الأقمشة الفاخرة، ويكرِّم الحرفيين الذين يقفون وراء هذا الفن رغم غياب أسمائهم خلف المصمّمين الكبار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق ريمي أميلينكس تحتفظ بالملعقة التي ابتلعتها (فيسبوك)

قفزة كلب تنتهي بملعقة في معدة شابة بلجيكية

ابتلعت امرأة ملعقة طعام بطول 17 سنتيمتراً عن طريق الخطأ، ونجح الأطباء في استخراجها باستخدام المنظار تحت تخدير موضعي، بعد تدويرها داخل المعدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الأسد الصغير يستريح»... (مزاد «سوذبي»)

لوحة «الأسد الصغير» تحقق 18 مليون دولار أميركي لحماية البرية

بيعت لوحة فنية صغيرة مرسومة بالطباشير بعنوان «الأسد الصغير يستريح» بريشة الفنان رامبرانت بسعر قياسي بلغ 18 مليون دولار أميركي في مزاد «سوذبي» بمدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامة على ضعف التركيز أو قلة الانضباط... لكن الحقيقة قد تكون غير ذلك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.